فأموتَ ، فأدخلَ الجنَّة ، فقال «إن تَصْدُقِ؛ يَصْدُقْكَ »ثم نَّض إلى قتال العدو ِ ، فأُتي به إلى النَّب ِ (ص) ؛ وهو مقتولٌ ، فقال: «أهو هو؟»قالوا: نعم قال: «صَدَقَ اللهَ ، فَصَدَقَهُ » فكفَّنه النَّبُّ (ص) في جُبَّته، ثمَّ قدَّمه، فصلَّى عليه ، وكان من دعائه له«اللَّهُمَّ هذا عبدُك خر مهاجراً في سبيلك، قُتِل شهيداً، وأنا عليه شهيدٌ »[4/60 61) ، والحاكم3/595 596) ، والبيهقي في الدلائل (4/222) ، وفي السنن الكبرى4/15 16.]) 2 الرَّاعي الأسود وجاء عبدٌ أسودُ حبشيٌّ من أهل خيبر ، كان في غنمٍ لسيده ، فلمَّا رأى أهل خيبر قد أخذو ا الس ِلاح ، سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الَّذي يزعم: أنَّه نبٌّ. فوقع في نفسه ذكر النَّب ِ ، فأقبل بغنمه إلى رسول الله (ص) فقال: ماذا تقول؟ وما تدعو إليه؟ قال: «أدعو إلى الإسلام ، وأن تشهد أن لا إله إ الله ، وأني ِ رسول الله ، وألا تعبد إلا الله »قال العبد: فما لي إن شهدت ، وامنت بالله عزَّ وجلَّ ، قال: «لك الجنَّة إنْ مِتَّ على ذلك. فأسلم ، ثمَّ قال: يا نبَّ الله! إنَّ هذه الغنم عندي أمانةٌ ، فقال رسول الله (ص) : «أخرجها من عن دك وارمها ب (الحصباء)؛ ف إنَّ الله سيؤد ِي عنك أمانتك»ففعل، فرجعت الغنم إلى سي ِدها ، فعلم اليهوديُّ: أنَّ غلامه قد أسلم ، فقام رسول الله (ص) في النَّاس، فوعظهم، وحضَّهم على الجهاد، فلمَّا التقى المسلمون واليهود؛ قُتِلَ فيمن قُتِلَ العبدُ الأسود ، واحتمله المسلمون إلى معسكرهم ، فأُدخل في الفسطاط ، فزعموا: أنَّ رسول الله (ص) اطَّلع في الفُسطاط ، ثمَّ أقبل على أصحابه ، وقال: «لقد أكرم الله هذا العبد ، وساقه إلى خيبر ، ولقد رأيت عند رأسه اثنت من الحور العين ، ولم يُصَل ِ لله سجدةً قطُّ »[2/136) ، والبيهقي في الكبرى9/143) ، وفي الدلائل (4/219 220[])(130.]) 3 بطل لكنَّه إلى النَّار كان في جيش المسلمين بخيبر رجلٌ لا يدع للمشركين شاذَّةً ، ولا فاذَّةً131]) بسيفه ، فقال رسول الله (ص «أما إنَّه من أهل النَّار»فقالوا: أيُّنا من أهل الجنَّة إن كان من أهل النَّار؟! فقال رجلٌ: والله لا يموت على هذه الحال أبداً ، فاتَّبعه حتََّّ جرح ، فاشتدَّت جراحتُه ، واستعجل الموت ، فوضع سيفه بالأرض ، وذبابه بين ثدييه ، ثمَّ تحامل عليه ، فقتل نفسه ، فجاء رجلٌ إلى رسول الله (ص) فقال: أشهد إنَّك رسول الله! قال: «وما ذاك؟»فأخبره ، فقال النَّبُّ (ص« : )إن
عدد الصفحات ٣٤الرَّجل ليعمل بعمل أهل الجنَّة فيما يبدو للناس ، وإنَّه من أهل النَّار ، وإنَّه ليعمل بعمل أهل النَّار فيما يبدو للنَّاس ، وإنَّه لمن أهل الجنَّة »[4202 و4207) ، والبيهقي في دلائل النبوة (4/252.]) خامساً: قدوم جعفر بن أبي طالبٍ ، ومَنْ معه من الحبشة: قدم جعفر بن أبي طالبٍ ، وصحبُه من مهاجري الحبشة على رسول الله (ص) يوم فتح خيبر ، فقبَّلهُ رسول الله (ص) بين عينيه ، والتزمه ، وقال: «ما أدري بأي ِهما أنا أَسَرُّ بفتح خيبر ، أم بقدوم جعفر؟» [30) ، وفي الأوسط2024) ، و الكبير (1470) ، وابن سعد4/35) ، والحاكم (3/408 409) ، والبيهقي في الكبرى8/101) ، ومجمع الزوائد9/271 272 .]) وكان (ص) قد أرسل في طلبهم من النَّجاشي ِ عمرو بن أميَّة الضَّمريَّ ، فحملهم في سفينتين ، ووافق قدومهم عليه يوم فتح خيبر ، وقد رافق جعفراً في قدومه أبو موسى الأشعريُّ ، ومن كان بصحبته من الأشعري ِ132.]) فعن أبي موسى الأشعري ِ رضي الله عنه قال: بلغنا مخَْرَ ُ النَّب ِ (ص) ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه ، أنا ، وأخوان لي ، أنا أصغرهم ، أحدُهم أبو ب ُرْدَةَ ، والاخر أبو رُهْمٍ ، إمَّا قال : في بضعٍ ، وإمَّا قال: في ثلاث ةٍ وخمسين ، أو اثنين وخمسين رج لاً من قومي، فركبنا سفينةً فألقتنا سفينتنا إلى النَّجاشي ِ بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالبٍ فأقمنا جميعاً ، فوافقنا النَّبَّ (ص) حين افتتح خي (4230) ، ومسلم2502.]) لقد مكث جعفر وإخوانه في الحبشة بضعة عشر عاماً ، نزل خلالها قرانٌ كثيرٌ ، ودارت معارك شتََّّ مع الكفَّار ، وتقلَّب المسلمون قبل الهجرة العامَّة وبعدها في أطوارٍ متباينةٍ، حتََّّ ظنَّ البعض أنَّ مهاجري الحبشة وقد فاتهم هذا كلُّه أقلُّ قدراً من غيرهم133.]) فعن أبي م وسى: «كان أناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة ، ودخلت أسماء بنت عُمَيْسٍ على حفصة زو النَّب ِ زائرةً وكانت هاجرت إلى النَّجاشي ِ فيمن هاجر فدخل عمر على حفصة؛ وأسماء عندها ، فقال حين رأى أسماء: من هذه ؟ قالت: أسماء بنت عُميس. قال عمر: الحبشيَّة هذه؟ البحريَّة هذه؟ قالت أسماء: نعم! قال عمر: سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحقُّ برسول الله منكم! فغضبت ، وقالت: كلاَّ والله! كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ، ويعظُ جاهلكم ، وكنَّا في أرض الب ُعَدَاء البُغضَاء بالحبشة! وذلك في الله وفي رسول الله ، وايمُْ الله! لا أطعَم طعاماً ، ولا أشرب
