يقول اللَََّّ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [29] يقل شيئاً4/203 204) وأبو داود334([])315.]) وقد استنبط بعض الأحكام من هذه القصَّة أ التَّيمُّم يقوم مقام الغُسل بالن ِسبة للجُنُبِ مع وجود الماء؛ إذا خشي أن يؤد ِي استخد امُ الماء إلى الضَّرر ، فلقد تيمَّم عمرو بن العاص لمَّا أصبح جنباً مع وجود الماء عنده ، وصلَّى وأقرَّه الرَّسول (ص) ، ولم ينكر عليه. ب يجوز الاجتهاد في عهده (ص) : فقد اجتهد عمرو بن العاص ، فتوضَّأ ، واغتسل ، وصلَّى ، وقد احتلم في تلك اللَّيلة الباردة اعتماداً على قوله تعا [29] والثَّاني: تصحيح اجتهاده من الأسباب المبيحة للتَّيمُّم تعذُّر استخدام الماء وإنْ وجد للبرد الشَّديد. د تجوز إمامة المتيم ِم بالمتوض ِأى: فقد صلى عمرو بن العاص؛ وهو مُتيَم ِمٌ إماماً بخمسمئة صحابي قد توضَّؤوا ، وأقرَّه الرَّسول (ص) على ذلك ولم ينكر عليه. ه اجتهاد عمرو بن العاص يدلُّ على فقهه ، ووفور عقله ، ودقَّ ة استنباطه الحكم من دليله316]) ولئن وقف الفقهاء عند هذه الحادثة يفر ِعون عليها الأحكام ، فإنَّ الَّذي يستوقفنا317]) منها تلك السُّرعة في أخذ عمرو للقران ، وصلته به؛ حتَّ بات قادراً على فقه الأمور من خلال الايات ، وهو لم يمضِ على إسلامه أر بعة أشهر ، إنَّه الحرص على الفقه في دين الله ، وقد يكون عمرو وهذا احتمال واردٌ على صلةٍ بالقران قبل إسلامه يتتبَّع ما يستطيع الوصول إليه ، وحينئذٍ نكون أمام مثالٍ اخر من عظمة هذا القران الَّذي لوى أعناق الكافرين ، وجعلهم وهم في أشد ِ حالات العداوة لهذا الد ِين حلاولون استماع هذا القران ، كما رأينا ذلك في العهد المك ِي ِ ، ويؤيد هذا ما رأيناه من معرفته بالقران حينما طلب من النَّجاشي ِ أن يسأل مهاجري الحبشة عن رأيهم في عيسى عليه السلام318.]) 5 من نتائج سرايا رسول الله (ص) في الشَّمال اتجَّهت حملات الم سلمين العسكريَّة بعد صلح الحديبية نحو الشَّمال ، وأصبح غرب الجزيرة وجنوبهُا الغربيُّ حيث تقبع مكَّة امنةً في ظلال الصُّلح319])
عدد الصفحات ٨٢ومقاصدها في شمال الجزيرة ، فوصلت إلى حدود الرُّوم ، فأمَّنت حدود الدَّولة الإسلامية ، وبسطت هيبتها ، وأفشلت محاولات الإغارة على المدينة ، وبذلك حقَّقت سياسة النَّب ِ (ص) في حركة السَّرايا هدفين عظيمين هما: 1 تأمين حماية الد ِين الإسلامي ِ في الدَّاخل 2 حمايته في الخار320.]) وما مِنْ شك ٍ في أنَّ المتتب ِع لأحداث الس ِيرة الن بويَّة الشَّريفة ، والمطَّلع على تفاصيلها ، ودقائقها بإمعانٍ يجد بحق ٍ أنَّ صلح الحديبية هو من أهم المكاسب الس ِياسيَّة ، والعسكرية ، والإعلاميَّة ، بل هو حصيلة كسبٍ لأعظم معركةٍ دارت بين الإسلام والوثنية في العهد النبوي ، من حيث النتائج الإيجابيَّة التي ر سَّخت دعائم الإسلام من جهةٍ؛ وصدَّعت بفعلها قواعد الش ِرك ، والوثنيَّة من جهةٍ أخرى ، وما حدث في خيبر من فتوحٍ ، وفي مؤتة من نصرٍ ، وفي ذات السَّلاسل من توسيع هيبة الدولة الإسلاميَّة إلا نتائج تابعةٌ لصلح الحديبية321])ب ِ (ص) مع سنن المجتمعات ، والشُّعوب ، وبناء الدُّول. * * * الفصل الخامس عشر غزوة فتح مكَّة (8 ه322])
عدد الصفحات ٨٣المبحث الأوَّل أسبابها ، والاستعداد للخرو والشُّروع فيه أوَّلاً: أسبابها: 1 ارتكبت قريش خطأً فادحاً عندما أعانت حلفاءهابني بكرٍ على خُزاعة حليفة المسلمين بالخيل ، والس ِلاح ، والر ِجال ، وهجم بنو بكرٍ ، وحلفاؤهم على قبيلة خُزاعة عند ماءٍ يقال له: الوَتير ، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها 323]) لتمنع بني بكرٍ منه؛ قالت لقائدهم: يا نوفل! إناَّ قد دخلنا الحرم ، إلهك ، إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم ، يا بني بكر! أصيبوا ثأركم 324]) حتََّّ قدموا على رسول الله (ص) في المدينة ، وأخبروه بما كان من بني بكرٍ ، و بمن أصيب منهم ، وبمناصرة قريشٍ بني بكرٍ عليهم ، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله (ص) وهو جالسٌ في المسجد بين ظهراني النَّاس ، فقال: ياَ رَب ِ إني ِ ناَشِدٌ محَُمَّدا حِلْفَ أَبِي ْنَا وأَبِيْهِ الأَت ْلَدَا قَدْ كُن ْتُم وُلْداً ، وَكُنَّا وَالِدا ثمَُّتَ أَ سْلَمْنَا ف َلَمْ ن َنْزِعْ يدا325]) فانْصُرْ هَدَاكَ الله نَصْراً أَعْتَدَا وادْعُ عِبَادَ الله يأْتُوا مَدَدَا فِيْهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تجََرَّدا إِنْ سِيْم خَسْفاً وَجْهُهُ ت َرَبَّدَا فيِْ ف َي ْلَقٍ كالبَحْرِ يجَْرِي مُزبِدَا إنَّ ق ُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ونقَضُوا مِي ْثَاقَك المُؤَكَّدا وجَعَلُوا لي في (كَدَاءٍ) رُصَّدا وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أدْعُو أحدَا وَهُمْ أَذَلُّ وأَقَلُّ عَدَدَا هُمْ بَ يَّ تُوناَ بالوَتِيرِْ هُجَّدَا وق َت َلُوناَ رُكَّعاً وسُجَّدَا فقال النب (ص) : «نُصرتَ يا عمرو بن سالم! لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب! »ولمَّا عرَض السَّحاب مِنَ السَّماء؛ قال: «إنَّ هذه السَّحابة لتستهلُّ بنصر بني كعبٍ »[ (9/233 234) ، وفي الدلائل5/6 7) ، وابن هشام4/36 37) ، وابن كثير في البداية والنهاية (4/278.])
