المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 04

علي محمد الصلابي

صفحة ٥ من ٢١

أ غضبة النَّجاشي ِ تدلُّ على صدق إيمانه ، وحب ِه لرسول الله (ص) ، وحبُّه للمسلمين ، وصِدْق النَّجاشي ِ كان له أثرٌ في إيمان عمرو بن العاص ، ودخوله في الإسلام ، وبذلك نال النَّجاشيُّ أج راً عظيماً حيث جذب إلى الإسلام رجلاً من عظماء قريش247.]) ب كان إسلام عمرو بن العاص نصراً كبيراً للإسلام ، والمسلمين ، فلقد سخَّر عقله الكبير ، ودهاءه العظيم لصالح دعوة الإسلام ، وخسر الكفار بإسلامه خسارةً كبيرةً؛ لأنََّّم كانوا يُعِدُّونه لعظائم الأمور؛ الَّتي تحتا إلى دهاءٍ ، ومقدرةٍ على التأثير ، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بعدائهم مع المسلم248.]) أدرك خالد بن الوليد: أنَّ العاقبة لرسول الله (ص) ، وتأمَّل قوله: لقد شهدت هذه المواطن كلَّها على محمَّد ، فليس موطنٌ أشهده إلا أنصرف؛ وأنا أرى في نفسي أني ِ مُوضعٌ في غير شيءٍ ، وأن محمَّداً سيظهر249])250.]) د الاهتمام بالبشر طريقٌ من طرق التأثير عليهم ، وكسبهم إلى الصَّف ِ المؤمن ، ولذلك قال رسول (ص) للوليد بن الوليد: «ما مِثْل خالدٍ يجهل الإسلام ، ولو كان جعل نكايته وجدَّه مع المسلمين على المشركين؛ لكان خيراً له ، ولقدَّمناه على غيره[»251]) تحوُّل قلب خالدٍ ، وتوجُّهه نحو الإسلام ، وقد كان رسول الله (ص) عليماً في مخاطبة النُّفوس ، والتَّأث عليها ، فلقد أدرك مواهب خالد في القيادة ، والزَّعامة ، فوعد بتمكينه من ذلك ، وتقديمه على غيره في هذا المضمار ، ومدح (ص) سداد رأيه ، ورجاحة عقله ، ونُضْجَ فكره ، فانتزع (ص) بهذه الكلمات كلَّ الجوانب الَّتي تجعل خالداً يظلُّ على الش ِرك الَّذي لم يكن مقتنعاً به إلا بمقدار ما حصل له فيه من قيادةٍ وتصدُّرٍ ، فلمَّا كان ما هيَّأه له المشركون سيحصل له؛ إذا دخل في الإسلام ، واطمأنَّ بأنَّه لو أسلم؛ لن يكون في اخر القائمة ، ولن يكون مهملاً ، شجَّعه ذلك على التغلُّب على وساوس إبليس ، ورجَّح ما اطمأنت إليه نفسه من الميل إلى الإسلام ، فعزم على الدُّخول فيه. لقد كان إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد قوَّةً للإسلام ، وضعفاً للش ِرك ، وكتب الله على أيديهما صفحاتٍ مشرقةً من تاريخ المسلمين الجهادي ِ أصبحت باقيةً في ذاكرة الأمَّة ، وتاريخها المجيد على مر ِ الدُّهور ، وكر ِ العصور ، وتوالي الأزمان 252.]) * * *

عدد الصفحات ٦٦

المبحث الرابع سريَّة مؤتة (8 ه253]) أولاً: أسبابها ، وتاريخها أشعل عرب الشَّام فتيل الص ِراع بين المسلمين والبيزنطي ِين ، فقد دأبت قبيلة كلب من قُضاعة؛ الَّتي كانت تنزل على دومة الجندل على مضايقة المسلمين ، وحاولت أن تفرض عليهم نوعاً من الحصار الاقتصادي ِ عن طريق إيذائها للتُّجار الَّذين كانوا حلملون الس ِلع الضَّرورية من الشَّام إلى المدينة ، ولذلك غزا رسول الله (ص) قبيلة كلب بدومة الجندل سنة ( 5 ه ) ، لكنَّه وجدهم قد تفرَّقوا ، كما أنَّ رجالاً من جُذام ، ولخَْم قطعوا الطَّ ريق على دحية بن خليفة الكلب عند مروره بحِسْمَى بعد إنجازه لمهمَّةٍ أناطها به رسول الله (ص) واستلبوا كلَّ ما معه ، فكانت سَرِيَّة زيد بن حارثة إلى حِسْمَى في سنة ( 6 ه )، ويضاف إلى ذلك أيضاً ما قامت به قبيلتا مذحج ، وقُضاعة من اعتداءٍ على زيد بن حارثة ، وصحبه في العام المذكور ( 6 ه ) ، وذلك عندما ذهبوا إلى وادي القرى في بعثةٍ بغرض الدَّعوة إ وبعد صلح الحديبية أخذ هذا المسلك العدوانيُّ يأخذ منحنىً أكثر خطورةً 254]) الحارث بن عُميرٍ الأزدي رسول رسول الله (ص) إلى حاكم (بُصرى) التَّابع لحاكم ا لرُّوم ، فقد قام شرحبيل بن عمرو الغسَّاني بضرب عنق رسولِ رسولِ الله ، ولم تجر العادة بقتل الرُّسل والسُّفراء ، كما أنَّ الحارث بن أبي شمر الغسَّاني حاكم دمشق أساء استقبال مبعوث رسول الله ، وهدَّد بإعلان الحرب على المدينة. ثمَّ حدث بعد ذلك بما يزيد قليلاً عن العام أن بعث رسول الله سرية بقيادة عمرو بن كعب الغفاري؛ ليدعو إلى الإسلام في مكان يقال له: (ذات أطلاح) ، فلم يستجب أهل المنطقة إلى الإسلام ، وأحاطوا بالدُّعاة من كل ِ مكانٍ ، وقاتلوهم حتََّّ قتلوهم جميعاً ، إلا أميرهم كان جرحلاً فتحامل على جرحه حتَّ وصل إلى المدينة ، فأخبر رسول الله (ص 255. ])