عدد الصفحات ٣٥شراباً حتََّّ أذكر ما قلتَ لرسول الله (ص) ، وأسأله ، والله! لا أكذب ، ولا أزيغ ، ولا أزيد عليه. فلمَّا جاءت النَّبَّ (ص) ؛ قالت: كذا وكذا ، قال: «ليس بأحقَّ بي منكم، وله ، ولأصحابه هجرةٌ واحدةٌ ، ولكم أنتم أهل السَّفينة هجرتان»[تخريجه فأخذت أسماء هذا الوسام ، ووزَّعته على جميع أعضاء الوفد؛ حيث كانوا134]) أرسالاً يسألونني عن هذا الحديث ، ما مِنَ الدُّنيا شيءٌ هم به أفرحُ ، ولا أعظم في نفوسهم ممَّا قال لهم النَّبُّ (ص وقد أشركهم النَّبُّ (ص) في مغانِ خيبر بعد أن استأذن من الصَّحابة رضي الله عنهم الَّذين شاركوا في فتحها135.]) سادساً: تقسيم الغنائم 1 كانت غزوة خيبر من أكثر غزوات الرَّسول (ص) غنيمةً من حيث الأراضي ، والنَّخيل ، والث ِياب ، والأطعمة ، وغير ذلك ، ومن خلال وصف كتب الس ِيرة نلاح ظ: أنَّ الغنائم كانت تتكوَّن من: أ الطَّعام: فقد غنم المسلمون كثيراً من الأطعمة من حصون خيبر ، فقد وجدوا فيها الشَّحم ، والزَّيت ، والعسل ، والسَّمن وغير ذلك ، فأباح رسول الله (ص) الأكل من تلك الأطعمة ، ولم يخم ِسها136.]) ب الث ِياب ، والأثاث ، والإبلُ ، والبقر ، والغنم: لقد أخذ رسول الله (ص) خمسها ووضعه فيما وضعه الله فيه ، ووزَّع أربعة أخماسها على المجاهدين. السَّب: لقد سبى رسولُ الله (ص) كثيراً من نساء اليهود ، ووزَّع السَّب على المسلمين ، فهو غنيمةٌ ، ويأخذ حكم الغنيمة. د أمَّا الأراضي ، والنَّخيل: فقد قسمها النَّبُّ (ص) إلى ستَّةٍ وثلاثين سهماً ، جمع كلُّ سهم مئة سهم ، فكانت ثلاثة الاف وستمئة سهم ، فكان لرسول الله (ص) لنوائبه ، وما ينزل به من أمور المسلمين وللمسلمين الن ِصف من ذلك ، وهو ألفٌ وثمانمئة سهم ، ووزَّع الن ِصف الاخر ، وهو ألف وثمانمئة سهم137.]) ه وكان من بين ما غنم المسلمون من يهود خيبر عدَّة صحفٍ من التَّوراة، فطلب اليهود ردَّها ، فأمر بتسليمها إليهم، ولم يصنع (ص) ما صنع الرُّومان حينما فتحوا أورشليم ، وأحرقوا الكتب المقدَّسة ،
عدد الصفحات ٣٦وداسوها بأرجلهم ، ولا ما صنع النَّصارى في حرو ب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التَّوراة138.]) وقد أبقى رسولُ الله (ص) يهود خيبر فيها على أن يعملوا في زراعتها ، وينفقوا عليها من أموالهم ، ولهم نصف ثمارها ، على أنَّ للمسلمين حقَّ إخراجهم منها متَّ أرادوا ، وكان اليهود قد بادروا بعرض ذلك على النَّب ِ (ص) ، وقالوا: نحن أعلم بالأرض منكم ، فوافق على ذلك بعد أن همَّ بإخراجهم منها داود (3410) ، وابن ماجه1820([])139.]) وقد اشترط عليهم أن يجليهم عنها متَّ ش اء ، وهنا تظهر براعةٌ سياسيَّةٌ جديدةٌ في عقد الشُّروط؛ فإن بقاء اليهود في الأرض يفلحونَّا يوف ِر للمسلمين الجنود المجاهدين في سبيل الله ، ومن جه ةٍ أخرى فإنَّ اليه ود هم أصح اب الأرض ، وهم أدرى بفلاحتها من غيرهم ، فبقاؤهم فيها يعطي ثمرةً أكثر ، وأجود ، وبخاصَّةٍ: أنََّّم لن يأخذوا أجراً ، ولكنَّهم سيأخذون نصف ما يخر من الأرض، قلَّ ، أو كثر. وقد ضمن الرَّسول (ص) بشرط إجلائهم متَّ شاء المسلمون إخضاعهم وكسر شوكتهم؛ لأنََّّم يعلمون: أنََّّم إذا فعلوا شيئاً يضرُّ بالمسلمين سيطردونَّم منها ، ولا يعودون إليها أبداً. وقد حدث ذلك فعلاً في عهد سيدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ، حيث اعتدوا على عبد الله بن عمر ، ففدعوا140]) الله بن سهل ، فقتلوه ، فلمَّا تحقَّق عمر من غدرهم، وخيانتهم؛ أمر بإجلائهم141]) خيبر أن يخُفوا الفضَّة، والذَّهب، وغيبوا مَسْكاً 142]) بن أخطب ، وكان قد قتل مع بني قريظة ، وكان احتمله معه يوم بني النَّضير حين أجليت بنو النَّضير ، فسأل رسول الله (ص) سَعْيَةَ عمَّ حُيَي ِ بن أخطب: «أين مَسْكُ حُيَي ِ بن أخطب؟ »قال: أذهبته الحروب، والنَّفقات 143])ال أكثر من ذلك ، فدفعه رسولُ (ص) إلى الزُّبير بن العوَّام ، فمسَّه بعذابٍ ، وقد كان حُيي قبل ذلك دخل خرب ة ، فقال عمُّه: قد رأيت حُيياً يطوف في خربةٍ ها هنا، فذهبوا ، فطافوا ، فوجدوا المسك في الخربة144.]) وبعد الات ِفاق الَّذي تمَّ بين رسول الله (ص) ويهود خيبر على إصلاح الأرض جعل رسولُ الله (ص) عبد الله بن رواحة يأتيهم كلَّ عامٍ ، فيخرصُها عليهم ، ثم يضم ِنهم الشَّطر. فشكوا إلى رسول الله (ص) شدَّة خَرْصِه145])