عدد الصفحات ٨٤وجاء في روايةٍ: أنَّ رسول الله (ص) بعد أن سمع ، وتأكَّد من الخبر؛ أرسل إلى قريش ، فقال لهم«أما بعد: فإنَّكم إنْ تبرؤوا من حلف بني بكرٍ ، أتُدوا خُزاعة326]) عبد عمروٍ بن نوفل بن عبد منافٍ صهر معاوية: إنَّ بني ب كرٍ قومٌ مشائيم ، فلا ندري ما قتلوا لنا سبَدَ ، ولا لَبَد 327]) بحربٍ328.]) وفي هذا دليل على أن رسول الله (ص) لم يفاجأى قريشاً بالحرب ، وإنمَّا خيرَّهم بين هذه الخصال الثلاث فاختاروا الحرب [329.]) 2 أبو سفيان حلاول تلافي حماقة قريش بعثت قريش أبا سفيان إلى المدينة لتمكين الصُّلح ، وإطالة أمده ، وعندما وصل إلى المدينة ، ودخل على رسول الله (ص) يعرض حاجته؛ أعرض عنه النَّبُّ (ص) ، ولم يجبه ، فاستعان بكبار الصَّحابة أمثال أبي بكرٍ ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ٍ؛ حتََّّ يتوسطوا بينه وبين رسول الله (ص) ، فأبوا جميعاً ، فعاد أبو سفيان إلى مكَّة من غير أن حلظى بأي ِ اتفاقٍ ، أو عهدٍ 330]) المدينة أنَّه لمَّا دخل على ابنته أم ِ حبيبة أم ِ المؤمنين وأراد أن يجلس على فراش رسو ل الله (ص) ؛ طوته عنه ، فقال: يا بنية! ما أدري ، أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ِ؟ قالت: بل هذا فراش رسول الله (ص) ، وأنت مشركٌ نجس! قال: والله! لقد أصابك بعدي شر 331.]) وهذا الموقف لا يستغرب من أم ِ حبيبة ، فهي ممَّن هاجر الهجرتين ، وقد قطعت صِلاتهِا بالجاهليَّة منذ أمدٍ بعيد ، إنََّّا لم ترَ أباها منذ ستَّ عشرة سنة ، فلمَّا رأته لم تر فيه الوالد الَّذي ينبغي أن يُقدَّر ، وحلُترم ، وإنمَّا رأت فيه رأس الكفر الَّذي وقف في وجه الإسلام ، وحارب رسوله (ص) تلك السَّنوات الطَّويلة 332])يتَّصف به الصَّحابة رضي الله عنهم من تطبيق أحكام الإسلام في الولاء ، والبراء ، وإعزاز الإسلام ، والمسلمين. وفي مخاطبة أم ِ حبيبة لأبيها بهذا الأسلوب مع كونه أباها ، ومع مكانته العالية في قومه ، وعند العرب دليلٌ على قوَّة إيمانَّا ، ورسوخ يقينها ، لقد كان في سلوك أم ِ حبيبة مظهرٌ من اجتهاد الصَّحابة البالغ في إظهار أمرٍ له أهم ِيَّته البالغة في المحافظة على شخصيَّة المسلم ، ودفع معنويَّته إلى النَّماء ، والحيويَّة333.])
عدد الصفحات ٨٥وأمام نقض قريشٍ للعهود والمواثيق مع المسلمين ، فقد عزم رسولُ الله (ص) على فتح مكَّة ، وتأديب كفَّارها ، وقد ساعده على ذلك العزم بعد توفيق الله عدَّة أسبابٍ؛ منها: أ قوَّة جبهة المسلمين الدَّاخليَّة في المدينة ، وتماسكها ، فقد تخلَّصت الدَّولة الإسلامية من غدر اليهود ، وتمَّ القضاء على يهود بني قينقاع ، وبني النَّضير ، وبني قريظة ، ويهود خيبر. ب ضعف جبهة الأعداء في الدَّاخل؛ وفي مقدَّمة هؤلاء: المنافقون؛ الَّذين فقدوا الركن الرَّكين لهم ، وهو يهود المدينة ، فهم أساتذتهم الَّذين يوج ِهونَّم ، ويشيرون عليهم. اهتمَّ رسول الله (ص) بتطوير القوَّة العسكريَّة، وإرسال السَّرايا في فترة الصُّ لح، وبذلك أصبحت متفو ِقةً على قوَّة مشركي قريش ، حيث العدد والعُدَّة ، والرُّوح المعنويَّة. د كانت الغزوة بعد أن ضعفت قريش اقتصاديا ً ، وبعد أن قويت الدَّولة الإسلاميَّة اقتصاديا ً ، فقد فتح المسلمون خيبر ، وغنموا منها أموالاً كثيرةً. ه انتشار الإسلام في القبائل المجاورة للمدينة ، وهذا يطمئن القيادة حين تتَّخذ قرارها العسكري بنقل قوَّاتها ، ومهاجمة أعدائها. و قيام السبب الجوهري ِ ، والقانوني ِ لغزو مكَّة ، وهو نقض قريش للعهد ، والعقد 334]) أنَّ النَّبَّ (ص) لم يضي ِع قانون الفرصة ، وتعامَلَ معه بحكمةٍ بالغةٍ ، فكان فتح خيبر ، وذلك بعد صلح الحديبية ، والان تُتاح فرصةٌ أخرى بعد أن نقضت قريش عهدها ، وتغيرَّت موازين القوى في المنطقة ، فكان لابدَّ من الاستفادة من المُعْطيات الجديدة ، فأعدَّ (ص) جيشاً لم تشهد له الحجاز مثيلاً من قبل ، فقد وصلتْ عدَّ ته إلى عشرة الاف رجلٍ335.]) ثانياً: الاستعداد للخرو إنَّ حركة النَّب ِ (ص) في بناء الدَّولة، وتربية المجتمع، وإرسال السَّرايا ، وخروجه في الغزوات تعل ِمنا كيفيَّة التَّعامل مع سنَّة الأخذ بالأسباب ، سواءً كانت تلك الأسباب ماد ِيَّة أو معنويَّةً ، ففي غزوة الفتح نلاحظ هذه السُّنَّة واضحةً في هديه (ص) ، فعندما قرَّر (ص) السَّير لفتح مكة؛ حرص على كتمان هذا الأمر حتََّّ لا يصل الخبر إلى قريش ، فتعد العدَّة لمجابهته ، وتصدُّه قبل أن يبدأ في تنفيذ هدفه ، وشرع في الأخذ بالأسباب الاتية لتحقيق مبدأ المباغتة: 1 أنَّه كتم أمره حتََّّ على أقرب النَّاس إليه
