1 الإسلام ، والدَّعوة إليه قال تعا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[108.] وإذا كان المسلمون كلُّهم دعاةً إلى الله تعالى؛ فرسل النَّب ِ (ص) إلى الملوك والأمراء في زمانه هم صفوة الدُّعاة194.]) 2 الفصاحة والوضوح الفصاحة ، وجزالة اللَّفظ ، والدقَّة في توصيل المعاني إلى السَّامعين شرطٌ أساسيٌّ في الرَّجل الَّذي يتصدَّى للمهمَّة الد ِبلو ماسيَّة ، وقد طلب موسى تدعيمه بموقف الفصاحة من هارون أخيه ليِ وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي *هَارُونَ أَخِي *اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [29 31] سفرائه ، ومبعوثيه من العرب الَّذين تربَّوا في الجزيرة العربيَّة ومع البدو أحياناً ، فقد كانوا أصحاب نقاوةٍ ، لم تتكدَّر باختلاط الأعاجم بعد ، فقد كانوا على قدرٍ كبيرٍ من الفصاحة ، والوضوح. 3 حسن الخلق أخلاق السَّفير النَّبوي ِ هي أخلاق الإسلام الَّتي بيَّنها الله سبحانه وتعالى في القران الكريم ، وفصَّلها رسول الله (ص) في سنَّ ته ، وأهمُّها في السَّفير: الص ِدقُ ، والتَّواضع195.]) 4 العلم لا نريد هنا أن نبين ِ منزلة العلم؛ لأنَّ الكلام على هذه المسألة طويلٌ ، ولكنَّنا نؤك ِد هنا: أنَّ العلم بالشَّيء هو وسيلة نقل الفكرة ، والمبدأ ، لذا عندما تنظر إلى جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وهو حلاور النَّجاشيَّ ، ثم يقرأ عليه سورة: تتيقَّن من دقَّة الاختيار ودقَّة اختياره للألفاظ ، والعبارات196.]) 5 الص قال تعامْ كَأَن َّهُمْ ي َوْمَ ي َرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لمَْ ي َلْب َثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ ن َهَارٍ بَلاَغٌ ف َهَلْ ي ُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [35] الصبر هو عدَّة الدَّاعية، وزاده المستمر، ولو تصفَّحت سيرة الرَّسول (ص) وسيرة صحابته الأجلاَّء؛ لوجدتها حافلةً بالصَّبر على الدَّعوة ، وموقفُ الطَّائف شاهدٌ على ذلك.
عدد الصفحات ٥٠6 الشَّجاعة وقد تحدَّث التَّاريخ الإسلاميُّ عن شجاعة السُّفراء ، والَّذين أرسلهم الرَّسول (ص) إلى الملوك ، وأنََّّم كانوا لا يخافون لومة لائم. 7 الحكمة وقد كان سفراء الرَّسول (ص) يتَّصفون بالحكمة ، فهذا عمرو بن العاص كان مُسدَّداً في أقواله ، وأفعاله ، قيل لعمرو: ما العاقل؟ قال: (الإصابة بالظَّن ِ ، ومعرفة ما يكون بما قد كان) ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشَّر ِ ، إنمَّا العاقل الذي يعرف خير الشَّرَّيْنِ197.]) 8 سعة الحيلة يجب أن يكون السَّفير مدركاً لأبعاد المناورة الس ِياسيَّة ، متأن ِياً كتوماً. وسعةُ الحيلة الَّتي ترتكز أوَّلاً ، وقبل كل ِ شيءٍ على الذَّكاء من أهم سمات السَّفير ، وقد كان سفراء الرَّسول (ص) يتَّصفون بالذَّكاء ، والدَّهاء ، وتوقُّع الأحداث ، و الحساب لكل ِ ما يمكن أن حلدث ، وهذه مقو ِمات سعة الحيلة. 9 المظهر تميَّز سفراء النَّب ِ (ص) بالمظهر الحسن مع نقاء المخبر ، وقد حرص النَّبُّ (ص) على اختيار سفرائه من بين أصحابه الَّذين تتوافر فيهم صفاتٌ شكليَّة جميلةٌ إلى جانب سماتهم العقليَّة ، والنفس يَّة سالفة الذ ِكر198.]) هذه أهم الص ِفات الَّتي استخلصها الل ِواء الرُّكن محمود شيت خطاب من خلال دراسته القي ِمة لسفراء النَّب ِ (ص) والَّتي ينبغي للسَّفير المسلم أن يتحلَّى بها ، وتكون للدَّولة الإسلاميَّة مقياساً في اختيار مَنْ ترش ِحه لهذا المنصب الخ طير. ثالثاً: دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد: 1 الأَرِيْسِيُّون وردت كلمة (الأَرِيْسي ِين) أو (اليرَِيْسِي ِين) على اختلاف الر ِوايات في الكتاب الَّذي وُج ِه إلى (هرقل) وحدَه ، ولم ترد في كتابٍ من الكتب الَّتي أرسلت إلى غيره ، واختلف علماء الحديث واللُّغة في مدلول هذه الكلمة ، فالقول المشهور: أن (الأريسي ِين) جمع (أريسي) وهم الخول ، والخدم ، والأكَّارون199.])