عدد الصفحات ٣٧من عند أحب ِ النَّاس إليَّ ، ولأنتم أبغضُ النَّاس إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير ، ولا حلملني بغضي إياَّكم وحب ِ إياَّه على ألاَّ أعدل عليكم! فقالوا: بهذا قامت السَّموات ، والأرض 146.]) لقد أصبحت خيبر ملكاً للمسلمين ، وصارت مورداً مهم اً لهم ، قال ابن عمر رضيالله عنه: «ما شبعنا حتََّّ فُتِحَتْ خيبر »[4243]) المهاجرون المنائح الَّتي أعطاهم إياَّها الأنصار من النَّخل147.]) سابعاً: زوا رسول الله (ص) من صفيَّة بنت حُيَي ِ بن أخطب لمَّا فتح المسلمون القَمُ وص حصن بني أبي الحُقيق كانت صفيَّة في السَّب ، فأعطاها لدحية الكلب ، فجاء رجلٌ إلى النَّب ِ (ص) فقال: يا رسول الله! أعطيت دحية صفيَّة بنت حُيَي ٍ سيدة قومها ، وهي ما تصلح إلا لك ، فاستحسن النَّبُّ (ص) ما أشار به الرَّجل ، وقال لدحية: خذ جاريةً من السَّب غيرها ، ثمَّ أخذها رسولُ الله (ص) وأعتقها ، وجعل عتقها صداقها من حَيْضَتها148]) ولم يخر النَّبُّ (ص) من خيبر حتََّّ طهرت صفيَّة من حيضها ، فحملها وراءه ، فلمَّا صار إلى منزلٍ على ستة أميالٍ من خيبر؛ مال يريد أن يعر ِس بها ، فأبت عليه ، فوجد في نفسه ، فلمَّا كان بالصَّهباء نزل بها هناك ، فمشطتها أمُّ سليم ، وعطَّرتها ، وزفَّتها إلى النَّب ِ (ص) ، وبنى بها ، فسألها: «ما حملك على الامتناع من النُّزول أوَّلاً؟»فقالت: خشيت عليك من قرب اليهود ، فعظمت في نفسه ، ومكث رسولُ الله (ص) بالصَّهباء ثلاثة أيام ، وأوْلمََ عليها ، ودعا المسلمين ، وما كان فيها من لحمٍ ، وإنمَّا التَّمر ، والأقِطُ ، والسَّمن ، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين ، أو ما ملكت يمينُه لها ، فلمَّا ارتحل وطَّأ لها خلفه ومدَّ عليها الحجاب ، فأيقنوا أنََّّا إحدى أمَّهات المؤمن تخريجه149.]) وقد كانت أم المؤمنين صفيَّ ة بنت حُيَي ٍ ق د رأت رؤيا ، فقد روى البيهقيُّ رحمه الله بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما في حديثٍ طويلٍ قال: ورأى رسول الله (ص) بعين صفيَّة خضرةً ، فقال: يا صفيَّة! ما هذه الخضرة؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن حُقَيْقٍ ، وأنا نائمةٌ ، فرأيت كأنَّ قمراً وقع في حجري ، فأخبرتُه بذلك فلطمني ، وقال: تمََن َّينَْ ملك يثرب9/138.]) وهكذا صدَّق الله رؤيا صفيَّة رضي الله عنها ، وأكرمها بالزَّوا من رسوله (ص) ، وأعتقها من النَّار ، وجعلها أماً للمؤمنين ، وزوجاً في الجنَّة لخاتم الأنبياء والمرسل150])
عدد الصفحات ٣٨غاية الإكرام ، وكان يجلس عند بعيره فيضع ركبته لتضع صفيةُ رجلها على ركبته حتََّّ تركب ، وقد بلغ من أدبها: أنََّّا كانت تأبى أن تضع رجلها على ركبته ، فكانت تضع ركبتها على ركبته ، وتركب. [2235.]) وهذه صفيَّة رضي الله عنها تحد ِثنا عن خلق رسول الله (ص) ، فتقول: ما رأيت أحداً قطُّ أحسن خلقاً من رسول الله (ص) ؛ لقد رأيته ركب بي في خيبر ، وأنا على عجز ناقته ليلاً ، فجعلت أنعس ، فتضرب رأسي مؤخرة الرَّحل ، فيَمسُّني بيده ، ويقول: «يا هذه! مهلاً»[7120) ، ومجمع الزوائد (9/252([])151]) نحن أكرم على رسول الله (ص) من صفيَّة ، نحن أزواجه وبنات عم ِه ،فدخل عليها (ص) فأخبرته ، فقال: «ألا قلت: وكيف تكونان خيراً مني ِ؛ وزوجي محمَّد ، وأبي هارون ، وعم ِي موسى؟ »[ (3892) ، والحاكم4/29.]) لقد تأثَّرت صفيَّة بأخلاق رسول الله (ص) ، وأصبح (ص) أحبَّ إليها من أبيها ، وزوجها السَّابق ، والنَّاس أجمعين ، بل أصبح أحبَّ إليها من نفسها ، تفديه بكل ِ ما تملك حتََّّ نفسها ، وإذا ألمَّ به مرضٌ؛ تمنَّت أن يكون فيها ، وأن يكون رسول الله (ص) سليماً معافًَ ، فقد أخر ابن سعد رحمه الله بإسنادٍ حسنٍ عن زيد بن أسلم رضي الله عنه ، قال: اجتمع نساؤه (ص) في مرضه الَّذي تُوفي ِ فيه ، فقالت صفيَّة رضي الله عنها: إني ِ والله يا نبَّ الله لوددت أنَّ الَّذي بك بي! فغمز بها أزواجُه ، فأبصرهنَّ رسول الله (ص) فقال: «مَضْمِضْنَ»فقلن: من أي ِ شيء؟ فقال «من تغامزكنَّ بها ، و إنََّّا لصادقة152.»!]) وممَّا له صلةٌ بزوا رسول (ص) بصفيَّة بنت حُيَي ٍ حراسة أبي أيوبٍ الأنصاري ِ رضي الله عنه لرسول الله (ص) يوم أن دخل بصفيَّة ، فعن ابن إسحاق: أنَّه قال: ولمَّا أعرس رسول الله (ص) بصفيَّة بخيبر ، أو ببعض الطَّريق ، فبات بها رسول الله (ص) في قبَّةٍ له ، وبات أبو أيوب خالد بن زيد ، أخو بني النَّجار متوش ِحاً سيفه ، حلرس رسول الله (ص) ، ويَطيف بالقُبَّة؛ حتََّّ أصبح رسولُ الله (ص) ، فلمَّا رأى مكانه؛ قال: «ما لك يا أبا أيوب؟»قال: يا رسول الله! خفت عليك من هذه المرأة ، وكانت امرأةً قد قت َلْتَ أباها ، وزوجها ، وقومها ، وكانت حديثة عهدٍ ب كفرٍ ، فخفتُها عليك153]) رسول الله (ص) بعمله الَّذي ينبأى عن غاية الحب ِ ، والإيمان ، وقال «الل همَّ احفظ أبا أيوب كما بات حلرُسني!»[3/354 355([])154.])