عدد الصفحات ٨٦فقد أخذ النَّبُّ (ص) بمبدأ الس ِر ِيَّة المطلقة ، والكتمان الشَّديد حتََّّ عن أقرب النَّاس إليه ، وهو أبو بكر رضي الله عنه أقربُ أصحابه إلى نفسه ، وزوجتُه عائشة رضي الله عنها أحبُّ نسائه إليه ، فلم يعرف أحدٌ شيئاً عن أهدافه الحقيقية ، ولا اتج ِاه حركته ، ولا العدو ِ الَّذي ينوي قتاله ، بدليل أنَّ أبا بكر الص ِد ِيق رضي الله عنه عندما سأل ابنته عائشة رضي الله عنها عن مَقْصَدِ الرسول (ص) قالت له: ما سمَّى لنا شيئاً ، وكانت أحياناً تصمت ، وكلا الأمرين يدلاَّن عل ى أنََّّا لم تعلم شيئاً عن مقاصده (ص336. ]) ويستنبط من هذا المنهج النبوي الحكيم أنَّه ينبغي للقادة العسكريين أن يخفوا خططهم عن زوجاتهم؛ لأنَّنَّ ربما يُذِعْنَ شيئاً من هذه الأسرار عن حسن نيَّةٍ ، فتتناقلها الألسن حتََّّ تصير سبباً في حدوث كارثةٍ عظيمةٍ337.]) 2 أنه بعث سريَّةً بقيادة أبي قتادة إلى بطن إِضَم بعث النَّبُّ (ص) قبل مسيره إلى مكَّة سَرِيَّةً مكوَّنةً من ثمانية رجال ، وذلك لإسدال الس ِتار على نياته الحقيقيَّة ، وفي ذلك يقول ابن سعد: «لمَّا همَّ رسول الله (ص) بغزو أهل مكَّة بعث أبا قتادة بن ربْعِي في ثمانية نفرٍ سَرِيَّةً إلى بطن إِضَم338]) فمضوا ، ولم يلقوا جمعاً ، فانصرفوا حتََّّ انتهوا إلى ذي خُشُب 339]) رسول الله (ص) قد توجَّه إلى مكَّة ، فأخذوا على (بي ) حتََّّ لقُوا النَّبَّ (ص) بالسُّقيا340([»])341.]) وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ في توجيه القادة من بعده إلى وجوب أخذ الحذر ، وسلوك ما يمكن من أساليب التَّضليل على الأعداء والإيهام ، الَّتي من شأنَّا صرف أنظار النَّاس عن معرفة مقاصد الجيوش الإسلاميَّة الَّتي تخ ر من أجل الجهاد في سبيل الله ، حتَّ تحُق ِق أهدافها ، وتَسْلَم من كيد أعدائها342.]) 3 أنَّه بعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء بثَّ (ص) رجال استخبارات الدَّولة الإسلاميَّة داخل المدينة ، وخارجها؛ حتََّّ لا تنتقلَ أخبارُه إلى قريشٍ، وأخذ رسول الله (ص) بالأنقاب343]) الأنقاب قيماً بهم ، فيقول: لا تَدَعُوا أحداً يمرُّ بكم تنكرونه إلا رددتموه ، إلا مَنْ سلك إلى مكَّة فإنَّه ي ُتَحفَّظ به ، ويُسأل عنه ، أو ناحية مكَّة344.])
عدد الصفحات ٨٧إنَّ جمَْعَ المعلومات سلاحٌ ذو حدَّين ، وقد استفاد الرَّسول (ص) من حد ِه النافع لصالح المسلمين ، وأبطل مفعول الحد ِ الاخر باتباعه الس ِر ِيَّة ، واتخاذها أساساً لتحرُّكاته ، واستعداداته؛ ليحرم عدوه من الحصول على المعلومات الَّتي تفيده في الاستعداد لمجابهة هذا الجيش بالقوَّة المناسبة345.]) 4 دعاؤه (ص) بأخذ العيون والأخبار عن قريش وبعد أن أخذ رسول الله (ص) بالأسباب البشريَّة الَّتي في استطاعته؛ توجَّه إلى الله عزَّ وجلَّ بالدُّعاء والتَّضرُّع قائلاً: «اللَّهُمَّ! خذ على أسماعهم ، وأبصارهم فلا ي َرَوننا إلا بغتةً ، ولا يسمعون بنا إ لا فجأة»[5/11([])346.]) وهذا شأن النَّب ِ (ص) في أموره يأخذ بجميع الأسباب البشريَّة ، ولا ينسى التَّضرُّع، والدُّعاء لرب ِ البريَّة؛ ليستمدَّ منه التَّوفيق والسَّداد. 5 إحباط محاولة تجسُّس حاطبٍ لصالح قريش عندما أكمل النَّبُّ (ص) استعداده للسير إلى فتح مكة ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكَّة يخبرهم فيه نبأ تحرك النَّب ِ (ص) إليهم ، ولكن الله سبحانه وتعالى أطلع نبيَّه (ص) عن طريق الوحي على هذه الر ِسالة ، فقضى (ص) على هذه المحاولة وهي في مهدها ، فأرسل النَّبُّ (ص) علي اً ، والزُّبير ، والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخٍ على بعد اثني عشر ميلاً من المدينة ، وهدَّدوها أن يفت ِشوها إن لم تخُرِ الكتاب؛ فسلَّمته لهم ، ثمَّ استدعى حاطباً رضي الله عنه للتَّحقيق ، فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ ، إني ِ كنت امرأً مُلصَق اً في قريشٍ يقول: كنت حليفاً ولم أكن من أنفُسِها ، وكان مَنْ معك من المهاجرين مَنْ لهم قراباتٌ حلمون بها أهليهم ، وأموالهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسب فيهم أن أتخَّذ عندهم يداً حلمون قرابتي ، ولم أفعله ارتداداً عن ديني ، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلا م ، فقال رسول الله (ص) : «أما إنَّه قد صدقكم» فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! دعني أضربْ عنق هذا المنافق! فقال (ص «إنَّه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعلَّ الله اطَّلع على مَنْ شهد بدراً ، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم347 .»])[1/79 80 )، والبخاري 3983) ، ومسلم2494.]) فأنزل الله تعامَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بمَِا جَاءَكُمْ مِنَ الحَْق ِ يخُْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِياَّكُمْ أَنْ ت ُؤْمِنُوا باِللََِّّ رَب ِكُمْ إِنْ كُن ْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فيِ سَبِيلِي