عدد الصفحات ٦٧

وقد قام نصارى الشَّام بزعامة الإمبراطورية الرومانيَّة بالاعتداءات على من يعتنق الإسلام ، أو يفك ِر ذلك ، فقد قتلوا والي مَعَانَ حين أسلم ، وقتل والي الشَّام من أسلم من عرب الشَّام256.]) كانت هذه الأحداث المؤة وبخاصَّةٍ مقتل سفير رسول الله (ص) الحارث بن عُمير الأزدي محركةً لنفوس المسلمين ، وباعثاً لهم ليضعوا حد اً لهذه التصرُّفات النَّصرانيَّة العدوانيَّة ، ويثأروا لإخوانَّم في العقيدة ، الذين سُفِكَت دماؤهم بغير حق ٍ إلا أن يقولوا ربُّنا الله ونبيُّنا محمَّ د رسول 257]) أنَّ تأديب عرب الشام التابعين للدَّولة الرُّومانيَّة ، والَّذين دأبوا على استفزاز المسلمين ، وتحد ِيهم ، وارتكاب الجرائم ضدَّ دعاتهم أصبح هدفاً مهم اً؛ لأنَّ تحقيق هذا الهدف معناه: فرض هيبة الدَّولة الإسلاميَّة في تلك المناطق ، بح يث لا تتكرَّر مثل هذه الجرائم في المستقبل ، وبحيث يأمن الدُّعاة المسلمون على أنفسهم ، ويأمن التُّجار المترد ِدون بين الشَّام والمدينة من كل ِ أذىً حلول دون وصول الس ِلع الضَّرورية إلى المدينة 258.]) وفي سنة8 ه ) أمر رسول الله (ص) المسلمين بالتَّجهُّز للقتال ، فاستجابوا للأمر النَّبوي ِ ، وحشدوا حشوداً لم حلشدوها من قبل؛ إذ بلغ عدد المقاتلين في هذه السَّريَّة ثلاثة الاف مقاتل، واختار النَّبُّ (ص) للقيادة ثلاثة أمراء على التَّوالي: زيد بن حارثة ، ثمَّ جعفر بن أبي طالب ، ثمَّ عبد الله بن رواحة259]) روى البخاريُّ في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي عنهما قال: أمَّر رسول الله (ص) في غزوة مؤتة زيد بن حارثة ، فقال رسول الله (ص) : إن قُتل زيدٌ؛ فجعفرٌ ، وإن قُتل جعفرٌ فعبد الله بن رواحة4261.]) وقد أمر رسول الله (ص) الجيش ا لإسلاميَّ أن يأتوا المكان الَّذي قتل فيه الحارث بن عمير الأزديُّ رضي الله عنه ، وأن يَدْعوا من كان هناك إلى الإسلام ، فإن أجابوا؛ فبها ، ونعمت ، وإن أبوا؛ استعينوا بالله عليهم ، وقاتلوهم260])سَّرايا بوصا تتضمَّن اداب القتال في الإسلام261])«أوصيكم بتقوى الله ، وبمن معكم من المسلمين خيراً ، اغزو باسم الله في سبيل الله مَنْ كفر بالله ، لا تغدِروا ، ولا تقتُلوا وليداً ، ولا امرأةً ، ولا كبيراً فانياً ، و لا منعزلاً بصومعةٍ ، ولا تقربوا نخلاً ، ولا تقطعوا شجراً ، ولا تهدموا بناءً ، وإذا لقيتم عدوَّكم من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث: فإمَّا الإسلام ، وإمَّا الجزية ، وإمَّا الحرب[»262.]) ثانياً: وداع الجيش الإسلامي

عدد الصفحات ٦٨

لمَّا تجهز الجيش الإسلاميُّ ، وأاستعداده؛ توجَّه رسول الله (ص) والمسلمون يود ِعون الجيش ، ويرفعون أكفَّ الضَّراعة لله عزَّ وجلَّ أن ينصر إخوانَّم المجاهدين ، لقد سلَّموا عليهم ، وودَّعوهم بهذا الدُّعاء: دفع الله عنكم ، وردَّكم صالحين غا263!]) ولما ودَّع النَّاس عبد الله بن رواحة ، وسلَّموا عليه ، بكى ، وانَّمرت الدُّموع من عينيه ساخنةً غزيرةً ، فتعجَّب النَّاس من ذلك ، وقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة؟! فقال: والله ما بي حبُّ الدُّنيا ، ولا صَبَابَةٌ بكم ، ولكني ِ سمعت رسول الله (ص) يقرأ اي ة من كتاب الله يذكر فيها النَّ ار نْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَب ِكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [71] المسلمون: صحبكم الله ، ودفع عنكم ، وردَّكم إلينا صالحين! فقال عبد الله بن رواحة لَكنَّني أَسْأَلُ الرَّحمْنَ مَغْفِرَةً وَضْ رَبَةً ذَاتَ ف َرْغٍ ت َقْذِفُ الزَّبَدَا أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مجُْهِزَةً بحَِرْبَةٍ ت ُنْفِذُ الأَحْشَاءَ والْكَبِدَا حَتََّّ ي ُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي أَرْشَدَهُ الله مِنْ غازٍ وَقَدْ رَشَدَا [4/15 16) ، والبيهقي في الدئل (4/359.]) وودَّع رسولُ الله (ص) عبد الله بن رواحة، فقال ابن رواحة يخاطب رسول الله (ص ي ُثْبِتُ الله ما اتاكَ مِنْ حَسَنٍ ت َثْبِيْتَ مُوْسَى وَنَصْراً كالَّذِي نُصِرُوا إني ِ ت َفَرَّسْتُ فِيْكَ الخَْي ْرَ ناَفِلَةً فِرَاسَةً خَالفْت ُهُم فيِ الَّذي نَظَ رُوا أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ حلُْرَمْ ن َوَافِلَهُ والوَجْهُ مِنْهُ ف َقَدْ أَزْرَى بِهِ القَدَرُ [4/359 360) ، وابن هشام4/16([])264.]) ثالثاً: الجيش يصل إلى مَعَان واستشهاد الأمراء الثلاثة لما وصل الجيش الإسلاميُّ إلى مَعَان من أرض الشَّام وهي الان محافظةٌ من محافظات الأردن بلغه: أنَّ النَّصارى الصَّليبي ِين مِنْ عربٍ ، وعجمٍ قد حشدوا حشوداً ضخمةً لقتالهم؛ إذ حشدت القبائل العربيَّة مئة ألف صليب من لَ خْمٍ ، وجُذَام وبهَرَاء وبَلِي ٍ ، وعيَّنت لهم قائداً ، هو مالك بن رافلة ، وحشد هرقل مئة ألف نصراني ٍ صليب ٍ من الرُّوم ، فبلغ جيشهم مئتي ألف مقاتلٍ ، مزوَّدين بالس ِلاح الكافي ، يرفلون في الد ِيبا لينبهر المسلمون بهم ، وبقوَّتهم 265]) مَعَان يومين يتشاورون في التَّصد ِي لهذا الحشد الضَّخم ، فقال بعضهمنرسل إلى رسول الله (ص) في المدينة نخبره بحشود العدو ِ ، فإن شاء أمدَّنا بالمدد ، وإن شاء أمرنا بالقتال266])