عدد الصفحات ٣٩وكان زوا ُ رسول الله (ص) بصفية فيه حكمةٌ عظيمةٌ ، فهو لم يرد بزواجه منها قضاء شهوةٍ ، أو إشباعاً للغريزة كما يزعم الأفَّاكون ، وإنما أراد إعزازها ، وتكريمها ، وصيانتها من أن تفترش لرجلٍ لا يعرف لها شرفها ، ونسبها في قومها ، وهذا إلى ما فيه من العزاء لها؛ فقد قُتل أبوها من قبلُ ، وزوجُها ، وكثيرٌ من قومها ، ولم يكن هناك أجمل ممَّا صنعه الرَّسول (ص) معها ، كما أنَّ فيه رباط المصاهرة بين النَّب ِ (ص) واليهود؛ عسى أن يكون في هذا ما يخف ِف من عدائهم للإسلام، والانضواء تحت لوائه ، والحد ِ من مكرهم ، وسعيهم بالفساد155.]) وكانت أمُّ المؤمنين صفيَّة رضي الله عنها عاقلةً ، وحليمةً ، وصادقةً ، يروى: أنَّ جاريةً لها أتت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فقالت: إنَّ صفية تحبُّ السَّبت ، وتصل اليهود ، فبعث إليها فسألها عن ذلك ، فقالت: أمَّا السَّبت فإني ِ لم أحبَّه منذ أبدلني الله به الجمعة ، وأما اليهود فإنَّ لي فيهم رحماً فأنا أصلُها ، فقبل منها ، ثمَّ قالت للجارية: ما حملك على هذا ؟ قالت: الشَّيطان ، فقالت لها: اذهب فأنت حرَّة. وكانت وفاتها في رمضان سنة خمسين للهجرة في زمن معاوية ، وقيل: سنة اثنتين وخمسين رضي الله عنها ، وأرضاها 156.]) ثامناً: محاولةٌ أثيمةٌ لليهود: الشَّاة المسمومة قال أبو هر يرة رضي الله عنه: «لمَّا فُتحت خيبر؛ أهديت لرسول الله (ص) شاةٌ فيها سُمٌّ ، فقال رسول الله (ص) : «اجمعوا لي مَنْ كان ها هنا من اليهود »فَجُمِعُوا له ، فقال لهم رسول الله (ص«إني ِ سائلُكُم عن شيءٍ؛ فهل أنتم صَادِقيَّ عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله (ص) : «مَنْ أبوكم؟» قالوا: فلان فقال رسول الله (ص) : «كذبتم ، بل أبوكم فلان » فقالوا: صدقت فقال: «فهل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ؛ إن سألتكم عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم! وإن كذبنا؛ عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا قال لهم رسول الله (ص) : «مَنْ أهل النَّار؟» فقالوا: نكون فيها يسيراً ، ثمَّ تخلفونا فيها
عدد الصفحات ٤٠فقال لهم رسول الله (ص «اخسؤوا فيها ، والله! لا نخَْلُفُكُم فيها أبداً» ثم قال لهم«فهل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ؛ إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم فقال: «هل جعلتم في هذه الشَّاة سمُاً؟ » فقالوا: نعم. فقال: «ما حملكم على ذلك؟» فقالوا: إن كنت كاذباً؛ نَسْترَِحْ منك ، وإن كنت نبي اً لم يضرَّك 3169) ، وأحمد (2/451.]) قال: صاحب بلوغ الأماني عن الشَّاة المسمومة: أهدتها إليه زينب بنت الحارث اليهوديَّة امرأة سلاَّم بن مشكم ، وكانت سألت: أيُّ عضوٍ من الشَّاة أحبُّ إليه؟ فقيل: الذ ِراع ، فأكثرت فيها من السُّم ِ ، فلمَّا تناول الذ ِراع؛ لاك منها مضغةً ، ولم يَسُغْها ، وأكل منها معه بِشْرُ بن البراء ، فأساغ لقمةً ، ومات منها157.]) وفي مغازي عروة: فتناول الذ ِراع، فانتهش منها، وتناول بِشرُ عظماً اخر، فانتهش منه ، فلمَّا أرغم رسولُ الله (ص) ، أرغم بشرٌ ما في فيه ، فقال رسول الله (ص) : «ارفعوا أيديكم ، فإنَّ كتف الشَّاة تخبرني أني ِ قد بغيت فيها »فقال بِشْرُ بن البراء : والَّذي أكرمك! لقد وجدت ذلك في أكلتي؛ ال أكلت، ولم يمنعني أن ألفظَها إلا أني ِ كرهت أن أنغ ِص طعامك، فلمَّا أكَلْتَ ما في فيك؛ لم أرغبْ بنفسي عن نفسك، ورجوتُ ألاَّ تكون رغمتها، وفيها بغي 1204)، ومجمع الزوائد (6/153([])158.]) وقال ابن القي ِم: وجيء بالمرأة إلى رسول الله (ص) ، فقالت: أردت قتلك ، فقال «ما كان الله لِيُسَل ِطَكِ عليَّ »قالوا: ألا تقتلها؟ قال«لا »[2190]) واحتجم على الكاهل ، وأمر مَنْ أكل منها فاحتجم ، فمات بعضُهم159.]) وقد اختُلف في قتل المرأة ، والصَّحيح: أنَّه لما مات بشر؛ قتلها160])مُّ الذي وضعته اليهودية قويا ً جد اً؛ إذ مات بشر بن البراء فوراً ، وبقي رسول الله (ص) يعاوده ألم السُّم ِ حتََّّ انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلَّغ الر ِسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة ، وتركها على المحجَّة البيضاء ، ليلُها كنهارها 161])مام البخاريُّ رحمه الله في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت
عدد الصفحات ٤١كان النَّبُّ (ص) يقول في مرض موته الَّذي مات فيه«يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الَّذي أكلت بخيبر ، فهذا أوانُ وجَدْتُ انقطاعَ أَب ْهَرِي162]) .»[4428([])163).] تاسعاً: الحجَّا بن عِلاط السُّلَمِيُّ ، وإرجاعُ أمواله من مكَّة عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: لما افتتح رسول الله (ص) خيبر قال الحجَّا بن عِلاَط: يا رسول الله! إنَّ لي بمكَّة مالاً ، وإنَّ لي بها أهلاً ، وإني ِ أريد أن أكتبهم ، فأنا في حل ٍ إن أنا نلت منك ، وقلت شيئاً؟ فأذن له رسول الله (ص) أن يقول ما يشاء ، فأتى امرأته حين قدم ، فقال: اجمعي لي ما كان عندك ، فإني ِ أريد أن أشتري من غنائم محمَّد وأصحابه ، فإنََّّم قد استبيحوا ، أو أصبت أموالهم ، قال: ففشا ذلك في مكَّة فانقمع المسلمون ، وأظهر المشركو ن فرحاً ، وسروراً ، قال: وبلغ الخبر العبَّاس رضي الله عنه فعَقِر ، وجعل لا يستطيع أن يقوم. قال معمر: فأخبرني عثمان الجزريُّ عن مقسم قال: فأخذ ابناً له يشبه رسول الله (ص) يقال له: ق ُثَم ، فاستلقى ، فوضعه على صدره ، وهو يقول: حُب ِ ق ُثَم حُب ِ ق ُثَم شَبِيْ هُ ذِي الأَنْفِ الأَشَم نَبُِّ رَب ِ ذِي الن ِعَمْ بِرَغْمِ أَنْفِ مَن رَغم قال ثابت بن أنسٍ: ثمَّ أرسل غلاماً له إلى الحجَّا ، فقال له: ويلك! ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعد الله خيرٌ ممَّا جئت به ، قال: فقال الحجَّا بن عِلاَط لغلامه: اقرأ على أبي الفضل السَّلام ، وقل له: فليخلُ لي في بعض بيوته لاتيه ، فإنَّ الخبر على ما يسرُّه ، فجاءه غلامُه ، فلمَّا بلغ باب الدَّار قال: أبشر يا أبا الفضل! قال: فوثب العبَّاس فَرِحاً ، حتََّّ قبَّل بين عينيه ، فأخبره بما قال الحجَّا ، فأعتقه ، قال: ثمَّ جاء الحجَّا فأخبره: أنَّ رسول الله (ص) قد افتتح خيبر ، وغنم أموالهم ، وجرت سهام الله في أموالهم ، واصطفى رسول الله (ص) صفيَّة بنت حُيَي ِ ، فأخذها لنفسه، وخيرَّها أن يعتقها ، وتكون زوجته 164]) يا أبا الفضل ثلاثاً ، ثمَّ اذكُر ما شئت165]) فجمعه ، فَدَف َعَتْهُ إليه ، ثمَّ انشمر به ، فلما كان بعد ثلاثٍ أتى العباس امرأة الحجَّا ، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته: أنَّه ذهب يوم كذا وكذا ، وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل! لقد شقَّ علينا الَّذي بلغك ، قال: أجل ، لا يخزيني الله ، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا ، فتح الله خيبر على رسول الله (ص) ، وجرت فيها سهام الله ، واصطفى رسول الله (ص) صفيَّة بنت حُيَي ٍ لنفسه ، فإن كانت لك
عدد الصفحات ٤٢حاجة في زوجك فالحقي به ، قالت: أ ظنُّك والله صادقاً ، قال: فإني ِ صادقٌ ، الأمر على ما أخبرتك ، فقال: ثمَّ ذهب حتََّّ أتى مجالس قريش ، وهم يقولون إذا مرَّ بهم: لا يصيبك إلا خيرٌ يا أبا الفضل! قال لهم: لم يصبني إلا خيرٌ بحمد الله ، قد أخبرني الحجَّا بن عِلاَط أنَّ خيبر قد فتحها الله على رس وله (ص) ، وجرت فيها سهام الله ، واصطفى صفيَّة لنفسه ، وقد سألني أن أخفي عليه ثلاثاً ، وإنمَّا جاء ليأخذ ماله ، وما كان له من شيءٍ ها هنا ، ثمَّ يذهب. قال: فرد الله الكابة الَّتي كانت بالمسلمين على المشركين ، وخر المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئباً حتََّّ أتو ا العباس ، فأخبرهم الخبر فسُرَّ المسلمون ، وردَّ الله تبارك وتعالى ما كان من كابةٍ ، أو غيظٍ ، أو حزنٍ على المشرك (3/138 139) ، والبزار 1816) ، وأبو يعلى 3479) ، والطبراني في الكب 3196) ، والبيهقي في الكبرى (9/151) ، وعبد الرزاق في المص نف (5/466 469.]) وفي هذا الخبر فقهٌ غزيرٌ؛ منه: جواز كذب الإنسان على نفسه ، وعلى غيره؛ إذا لم يتضمَّن ضرر ذلك الغير إذا كان يُتوصل بالكذب إلى حق ِه ، كما كذب الحجَّا بن عِلاَط على المسلمين ، حتَّ أخذ ماله من مكَّة من غير مضرَّة لحقت المسلمين من ذلك الكذب ، وأمَّا ما نال مَنْ بمكَّة من المسلمين من الأذى ، والحزن بمفسدة؛ فيسيرٌ في جنب المصلحة الَّتي حصلت بالكذب ، ولا سيما تكميل الفرح والسُّرور ، وزيادة الإيمان الَّذي حصل بالخبر الصَّادق بعد هذا الكذب ، فكان الكذب سبباً في حصول هذه المصلحة الرَّاجحة. عاشراً: بعض الأحكام الفقهيَّة المتعل ِقة بالغزوة: وردت في غزوة خيبر أحكامٌ شرعيَّةٌ كثيرةٌ؛ منها: 1 تحريم أكل لحوم الحُمُرِ الأهليَّة عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله (ص) نَّى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليَّة (4218) ، ومسلم561([])166.]) 2 حرمة وطء السَّبايا الحوامل قال رسول الله (ص) : «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يَسْقِ ماءه زَرْعَ غيره »[ (2158) ، والترمذي1131([])167.]) 3 حرمة وطء السَّبايا غير الحوامل قبل استبراء الرَّحم