عدد الصفحات ٨٨وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتيِ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ باِلْمَوَدَّةِ وَأَناَ أَعْلَمُ بمَِا أَخْفَي ْتُمْ وَمَا أَعْلَن ْتُمْ وَمَنْ ي َ فْعَلْهُ مِنْكُمْ ف َقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * }[1.] إنَّ الاية السَّابقة رسمت منهجاً للمسلمين في تعاملهم مع الكافرين ، فمعنى قوله تعا آمَنُوا لاَ ت َتَّخِذُوا عَدُو ِي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ قال القرطبُّ: السُّورة أصلٌ في النَّهي عن موالاة الكفار(1) ، والمراد بهم: المشركون ، والكفَّار الذين هم محاربون لله ، ولرسوله ، وللمؤمنين الَّذين شرع الله عداوتهم ، ومصارمتهم ، ونَّى أن يُ تَّخذوا أولياء ، وأصدقاء348.]) وقوله تعالى: أي: تخبرونَّم بسرائرنَ الحَْق ِ لهم ، وهم كافرون بنبي ِكم ، وبقرانكم الَّذي أنزله الله عليكم بالحق ِ الواضح. وقوله تعالى: قال على عداوتهم ، وعدم موالاتهم؛ لأنََّّم أخرجوا الرَّسول (ص) وأصحابه من بين أظهركم كراهةً لما هم عليه من التَّوحيد ، وإخلاص العبادة لله وحدَه ، ولهذا قال تعا لم يكن لكم عندهم ذنبٌ إلا إيمانكم بالله رب ِ العالمين وقوله تعالى: أي: إن كنتم كذلك فلا تتَّخذوهم { إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم؛ فلا توالوا أعدائي ، وأعداءكم ، وقد أخرجوكم من دياركم ، وأموالكم حَنَقاً عليكم ، وسُخطاً لدينكم349.]) وقوله تعالى: أي: تُسِرُّون إليهم قال ابن كثير: أي: تفعلون ذلك ؛ وأنا العالم بالسَّرائر، والضَّمائر، والظواهر350.]) ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله: أي: مَنْ يُسِرُّ لهم ويكاتِبُهم منكم فقد أخطأ قَصْدَ الطريق يقول أستاذي ، وشيخي الدكتور محمَّد بن بكر ال عابد: هذه الاية الكريمة نجدها تمهيداً بين يدي فتح مكَّة حيث حثَّ الله المسلمين على عدم موالاة الكفار ، حتَّ لا يتأثَّر المهاجرون بروابط الرَّحم ، والقربى ، والمصلحة الماد ِيَّة التي كانت تربط كثيراً منهم بأهل مكَّة351.]) ويقول الأستاذ سي ِد قطب: على الرَّغم من كل ِ ما ذاق المهاجرون من العنت ، والأذى من قريش؛ فقد ظلَّت بعض النُّفوس تودُّ لو وقعت بينهم وبين أهل مكَّة المحاسنة ، والمودَّة ، وأن لو انتهت هذه الخصومة القاسية الَّتي تكل ِفهم قتال أهليهم ، وذوي قرابتهم ، وتقطع ما بينهم ، وبينهم من صلاتٍ ،
عدد الصفحات ٨٩وكأنَّ الله يريد استقصاء هذه النُّفوس ، واستخلاصها من كل ِ هذه الوشائج ، وتجريدها لدينه ، وعقيدته ، ومنهجه... فكان يأخذهم يوماً بعد يوم بعلاجه النَّاجع البالغ؛ بالأحداث ، وبالتَّعقيب على الأحداث؛ ليكون العلا على مسرح الأحداث ، وليكون الطَّرْقُ؛ والحديدُ ساخنٌ352.]) إنَّ ما قام به حاطبٌ أمرٌ عظي مٌ ، ولذلك نزل القران الكريم يوج ِه المجتمع المسلم نحو ما يجب عليهم فعلُه نحو أعداء دينهم ، كما أنَّ النَّبَّ (ص) عامل حاطباً معامل ةً رحيمةً ت دلُّ على حرص ه الشَّديد على الوفاء لأصحاب ه ، وإقال ة عثرات ذوي السَّوابق الحسنة منهم ، لقد جعل (ص) من ماضي حاطب المجيد سبباً في العفو عنه. وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ ، فلم ينظر النَّبُّ (ص) إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب ، وإن كانت كبيرةً ، وإنمَّا راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله تعالى ، وإعزاز دينه ، فوجد: أنَّه قد شهد بدراً ، وفي هذا توجيهٌ للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرةً متكامل ةً ، وذلك بأن ينظروا فيما قدَّموه لأمَّتهم من أعمالٍ صالحةٍ في مجال الدَّعوة ، والجهاد ، والعلم ، والترَّبية ، فإنَّ الَّذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمَّ ة يستحقُّ التَّقدي ر ، والاحترام ، وإن بدرت من ه بع ض الأخطاء ، هذا فيما إذا كان ما صدر من هؤلاء خط أً محضاً ، وزلَّ ة قدمٍ ، فكيف إذا كان ما صدر منهم رأياً علمي اً ناتجاً عن الاجتهاد؛ وهم أهلٌ لذلك؟! إنَّ بعض طلاَّب العلم في عصرنا هذا يتسرَّعون في نقد العلماء ، والدُّعاة بسبب اراء اجتهاديَّةٍ يرى بعض العلماء أنََّّم أخطؤوا فيها، وقد يصل النَّقد إلى حد ِ السُّخريَّة، والاستهزاء بهم ، وترى هؤلاء الطُّلاب يجُس ِمون أخطاء هؤلاء الكبار ، ويبرزونَّا بشكلٍ يوحي للسَّامعين ، وا لقرَّاء: أنَّ أولئك الَّذين تعرَّض إنتاجهم للنَّقد ليس لهم أيُّ رصيدٍ في خدمة الإسلام والمسلمين ، والمفترض في هذا المجال أن تُذكر حسنات هؤلاء أوَّلاً ، ويعرَّف المسلمون بجهادهم ، وبلائهم في الإسلام ، وجهودهم في مجال العلم، والدَّعوة ، ثمَّ تُذكر الأمور ، الَّتي يراها المنتقدون أخطاء، وما يرونه من الصَّواب في ذلك من لزوم الأدب في النَّقد العلمي ِ، والبعد عن أسلوب السُّخرية ، والتَّنقيص ، هذا شيءٌ مما يرشدنا له أسلوب النَّب ِ (ص) في مواجهة هذا الخطأ الكبير الَّذي ارتكبه حاطبُ بن أبي بلتعة رضي الله عنه ، إنَّ تاريخ حاطب الكبير في الجهاد في سبيل الله شفع له عند رسول الله (ص) ، ولذلك لم يتعرَّض للإدانة، أو للعقوبة ، بل كان مانعاً له ممَّا هو أقلُّ من ذلك ، حيث لم يُسمَع من مسلمٍ كلمةٌ واحدةٌ في نقده ، والإساءة إليه بعد قول النَّب ِ (ص) : «ولا تقولوا له إلا خيراً»[353.])