عدد الصفحات ٥١وذهب العلامة أبو الحسن النَّدويُّ إلى أنَّ المراد بالأريسي ِين هم أتباع (أريوس) المصري ، وهو مؤس ِس فرقةٍ مسيحيَّةٍ كان لها دورٌ كبير في تاريخ العقا ئد المسيحيَّة والإصلاح الد ِيني ، وقد شغلت الدَّولة البيزنطيَّة، والكنيسة المسيحيَّة زمناً طويلاً ، و(أريوس) هو الَّذي نادى بالتَّوحيد ، والتَّمييز بين الخالق، والمخلوق، والأب، والابن على حد ِ تعبير المسيحيين لعدَّة قرون200.]) ودامت عقيدة (أريوس) ودع وته تصارعان الدَّعوة المكشوفة إلى تأليه المسيح ، وتسويته بالإله الواحد الصَّمد ، وكانت الحرب سجالاً ، وقد دان بهذه العقيدة عددٌ كبيرٌ من النَّصارى في الولايات الشَّرقية من المملكة البيزنطيَّة إلى أن عقد تيوسورس الكبير مجَْمعاً مسيحي اً في القسطنطينية ، قضى بألوهيَّة المسيح ، وإبنيَّته ، وقضى هذا الإعلان على العقيدة الَّتي دعا إليها (أريوس) واختفت ، ولكنَّها عاشت بعد ذلك ، ودانت بها طائفةٌ من النَّصارى ، اشتهرت بالفرقة الأريسيَّة ، أو الأريسي ِين ، فَمِنَ المرجَّح المعقول: أنَّ النَّبَّ (ص) إنمَّا عنى هذه الفرقة بقوله: «فإن تولَّيت ، فإنمَّا عليك إثم الأَرِيْسي ِ»فإنََّّا هي القائمة بالتَّوحيد الن ِسب في العالم المسيحي الَّذي تتزعمُه الدولة البيزنطيَّة العظمى ، الَّتي كان على رأسها (هرقل 201.]) وقد تحدَّث الإمام أبو جعفر الطَّحاويُّ عن هذه الفرقة ، فقال: وقد ذكر بعض أهل المعرفة بهذه المعاني: أنَّ في رهط هرقل فرقةً تعرف بالأروسية ، توح ِد الله ، وتعترف بعبودية المسيح لله عزَّ وجلَّ ، ولا تقول شيئاً ممَّا يقول النَّصارى في ربوبيته ، وتؤمن بنبوَّته ، فإنََّّا تمُسِك بدين المسيح مؤمنةً ، بما في إنجيله ، جاحدةً لما يقوله النَّصارى سوى ذلك ، وإذا كان ذلك كذلك؛ جاز أن يقال لهذه الفرقة (الأريسيُّون) في الرَّفع و(الأريسيين) في النَّصب والجر ، كما ذهب إليه أصحاب الحديث202.]) 2 اعتبارات حكيمة خاصَّة بالملوك في رسائل رسول الله (ص) للملوك فوارقُ دقيقةٌ مؤسَّسةٌ على حكمة الدَّعوة ، روعي فيها ما يمتاز به هؤلاء الملوك في العقائد الَّتي يدينون بها ، و(الخلفيَّات) الَّتي يمتازون بها ، فلم ا كان هرقل ، والمقوقس يدينان بألوهيَّة المسيح كل ِي اً ، أو جزئي اً ، وكونه ابنُ الله ، جاءت في الكتاب َينْ اللَّذين وُج ِها إليهما كلمة (عبد الله) مع اسم النَّب ِ (ص) صاحب هاتين الر ِسالتين ، فيبتدأى الكتابان بعد التَّسمية بقوله: «من محمَّدٍ عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرُّوم »وبقوله«من محمَّد عبد الله ورسوله إ المقوقس عظيم القِبْط»بخلاف ما جاء في كتابه (ص) إلى كسرى أبرويز ، فاكتفى بقوله: «من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس »وجاءت كذلك اية
عدد الصفحات ٥٢ب َي ْن َنَا وَب َي ْنَكُمْ أَلاَّ ن َعْبُدَ إِلاَّ اللَََّّ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَي ْئًا وَلاَ ي َتَّخِذَ ب َعْضُنَا ب َعْضًا أَرْباَ باً مِنْ دُونِ اللََِّّ فَإِنْ ت َوَلَّوْا ف َقُولُوا اشْهَدُوا بأَِناَّ مُسْلِمُونَ[عمران 64] أبرويز؛ لأنَّ الاية تخاطب أهل الكتاب؛ الَّذين دانوا بألوهيَّة المسيح ، واتخَّذوا أحبارهم ، ورهبانَّم أرباباً من دون الله ، والمسيح ابن مريم ، وقد كان هرقل إمبراطور الدَّولة البيزنطيَّة ، والمقوقس حاكم مصر قائدين سياسيَّين ، وزعيمين دينيَّين كبيرين للعالم المسيحي ، مع اختلافٍ يسيرٍ في الاعتقاد في المسيح: «هل له طبيعةٌ أم طبيعتان؟[»203.]) ولما كان كسرى أبرويز وقومُه يعبدون الشَّمس والنَّار ، ويدينون بوجود إلهين: أحدهما يمث ِل الخير ، وهو: يزدان ، والثَّاني يمث ِل الشَّرَّ وهو: إهرمن ، وكانوا بعيدين عن مفهوم النُّبوَّة ، والتَّصوُّر الصَّحيح للر ِسالة السَّماوية ، جاءت في الكتاب الَّذي وجه إلى الإمبراطور الإيراني عبارة: «وأني ِ رسول الله إلى النَّاس كافَّةً لينذر من كان حي اً [»204.]) وقد كان تلق ِي الملوك لهذه الرَّسائل يختلف: فأمَّا هرقل ، والنَّجاشيُّ ، والمقوقس؛ فتأدَّبوا ، وتلطَّفوا جوابهم ، وأكرم الن جاشيُّ ، والمقوقس رُسُلَ رسولِ الله (ص) ، وأرسل المقوقس هد ايا؛ منها جاريتان كانت أحدَهما ماريةُ أمُّ إبراهيم (ابن رسول الله) ، وأمَّا كسرى أبرويز؛ فلما قُرِأى عليه الكتاب مزَّقه ، وقال: «يكتب إليَّ هذا؛ وهو عبدي؟»فبلغ ذلك رسول الله (ص) فقال «مزَّق الله ملكه»[ تخريجه وأمر كسرى باذان وهو حاكمه على اليمن بإحضاره ، فأرسل بابويه يقول له: إن ملك الملوك قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك ، وقد بعثني إليك لتنطلق معي ، فأخبره رسول الله (ص) بأنَّ الله سلَّط على كسرى ابنه شيرويه ، فقتله205.]) وقد تحقَّق ما أنبا به رسول الله (ص) بكل ِ دقَّة ، فقد استولى على عرشه ابنه (قباذ) الملقب ب (شرويه) وقُتِل كسرى ذليلاً مهاناً بإيعازٍ منه سنة (628 م) ، وقد تمزَّق ملكُه بعد وفاته ، وأصبح لعبةً في أيدي أبناء الأسرة الحاكمة ، فلم يعش (شرويه) إلا ستَّة أشهرٍ ، وتوالى على عرشه في مدَّة أربع سنوات عشرة ملوكٍ ، واضطرب حبل الدَّولة إلى أن اجتمع النَّاس على (يزدجرد) وهو اخر ملوك بني ساسان ، وهو الَّذي واجه الزَّحف الإسلاميَّ؛ الَّذي أدَّى إلى انقراض الدَّولة السَّاسانيَّة؛ الَّتي دامت ، وازدهرت أكثر من أربعة قرون انقراضاً كل ِيَّاً ، وكان ذلك في سنة (637 م) ، وهكذا تحقَّقت هذه النُّبوءة في ظرف ثماني سن 206.])