عدد الصفحات ٤٣قال رسول الله (ص «لا حل ل لامرأًى يؤمنبالله واليوم الاخر أن يقع على امرأةٍ من السَّب حتََّّ يستبرئها»[4/108) ، وأبو داود 2158) و 2159) ، والبيهقي في الكبرى (9/124([])168.]) والاستبراء إنمَّا يكون بأن تطهر من حيضةٍ واحدةٍ فقط ، ولا تجب عليها العدَّة؛ وإن كانت متزو ِجة من كافرٍ ، سواءٌ مات ، أو بقي حي اً؛ لأنَّ العدَّة وفاءٌ للزَّو المي ِت ، وحداد عليه ، ولا حلَُدُّ على الكافر كما علمت 169.]) 4 حرمة ربا الفضل عن أبي سعيدٍ الخدري ِ، وأبي هريرة رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله (ص) استعمل رجلاً على خيبر ، فجاءه بتمرٍ جنيبٍ ، فقال رسول الله (ص) : «كلُّ تمرِ خيبر هكذا؟»فقال: لا والله يا رسول الله! إ لنأخذ الصَّاع من هذا بالصَّاعين، والثلاثة. فقال: «لا تفعل! بعِ الجمع بالدَّراهم، ثمَّ ابتع بالدَّراهم جنيباً »[4244)، ومسلم1593.]) فالتَّفاضل مع اتحاد الجنس هو ربا الفضل؛ إذا اشترى صاعاً بأكثر من صاعٍ ، فالز ِيادة هنا هي الر ِبا ، وهذا محرَّمٌ كما رأيت؛ إذ نَّى النَّبُّ (ص) عن ذلك ، وأرشد إلى الحل ِ السَّليم بأن يبيع ما لديه من تمرٍ ثمَّ يشتري بما لديه من نقودٍ ما يشتهي من تمرٍ؛ لأنَّ الحاجة قد تدفع صاحبها إلى قبول الر ِ170]). 5 حرمة بيع الذَّهب بالذَّهب العَينْ ، وتبر الفضَّة بالوَرِق العَينْ روي عن عبادة بن الصَّامت: أنَّه قال: نَّانا رسول الله (ص) يوم خيبر أن نبيع ، أو نبتاع تِب ْرَ الذَّهب بالذَّهب العَينْ ، وتِب ْرَ الفِضَّة بالوَرِق العَينْ ، وقال: «ابتاعوا تبر الذَّهبلوَرِق العَينْ ، وتبر الفضَّة بالذَّهب العَينْ »[3/346.]) والمراد من الحديث: أن يباع الذَّهب بالذَّهب مثلاً بمثلٍ ، والفضَّة بالفضَّة مثلاً بمثلٍ ، بلا زيادةٍ ، و نقصٍ؛ وعندما يُقابل الذَّهب بالفضة لا تشترك المماثلة ، كما هو معلومٌ ، وثابتٌ في الص ِحاح171.]) 6 مشروعية المساقاة والمزارعة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال: أعطى النَّبُّ (ص) خيبر لليهود أن يعملوها ، ويزرعوها ، ولهم شطرُ ما يخر منها وقد تساءل بعض الباحثين: لم جاءت أحكام هذه البيوع في خيبر؟ وما الحكمة من ذلك؟
عدد الصفحات ٤٤وأجاب الشَّيخ محمَّد أبو زهرة على هذا ، فقال: إنَّ فتح خيبر كان فتحاً جديداً بالن ِسبة للعلاقات الماليَّة الَّتي يجري في ظل ِها التَّبادل الماليُّ ، فكانت فيها شرعيَّة المزارعة ، والمساقاة ، ولم تكن تجري كثيراً في يثرب172.]) 7 حلُّ أكل لحوم الخيل: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نَّى رسول الله (ص) يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر ، ورخَّص في الخيل5520) ، ومسلم1941/36 و37.]) 8 تحريم المتعة عن علي ٍ رضي الله عنه قال: إنَّ رسول الله (ص) نَّى عن متعة الن ِساء يوم خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسيَّة5523) ، ومسلم1407.]) 9 مشاركة المرأة في غزوة خي روت أميَّة بنت أبي الصَّلت عن امرأةٍ من بني غفار؛ قالت: أتيت رسول الله (ص) في نسوةٍ من بني غفار ، فقلن: يا رسول الله! قد أردنا أن نخر َ معك إلى وجهك هذا وهو السَّير إلى خيبر فنداويَ الجرحى ، ونعينَ المسلمين بما استطعنا. فقال: «على بركة »قالت: فخرجنا معه ، قالت: فو لن َزَلَ رسولُ الله (ص) إلى الصُّبح ، ونزلتُ عن حقيبة رَحْلِهِ ، قالت: وإذا بها دم مني ِ وكانت أوَّل حيضةٍ حضتها قالت: فتقبَّضْتُ إلى النَّاقة ، واس تحييت. فلمَّا رأى رسول الله (ص) ما بي ، ورأى الدَّم قال: «ما لك؟ لعلَّك نُفِسْتِ؟ »قالت: قلت: نعم؟ قال«فأصلحي من ن َفْسِك ، ثمَّ خذي إناءً من ماءٍ ، فاطْرَحي فيه ملحاً ، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدَّم ، ثم عودي لِمَرْكَبِكِ »قالت: فلمَّا فتح الله خيبر؛ رضخ لنا من الفيء ، وأخذ هذه القلادة الَّتي ت َرَيْنَ في عنقي ، فأعطانيها ، وعلَّقها بيده في عنقي ، فو الله لا تفارقني أبداً173]) قالت: وكانت لا تطهر من حيضها ، إلا جعلت في طهرها ملحاً ، وأوصت به أنعل في غُسْلها حين ماتت6/380) ، والبيهقي في الكبرى2/407) ، وابن سعد8/214) ، وابن كث في البداية والنهاية (4/204) ، وابن هشام3/357.]) وهي صورةٌ حيَّةٌ أمام كل ِ فتاةٍ مسلمةٍ ، تحرص على أن تشارك في أجر الجهاد مع المسلم 174.]) وهكذا كانت حي اة الرَّسول (ص) تعليماً ، وتربيةً للأمَّة في الس ِلم ، والحرب على معاني العقيدة ، وحقيقة العبادة ، وهذا غيضٌ من فيضٍ ، وجزءٌ من كل ٍ.