عدد الصفحات ٩٠ومن الحوار الَّذي تمَّ بين الرَّسول (ص) ، وعُمر بن الخطَّاب في شأن حاطبٍ يمكن أن نستخر بعض الدُّروس ، والعبر: 1 حكم الجاسوس القتل: فقد أخبر عمر بذلك ، ولم ينكر عليه الرَّسول (ص) ولكن منع مِنْ إيقاع العقوبة كونُه بدريا ً. 2 شدة عمر في الحق ِ: لقد ظهرت هذه الشدة في الحق ِ ، وغيرتُه على الد ِين حينما طالب بضرب عنق حاطبٍ. 3 الكبيرة لا تسلُبُ الإيمان: إنَّ ما ارتكبه حاطبٌ كبيرةٌ ، وهي التجسُّس؛ ومع هذا ظلَّ مؤمناً 4 لقد أطلق عمر على حاطبٍ صفة الن ِفاق بالمعنى اللُّغوي ِ لمعنى الاصطلاحي في عهده رضي الله عنه؛ إذ الن ِفاق: إبطانُ الكفر ، والتَّظاهر بالإسلام ، وإنمَّا الَّذي أراده عمر: أنَّه أبطن خلاف ما أظهر؛ إذ أرسل كتابه الَّذي يتنافَ مع الإيمان الذي خر يجُاهد من أجله ، ويبذل دمه في سبيله 354.]) 5 تأثَّر عمر من رد ِ الرَّسول (ص) ، فتحوَّل في لحظاتٍ من رجلٍ غاضبٍ ينادي بإجراء العقوبة الكبيرة على حاطبٍ إلى رجلٍ يبكي من الخشية، والتأثير، ويقول: الله، ورسولُه أعلم؛ ذلك لأنَّ غضبه كان لله ، ولرسوله ، فلمَّا تبينَّ له أنَّ الَّذي ي ُرْضي الله تعالى ، ورسوله (ص) هو غضُّ النَّظ ر عن ذلك الخطأ ، ومعاملة صاحبه بالحسنى تقديراً لرصيده في الجهاد؛ استجاب لذلك355.]) 6 لا سابقة يُقتدى بها في عمل حاطبٍ؛ ذهب لهذا الرأي الدُّكتور عبد الكريم زيدان؛ حيث قال يجوز الاقتداء بعمل حاطبٍ في العفو عمَّن يعمل عمله؛ لأن العفو عنه كان لِعِلَّةٍ لم يعد يمكن تحقيقها في غيره بعد عصر الصَّحابة وهو كونه شهد بدراً ، فعلى الجَمَاعة أن تفقه ذلك ، وهذا ما فقهه الإمام مالك؛ إذ قال: يقتل الجاسوس المسلم؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ إسلام الجاسوس لا يعصمه ولا يقيه من عقوبة القتل لخطورة جرمه؛ فإذا فعل أحد أعضاء الجم اعة ما فعله حاطبٌ ، أو بمستواه من الخطورة عوقب بما يستحقُّه356]) والصَّحيح: أنَّ قتله راجعٌ إلى رأي الإمام ، فإن رأى في قتله مصلحةً للمسلمين؛ قتله ، وإن كان استبقاؤه أصلحَ؛ استبقاه357.]) ثالثاً: الشُّروع في الخرو ، وأحداثٌ في الطَّريق 1 خر رسول الله (ص) قاصداً مكَّة في العاشر من رمضان من العام الثامن للهجرة358])
عدد الصفحات ٩١واستخلف على المدينة أبا رُهْمٍ ، كلثوم بن حُصَينْ بن عُتبة بن خلف الغفاري 359]) الجيش عشرة ا لاف ، فيهم المهاجرون ، والأنصار الَّذين لم يتخلَّف منهم أحدٌ ، فلمَّا وصل الجيش الكُدَيْدَ الماء الذي بين قديد وعُسفان أفطر رسول الله (ص) وأفطر النَّاس معه4275 ) ، ومسلم1113.]) وفي الجحفة لقيه العبَّاس بن عبد المطلب عمُّه وقد خر مهاجراً بعياله ، فسُرَّ (ص 360]) خرو العبَّاس بأهله ، وأولاده من مكَّة وكان بها بمثابة المراسل العسكري ِ ، أو مدير الاستخبارات هناك يشير إلى أنَّ مهمَّته فيها قد انتهت ، وخاصَّةً إذا لاحظنا أنَّ بقاءه في مكَّة كان بأمر الرَّسول (ص361. ]) 2 إسلام أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وعبد الله بن أمية: خر أبو سفيان بن الحارث ، وعبد الله بن أميَّة بن المغيرة من مكَّة ، فلقيا رسول الله (ص) بثنية العقاب فيما بين مكَّة والمدينة ، فالتمسا الدُّخول عليه ، فكلَّمته أمُّ سلمة ، فقالت: يا رسول الله! ابن عم ِك ، و ابن عمَّتك ، وصهرُك ، فقال: «لا حاجة لي فيهما، أمَّا ابن عم ِي؛ فهتك عرضي ، وأما ابن عمَّتي ، وصهري ، فهو الذي قال لي بمكة ما قال»فلما خر الخبر إليهما بذلك ، ومع أبي سفيان بن الحارث ابنٌ له ، فقال: واللهِ! ليأذننَّ رسولُ الله (ص) ، أو لاخذنَّ بيد ابني ه ذا ، ثمَّ لنذهبنَّ في الأرض حتََّّ نموت عطشاً ، أو جوعاً ، فلمَّا بلغ ذلك رسول الله (ص) رقَّ لهما ، فدخلا عليه ، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه ، واعتذاره ممَّا كان مضى فيه ، فقال: لَعَمْرُكَ إني ِْ ي َوْمَ أَحمِْلُ رَايَةً لِتَغلِبَ خَيْلُ الَّلاتِ خَيْلَ محَُمَّدِ لكالمُدْلِجِ الحَْي ْرَانِ أَظْلَمَ لَي ْلُهُ ف َهَذا أَوَانُ الحَق ِ أُهْدَى وأَهْتَدِي ف َقُلْ لِثَقِيْفٍ لاَ أُرِيْدُ قِتَالَكُمْ وَقُلْ لِثَقِيْفٍ تِلْكَ عِنْدِي فأَوْعِدِي هَدَاني هَادٍ غَي ْرُ ن َفْسِي وَدَلَّني عَلَى اللهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ أَفِرُّ سَرِيْعاً جَاهِداً عَنْ محَُمَّدٍ وأُدْعَى وَإِنْ لمَْ أَن ْتَسِبْ لِمُحَمَّدِ هُمُ عُصْبَةٌ مَنْ لمَْ ي َقُلْ بهَِوَاهُمُ وإِن كان ذا رأْيٍ ي ُلَمْ وي ُفَنَّدِ أُرِيْدُ لأَرْضِي َهُمْ وَلَسْتُ بِلاَئطٍ مَ عَ ال قَوْمِ مَا لمَْ أُهْدَ في كُل ِ مَقْعَدِ فَمَا كُنْتُ في الجَيْشِ الَّذي ناَلَ عَامِرَاً ومَا كانَ عَنْ غَيرِْ لِسَانيِ ولاَ يَدِي ق َبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلاَدٍ بَعِيْدِةٍ ت َوَابِعُ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسَرْدَدِ
عدد الصفحات ٩٢وإِنَّ الَّذي أَخْرَجْتُمُ وَشَتمْتُمُ سَيْسَعَى لَكُمْ سَعْيَ امْرأٍى غَي ْرَ مُقْدَدِ362]) قال: فلمَّا أنشد رسولَ اللهِ (ص) : على الله مَنْ طَرَّدْتَ كُلَّ مُطَرَّدٍ ، ضرب رسول الله (ص) في صدره ، فقال: «أنت طَرَّدْتَنيِ كلَّ مُطَرَّد »[4/49 50) ، والطبراني في الكب 7264) ، والطبري في تاريخه (3/114 115) ، والبيهقي في الدلائل5/27 28) ، وابن هشام4/43 44) ، ومجمع الزوائد6/165.]) كان أبو سفيان بن الحارث يهجو بشعره رسول الله (ص) كثيراً ، وأمَّا عبد الله بن أميَّة ؛ فقد ق ال لرسول الله (ص) : فوالله ! لا أؤمِنُ ب ك حتََّّ تتَّخ ذَ إلى السَّماء سُلَّ ماً ، ثم ترقى فيه ، وأنا أنظر إليك حتََّّ تأتيها ، ثمَّ تأتي بصك ٍ معه أربعة من الملائكة يشهدون لك، كما ت قول ، ث مَّ وايم الله! ل و فعلتَ ذلك ما ظننت أن ِ ي أصد ِقك363.]) ومع فداحة جرمهما فإنَّ النَّبَّ (ص) عفا عنهما ، وقبل عذرهما ، وهذا مثالٌ عالٍ الرَّحمة ، والعفو ، والتَّسامح ، ولقد كفَّر أبو سفيان بن الحارث عن أشعاره السَّابقة بهذه القصيدة البليغة الَّتي قالها في مدح النَّب ِ (ص) وبيان اهتدائه به ، ولقد حسُن إسلامه ، وكان له موقفٌ مشر ِفٌ في الجهاد مع رسول الله (ص) في معركة حُنَ364.]) 3 النُّزول بمر ِ الظَّهران وإسلام أبي سفيان بن حربٍ سي ِد قريش: وتابع رسول الله (ص) سيره حتَّ أتى مَرَّ الظَّهْران 365]) الن ِيران ، فأوُقِدَت عشرةُ الاف نارٍ ، وجعل رسولُ الله (ص) على الحرس عمرَ بن الخطَّاب 366.]) قال ال عبَّاس: فقلت: واصباح قريش! والله! لئن دخل رسول الله (ص) مكَّة عَن ْوَةً قبل أن يأتوه ، فيستأمنوه: إنَّه لهلاك قريش إلى اخر الدَّهر! وركب بغلة رسول الله (ص) ، وخر يلتمس مَنْ يوصل الخبر إلى مكَّة؛ ليخرجوا إلى رسول الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عَنْ وَةً ، وكان أبو سفيان ، وحكيم بن حزام ، وبُدَيْل بن ورقاء خرجوا يلتمسون الأخبار ، فلمَّا رأوا الن ِيران؛ قال أبو سفيان: ما رأيت كاللَّيلة نيراناً قطُّ ، ولا عسكراً ، فقال بُدَيْل: هذه والله خُزاعة حمَشَتْها367]) خزاعة أذلُّ ، وأقلُّ من أن تكون ه ذه نيرانَّا ، وعسكرها! وسمع العباس أصواتهم ، فعرفهم فقال: يا أبا حنظلة! فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم ، قال: مَالَك؟ فداك أبي وأمي! قال العبَّاس: قلت: وحلك يا أبا سفيان! هذا رسولُ الله (ص) في النَّاس واصباح قريشٍ واللهِ! قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي! قال: قلت: والله لئن ظ فر بك ليضربنَّ عنقك ،
عدد الصفحات ٩٣فاركب في عجز هذه البغلة حتََّّ اتي بك رسول الله ، فأستأمنه لك ، قال: فركب خلفي ، ورجع صاحباه ، فجئت به ، كلَّما مررت بنارٍ من نيران المسلمين قالوا: مَنْ هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله (ص) وأنا عليها؛ قالوا: عمُّ رسولِ الله على بغلته ، ح تََّّ مررت بنار عمر بن الخطَّاب فقال: مَنْ هذا؟ وقام إليَّ فلمَّا رأى أبا سفيان على عجز الدَّابة قال: أبو سفيان عدوُّ الله! الحمد لله الَّذي أمكن منك بغير عَقْدٍ، ولا عهدٍ ، ثمَّ خر يشتدُّ نحو رسول الله (ص) ، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله! هذا أب و سفيان ، قد أمكن الله منه بغير عَقْدٍ، ولا عهدٍ ، فدعني فلأضرب عنقه ، قال: قلت: يا رسول الله! إني ِ قد أجرته. فلما أكثر عمر في شأنه؛ قلت: مهلاً يا عمر! فوالله! أن لو كان من بني عدي ٍ ما قلت هذا ، ولكنَّك ق د عرفت أنَّ ه من رجال بني عبد مناف ، فقال: مه لاً يا عباس ! فوالله لإسلامُك ي وم أسلمت كان أحبَّ إلي من إس لام الخطَّاب لو أسلم ، وما بي إلا أني ِ قد عرفت أنَّ إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله (ص) من إسلام الخطَّاب لو أسلم ، فقال (ص) : «اذهب به يا عباس! إلى رحلك ، فإذا أصبحت؛ فائتني به» فلمَّا أصبح؛ غدوت به ،فلمَّا راه رسولُ الله (ص) ، قال: «وحلك يا أبا سفيان! ألم يأَْنِ لك أن تعلم أنَّه لا إله إلا الله؟!»