عدد الصفحات ٥٣3 الوصف العام لرسائل الرَّسول (ص ويلاحظ الباحث: أنَّ الوصف العام لكتب الرَّسول (ص) إلى الملوك والأمراء يكاد يكون واحداً ، ويمكننا أن نستخر منها الأمور التَّالية: أ نلاحظ أنَّ جميع كتب الرَّسول (ص) الَّتي أرسلها إلى الملوك ، والرُّؤساء يفتتحها (ص) بالبسملة ، والبسملة اية من كتاب الله تبارك وتعالى وفي تصدير الكتاب بها أمورٌ مهمَّةٌ؛ كاستحباب بدء الكتب ب «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»اقتداءً برسولنا محمَّد (ص) ، فقد واظب عليها في كتبه (ص) ، كما أن فيها جواز كتابة ايةٍ من القران الكريم في كتاب ، وإن كان هذا الكتاب موجهاً إلى الكافرين ، وفيها جواز قراءة الكافر لايةٍ ، أو أكثر من القران الكريم؛ لأنَّ كتب رسول الله (ص) تضمَّنت البسملة ، وغيرها ، وفيها جواز قراءة الجنب لايةٍ ، أو أكثر من القران الكريم؛ لأنَّ هذا الكافر الَّذي أرسلت إليه الر ِسالة ، وتضمَّنت البسملة وغيرها لا حلترز من الجنابة ، والنَّجاسة ، فيقرأ الر ِسالة؛ التي اشتملت على اياتٍ من القران الكريم؛ وهو جنبٌ. ب ونستنبط من رسائل رسول الله (ص) إلى الملوك والأمراء الاتي: * مشروعيَّة إرسال السُّفراء المسلمين إلى زعماء الكفر؛ لأنَّ كلَّ كتابٍ كان يكتبه الرَّسول (ص) يكل ِف رجلاً من المسلمين حلمله إلى المرسل إليه. * مشروعية الكتابة إلى الكفَّار في أمر الد ِين ، والدُّنيا. * ينبغي أن يكتب في الكتاب اسم المُرْسِل ، والمُرْسَل إليه ، وموضوع الكتاب ، وهو واحدٌ في جميع الكتب ، ويتلخَّص في دعوتهم إلى الإسلام. * عدم بدء الكافر بتحيَّة الإسلام ، وهي السَّلام عليكم ، ورحمة الله وبركاته؛ ذلك لأنَّ النَّبَّ (ص) لم يطرح السَّلام في كتبه على ملكٍ من ملوك الكفر ، بل كان يصد ِر كتبه بقوله: السَّلام على من اتَّب ع الهدى ، أي: امن بالإسلام. ويؤخذ من هذا عدم جواز مخاطبة الكافر بتحيَّة الإسلام. * اتخاذ الخاتم: فقد كان رسول الله (ص) يختم رسائله بعد كتابتها بخاتمه ، وقد كُتب عليه ثلاث كلمات: محمَّد رسولُ الله [65) ، ومسلم2092([])207.])
عدد الصفحات ٥٤فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: لمَّا أراد النَّبُّ (ص) أن يكتب إلى الرُّوم؛ قيل له: إنََّّم لا يقرؤون كتاباً إلا أن يكون مختوماً ، فاتخَّذَ خاتماً مِنْ فضَّة ، فكأني ِ أنظر إلى ب َيَاضِه في يده ، ونقش فيه محمَّدٌ رسول الله. [2938.]) 4 تقدير الر ِجال لمَّا أسلم باذان بن ساسان وكان أميراً على اليمن لم يعزله رسول الله (ص) ، بل أبقاه أميراً عليها بعد إسلامه ، حين رأى فيه الإداريَّ النَّاجح ، والحاكم المناسب ، ممَّا يُدل ِل على أنَّ الرَّسول (ص) يقد ِر الكفاءات في الر ِجال ، ويضع الرَّجل المناسب في المكان المناسب ، ومن الجدير بالذ ِكر: أنَّ الرَّسول (ص) قد ولىَّ ولده أي: ولد باذان شهراً أميراً على اليمن بعد موت أبيه 208.]) 5 جواز أخذ الجزية من المجوس وهذا الحكم استخر من كتاب النَّب (ص) الَّذي أرسله إلى المنذر بن ساوى حلد ِد فيه الموقف من اليهود ، والمجوس؛ إذ ورد فيه: «ومن أقام على يهوديَّته ، أو مجوسيَّته؛ فعليه الجزية[»209.]) وقد ذهب ابن القي ِم مع طائفة من العلماء إلى جواز أخذ الجزية من كل ِ إنسان يبذلهُا ، سواءٌ أكان كتابي اً أم غير كتابي ٍ؛ كعبدة الأوثان من العرب ، وغيرهم ، فقد جاء في زاد المعاد: «وقد قالت طائفةٌ في الأمم كل ِها إذا بذلوا الجزية؛ قبلت منهم؛ أهل الكتابين بالقران ، والمجوس بالسُّنَّة ، ومن عداهم ملحقٌ بهم؛ لأنَّ المجوس أهل شركٍ لا كتاب لهم ، فأخذُها منهم دليلٌ على أخذها من جميع المشركين ، وإنمَّا لم يأخذها (ص) من عبدة الأوثان من العرب؛ لأنََّّم أسلمو ا قبل نزول اية الجزية ، فإنََّّا نزلت بعد تبوك[»210.]) 6 جواز أخذ هدية الكافر لقد أرسل المقوقس عظيم القبط حاكم مصر وهو كافرٌ مع سفير رسول الله حاطب بن أبي بلتعة هديةً تشتمل على جاريتين ، وكسوةٍ للرَّسول (ص) ، وبغلةٍ يركبها ، فقبلها رسولُ الله (ص) ، وإحدى هاتين الجاريتين ماريةُ القبطيَّة211.]) 7 من نتائج إرسال الكتب إلى الملوك والأمراء أظهر الرَّسول (ص) في سياسته الخارجيَّة درايةً سياسيَّةً فاقت التَّصوُّر ، وأصبحت مثالاً لمن جاء بعده من الخلفاء ، كما أظهر (ص) قوَّةً ، وشجاعةً فائقتين ، فلو كان غير رسول الله (ص) ؛ لخشي عاقبة ذلك الأمر ، لا سيَّما وأنَّ بعض هذه الكتب قد أرسلت إلى ملوكٍ أقوياء على تخوم بلاده؛ كهرقل ،