عدد الصفحات ٤٥هذا وقد أحدث فتحُ خيبر ، وَفَدَك ، ووادي القرى ، وتيماء دويا ً هائلاً في الجزيرة العربيَّة بين مختلف القبائل ، وقد أصيبت قريش بالغيظ ، والكابة؛ إذ لم تكن تتوقَّع ذلك ، وهي تعلم مدى حصانة قلاع يهود خيبر ، وكثرة مقاتليهم ، ووفرة سلاحهم ، ومؤونتهم ، ومتاعهم 175.]) أمَّا القبائل العربيَّة الأخرى المناصرة لقريش؛ فقد أدهشها خبر هزيمة يهود خيبر ، وخذلها انتصار المسلمين السَّاحق ، ولذلك فإنََّّا جنحت إلى مسالمة المسلمين ، وموادعتهم بعد أن أدركت عدم جدوى استمرارها في عدائهم ، ممَّا فتح الباب واسعاً لنشر الإسلام في أرجاء الجزيرة العربيَّة ، بعد أن تعزَّزت مكانة المسلمين في أعين أعدائهم إلى جانب ما تحقَّق لهم مِنْ خيرٍ ، وتعزيزٍ لوضعهم الاقتصادي ِ176.]) واستمرَّت حركة السَّرايا بعد خيبر، وكانت كثيرةً، وأمَّرَ عليها (ص) كبار الصَّحابة، وكان في بعضها قتالٌ ، ولم يكن في بعضها قتال177.]) * * * المبحث الثَّا دعوة الملوك والأمراء 178]) أولاً: كان صلح الحديبية إيذاناً ببدايةالمد ِ الإسلامي ِ: فقد انساح هذا المدُّ إلى أطراف الجزيرة العربيَّة ، بل تجاوزها إلى ما وراء حدود الجزيرة العربيَّة ، فمنذ أن عقد الرَّسول (ص) صلح الحديبية مع قريشٍ ، وما تلا ذلك من إخضاع يهود شمال الحجاز في خيبر ، ووادي القرى ، وتيماء ، وفَدَك إلى سيادة الإسلام؛ فإنَّ الرَّسول (ص) لم يألُ جهداً لنشر الإسلام خار حدود الحجاز ، وكذلك خار حدود الجزيرة العربيَّ ة ، وقد عبرَّ (ص) عن هذا المنهج قولاً وعملاً من خلال إرساله عدداً من الرُّسل ، والمبعوثين إلى أمراء أطراف الجزيرة العربيَّة ، وإلى ملوك العالم المعاصر خار الجزيرة العربيَّة.
عدد الصفحات ٤٦وت ُعَدُّ هذه الخُطوة نقطة تحوُّلٍ مهمَّةٍ في تاريخ العرب ، والإسلام ، ليس لأنَّ الرَّسول (ص) سوف يوح ِد عرب الجزيرة العربيَّة تحت راية الإسلام ، فحسب ، ولكن لأنَّ هؤلاء العرب بعد أن اعتنقوا الإسلام ، وتمثَّلوا رسالة السَّماء أنيط بهم حمل الدَّعوة الإسلاميَّة إلى البشريَّة كافَّةً179.]) ويشير المنهج النَّبويُّ في دعوة الزُّعماء والملوك إلى ما يجب أن تكون عليه وسائل الدَّعوة ، فإلى جانب دعوة الأمراء ، والشُّعوب اختار الرَّسول (ص) أسلوباً جديداً من أساليب الدَّعوة ، وهو مراسلة الملوك ، ورؤساء القبائل ، وكان لأسلوب إرسال الرَّسائل إلى الملوك ، والأمراء أثرٌ بارزٌ في دخول بعضهم الإسلام ، وإظهار الود ِ من البعض الاخر ، كما كشفت هذه الرَّسائل مواقف بعض الملوك ، والأمراء من الدَّعوة الإسلامية ، ودولتها في المدينة ، وبذلك حقَّقت هذه الرَّسائل نتائج كثيرةً ، واستطاعت الدَّولة الإسلاميَّة من خلال ردود الفعل المختلفة تجاه الرَّسائل أن تن تهج نَّج اً سياسي اً ، وعسكري اً واضح اً ، ومتمي ِزاً180]) 1 فقد وردت روايةٌ صحيحةٌ ، تضمَّنت نصَّ كتاب النَّب ِ (ص) الَّذي بعثه مع دحيةَ الكلب ِ إلى هرقل عظيم الرُّوم181]) «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، من محمَّد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرُّوم ، سلامٌ على من اتَّبع الهُدى: أمَّا بعد: فإني ِ أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلمْ؛ تسلم ، يؤتك الله أجرك مرَّتين ، فإنْ تولَّيت؛ فعليك إثم الأَرِيْسي ِينَ إِلاَّ اللَََّّ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَي ْئًا وَلاَ ي َتَّخِذَ ب َعْضُنَا ب َعْضًا أَرْباَباً مِ نْ دُونِ اللََِّّ فَإِنْ ت َوَلَّوْا ف َقُولُوا اشْهَدُوا بأَِناَّ مُسْلِمُونَ [ عمران 64[ .]4553) ، ومسلم1773.]) ولقد تسلَّم هرقل رسالة النَّب ِ (ص) ودقَّق في الأمر كما في الحديث الطَّويل المشهور بين أبي سفيان وهرقل المروي ِ في الصَّحيحين حين سأله عن أحوال النَّب (ص) ، وقال بعد ذلك لأبي سفيان: (إن كان ما تقول حقاً؛ فسيملك موضع قدميَّ هاتين ، وقد كنت أعلم: أنَّه خار ، ولم أكن أظنُّه منكم ، فلو أني ِ أعلم أني ِ أخلص إليه؛ لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده؛ لغسلت عن قدميه الحديث السابق 2 أرسل النَّبُّ (ص) بكتابٍ إلى كسرى ملك الإمبراطورية الفارسيَّة ، مع عبد الله بن حُذافة السَّهمي ِ ، «أمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين 182]) فدعا عليهم رسول الله (ص) أن يمَُزَّقوا كُلَّ ممزَّق[ »أحمد1/243) ، والبخاري 4424) ، والبيهقي