قال: بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمَك ، وأوصلَك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إلهٌ غيره لقد أغنى عني ِ بعد. قال: «وحلك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني ِ رسولُ الله ؟!» قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وأكرمَك ، وأوصلَك ! أمَّا هذه والله! فإنَّ في النَّفس منها حتََّّ الان شيئاً. فقال له العبَّاس: وحلك! أسلم قبل أن تُضْرَب عنقُك ، قال: فشهد شهادة الحق ِ ، فأسلم. قال العبَّاس: قلت: يا رسول الله! إنَّ أبا سفيان رجلٌ حلبُّ الفخر ، فاجعل له شيئاً ، قال: «نعم! مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو امن ، ومن أغلق عليه بابه فهو امنٌ ، ومن دخل المسجد فهو امنٌ »فلمَّا ذهب لينصرف قال رسول الله (ص) : «يا عباس! احبسه بمضيق الوادي عند خَطْم الجبل ، حتََّّ تمرَّ به جنود الله ، فير اها» قال: فخرجت حتََّّ حبستُ ه حيث أمرن ي رسول الله (ص) ومرَّت القبائل على راياتها ، كلَّما مرَّت قبيل ةٌ ؛ قال: يا عباس! مَنْ هذه؟ فأقول: سُليم. فيقول: مالي ، ولسُليم! ثمَّ تمرُّ به القبيلة ، فيقول: يا عباس! مَنْ هؤلاء؟ فأقول: مُزينة ، فيقول: مالي ولمزينة!... حتََّّ مرَّ به
عدد الصفحات ٩٤رسول الله (ص) في كتيبته الخضراء ، فيها المهاجرون، والأنصار ، لا يُرى منهم إلا الحَْدَقُ من الحديد ، قال: سبحان الله يا عباس! مَنْ هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله (ص) في المهاجرين ، والأنصار. ق ال: ما لأح دٍ بهؤلاء قِبَ لٌ ، ولا طاق ةٌ ! ثمَّ قال: والله يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً ، قال: قلت: يا أبا سفيان! إنََّّا النُّبوَّة. قال: فنعم إذاً، قال: قلت: النَّجاءَ إلى قومك (4280) وعبد الرزاق في المصنف 5/374 378)، وابن سعد2/134 137)، والبيهقي الدلائل (5/32 35)، والمطالب العالية4/244 246) ، ومجمع الزوائد6/164 167) ، وابن هشام (4/44 47([])368.]) إنَّ في هذه القصَّة دروساً ، وعبراً ، وحِكَماً في كيفيَّة معاملة رسول الله (ص) للنُّفوس البشريَّة ، ومن أهم هذه الدُّروس: 1 عندما أصبح أبو سفيان رهينةً بيد المسلمين ، وأصبح رهن إشارة النَّب ِ (ص) ، وَهَمَّ به عمر ، وأجاره العبَّاس ، ثمَّ جاء في صبيحة اليوم الثاني لِيَمْثُلَ بين يدي رسول الله (ص) ، وكانت المفاجأة الصَّاعقة له بدل التَّوبيخ ، والتَّهديد ، والإذلال أن يُدْعى إلى الإسلام ، فتأثَّر بهذا المو قف ، واهتزَّ كيانُ ه ، فلم يملك إلا أن يقول: بأبي أنت وأم ِي يا محمد! ما أحلمَك ، وأكرمَك ، وأوصلَك! إنَّه يفدي رسول الله (ص) بأبيه وأم ِه ، ويُثني عليه الخير كلَّه: ما أحلمَك ، وأكرمَك ، وأوصلَك369]) العبَّاس للنَّب ِ (ص) : إنَّ أبا سفيان رجلٌ حلبُّ الفخر ، فاجعل له شيئاً ، فقال النَّبُّ (ص) : «نعم! مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو امنٌ..»ففي تخصيص بيت أبي سفيان شيءُ يُشْبِع ما تتطلَّع إليه نفس أ سفيان ، وفي هذا تثبيتٌ له على الإسلام ، وتقويةٌ لإيمانه 370]) الكر عاملاً على امتصاص الحِقْدِ من قلب أبي سفيان ، وبرهن له بأنَّ المكانة الَّتي كانت له عند قريش لن تنتقص شيئاً في الإسلام؛ إنْ هو أخلص له ، وبذل في سبيله 371]) على العلماء ، والدُّعاة إلى الله أن يستوعبوه ، ويعملوا به في تعاملهم مع النَّاس. 2 وفي ق ول رسول الله (ص) لعم ِ ه العبَّاس عن أب ي سفيان«احبِسْه بمضيق الوادي ، حتََّّ تمرَّ به جنود الله ، فيراها372 »])ففعل العبَّاس ، وكان (ص) يريد أن يشنَّ حرباً نفسيَّةً للتَّأثير على معنوياَّت قريش ، حتَّ يتسنىَّ له القضاء على روح المقا ومة عند زعيم مكَّة ، وحتََّّ يرى أبو سفيان بِعَي ْنيَْ رأسه مدى قوَّة ما وصل إليه الجيش الإس لاميُّ من تس ليحٍ ، وتنظيمٍ ، وحسن طاعةٍ ، وانضباطٍ ، وبذل ك تتحطَّم أيُّ فكرةٍ في نفوس المك ِي ِين يمكن أن تحملهم على مقاومة هذا الجيش المبارك إذا دخل