عدد الصفحات ٦٩

لزيد بن حارثة قائد الجيش: وقد وطئت البلاد ، وأخفت أهلها ، فانصرف ، فإنَّه لا يعدل العافية شيءٌ267])لموقف بقوله: يا قوم! والله إنَّ الذي تكرهون للَّذي خرجتم تطلبون الشَّهادة! وما نقاتل النَّاس بعددٍ ، ولا قوَّةٍ ، ولا كثرةٍ ، ما نقاتلهم إلا بهذا الد ِين الَّذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا؛ فإنمَّا هي إحدى الحسنيين: إمَّا ظهورٌ ، وإمَّا شهادةٌ! فألهبت كلماتُ ه مشاعر المجاهدين ، واندفع زيد بن حارثة بالنَّاس إلى منطقة مؤتة جنوب الكرك يسير حيث اثر الاصطدام بالرُّوم هناك ، فكانت ملحمةٌ سجَّل فيها القادة الثلاثة بطولةً عظيمةً انتهت باستشهادهم268]) فقد استبسل زيد بن حارثة رضي الله عنه ، وتوغَّل في صفوف الأعداء وهو حلمل راية رسول الله (ص) حتََّّ شاط (أي: سال دمه) في رماح القوم 4655) ، وابن هشام4/19) ، ومجمع الزوائد (6/159.]) ثمَّ أخذ الرَّاية جعفر ، وانبرى يتصدَّى لجموع المشركين الصَّليبي ِين ، فكثَّفوا حملاتهم عليه ، وأحاطوا به إحاطة الس ِو ار بالمعصم ، فلم تلن له قناةٌ ، ولم تهن له عزيمةٌ؛ بل استمرَّ في القتال وزيادةً في الإقدام نزل عن فرسه، وعقرها، وأخذ ينشد: يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْترَِاب ُهَا طَي ِبَةً وَباَرِداً شَرَابهُا والرُّومُ رُوْمٌ قَدْ دَناَ عَذَاب ُهَا كَافِرَةٌ بِعَيْدَةٌ أَنْ سَاب ُهَا عَلَيَّ إذ لاق َي ْت ُهَا ضِرَاب ُهَا [ لقد أخذ رضي الله عنه الل ِواء بيده اليمنى ، فقطعت ، فأخذه بشماله ، فقطعت ، فاحتضنه بعضديه ، وانحنى عليه حتََّّ استُشْهِد وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنةً ، ولقد أُثْخِنَ رضي الله عنه بالجرا ح؛ إذ بلغ عدد جراحه تسعين ، بين طعنةٍ برمحٍ ، أو ضربةٍ بسيفٍ ، أو رميةٍ بسهمٍ ، وليس من بينهما جرح في ظهره ، بل كلُّها في صدره269.]) روى الإمام البُخاريُّ رحمه الله في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما قال: كنت في تلك الغزو ة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب ، فوجدناه في القتلى ، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنةٍ ، أو رميةٍ4261) ، والبيهقي في الدلائل4/361.]) ولقد عوَّض الله تبارك وتعالى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأكرمه على شجاعته ، وتضحيته بأن جعل له جناحين يطير بهما في الجنَّة حيث يشاء ، فقد روى البخاريُّ في صحيحه بإسناده إلى

عدد الصفحات ٧٠

عامرٍ؛ قال: كان ابن عمر إذا حَي ا ابن جعفر؛ قال: السَّلام عليك يا بن ذي الجناح (4264) ، والبيهقي في الدلائل4/372.]) وبعد استشهاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه تسلَّم الرَّاية عبد الله بن رواحة الأنصاريُّ رضي الله عنه وامتطى جواده ، وهو يقول: أَقْسَمْتُ ياَ ن َفْسُ لَ تَ نْزِلِنَّهْ لَت َنْزِلِنَّ أَوْ لَ تُ كْرَهِنَّهْ إِنْ أَجْلَبَ270])271]) مَاليِْ أَرَاكِ تَكَرْهِينَْ الجَْنَّهْ قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ هَلْ أَنْتِ إلا نُطْفَةٌ فيِ شَنَّهْ ياَ ن َفْسُ إِلا ت ُقْتَلِيْ تمَُوْتيِ هَذا حمَِامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيْتِ ومَا تمََن َّيْتِ ف َقَدْ أُعْطِيْتِ إِنْ ت َفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيْتِ [4/363 364) ، وابن هشام 4/21) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (6/159.]) ويُذكر: أنَّ ابن عم ٍ لعبد الله بن رواحة قد قدَّم له قطعةً من لحمٍ ، وقال له: شدَّ بهذا صُلبك ، فإنَّك لقيت في أياَّمك هذه ما لقيت ، فأخذه من يده ، ثمَّ انتهش منه نَّشةً ، ثمَّ سمع جلبةً ، وزخاماً في جبهة القتال ، فقال يخاطب نفسه: وأنت في الدُّنيا! ثمَّ ألقى قطعة اللَّحم من يده ، وتقدَّم يقاتل العدو حتََّّ استُشْهِد رضي الله عنه وكان ذلك في اخر النَّهار 272.]) رابعاً: المسلمون يختارون خالد بن الوليد قائداً ولمَّا استُشْهِد عبدُ الله بن رواحة رضي الله عنه ، وسقطت الرَّاية من يده فالتقطها ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي ِ بن العجلان البلويُّ الأنصاريُّ وقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجلٍ منكم ، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل! فاصطلح النَّاس على خالد بن الوليد 273]) وجاء في (إمتاع الأسماع): أنَّ ثابت بن أقرم نظر إلى خالد بن الوليد ، فقال: خذ الل ِواء يا أبا سليمان! فقال: لا اخذه ، أنت أحقُّ به ، أنت رجلٌ لك سنٌّ ، فقد شهدت بدراً ، فقال ثابت: خذه أيُّها الرَّجل ، فو الله ما أخذته إلا لك! فأخذه خالد بن الوليد رضي الله عنه274]) السَّاعة العصيبة من القتال أن ينقذ المسلمين من الهلاك الجماعي ِ ، فبعد أن قدَّر الموقف واحتمالاته المختلفة تقديراً دقيقاً ، ودرس ظروف المعركة دراسةً وافيةً ، وتوقَّع نتائجها اقتنع بأنَّ الانسحاب بأقل ِ