عدد الصفحات ٤٧في دلائل النبوة4/387([])183])«بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، من محمَّد رسول الله ، إلى كسرى عظيم فارس ، سلامٌ على مَنِ اتَّبع الهُدى ، وامن بالله ، ورسوله ، وشهد أن لا إله إلا الله ، وأني ِ رسول الله إلى النَّاس كافَّةً؛ لينذر من كان حي اً ، أسلم؛ تسلم ، فإن أبيت؛ فعليك إثمُ المجوس»[2/654 655.]) 3 أمَّا كتاب النَّب ِ (ص) إلى النَّجاشي ِ ملك الحبشة ، فقد أرسله مع عمرو بن أميَّة الضَّمْري ِ ، وقد جاء في الكتاب: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، من محمَّدٍ رسول الله ، إلى النَّجاشي ِ ملك الحبشة ، أسلم أنت ، فإني ِ أحمد إليك الله الَّذي لا إله إلا هو الملكُ ، القدُّوس ، السَّلامُ ، المؤمنُ ، المهيمنُ ، وأشهد أنَّ عيسى ابنَ مريم روحُ الله ، وكلمتُه ألقاها إلى مريم البتول الطَّيبة الحصينة ، فحملت به ، فخلقه من روحه ، ونفخه كما خلق ادم بيده ، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، والموالاة في طاعته ، وأن تتَّبعني ، وتؤمن بالَّذي جاءني ، فإني ِ رسول الله ، وإني ِ أدعوك ، وجنودَك إلى الله عزَّ وجلَّ وقد بلَّغتُ ، ونصحتُ ، فاقبلوا نصيحتي ، والسَّلام على من اتَّبع الهُدى »[ الراية للزيلعي 4/421.]) 4 أمَّا كتاب النَّب ِ (ص) إلى المقوقس حاكمِ مصر184])185]) يثبت من طرقٍ صحيحةٍ ، ولا يعني ذلك نفي إرسال الكتاب إليه ، كما أنَّ ذلك لا يعني الطَّعن بصحة النُّصوص من النَّاحية التاريخيَّة ، فربما تكون صحيحةً من حيث الشَّكل ، والمضمون ، غير أنََّّا لا يمكن أن حلتجَّ بها في الس ِياسة الشَّرعيَّة 186])187 :]) أنَّ النَّبَّ (ص) بعث إلى المقوقس ، جُريج بن مينا ملك الإسكندري ة وعظيم القبط ، كتاباً مع حاطب بن أبي بلتعة اللَّخمي ِ ، وأنَّه قال خيراً ، وقارب الأمر ، غير أنَّه لم يسلم ، وأهدى إلى النَّب ِ (ص) عدَّة هدايا كان بينها مارية القبطيَّة، وأنَّه لما ورد جواب المقوقس إلى النَّب ِ (ص) قال: «ضَنَّ الخبيث بمُلْكِه ، ولا بقاء لِمُلْكِه»[4/422([])188.]) 5 وبعث رسول الله (ص) شجاع بن وهب ، أخا بني أسد بن خُزيمة برسالة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمَِر الغسَّاني صاحب دمشق189])ن نص الر ِسالة قوله: «سلامٌ على من اتَّبع الهُدى ، وامن به ، إني ِ أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحدَه لا شريك له ، ي ُبْقي لك ملكك»[4/424) ، والطبري في تاريخه 2/652.])
عدد الصفحات ٤٨6 وأرسل رسول الله (ص) سُلَيطَ بن عمرٍو العامريَّ بكتابٍ إلى هَوْ ذَةَ بن علي ٍ الحنفي 190]) مقدمه من الحديبية ، وقد اشترط هَوْذَةُ الحنفيُّ على الرسول (ص) بعد قراءته رسالته إليه أن يجعل له بعض الأمر معه ، فرفض النَّبُّ (ص) أن يقبل ذلك4/425) ، وابن طولون في إعلام السائلين (105 ،107.]) 7 وأرسل (ص) أبا العلاء الحضرمي191]) بعد انصرافه من الحديبية ، ونقلت المصادر التَّاريخيَّة: أنَّ المنذر قد استجاب لكتاب النَّب ِ (ص) ، فأسلم ، وأسلم معه جميع العرب بالبحرين ، فأمَّا أهل البلاد من اليهود ، والمجوس فإنََّّم صالحوا العلاء ، والمنذر على الجزية من كل ِ حالمٍ دينار 4/420]) أبو عبيد القاسم بن سلام نص كتاب النب (ص) إلى المنذر بن ساوى برواية عروة بن الزُّبير ، وجاء فيه «سلام أنت ، فإني ِ أ د إليك الله الَّذي لا إله إلا هو ، أمَّا بعد فإنَّ مَنْ صلَّى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الَّذي له ذمَّة الله ، وذمَّة الرَّسول ، فمن أحبَّ ذلك من المجوس؛ فإنَّه امنٌ ، ومن أبى؛ فإن الجزية عليه»[30 برقم 50.]) وفي ذي القعدة سنة8 ه ) بعث النَّبُّ (ص) عمرو بن العاص بكتابه إلى جَيفر وعبدٍ ابني الجُلُنْ دَى الأزديَّين بِعُمَان192])«من محمَّدٍ النَّب ِ رسول الله لعب اد الله الأزدي ِي ن ملوك عُمان ، وأس د عمان ، ومن كان منه م بالبحري ن؛ إنََّّم إن امنوا ، وأقاموا الصَّلاة ، واتوا الزَّكاة ، وأطاعوا الله ، ورسوله ، وأعطَوا حقَّ النَّب ِ (ص) ، ونسكوا نس ك المؤمنين ، فإنََّّم امنون وأنَّ لهم ما أسلموا علي ه ، غير أنَّ مال بيت النَّ ار ثُ نْياً لله ورسولِه ، وأنَّ عشور التَّمْرِ صدق ةٌ ، ونصفُ عش ور الحب ِ ، وأنَّ للمسلمي ن نصرهم ، ونصحَهم ، وأنَّ لهم على ال مسلمين مثل ذل ك ، وأنَّ لهم أرحاءهم يطحن ون به ا ما شاؤوا» [30 31 برقم 52.]) وأوردت المصادر بعد ذلك عدداً كبيراً من المرويات عن رسائل أخرى لم تثبت من النَّاحية الحديثيَّة193.]) ثانياً: مواصفاتُ رَجُلِ الد ِبلوماسيَّة الإسلاميَّة ق ام الل ِ واء الرُّكن محم ود شيت خطَّاب بجمع الرَّسائ ل ، وتحدَّث عن الرُّسل في كتابه الفريد «سفراء النَّب ِ (ص) »استنبط من خلالها شروطَ ومواصفاتِ رَجُلِ الد ِبلوماسي ة الإسلاميَّة ، ومن أهم تلك الشُّروط ، والمواصفات:
عدد الصفحات ٤٩