عدد الصفحات ٩٥مكَّة لتحريرها من براثن الش ِرك ، والوثنيَّة 373]) سفيان قوَّة المسلمين ، وأنَّه لا قِبَل لقريشٍ بهم ، حتََّّ إذا مرَّت به كتيبة المهاجرين ، والأنصار؛ قال أبو سفيان: سبحان الله! يا عباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله (ص) في المهاجرين ، والأنصار. قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قِبَلٌ ، ولا طاقةٌ! والله يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ، قال: قلت: يا أبا سفيان! إنََّّا النُّبوَّة. قال: فنعم إذاً...[»374.]) إنََّّا النُّبوَّة ، تلك هي الكلمة الَّتي أدارتها الحكمة الإلهيَّة على لسان العبَّاس ، حتََّّ تصبح الردَّ الباقي إلى يوم القيامة على كل ِ مَنْ يتوهَّم، أو يوهم أنَّ دعوة النَّب ِ (ص) إنمَّا كانت ابتغاء ملكٍ ، أو زعامةٍ ، أو إحياء قوميَّةٍ ، أو عصبيَّةٍ ، وهي كلمةٌ جاءت عنواناً لحياة رسول الله (ص) من أوَّلها إلى اخرها ، فقد كانت ساعاتُ عمره ، ومراحلُها كلُّها دليلاً ناطقاً على أنَّه بُعِث لتبليغ رسالة الله إلى النَّاس ، لا لإشادة ملكٍ لنفسه في الأرض 375.]) لقد تعمَّد النَّبُّ (ص) شنَّ الحرب النَّفسيَّة على أعدائه أثناء سيره لفتح مكَّة ، حيث أمر رسولُ (ص) بإيقاد الن ِيران ، فأوقدوا عشرة الاف نارٍ في ليلةٍ واحدةٍ حتََّّ ملأت الأفق ، فكان لمعسكرهم منظرٌ مهيبٌ ، كادت تنخلع قلوب القرشي ِين من شدَّة هوله 376]) تحطيم نفسيَّات أعدائه ، والقضاء على معنوياَّتهم حتََّّ لا يفكروا في أيَّة مق اومة ، وإجبارهم على الاستسلام؛ لكي يتمَّ له تحقيق هدفه دون إراقة دماءٍ ، وبتطبيق هذا الأسلوب تمَّ له (ص) ما أراد ، ولقد كان اهتمامُ النَّب ِ (ص) بمعنويات المقاتل ونفسيَّته سبقاً عسكريا ً ، بدليل أنَّ المدارس العسكريَّة الَّتي جاءت فيما بعد جعلت هذا الأمر موضع العناية ، والاهتمام من النَّاحية العسكريَّة377.]) * * * المبحث الثَّا خُطَّة النَّب ِ (ص) لدخول مكَّة وفتحها
عدد الصفحات ٩٦أولاً: توزيع المهام بين قادة الصَّحابة عندما وصل النَّبُّ (ص) إلى ذي طُوى378])المُجَنَّبة اليُمنى ، وجعل الزُّبير على المُجَنَّبة اليُسرى ، وجعل أبا عبيدة على الب َيَاذِقَةِ379]) فقال«يا أبا هريرة! ادعُ لي الأنصار»فدعاهم ، فجاؤوا يهرولون ، فقال: يا معشر الأنصار! هل ترون أوباش قريش؟! قالوا: نعم. قال: انظروا إذا لق يتموهم غداً أن تحصدوهم حصداً ، وأخفى بيده ، ووضع يمينه على شماله ، وقال: «موعدكم الصَّفا»[1780.]) وبعث رسول الله (ص) الزُّبير بن العوَّام على المهاجرين ، وخيلهم ، وأمره أن يدخل من كَداء مِنْ أعلى مكَّة ، وأمره أن يغرز رايته بالحجون ، ولا يبرح حتََّّ يأتيه ، وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة ، وسليم ، وغيرهم ، وأمره أن يدخل من أسفل مكَّة ، وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت ، وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقد ِمة رسول الله (ص) ، وأمرهم أن يكفُّوا أيديهم ، ولا يقاتلوا إلا مَنْ قاتلهم380])ا كانت المسؤوليَّات واضحةً ، وكلٌّ قد عرف ما أُسندِ إليه من مهام ، والطَّريق الذي ينبغي أن يسير فيه381.]) ودخلت قوَّات المسلمين مكَّة من جهاتها الأربع في انٍ واحدٍ ، ولم تلقَ تلك القوات مقاومةً ، وكان دخول جيش المسلمين من الجهات الأربع ضربةٌ قاضيةٌ لفلول المشركين؛ حيث عجزت عن التَّجمُّع وضاعت منها فرصة المقاومة ، وهذا من التدابير الحربيَّة الحكيمة الَّتي لجأ إليها رسول الله (ص) عندما أصبح في مركز القوَّة في العدد والعتاد ، ونجحت خطَّة الرَّسول (ص) فلم يستطع المشركون المقاومة ، ولا الصُّمود أمام الجيش الزَّاحف ، إلى أم ِ القُرى ، فاحتلَّ كلُّ فيلقٍ منطقته الَّتي وُج ِه إليها ، في سلمٍ ، واستسلامٍ؛ إلا ما كان من المنطقة الَّتي توجَّه إليها خالد382]) ، وسهيل بن عمرو ، وغيرهم ، مع بعض حلفائهم في مكان اسمه (الخَنْدَمَة) ، وتصدَّوا للقوَّات المتقد ِمة بالس ِهام ، وصمَّموا على القتال؛ فأصدر خالد بن الوليد أوامره بالانقضاض عليهم ، وما هي إلا لحظات حتََّّ قضى على تلك القوَّة الضَّعيفة ، وشتَّت شمل أفرادها ، وبذلك أكمل الجيش السَّيطرة على مكَّة المكرَّمة383]) من قبيلة بني بكرٍ ، فقد أعدَّ سلاحاً لمقاتلة المسلمين ، وكانت امرأته إذا رأته يصلحه ، ويتعهَّدُه ،
عدد الصفحات ٩٧