عدد الصفحات ٧١

خسارةٍ ممكنةٍ هو الحلُّ الأفضل ، فقوَّة العدو ِ تبلغ66) ضعفاً لقوة المسلمين ، فلم يبقَ أمام هؤلاء إ الانسحاب المنظَّم ، وعلى هذا الأساس وضع خالدٌ الخطَّة التالية: أ الحؤول بين جيش الرُّوم وجيش المسلمين؛ ليضمن لهذا الأخير سلامة الانسحاب. ب لبلوغ هذا الهدف لابدَّ من تضليل العدو ِ بإيهامه أن مدداً قد ورد إلى جيش المسلمين ، فيخف ِف من ضغطه ، وهجماته ، ويتمكَّن المسلمون من الانسحاب ، وصمد خالدٌ حتََّّ المساء عملاً بهذه الخطَّة ، وغيرَّ في ظلام الليل مراكز المقاتلين في جيشه ، فاستبدل الميمنة بالميسر ة ، ومقد ِمة القلب بالمؤخ ِرة ، وفي أثناء عملية الاستبدال اصطنع ضجَّة صاخبةً ، وجلبةً قويَّةً ، ثمَّ حمل على العدو ِ ، عند الفجر ، بهجماتٍ سريعةٍ متتالية ، وقويَّة؛ ليُدخل في رُوعِه: أنَّ إمدادات كثيرةً وصلت إلى المسلم275.]) ونجحت الخطَّة؛ إذ بدا للعدو ِ صباحاً: أنَّ الوجوه والرَّايات الَّتي تواجهه جديدةٌ لم يرها من قبل، وأنَّ المسلمين يقومون بهجماتٍ عنيفةٍ، فأيقن: أنََّّم تلقَّوا إمدادات، وأنَّ جيشاً جديداً نزل إلى الميدان ، وكان البلاء الحسن الَّذي أبلاه المسلمون قد فتَّ في عضد الرُّوم ، وحلفائهم ، فأد ركوا أنَّ إحراز نصرٍ حاسمٍ ونَّائي ٍ على المسلمين أمرٌ مستحيلٌ ، فتخاذلوا ، وتقاعسوا عن متابعة الهجوم ، وضعف نشاطهم واندفاعهم ، فخفَّ الضَّغط عن جيش المسلمين ، وانتهز خالدٌ الفرصة ، فباشر الانسحاب ، وكانت عملية الترَّاجع الَّتي قام بها خالدٌ في أثناء معركة (مؤتة) من أكثر العمليَّات في التاريخ العسكري ِ مهارةً ونجاحاً ، بل إنََّّا تتَّفق وتتلاءم مع التَّكتيك الحديث للانسحاب ، فقد عمد خالد إلى سحب الجناحين بحماية القلب ، ولمَّا أصبح الجناحان بمنأىً عن العدو ِ وفي مأمنٍ عنه؛ عمد إلى سحب القلب بحماية الجناحين ، إلى أن تمكَّن ، وضمن سلامة الانسحاب كُل ِي اً276]) عشر قتيلاً في هذه المعركة ، وإنَّ خالداً قال«لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعةُ أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحةٌ يمانيَّة»[4265) ، والبيهقي في الدلائل (4/373.]) ويمكن القول بأنَّ خالداً بخطَّته تلك ، قد أنقذ الله المسلمين به من هزيمةٍ ماحقةٍ، وقتلٍ محقَّقٍ ، وأن انسحابه كان قمَّة النَّصر بالن ِسبة لظروف المعركة؛ حيث يكون الانسحاب في ظروفٍ مماثلةٍ أصعب حركات القتال ، بل أجداها ، وأنفعها (277.]) خامساً: معجزةُ الرَّسول (ص) ، وموقف أهل المدينة من الجيش

عدد الصفحات ٧٢

ظهرت معجزةٌ للرَّسول (ص) في أمر هذه السَّرِيَّة ، فقد نعى إلى المسلمين في المدينة زيداً ، وجعفراً ، وابن أبي رواحة قبل أن يصل إليه خبرهم ، وحزن رسول الله (ص) لما وقع للسَّرِيَّة ، وذرفت عيناه الدُّموع ، ثمَّ أخبرهم بتسلُّم خالدٍ للرَّاية ، وبشَّرهم بالفتح على يديه ، وأسماه: سيفَ278]) قدِم من أخبرهم بأخبار السَّرِيَّة ، ولم يزد عمَّا أخبرهم به النَّبُّ (ص279. ]) ولما دنا الجيش من حول المدينة، تلقَّاهم رسول الله (ص) ، واسلمون ، ولقيهم الص ِبيان يشتدُّون ، ورسولُ الله (ص) مقبلٌ مع القوم على دابةٍ ، فقال: خذوا الص ِبيان ، واحملوهم ، وأعطوني ابن جعفر ، فأتي بعبد الله ، فأخذه ، فحمله على يديه ، وجعل النَّاس حلثون على الجيش الترُّاب ، ويقولون: يا ف ُرَّار! أفررتم من سبيل الله! ويقول رسول الله (ص) : «ليسوا بالفُرَّار ، ولكنَّهم الكُرَّار إن شاء تعالى»[4/374) ، وابن هشام4/24([])280.]) وإنَّ الإنسان ليعجب من هذه الترَّبية النَّبويَّة الَّتي صنعت من الأطفال الص ِغار ، رجالاً وأبطالاً يرون العودة من المعر ك ة دون شهادةٍ في سبيل الله فراراً من سبيل الله ، لا يكاف َؤُون عليه إلا بحثوِ الترُّاب في وجوههم ، فأين شبابنا المتسك ِعون في الشَّوارع ، من هذه النماذ الرَّفيعة من الرجولة الفذَّة المبك ِرة؟! ولن تستطيع الأمَّة أن ترتفع إلى هذه الأهداف النَّبيلة ، والقِمم الشَّوامخ إلا بالترَّبية الإسلاميَّة الجادَّة القائمة على المنها النَّبوي ِ الكر281.]) سادساً: دروس ، وعبر ، وفوائد ففي هذه الغزوة دروسٌ ، وعبرٌ كثيرةٌ؛ منها: 1 أهم ِيَّة هذه المعركة ت ُعَدُّ هذه المعركة من أهم ِ المعارك الَّتي وقعت بين المسلمين والنَّصارى الصَّليبي ِين من عربٍ ، وعجمٍ؛ لأنََّّا أوَّل صدامٍ مسلَّحٍ ذي بالٍ بين الفريقين ، وأثَّرت تلك المعركة على مستقبل الدَّولة الرُّومانيَّة ، فقد كانت مقدمةً لفتح بلاد الشَّام ، وتحريرها من الرُّومان ، ونستطيع أن نقول: إنَّ تلك الغزوة هي خطوةٌ عمليَّ ةٌ قام بها النَّبُّ (ص) للقضاء على دولة الرُّوم المتجبر ِة في بلاد الشَّام ، فقد هزَّ هيبتها في قلوب العرب ، وأعطت فكرة عن الرُّوح المعنويَّة العالية عند المسلمين ، كما أظهرت ضعف الرُّوح المعنوية في القتال عند الجندي ِ الصَّليب ِ النَّصراني ِ 282])وأعطت فرصةً للمسلمين للتَّعرُّف على حقيقة قوات الرُّوم ، ومعرفة أساليبهم في القتال. 2 حبُّ الشَّهادة باعثٌ للتَّضحية