عدد الصفحات ٥٥وكسرى ، والمقوقس ، ولكنَّ حرص رسول الله (ص) ، وعزيمته على إبلاغ دعوة الله ، وإيمانه المطلق بتأييد الله سبحانه وتعالى ، كلُّ ذلك دفعه لأن ي ُقْدِم على ما أقدم عليه ، وقد حقَّقت هذه الس ِياسة النتائج الاتية: أ وطَّد الرَّسول (ص) بهذه الس ِياسة أسلوباً جديداً في التَّعامل الدَّولي ِ لم تكن تعرفه البشريَّة من قبلُ. ب أصبحت الدَّولة الإسلاميَّة لها مكان َتُها ، وقوَّتهُا ، وفرضت وجودها على الخريطة الدَّوليَّة لذلك الزَّمان. كشفت للرَّسول (ص) نوايا الملوك ، والأمراء ، وسياستهم نحوه ، وحكمهم على دعوته. د كانت مكاتبة الملوك خار جزيرة العرب تعبيراً عملي اً على عالمية الدَّعوة الإسلاميَّة ، تلك العالميَّة الَّتي أوضحتْها اياتٌ نزلت في العهد المك ِي ، مثل قوله تعا [107.] وهكذا ، فإنَّ رسائل النَّب ِ (ص) إلى أمراء العرب والملوك المجاورين لبلاده ت ُعَدُّ نقطة تحوُّلٍ في سياسة دولة الرَّسول الخارجيَّة ، فعظم شأنَُّا ، وأصبحت لها مكانةٌ دينيَّةٌ ، وسياسيَّةٌ بين الدُّول ، وذلك قبل فتح مكة ، كما أنَّ هذه السياسة مهَّدت لتوحيد الرَّسول (ص) لسائر أنحاء بلاد العرب في عام الوفود212.]) * * * المبحث الثَّالث عمرة القضاء 213]) وفي ذي القعدة في السَّنة السَّابعة من الهجرة خر الرَّسول (ص) إلى مكَّة قاصداً العمرة ، كما اتَّفق مع قريشٍ في صلح الحديبية ، وقد بلغ عدد من شهد عمرة القضاء ألفين سوى الن ِساء ، والص ِبيان ، ولم يتخلَّف من أهل الحديبية إلا مَنِ استُشْهِدَ في خيبر ، أو مات قبل عمرة القضاء214.])
عدد الصفحات ٥٦وقد اتجَّه رسولُ الله (ص ) وأصحابه الكرام من المدينة باتجاه مكَّة المكرَّمة في موكبٍ مهيبٍ يشقُّ طريقه عبر القرى ، والبوادي ، وكان كلَّما مرَّ الموكب النَّبويُّ بمنازل قومٍ من الذين يسكنون على جانب الطَّريق بين مكَّة والمدينة؛ خرجوا ، وشاهدوا منظراً لم يألفوه مِنْ قبلُ ، حيث كان المسلمون بزي ٍ واحدٍ من الإحرام ، وهم يرفعون أصواتهم بالتَّلبية ، ويسوقون هديهم في علاماته ، وقلائده ، في مظهرٍ بهي ٍ لم تشهد المنطقة له مثيلاً215.]) أولاً: الحيطة والحذر من غدر قريش اصطحب النَّبُّ (ص) معه الس ِلاح الكامل ، ولم يقتصر على السُّيوف ، تحسُّ باً لكل ِ طارأًى ق د يقع ، خاصَّةً وأنَّ المشركين في الغالب لا حلافظون على عهدٍ قطعوه ، ولا عَقْدٍ عقدوه216.]) وما إن وصل خبر مسير النَّب ِ (ص) ، ومعه هذا العدد الضَّخم ، وهذه الأسلحة المتنو ِعة ، وفي مقد ِمة القافلة مئتا فارسٍ بقيادة محمَّد بن مسلمة ، حتََّّ أرسلت قريش إلى رسول الله (ص) مكرز بن حفص في نفرٍ من قريش؛ ليستوضحوا حقيقة الأمر ، فقابلوه في بطن يأجُج217]) يا محمد! والله ما عرفناك صغيراً ، ولا كبيراً بالغدر! تدخل بالس ِلاح الحرم على قومك ، وقد شرطت ألا تدخل إلا على العهد ، وأنَّه لن يدخل الحرم غير السُّيوف في أغمادها ، فقال رسول الله (ص) : «لا ندخلها إلا كذلك »ثمَّ رجع مكْرَزُ مسرعاً بأصحابه إلى مكَّة ، فقال: إن محمداً لا يدخل بسلاح ، وهو على الشَّرط؛ الَّذي شرط لكم4/321) ، والواقدي في المغازي ( 3/734) ، وابن سعد في الطبقات2/121.]) ووضع رسول الله (ص) الس ِلاح خار الحرم قريباً منه تحسُّباً لكل ِ طارأى ، وأبقى عنده مئتي فارسٍ بقيادة محمَّد بن مسلمة حلرسونه ، وينتظرون أمر الرَّسول (ص) ليتحرَّكوا في أي ِ جهةٍ ، وينف ِذوا أيَّ أمرٍ ، ويقاتلوا متَّ دعتِ الضَّرورة لذلك 218.]) إنَّ النَّبَّ (ص) لم يأمن غ در مشركي قريش ، وخيانتهم ، فقد تُسو ِل لهم أنفسُهم أن ينصبوا كميناً ، أو أكثر للمسلمين ، ويشنُّوا عليهم هجوماً مباغتاً ، ولذلك احتاط ، وأخذ الح ذر ، ووفََّ بعهده ، ووع ده لقريش ، وعلَّم الأمَّة ل كي تحذر من أعدائها 219]) الأسلحة ، والعتاد؛ لكي يراقبوا الموقف بدقَّةٍ ، وتحفُّزٍ معنىً من معاني العبادة في هذا الد ِين220.]) ثانياً: دخول مكَّة ، والطَّواف ، والسَّعي
عدد الصفحات ٥٧ومن بطن يأجج تابع رسولُ الله (ص) سيره نحو مك ة على راحلته القصواء ، فدخلها من الثَّنيَّة الَّتي تطلعه على الحجون ، والمسلمون حوله متوش ِحون سيوفهم ، محدقون به من كل ِ جانب، يسترونه من المشركين مخافة أن يؤذوه بشيءٍ ، وأصواتهم تعجُّ بالتَّلبية لله العلي ِ الكب221.]) هذه التَّلبية الجماعيَّة ال تعجُّ أصوات المسلمين بها ، والَّتي لم تنقطع منذ أن أحرموا ، واستمرَّت حتََّّ دخلوا مكَّة ، فقد كان للتَّلبية مغزىً ومعنىً ، فهي تعلن التَّوحيد ، وترفع شعاره ، وتعني إبطال الش ِرك ، وإسقاط رايته ، وتعلن الحمد ، والثَّناء على الله الَّذي مكَّنهم من أداء هذا النُّسك 222]) بعض معاني تلبية المسلم بقوله: لبيك الل هُمَّ لبَّيك ، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك ، إنَّ الحمد ، والن ِعمة لكَ والمُلك ، لا شريك لك. وكان عبد الله بن رواحة اخذاً بزمام راحلته ، وهو يرتجز بشعره: خَلُّوا بَنيِ الكُف ارِ عَنْ سَبِيْلِهِ خَ لُّوا فكلُّ الخَيرِْ في رَسُوْلِهِ ياَ رَب ِ إني ِ مؤمنٌ بِقِيْلِهِ أَعْرِفُ حقَّ اللهِ في ق َب ُوْلِهِ ضَرْباً يُزِيْلُ الهَامَ عَنْ مَقِيْلِهِ وَيُذْهِلُ الخَلِيْلَ عَنْ خَلِيْلِهِ [4/323) ، والترمذي2847) ، والنسائي5/202([])223.]) وكان مظهراً دعويا ً مؤث ِراً عندما بدأ الموكب النَّبويُّ الكريم يقترب من بيوت مكَّة المكرَّمة ، وأبنيتها ، شاق اً طريقه باتج ِاه الكعبة المشرَّفة ، وهم في مظهرهم المَهِيْب ، وأصواتهُم تشقُّ عَنان السَّماء بالتَّلبية ، فقد ذكرت معظم كتب الس ِير ، والم غازي: أنَّ قسماً من أهالي مكَّة خر إلى رؤوس الجبال لينظر إلى المسلمين من الأماكن العالية ، والقسم الأكبر وقف عند دار النَّدوة المجاورة للكعبة الشَّريفة انذاك؛ ليشاهدوا رسول الله (ص) ، وأصحابه الكرام أثناء دخولهم مكَّة المكرَّمة ، وبيت الله الحرام224.]) وكان المشركون قد أطلقوا شائعةً ضدَّ المسلمين مفادها: أنََّّم وهنتهم225]) (ص) أصحابه أن يرمُلوا في الأشواط الثَّلاثة ، وأن يمشوا ما بين الرُّكن4256) ، ومسلم (1266])البيت الحرام ، واضطبع 226 ]) بردائه فأخر عضده اليُمنى وشرع في الطَّواف ، وأصحابه يتابعونه ، ويقتدون به ، ولما رأى المشركون ذلك؛ قالوا: هؤلاء الَّذين زعمتم أنَّ الحمَّى قد وهنتهم؟! هؤلاء أجلد مِنْ كذا ، وكذا (1266([])227.])
عدد الصفحات ٥٨وقد قصد رسول الله (ص) بهذ ه الطَّريقة الَّتي فعلها عند دخوله المسجد الحرام ، وهي الاضطباع ، والهرولة ، ورفع الأصوات بالتَّلبية أن يُرهِب قريشاً ، وأن يُظهر لها قوَّة المسلمين ، وعزيمتهم ، وتمسُّكهم بدينهم ، ومناعة جبهتهم. وقد أثَّر هذا الأسلوب في نفوس المشرك228])النَّبوي ِ الكريم أغاظ الرَّسول (ص المشركين ، وكايدهم ، فقد كان (ص) يتقرَّب إلى الله بمكايدتهم ، وإغاظتهم ، ففي غزوة أحد أذن (ص) لأبي دُجانة أن يمشي متبختراً أمام المشركين لإظهار عزَّة المؤمن؛ ولأنَّ ذلك يَغِيْظُ المشركين ، وزيادةً في إغاظتهم كان يلبس الع صابة الحمراء دون أن ينكر الرَّسول (ص) ذلك. وفي غزوة الحديبية ساق رسول الله (ص) في الهدي جمل أبي جهل الَّذي غنمه في بدرٍ؛ ليراه المشركون ، فيزدادوا غيظاً حين يذكرون مصارع قتلاهم ، وذلَّ أسراهم ، وها هو ذا (ص) يأمر المسلمين في عمرة القضاء بإظهار التَّجلُّد ، والهرولة؛ لإغاظتهم ، ومكايدتهم ، ورد ِ كيدهم في نحورهم 229])«أنَّ رسول الله (ص) كان يكيد المشركين بكل ِ ما يستطيع[»230.]) فهذه حربٌ نفسيَّةٌ شنَّها رسول الله (ص) على المشركين ، وقد اتت أكُلَها ، ولقد أقام الرَّسول (ص مكَّة ثلاثة أيام ، ومعه المسلمون يرفعون راية التَّوحيد ، ويطوفون بالبيت العتيق ، ويرفعون الأذان ، ويقيمون الصَّلاة ، ويصل ِي بهم رسول الله (ص) الصَّلوات الخمس في جماعة، وكان بلالُ بن رباح رضي الله عنه بصوته النَّدي ِ يرفع الأذان من فوق ظهر الكعبة ، فكان وقعه على ا لمشركين كالصَّاعقة231.]) ولم ينسَ (ص) مجموعة الحراسة الَّتي كانت تحرس الأسلحة ، والعتاد بأن يرسل من يقوم بمهمَّتهم ممَّن طاف ، وسعى مكانَّم ويأتي هؤلاء ليؤدُّوا النُّسك ، فقد كان (ص) يتعامل مع نفوسٍ يدرك حقيقة شوقها لبيت الله الحرام ، وما جاءت للمرَّة الثانية ، وقطعت هذه المسافة الشَّاسعة إلا لتنال هذا الشَّرف ، وت َبُلَّ هذا الظَّمأ ، فتطوف مع الطَّائفين، وتسعى مع السَّاعين، فعمل (ص) على مراعاة النُّفوس، وساعدها ولبىَّ مطالبها من أجل إصلاحها والرُّقي ِ بها؛ إنَّه من منهج النُّبوَّة في الترَّبية 232.]) ثالثاً: زواجه من أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها: كانت ميمونة أختُ أم ِ الفضل زوجةِ العبَّاس بن عبد المطلب فتاةً في السَّادسة والعشرين ، قد جعلت أمر زواجها بعد وفاة زوجها أبي رُهْم بن عبد العزَّى إلى أختِها أم ِ الفضل ، فجعلته أمُّ الفضل إلى زوجها
عدد الصفحات ٥٩العبَّاس ، فزوَّجها العباس من ابن أخيه النَّب ِ (ص) ، وأصدقها عنه أربعمئة درهم233]) عبد الله بن عبَّاس ، وخالد بن الوليد ، ولمَّا انقضت الثَّلاثة أياَّم؛ الَّتي نصَّ عليها عهد الحديبية؛ أراد النَّبُّ (ص) أن يتَّخذ من زواجه من ميمونة وسيلةً لزيادة التَّفاهم بينه وبين قريش ، فجاءه سهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد العزَّى مُوْفَدَين من نفرٍ من قريشٍ ، فقالوا: إنَّه قد انقضى أجلُك ، فاخر عنَّا ، فقال النَّبُّ (ص) كما ذكر ابن إسحاق: «وما عليكم لو تركتموني ، فأعرست بين أظهركم ، وصنعنا لكم طعاماً ، فحضرتموه؟!»قالوا: لا حاجة لنا في طعامك ، فاخر عنا. فخر ، وخلَّف أ رافعٍ مولاه على ميمونة حتََّّ أتاه بها بِسَرِفٍ (موضع قرب التَّنعيم) فبنى بها هناك4/14) ، والبيهقي في دلائل النبوة4/330]) وهي اخر مَنْ تزوَّ الرَّسول (ص) من نسائه ، واخر من مات من نسائه بعده ، وأنََّّا ماتت ، ودفنت بِسَرِفٍ ، فمكان عرسها هو مكان دفنها رضي الله عنها ، وأرضاها 234.]) وف ي زوا رسول الله (ص) بميمون ة مسألةٌ فقهيَّ ةٌ اختلف الفقهاء فيها ، وهي: هل تزوَّ (ص) بميمونة وهو محرمٌ «عقد نكاحه عليها فقط »أو عقد عليها بعد التَّحلُّ ل؟ 