عدد الصفحات ٧٣

إنَّ الصَّبر ، والثَّبات ، والتَّضحية الَّتي تجلَّت من كل ِ واحدٍ من الأمراء الثَّلاثة ، وسائر الجند كان مبعثها الحرص على ثواب المجاهدين ، والرَّغبة في نيل الشَّهادة؛ لكي يكرمهم الله برفقة النَّبي ِين ، والص ِد ِيقين ، والشُّهداء ، والصَّالحين ، ويدخلوا جنَّات الله الواسعة ، الَّتي فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. 3 تميُّز هذه المعركة عن سائر المعارك فهي الوحيد ة الَّتي جاء خبرها من السَّماء؛ إذ نعى النَّبُّ (ص) استشهاد الأبطال الثَّلاثة قبل أن يصل الخبر من أرض المعركة ، بل وأخبر النَّبُّ (ص) عن أحداثها ، وتمت از أيضاً عن غيرها بأنََّّا الوقع ة الوحيدة الَّتي اخت ار النَّبُّ (ص) لها ثلاثة أمراء على الترَّتيب هم : زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالبٍ ، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم 283.]) 4 إكرام النَّب ِ (ص) لال جعفر لمَّا أصيب جعفر دخل رسول الله (ص) على أسماء بنت عُمَيْسٍ فقال: «ائتني ببني جعفرٍ»، فأتت بهم ، فشمَّهم ، وقبَّلهم ، وذرفت عيناه ، فقالت أسماء: أبلغك عن جعفر ، وأصحابه شيءٌ؟ قال: «نعم ، أصيبوا هذا اليوم!»فجعلت تصيح ، وتولول ، فقال النَّبُّ (ص«لا تغفُلوا عن ال جعفر أن تصنعوا لهم طعاماً ، فإنََّّم قد شُغلوا بأمر صاحبهم»[6/380) ، وابن ماجه (1611) ، ومجمع الزوائد6/161) ، والبيهقي في الدلائل (4/370) ، وابن هشام4/22]) ونلحظ في هذا الخبر عدَّة أمورٍ؛ منها أ جواز بكاء المرأة على زوجها المُت َوَفََّ: أُخِذ هذا مِنْ فعل أسماء بنت عُمَيْسٍ رضي الله عنها حينما نعى النَّبُّ (ص) زوجها ، ومن معه ، فبكت ، وصاحت ، فلم ينكر عليها النَّبُّ (ص) ، ولم ينهها عن ذلك ، ولو كان ممنوعاً؛ لنهاها عن ذلك ، والبكاء الَّذي نَّى عنه الإسلام هو ما كان سائداً عند أهل الجاهليَّة من النُّواح ، واللَّطم ، وشق ِ الجيوب ، والتَّبرُّم بقضاء الله ، وقدَرِه ، وما إلى ذلك ممَّا يكون سبباً في معصية الخالق سبحانه. ب استحباب صنع الطَّعام لأهل الميت: وقد ندب الرَّسول (ص) النَّاس أن يصنعوا طعاماً لال جعفر ، وهذا فيه مواساةٌ لأهل المُت َوَفََّ ، وتخفيفُ مُصابهم ، وفي الوقت نفسه تكافلٌ بينهم ، وهذه السُّنَّة خالفتها بعض الشُّعوب الإسلاميَّة ، وأصبح أهل الميت يصنعون الطَّعام للقادمين ، وهذا أمر قبيحٌ ينبغي أن يبتعد عنه المسلمون284.])

عدد الصفحات ٧٤

هذا وقد نَّى رسولُ الله (ص) عن البكاء بعد ثلاثٍ ، فقد دخل على أسماء ، وقال لها «لا تبكوا على أخي بعد اليوم ، ادعو لي بني أخي»، فجيء بهم كأنََّّم أَف ْرُخ فدعا بالحلاق فحلق لهم رؤوسهم (1/204 )، وأبو داود4192) ، والنسائي8/182]) ، وأما عبد الله فشبيه خَلْقِي ، وخُلُقِي ، ثمَّ أخذ بيمين عبد الله ، وقال«اللَّهُمَّ! اخلُف جعفراً في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه »قالها ثلاثاً285])ذَكَرَتْ له أمُّهم ي ُتْمَهم ، وضعفهم؛ قال لها «العَيْلةَ تخافين عليهم؛ وأنا وليُّهم في الدُّنيا والاخرة؟»[1/204([])286.]) وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ خطَّه رسولُ الله (ص) لرعاية ، وتكريم أبناء الشُّهداء؛ لكي تسير الأمَّة على نَّجه الميمون287.]) زوا أبي بكرٍ الص ِد ِيق من أسماء بنت عميس: وبعد أن انقضت عدَّة أسماء بنتِ عُمَيْسٍ ، خطبها أبو بكر الص ِد ِيق رضي الله عنه ، فتزوَّجها ، وولدت له محمَّد بن أبي بكرٍ ، وبعدما توفي الص ِد ِيق تزوَّجها بعده عليُّ بنُ أبي طالبٍ ، وولدت له أولاداً رضي الله عنه ، وعنهم أجمع288.]) وقد ذكر ابن كثيرٍ: أنَّ أسماء بنتَ عُمَيْسٍ رَثَتْ زوجها جعفر بن أبي طالب بقصيدةٍ تقول فيها فَالَيْتُ لاَ تَ نْ فَكُّ ن َفْسِي حَزِي ْنَةً عَََلَيْكَ وَلاَ يَ نْ فَكُّ جِلْدِي أَغْبرَا فَلِلَّهِ عَيْنا مَنْ رأَى مِث ْلَهُ ف َتًََّ أَكَرَّ وأَحمَْرَ في الهِيَا ِ وأَصْب َرَا 289]) 5 مِنْ فقه القيادة إنَّه درسٌ عظيمٌ يقد ِمه لنا الصَّحابيُّ الجليل ثابت بنُ أقرم العجلانيُّ عندما أخذ الل ِواء بعد استشهاد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه اخرِ الأمراء ، وذلك أداءً منه للواجب؛ لأنَّ وقوع الرَّ اية معناه: هزيمةُ الجيش ، ثمَّ نادى المسلمين أن يختاروا لهم قائداً ، وفي زحمة الأحداث قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعلٍ ، فاصطلح النَّاس على خالدٍ. وفي روايةٍ: أنَّ ثابتاً مشى بالل ِواء إلى خالدٍ ، فقال خالدٌ: لا اخذه منك ، أنت أحقُّ به ، فقال: والله! ما أخذته إلا لك. إنَّ مضمون كلتا الر ِوايتين واحدٌ ، وهو أنَّ ثابتاً جمع المسلمين أوَّلاً ، وأعطى القوس باريها ، فأعطى الرَّاية أبا سليمان خالد بن الوليد290])

عدد الصفحات ٧٥

مَنْ هو أكفأ منه لهذا العمل ، وحينما يتو العمل مَنْ ليس له بأهلٍ ، فإنَّ الفساد متوقَّعٌ ، والعمل حينما يكون للهِ تعالى ، لا يكون فيه أثرٌ لحب ِ الشُّهرة ، أو حظ ِ النَّفس. إنَّ ثابتاً لم يكن عاجزاً عن قيادة المسلمين وهو ممَّن حضر بدراً ولكنَّه رأى من الظُّلم أن يتولىَّ عملاً وفي المسلمين من هو أجدر به منه ، حتََّّ ولو لم يمضِ على إسلامه أكثر من ثلاثة أشهر؛ لأنَّ الغاية هي السَّعي لتنفيذ أوامر الله على الوجه الأحسن ، والطريقة المُث ْلَى291.]) إنَّ كثيراً ممَّن يتزعَّمون قيادة الدَّعوة الإسلاميَّة اليوم يضعون العراقيل أمام الطَّاقات الجديدة ، والقُدرات الفذَّة ، خوفاً على مكانتهم القياديَّة ، وامتيازاتهم الشَّخصية ، وأطماعهم الدُّنيوية ، فعلى أولئك القادة أن يتَّعظوا من هذا الدَّرس البليغ لمن كان له قلب ، أو ألقى السَّمع وهو شهيد. 6 درس نبوي في احترام القيادة قال عوف بن مالكٍ الأشجعيُّ رضي الله عنه: خرجت مع مَنْ خر مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، ورافقني مَدَدِيٌّ من اليمن292]) عليه سر ٌ مذهَّب ، وله سلاحٌ مذهَّب ، فجعل الرُّومي يضرب المسلمين ، فقعد له المَدَدِيُّ خلف صخرةٍ ، فمرَّ به الرُّومي فعرقب فرسه بسيفه ، وفر الرُّومي ، فعلاه بسيفه ، فقتله ، وحاز فرسه ، وسلاحه ، فلمَّا فتح الله للمسلمين؛ بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه بعض السَّلب ، قال عوف: فأتيت خالداً ، وقلت له: أما علمت: أنَّ رسول الله (ص) قضى بالسَّلب للقاتل؟ قال: بلى! ولكني استكثرتُه ، قلت: لتردَّنَّا إليه ، أو لأعرفنكها عند رسول الله (ص) ، فأبى أن يردَّ عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ، فقصصت عليه قصَّة المددي ِ وما فعل خالدٌ ، فقال رسول الله (ص) : «يا خالد! ما حملك على ما صنعت؟»قال: استكثرته ، فقال «ردَّ عليه الَّذي أخذتَ منه » قال عوف: فقلت: دونكها يا خالد! ألم أوف لك؟ فقال رسول الله (ص «وما ذلك؟»فأخبرتُه ، قال: فغضب رسول الله (ص) ، وقال: «يا خالد لا تردَّ عليه ، هل أنتم تاركون لي أُمَرَائِي؟ لكم صَفْوَةُ أمرهم ، وعليهم كَدَرُه»[6/27) ، ومسلم1753) ، وأبو داود2719 و2720.]) هذا موقفٌ عظيمٌ من النَّب ِ (ص) في حماية القادة ، والأمراء من أن يتعرَّضوا للإهانة بسبب الأخطاء الَّتي قد تقع منهم ، فهم بشر معرَّضون للخطأ ، فينبغي السَّعي في إصلاح خطئهم من غير تنقُّصٍ ، ولا إهانةٍ ، فخالد حين يمنع ذلك ا لمجاهد سلبه لم يقصد الإساءة إليه ، وإنمَّا اجتهد ، فغلَّب جانب المصلحة العامَّة؛ حيث استكثر ذلك السَّلَب على فردٍ واحد ، ورأى: أنَّه إذا دخل في الغنيمة العامَّة؛

عدد الصفحات ٧٦

نفع عدداً أكبر من المجاهدين ، وعوف بن مالكٍ أدَّى مهمَّته في الإنكار على خالدٍ ، ثمَّ رفع الأم ر إلى رسول الله (ص) حينما لم يقبل خالد قوله ، وكان المفترض أن تكون مهمَّته قد انتهت بذلك؛ لأنَّه والحال هذه قد دخل في أمرٍ من أوامر الإصلاح ، وقد تمَّ الإصلاح على يده ، ولكنَّه تجاوز هذه المهمَّة حيث حوَّل القضيَّة من قضيةٍ إصلاحيَّةٍ إلى قضيَّةٍ شخصيَّ ةٍ ، فأظهر شيئاً من التَّشف ِي من خالدٍ ، ولم يقرَّه النَّبُّ (ص) على ذلك ، بل أنكر عليه إنكاراً شديداً ، وبينَّ حقَّ الولاة على جنودهم ، وكون النَّب ِ (ص) أمر خالداً بعدم رد ِ السَّلب على صاحبه لا يعني أنَّ حقَّ ذلك المجاهد قد ضاع؛ لأنَّه لا يمكن أن يأخذ رسول الله (ص) إنساناً بجريرة غيره ، فلابدَّ: أنَّ ذلك المجاهد قد حصل منه الر ِضا ، إمَّا بتعويضٍ عن ذلك السَّلَب ، أو بتنازلٍ منه ، أو غير ذلك فيما لم يُذكر تفصيلُه في ا293.]) إنَّ الأمَّة الَّتي لا تقد ِر رجالها ، ولا تحترمهم لا يمكن أن يقوم فيها نظامٌ ، إنَّ الترَّبية النَّبويَّة استطاعت بناء هذه الأمَّة بناءً سليماً ، وما أحرى المسلمين اليوم أن يكون كل إنسانٍ في مكانه ، وأن حلُترم ، ويُقدَّر بمقدار ما يقد ِم لهذا الد ِين! ويبقى الجميع بعد ذلك في الإطار العام ِ الَّذي وصف الله به المؤمنين: {ي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ ي َرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يأَْتيِ اللََُّّ بِقَوْمٍ حلُِب ُّهُمْ وَحلُِبُّونَهُ أَ ذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يجَُاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ اللََِّّ وَلاَ يخََافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللََِّّ ي ُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللََُّّ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [54.] وفي قوله (ص«هل أنتم تاركون لي أُمَرَائِي؟»وسامٌ اخرُ يُضاف إلى خالدٍ رضي الله عنه ، حيث عُدَّ من أمراء الرَّسول (ص) ، وهذا من المنها النَّبوي ِ الكريم في تقدير الر ِ جال294.]) 7 مقاييس الإيمان ، وأثرها في المعارك توقَّف الجيشُ الإسلاميُّ في مَعَان يناقش كثرة جيش العدو ِ ، وكانت المقاييس الماد ِيَّة لا تشجعهم على خوض المعركة ، ومع ذلك تابعوا طريقهم ، ودخلوا بمقاييس إيمانيَّة ، فهم قد خرجوا يطلبون الشَّهادة ، فلماذا إذاً يفرُّون ممَّا خرجوا لطلبه؟! قال زيد ب ن أرقم: كنت يتيماً لعبد الله ب ن رواحة في حجره ، فخر بي في سفره ذلك مُردفي على حقيبة رَحْلِ هِ ، فوالله: إنَّه ليسير ليل ةً؛ إذ سمعته ينشد أبياتاً منها: وَجَاءَ المُسْلِمُونَ وَغَادَرُونيِْ بأَرْضِ الشَّامِ مُشْ ت َهَى الث َّوَاءِ