235]) تفصيلها رابعاً: التحاق بنتِ حمزة بن عبد المطَّلب بركب المسلمين: لقد تغيرَّت النُّفوس ، والعقول بتأثير الإسلام تغيرُّاً عظيماً ، فعادت البنت التي كان يتعيرَّ بها أشراف العرب ، وجرت ع ادة وأدها في بعض القبائل ف راراً من العار ، وزهداً في البنات حبيبةً يتنافس في تربيتها المسلمون ، وكانوا سواسيةً ، لا يرجع بعضُهم على بعضٍ إلا بفضلٍ ، أو حق ٍ 236]) أراد النَّبُّ (ص) الخرو من مكَّة ، تبعت ه ابن ة حمزة تنادي يا عم ! يا عم ! فتناولها عليٌّ رضي الله عنه فأخذ بيدها وقال لفاطمة عليها السَّلام: دونك ابنةَ عم ِك ، فاختصم فيها عليٌّ ، وزيدٌ ، وجعفرٌ. قال علي: أنا أخذتهُا ، وهي بنت عم ِي. وقال جعفر: هي ابنة عم ِي ، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النَّب ِ (ص) لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم »وقال لعلي ِ: «أنت مني ِ، وأنا منك » وقال لجعفر «أشبهت خَلْقي، وخُلُقي »وقال لزيد «أنت أخونا، ومو »[2700 ) و4251) ، والترمذي1904.]) وقال عليٌّ رضي الله عنه للنَّب ِ (ص) : ألا تتزو بنت حمزة؟ قال (ص«إنََّّا ابنة أخي من الرَّضاعة» [ري 4251) من حديث البراء ، ومسلم1446) عن علي
عدد الصفحات ٦٠وفي هذه القصَّة دروسٌ ، وعبرٌ ، وأحكامٌ ، وفوائد؛ منها 1 الخالة بمنزلة الأم ِ 2 الخالة تُقدَّم على غيرها في الحضانة؛ إذا لم يوجد الأبوان 3 تزكية رسول الله (ص) لجعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ، ووصفه له بقوله: «أشبهت خلقي ، وخُلقي» 4 منقبة علي ٍ رضي الله عنه: تأمَّل قوله (ص«أنت مني ِ وأنا منك »والمعنى: أنت مني ِ وأنا منك النَّسب والص ِهر ، والسَّابقة ، والمحبَّة. 5 منقبة زيد بن حارثة: يقول له الرَّسول (ص«أنت أخونا ، ومو»لأنَّه كان أخاً لحمزة بن عبد المطلب ، فقد اخى الرَّسول (ص) بينهما ، وهو باجتهاده يريد أن يكون عليه ما على الأخ الشَّقيق من واجباتٍ ، والواجب هنا أن يكون ولي اً على بنت حمزة رضي الله عنه. 6 الخالة تُقدَّم على العمَّة في الحضانة: لقد حكم النَّبُّ (ص) لزوجة جعفرلحضانة؛ وعمَّتها صفيَّة بنت عبد المطلب حيَّةٌ موجودةٌ. 7 زوا المرأة لا يُسقط حقَّها في الحضانة: فقد حكم الرَّسول (ص) بالحضانة لخالة بنت حمزة؛ وهي متزو ِجة من جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه. 8 لابدَّ من موافقة الزَّو على حضانة زوجته لابنة أختها؛ لأن الزَّوجة محتبَسةٌ لمصلحته ، ومنفعته ، والحضانة قد تفو ِت هذه المصلحة جزئي اً ، فلابدَّ من استئذانه ، ونلاحظ هنا أنَّ جعفر بن أبي طالبٍ قد طالب بحضانة بنت عم ِه حمزة لخالتها وهي زوجةٌ له ، فدلَّ على رضاه بذلك. 9 إنَّ الط ِفل إذا رضع مع عم ِه يصبح أخاً له في الرَّضاعة ، وتصبح بناتُه كلُّهن بنات أخيه من الرَّضاعة ، فيحرم عليه نكاحهن237.]) خامساً: أثر عمرة القضاء على الجزيرة ، وإسلام خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعثمان بن طلحة: لقد كان تأثير هذه العمرة على قريشٍ ، وعلى عرب الجزيرة تأثيراً بالغاً ، ف قد حملت في مضمونَّا ، مهمَّةً دعويَّةً عظيمةً ، ولقد تأثر أهل مكَّة من هذه العمرة الس ِلميَّة. يقول الل ِواء محمود شيت خطَّاب: أثَّرت عمرة القضاء في هذه الفترة على معنويات قريشٍ تأثيراً كبيراً ، فقد وقف الكثير من قريش عند دار النَّدوة بمكَّة ، كما عسكر اخرو ن فوق الهضاب المحيطة بها ليشهدوا
عدد الصفحات ٦١دخول الرَّسول (ص) وأصحابه ، فلمَّا دخل رسول الله (ص) المسجد؛ اضطبع بردائه ، وأخر عضده اليُمنى ، ثمَّ قال: «رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوَّةً»[ يهرول ، وأصحابه معه ، فلم يكد يك الرَّسول (ص) مكَّة حتََّّ وقف خالد بن الوليد يقول في جمع من قريش: لقد استبان لكل ِ ذي عقلٍ: أنَّ محمَّداً ليس بساحرٍ، ولا شاعرٍ ، وأنَّ كلامه من كلام رب ِ العالمين ، فحقَّ لكل ِ ذي لُب ٍ أن يتَّبعه. وسمع أبو سفيان بما كان من قول خالد بن الوليد ، فبعث في طلبه ، وسأله عن صحَّة ما سمع ، فأكَّد له خالدٌ صحَّته ، فاندفع أبو سفيان إلى خالدٍ في غضبه ، فحجزه عنه عكرمة ، وكان حاضراً ، وقال: مهلاً يا أبا سفيان! فو الله! خِفْتُ لِلَّذي خِفْتُ أن أقول مثل ما قال خالد ، وأكون على دينه ، أنتم تقتلون خالداً على رأيٍ راه ، وهذه قريش كلُّها تبايعت عليه ، والله! لقد خفت ألا حلول الحول حتََّّ يتَّبعه أهل مكَّة كلُّهم. وأسلم من بعد خالد بن الوليد عمرو بن العاص ، وحارس الكعبة نفسها عثمان بن طلحة؛ بل وظهر الإسلام في كل ِ بيت من قريش سراً وعلانيةً ، وبهذه النتيجة الطَّيبة يمكننا القول بأنَّ عمرة القضاء هذه قد فتحت أبواب قلوب أهل مكَّة قبل أن يفتح المسلمون أبواب مكَّة نفسها238.]) ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد«وحسبُك: أنَّ عمرة القضاء هذه قد جمعت في اثارها من أسباب الإقناع بالدَّعوة المحمَّدية ما أقنع خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وهما في رجاحة العقل ، والخُلُق مثلان متكافئان ، حلُتذى بهما [»239.]) 1 إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه ونترك عمرو بن العاص حلد ِثنا عن إسلامه؛ حيث قال: لمَّا انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق؛ جمعت رجالاً من قريش؛ كانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ِ ، فقلت لهم: تعلمون والله! أني ِ أرى أمر محمَّدٍ يعلو الأمور علواً منكراً ، وإني ِ قد رأيت أمراً ، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنَّجاشي ، فنكون عنده ، فإن ظهر محمَّدٌ على قومنا؛ كنَّا عند النَّجاشي ِ ، فإناَّ أن نكون تحت يديه أحبَّ إل ينا من أن نكون تحت يَدَيْ محمَّدٍ ، وإن ظهر قومنا ، فنحن مَنْ قد عرفوا ، فلن يأتينا منهم إلا خير ، قالوا: إنَّ هذا الرَّأي! قلت: فأجمعوا لنا ما نَّديه له ، وكان أحبَّ ما يهدى إليه من أرضنا الأدم240])، فو الله إناَّ لعنده إذ جاءه عمرو بن أميَّة الضَّمْرِيُّ ، وكان رسول الله (ص) قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه ، قال: فدخل عليه ، ثمَّ خر من عنده ، قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أميَّة الضَّمْريُّ ، لو دخلت على النَّجاشي ِ ،
عدد الصفحات ٦٢وسألته إياَّه ، فأعطانيه ، فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني ِ أجزأت عنها 241]) حيث قتلت رسول محمَّدٍ. قال: فدخلت عليه ، فسجدت له كما كنت أصنع ، فقال: مرحباً صديقي ، أهديت إلي من بلادك شيئاً؟ قال: قلت: نعم ، أيها الملك! قد أهديت إليك أدماً كثيراً ، قال: ثمَّ قربته إليه فأعجبه ، واشتهاه ، ثمَّ قلت له: أيُّها الملك! إني ِ قد رأيت رجلاً خر من عندك ، وهو رسول رجلٍ عدو ٍ لنا ، فأعطنيه لأقتله؛ فإنَّه قد أصاب من أشرافنا ، وخيارنا ، قال: فغضب ، ثمَّ مدَّ يده ، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنَّه قد كسره ، فلو انشقت لي الأرض؛ لدخلت فيها ف َرَ قاً منه ، ثمَّ قلت له: أيها الملك! والله! لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتُكَهُ ، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه النَّاموس الأكبر الَّذي كان يأتي موسى لِقَتْلِهِ؟! قال: قلت: أيُّها الملك! أكذلك هو؟ قال: وحلك يا عمرو! أطعني واتَّبعه ، فإنَّه والله لعلى الحق ِ ، وليَظْهَ رَنَّ على مَنْ خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده ، قال: قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم ، فبسط يده ، فبايعته على الإسلام ، ثمَّ خرجت إلى أصحابي ، وقد حال رأيي عمَّا كان عليه ، وكتمت على أصحابي إسلامي ، ثمَّ خرجت عامداً إلى رسول الله؛ لأسلم ، فلقيت خالد بن الوليد ، وذلك قبيل الفتح ، وهو مقبلٌ من مكَّة ، فقلت: أين يا أبا سليمان؟! قال: والله لقد استقام المَنْسِمُ 242]) متَّ؟! قال: قلت: والله! ما جئت إلا لأسلم. قال: فقدمنا المدينة علىرسول الله (ص) ، فتقدَّم خالد بن الوليد ، فأسلم ، وبايع ، ثمَّ دنوت ، فقلت: يا رسول الله ! إني ِ أبايعك على أن يُغفر لي ما تقدَّم من ذنب ، ولا أذكر ما تأخَّر. قال: فقال رسول الله (ص) : «يا عمرو! بايع؛ فإنَّ الإسلام يجبُّ ما كان قبله ، وإنَّ الهجرة تجبُّ ما كان قبلها»قال: فبايعته ، ثمَّ انصرفت4/198 199) ، والبيهقي في الدلائل (4/343 348) ، وابن هشام3/289 291([])243.]) وفي روايةٍ قال: (... فلمَّا جعل الله الإسلام في قلب؛ أتيت النَّبَّ (ص) فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه ، قال: فقبضت يدي ، قال: «مالك يا عمرو؟»قال: قلت: أردت أن أشترط. قال «تشترط بماذا؟»قلت: أن يُغفرَ لي. قال «أما علمت: أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحجَّ يهدم ما كان قبله؟ »[121) ، وأحمد4/205) ، وابن خزيمة (2515.]) 2 إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه
عدد الصفحات ٦٣وهذا خالد بن الوليد حلد ِثنا عن قصَّة إسلامه ، فيقول: ... لمَّا أراد الله بي من الخير ما أراد؛ قذف قلب حُبَّ الإسلام وحضرني رشدي ، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلَّها على محمَّدٍ ، فليس موطنٌ أشهده إلاَّ أنصرف ، وأنا أر ى في نفسي أني ِ مُوضعٌ في غير شيءٍ ، وأنَّ محمَّداً سيظهر ، فلمَّا خر رسول الله (ص) إلى الحديبية؛ خرجت في خيل المشركين ، فلقيت رسول الله (ص) في أصحابه بعُسْفان ، فقمت بإزائه ، وتعرَّضت له ، فصلَّى بأصحابه الظُّهر امناً منا ، فهمَمْنا أن نغير عليه ، ثم لم يُعزَم لنا وكانت فيه خيرة فاطَّلع على ما في أنفسنا من الهموم ، فصلَّى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف ، فوقع ذلك مني ِ موقعاً ، وقلت: الرَّجل ممنوعٌ! وافترقنا ، وعدل عن سَنن خيلنا وأخذ ذات اليمين ، فلمَّا صالح قريشاً بالحديبية ، ودافعته قريش بالرَّواح؛ قلت في نفسي: أيُّ شيءٍ بقي؟ أين المذهب؟ إلى النَّجاشي ِ! فقد اتَّبع محمداً ، وأصحابُه امنون عنده ، فأخر إلى هرقل؟ فأخر من ديني إلى نصرانيَّةٍ ، أو يهوديَّةٍ ، فأقيم مع عجم تابعاً ، أو أقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا على ذلك؛ إذ دخل رسول الله (ص) عُمرة القضيَّ ة ، فتغيَّبتُ ، فلم أشهد دخوله ، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النَّب ِ (ص) في عُمرة القضية ، فطلبني ، فلم يجدني ، فكتب إليَّ كتاباً ، فإذا فيه: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، أمَّا بعد: فإني ِ لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام ، وعَقْلُك عَقْلُك! ومثلُ الإسلام يجهله أحد؟ وقد سألني رسول الله (ص) عنك ، فقال: «أين خالد؟» فقلت: يأتي الله به! فقال«ما مِث ْلَهُ جَهِلَ الإسلامَ! ولو كان جعل نكايته وجدَّه مع المسلمين على المشركين؛ لكان خيراً له ، ولقدَّمناه على غيره »فاستدرك يا أخي! ما فاتك ، فقد فاتتك مواط نُ صالحةٌ. قال: فلمَّا جاءني كتابه؛ نَشِطْتُ للخرو ، وزادني رغبةً في الإسلام ، وسرَّتني مقالةُ رسول الله (ص) . قال خالد: وأرى في النَّوم كأني في بلادٍ ضي ِقةٍ جديبةٍ ، فخرجت إلى بلدٍ أخضرَ واسعٍ ، فقلت: إنَّ هذه لرؤيا ، فلمَّا قدمت المدينة؛ قلت: لأذكرنََّّ ا لأبي بكرٍ ، قال: فذكرتها ، فقال: هو مخرجُك الَّذي هداك الله للإسلام ، والض ِيق الَّذي كنت فيه من الش ِرك ، فلمَّا أجمعت للخرو إلى رسول الله قلت: من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أميَّة ، فقلت: يا أبا وهب! أما ترى ما نحن فيه؟ إنمَّا نحن أكلَةُ رأس(244]) شرف محمَّدٍ على العرب
عدد الصفحات ٦٤فأبى أشدَّ الإباء ، وقال: لو لم يبقَ غيري من قريِشٍ ما اتَّبعته أبداً! فافترقنا ، وقلت: هذا رجلٌ موتور يطلب وِتْراً ، قد قُتل أبوه ، وأخوه ببدرٍ. فلقيت عكرمة بن أبي جهل ، فقلت له مثل الَّذي قلت لصفوان ، فقال لي مثل ما قال صفوان ، قلت: فاطوِ ما ذكرت مَنْ قُتل من ابائه ، فكرهتُ أذك ِره ، ثمَّ قلت: وما عليَّ وأني ِ راحلٌ من ساعتي ، فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له ما صار الأمر إليه ، فقلت: إنمَّا نحن بمنزلة ثعلب في جُحرٍ ، لو صُبَّ عليه ذَنوبٌ 245]) قال: وقلت له نحواً ممَّا قلت لصاحبيه ، فأسرع في الإجابة ، وقال: لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو ، وهذه راحلتي بضح ٍ مُنَاخةٌ. قال: فاتَّعدت أنا وهو بيأجج ، إن سبقني؛ أقام ، وإن سبقته؛ أقمت عليه. قال: فادَّلجنا سحراً فلم يطلع الفجر حتََّّ التقينا بيأجج ، فغدونا حتََّّ انتهينا إلى الهَدَّة ، فنجد عمرو بن العاص بها ، فقال: مرحباً بالقوم! فقلنا: وبك! قال: مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك؟ قال: فما الذي أخرجكم؟ قلنا: الدُّخول في الإسلام ، وات ِباع محمَّد (ص) . قال: وذلك الَّذي أقدمني. قال: فاصطحبنا جميعاً حتََّّ قدمنا المدينة ، فأنخنا بظاهر الحرَّة ركابنا ، فأُخبر بنا رسول الله (ص) فَسُرَّ بنا ، فَلبِسْتُ من صالح ثيابي ، ثمَّ عمدت إلى رسول الله (ص) ، فلقيني أخي ، فقال: أسرع فإنَّ رسول الله (ص) قد أُخبر بك فَسُرَّ ب قدومك ، وهو ينتظركم ، فأسرعت المشي ، فطلعت عليه ، فما زال يتبسَّم إليَّ حتََّّ وقفتُ عليه ، فسلمت عليه بالنُّبوَّة ، فرد عليَّ السَّلام بوجهٍ طَلْقٍ ، فقلت: إني ِ أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسولُ الله. فقال: «الحمد لله الَّذي هداك! قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى الخير»قلت: يا رسول الله! قد رأيتَ ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معانداً عن الحق ِ ، فادع الله أن يغفرها لي! فقال رسول الله (ص) : «الإسلام يجَُبُّ ما كان قبله »قلت رسول الله! على ذلك؟ فقال: «اللَّهم! اغفر لخالدٍ كلَّ ما أوضع فيه من صد ٍ عن سبيلك»قال خالد وتقدَّم عمرو ، وعثمانُ ، فبايعا رسول الله (ص) ، وكان قدومنا في صفر سنة ثمانٍ ، فو الله! ما كان رسول الله (ص) من يوم أسلمت يعدل بي أحداً من أصحابه فيما حزبه (4/349 352([])246.]) وفي إسلام عمرو بنالعاص ، وخالد بن الوليد رضي الله عنهما دروسٌ ، ولطائف ، وعبرٌ ، منها:
عدد الصفحات ٦٥