عدد الصفحات ٧٧

فلمَّا سمعتُها منه بَكَيْتُ ، قال: فخفقني بالد ِرَّةِ ، وقال: وما عليك يا لُكَعُ أن يرزقني الله الشَّهادة ، وترجعَ بين شُعْب َتيَ الرَّحل 295.]) إنَّ التأمُّل بعمقٍ في غزوة مؤتة يساعدنا في معالجة الهزيمة النَّفسيَّة والرُّوحيَّة؛ ال تمرُّ بها الأمَّة ، وإقامة الحجَّة على القائلين بأنَّ سبب هزيمتنا التفوُّق الت ِكنولوجي لدى الأعداء ، لقد سجل ابن كثير رأيه في هذه المعركة ، وقال: «هذا عظيمٌ جد اً أن يتقاتل جيشان متعاديان في الد ِين؛ أحدُهما ، وهو الفئة الَّتي تقاتل في سبيل الله، عدَّ تها ثلاثةُ الافٍ ، وأخرى كافرةٌ وعدَّتها مئتا ألف مقاتلٍ ، من الرَّوم مئة ألف ، ومن نصارى العرب مئة ألفٍ ، يتبارزون ، ويتصاولون ، ثمَّ مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلاَّ اثنا عشر رجلاً ، وقد قتل من المشركين خلقٌ كثيرٌ ، هذا خالدٌ وحده يقول: لقد اندقَّت في يدي يوم مؤتة تسعةُ أسيافٍ ، فما بقي في يدي إلا صفيحةٌ يمانيةٌ ، فيا ترى كم قتل بهذه الأسياف كل ِها؟! دع غيره من الأبطال والشُّجعان من حملة القران، وقد تحكَّموا في عبدة الصُّلبان عليهم لعائن الله في ذلك الزَّمان، وفي كل ِ أوان [»296.]) 8 من شعر كعب بن مالك في بكاء قتلى مؤتة: حيث قال: فيِْ لَي ْلَةٍ ورَدَتْ عَلَيَّ همُُومُهَا طَوْراً أحِن 297])298]) واعْتَادَنيِ حُزنٌ فَبِتُّ كأَنَّ نيِ بِب َنَاتِ ن َعْشٍ والس ِمَاكِ مُوَكَّلُ 299]) وكأنمََّا ب َينَْ الجَوَانِحِ والحَشَى ممَِّ ا تأوَّبَنيِ شِهَابٌ مُدْخَلُ 300]) وَجْداً عَلى الن َّفَرِ الَّذِين ت َتَاب َعُوا ي َوْمَاً بمُِؤْتَةَ أُسْنِدُوا لمَْ ي ُن ْقَلُوا صَلَّى الإله عَلَيْهِمُ مِنْ فِت ْيَةٍ وَسَقَى عِظَامَهُمُ الغَمَامُ المُسْبِلُ301]) صَب َرُوا بمُِؤْتَةَ للإلهِ ن ُفُوسَهُمْ حَذَرَ الرَّدى ومخَافَةً أن ي َنْكُلُوا 302]) فَمَضَوْا أمَامَ المُسْلِمينَْ كأَن َّهُمْ ف ُنُقٌ303])304]) إِذْ ي َهْتَدُوْنَ بجَِعْفَرٍ وَلِوَائِهِ قُدَّامَ أوَّلهِِمْ فَنِعْمَ الأَوَّلُ حَتََّّ ت َفَرَّجَتِ الصُّفُوفُ وَ جَعْفَرٌ حَيْث الْت َقَى وَعْثُ الصُّفُوفِ مجَُدَّلُ فَتغَيرَّ القَمَرُ المُنِي ْرُ لِفَقْدِهِ والشَّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وكَادَتْ تأْفِلُ 305]) هذه بعض الأبيات التي بكى بها مالك بن كعب شهداء مؤتة ، ولم يتغيَّب حسَّانُ بن ثابتٍ رضي عنه عن نظم القصائد في بكاء قتلى مؤتة ، وبكاء جعفر بن أبي طالبٍ ، وزيدِ بن حارثة ، وعبد الله بن

عدد الصفحات ٧٨

رواحة ، فقد كانت المؤسَّسة الإعلاميَّة تقوم بدورها بتفوُّقٍ وجدارةٍ ، وتتعبَّد المولى عزَّ وجلَّ بما خصَّها به من مَلَكَاتٍ ومواهبَ شعريَّةٍ فذَّةٍ. * * * المبحث الخامس سريَّة ذات السَّلاسل لمَْ تمَضِ سوى أياَّمٍ على عودة الجيش من مؤتة إلى المدينة حتََّّ جهَّز النَّبُّ (ص) جيشاً بقي ادة عمرو ب ن العاص إلى ذات السَّلاسل؛ وذلك لتأديب قُضاعة التي غرَّها ما حدث في مؤتة ، والَّتي اشتركت فيها إلى جانب الرُّوم ، فتجمَّعت تريد الدُّنوَّ من المدينة ، فتقدَّم عمرو بن العاص في ديارها ، ومعه ثلاثمئةٍ من المهاجرين والأنصار ، ولما وصل إلى مكان تجمُّع الأعداء بلغه: أنَّ لهم جموعاً كثيرة ، فأرسل إلى رسول الله (ص) يطلب المدد ، فجاءه مددٌ بقيادة أبي عبيدة بن الجرَّاح306])ون الكفَّار ، وتوغَّل عمرو في ديار قُضاعة الَّتي هربت ، وتفرقت ، وانَّزمت ، ونجح عمرو في إرجاع هيبة الإسلام لأطراف الشَّام ، وإرجاع أحلاف المسلمين لصداقتهم الأولى ، ودخول قبائل أخرى في حلف المسلمين وإسلام الكثيرين من بني عبس ، وبني مُرَّة ، وبني ذبيان ، وكذلك فزارة وسي ِدها عيينة بن حصن في حلفٍ مع المسلمين ، وتبعها بنو سُلَيم ، وعلى رأسهم العبَّاس بن مرداس ، وبنو أشجع ، وأصبح المسلمون هم الأقوى في شمال بلاد العرب؛ وإن لم يكن في بلاد العرب جميعِها307.]) دروسٌ ، وعبرٌ ، وحكَمٌ وفي هذه السرية دروس وعبر وحكم منها: 1 إخلاص عمرو بن العاص رضي الله عنه قال عمرو بن العاص: بعث إليَّ رسول الله (ص) فقال: «خُذْ عليك ثيابك ، وسلاحَك ، ثمَّ ائت » فأتيتُه ، وهو يتوضَّأ ، فصعَّد فيَّ النَّظر ، ثمَّ طأطأ ، فقال«إني ِ أريد أن أبعثك على جيشٍ 308])

عدد الصفحات ٧٩

فيسل ِمك اللهُ ، ويغنمك ، وأرغب لك في المال رغبةً صالحة»، قال: قلت: يا رسول الله! ما أسلمتُ من أجل المال ، ولكني ِ أسلمتُ رغبةً في الإسلام ، وأن أكون مع رسول الله (ص) ، فقال رسول الله (ص) : «يا عمرو! نعم المال الصَّالح للمرء الصَّا »[ (4/197) ، والبخاري في الأدب المف رد ( 299) ، وابن حبان 3211) ، والحاكم 2/2 ) و2/236.]) فهذا الموقف يدلُّ على قوَّة إيمان ، وصدق ، وإخلاص عمرو بن العاص للإسلام وحرصه على ملازمة رسول الله (ص) ، وقد بينَّ له رسولُ الله (ص) : أنَّ المال الحلال نعمةٌ إذا وقع بيد الرَّجل الصَّالح؛ لأنه يبتغي به وجه الله ، ويصرفه في وجوه الخير ، ويَعِفُّ به نفسه ، وأسرته 309.]) 2 الاتح ِاد قوَّةٌ ، والتَّنازع ضعفٌ عندما وصل المدد الَّذي بعثه رسول الله (ص) بقيادة أبي عبيدة بن الجراح لجيش عمرو في ذات السَّلاسل ، أراد أبو عبيدة أن يؤمَّ الناس ، ويتقدَّم عَمْراً ، فقال له عمرو: إنمَّا قَدِمْتَ عليَّ مدداً لي ، وليس لك أن تؤمَّني ، وأنا الأمير ، وإنمَّا أرسلك النَّبُّ (ص) إليَّ مدداً ، فقال المهاجرون: كلاَّ ، بل أنت أمير أصحابك ، وهو أمير أصحابه ، فقال عمرو: لا ، بل أنتم مددٌ لنا ، فلمَّا رأى أبو عبيدة الاختلاف وكان حَسَنَ الخلق ، لين ِ الطَّبع قال: لتطمئنَّ يا عمرو! ولتعلمنَّ: أنَّ اخر ما عهد إليَّ رسول الله (ص) أن قال: «إذا قدمت على صاحبك ، فتطاوعا ، ولا تختلفا »، وإنَّك والله إن عصيتني؛ لأطيعنَّك ، فأطاع أبو عبيدة ، فكان عمرو يصل ِي بالنَّاس310.]) لقد أدرك أبو عبيدة رضي الله عنه أنَّ أيَّ اختلافٍ بين المسلمين في سريَّة ذات السَّلاسل يؤد ِي إلى الفشل ، ومِنْ ثمََّ تغلُّب العدو عليهم ، ولهذا سارع إلى قطع الن ِزاع، وانضمَّ جنديا ً تحت إم رة عمرو ب ن العاص امتث الاً لأمر الرَّسول (ص) : «لا تختلفا[»311.]) 3 حرص عمرو بن العاص على سلامة قوَّاته ظهرت عبقرية عمرو العسكريَّة في ذات السَّلاسل في حرصه على وحدة الصَّف ِ ، وفي حرص ه على سلام ة قوَّت ه ، ويتجلَّى ذلك في عدَّة صورٍ؛ منها: أ أنَّه كان يسير ليلاً ، ويختفي نَّاراً:

عدد الصفحات ٨٠

كان عمرو يدرك بثاقب بصره ، وب ُعْد نظره أنَّ العدوَّ يمكن أن يسعى إلى معرفة أخباره قبل اللقاء بينهما ، فيستعدَّ للقاء جيش المسلمين ، ولهذا رأى عمرو رضي الله عنه أن السَّير ليلاً والاختفاء نَّاراً هو أفضل أسلوب للمحافظة على قوَّاته ، وحقَّق بذلك أمرين مُهَمَّين: * إخفاء تحرُّكاته عن عدو ِه ، وبذلك يضمن سلامة قوَّاته. * حماية الجند من شدَّة الحر ِ ، وحتََّّ يبقى لهم نشاطُهم ، فيَصِلُون إلى مكان المواجهة؛ وهم أقوياء على مجابهة أعدائهم. ب عدم السَّماح للجند بإيقاد النَّار: عندما طلب الجنود من عمرو أن يسمح لهم بإيقاد النَّار لحاجتهم الماسَّة إلى التَّ دفئة؛ منعهم من ذلك؛ معتمداً في ذلك على خبرته الحربيَّة ، وعمق فكره العسكري ِ ، وخوفاً من وقوع مفسدةٍ أعظم من تلك المصلحة ، وهي أن يمتدَّ الضَّوء ، فيكشف المسلمين وهم قلَّة لأعدائهم ، فيهجموا عليهم ، ويتجلَّى هذا الفقه في حزمه الشديد مع أصحابه عندما ك لَّمه أبو بكر في ذلك ، فقال: لا يوقد أحدٌ منهم ناراً إلا قذفته فيها ، فلمَّا رجعوا إلى المدينة ، ذكروا ذلك لرسول الله (ص) ، فسأله رسول الله (ص) ، فقال: كرهت أن اذن لهم أن يوقدوا ناراً ، فيرى عدوُّهم قلَّتهم312.]) فأقرَّه النَّبُّ (ص) على فعله منع الجند من مطاردة أعدائهم: عندما هزم المسلمون أعداءهم؛ طمعوا فيهم ، فأرادوا مطاردتهم ، وتتبُّع فلولهم، ولكنَّ قائد السَّريَّة منع جنده من ذلك؛ لئلا يترتَّب على هذه المطاردة مفسدةٌ أعظم منها ، وهي أن يقع المسلمون في كمين ، ويتجلَّى هذا الفقه في قول عمرو بن العاص رضي الله عنه للرَّسول (ص) : وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد 313]) والحماية314.]) 4 من فقه عمرو بن العاص رضي الله عنه قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: احتلمت في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذات السَّلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيمَّمت ، ثمَّ صلَّيت بأصحابي الصُّبح ، فذكروا ذلك للنَّب ِ (ص) فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟! فأخبرته بالَّذي منعني من الاغتسال ، وقلت: إني ِ سمعت الله

عدد الصفحات ٨١