المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 04

علي محمد الصلابي

صفحة ٢ من ٢١

سابعاً: امتناع النَّب ِ (ص) عن رد ِ المهاجرات صمَّمت مجموعةٌ من الن ِساء المستضعفات في مكَّة على الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وفي مقد ِمة هؤلاء الن ِساء أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط ، فقد هاجرت إلى رسول الله (ص) بعد صلح الحديبية ، فأراد كفار مكَّة أن يردُّوهن؛ فأنزل الله تعالى في حق ِهن الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللََُّّ أَعْلَمُ بإِِيمَانَِِّنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِ نَاتٍ فَلاَ ت َرْجِعُوهُنَّ إِلىَ الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لهَُمْ وَلاَ هُمْ حلَِلُّونَ لهَُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَن ْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ ت َنْكِحُوهُنَّ إِذَا آت َي ْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تمُْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَ ا أَن ْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَن ْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللََِّّ حلَْكُمُ ب َي ْنَكُمْ وَاللََُّّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[10[ .]8/230 231) ، والبيهقي في السنن الكبرى9/229) ، ومجمع الزوائد7/123.]) ومعنى الايات الكريمة: قوله تعا} قال ابن عباس: كان امتحانَّنَّ أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبد الله ورسولُه ، وقوله تعا هذه الاية هي الَّتي حرَّمت المسلمات على حِلٌّ لهَُمْ وَلاَ هُمْ حلَِلُّونَ لهَُن زوجها إسلامُها لا هجرتهُا44.]) َّثم قال تعا أي: أعطوا أزوا المهاجرات من المشركين الَّذي غرموه عليهنَّ من الأصدقة. وقوله: قال ابن كثيرٍ: يعني: إذات َنْكِحُوهُنَّ إِذَا آت َي ْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُن فانكحوهنَّ؛ أي: تزوَّجوهنَّ بشرط: انقضاء العدَّة ، والولي ِ ، وغير ذلك 45.]) وفي قوله: العصم: جمع العصمة؛ وأصل العصمة فقد عصمه ، والمراد بالعصمة هنا: الن ِكاح ، الكوافر: جمع كافرة ، والمعنى: أنَّ الله تعالى نَّى المؤمنين عن المقام على نكاح الكوافر ، وأمرهم بفراقهنَّ ، وقد طلَّق عمر بن الخطَّاب امرأتين كانتا له في الش ِرك لمَّا نزلت هذه الاية 3732.]) وقوله أَن ْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَن ْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللََِّّ حلَْكُمُ ب َي ْنَكُمْ وَاللََُّّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال المفس ِرون: كان مَنْ ذهب من المسلمات مرتدَّاتٍ إلى الكفَّار من أهل العهد يقال للكفَّار: هاتوا مهرها. ويقال للمسلمين إذا جاء أحدٌ من الك افرات مسلمةً مهاجرةً: ردُّوا إلى الكفار مهرها. وكان

عدد الصفحات ١٨

ذلك نصفاً ، وعدلاً في الحالتين ، وكان هذا حكم الله مخصوصاً بذلك الزَّمان في تلك النَّازلة خاصَّةً بإجماع الأمَّة قاله ابن العربي ِ46.]) قوله تعافَّارِ ف َعَاق َب ْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَن ْفَقُوا وَات َّقُوا اللَََّّ الَّذِي أَن ْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يعني: إن لحقت امرأةٌ مؤمنةٌ بكفَّار أهل مكَّة ، وليس بينكم ، وبينهم عهدٌ ، ولها زو ٌ مسلمٌ قِبَلكُم ، فغنمتم ، فأعطوا هذا الزَّو المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمَّس47]) مال الفيء ، وعنه: يعطى من صداق مَنْ لحق بنا48.]) وقال مجاهد: أصبتم غنيمةً49.]) قال أبو السُّعود: أي: فجاءت عقبتكم؛ أي: نوبتكم من أداء{ المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارةً ، وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمرٍ يتعاقبون فيه ، كما يتعاقب في الرُّكوب ، وغيره50.]) وقوله مَا أَن ْفَقُوا وَات َّقُوا اللَََّّ الَّذِي أَن ْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ قال ابن كثير: فلو أنََّّا ذهبت بعد هذه الاية امرأةٌ من أزوا المؤمنين إلى المشركين؛ ردَّ المؤمنون إلى زوجها النَّفقة ، الَّتي أنفق عليها من العَقِب الَّذي بأيديهم؛ الذي أمروا أن يردُّوه على المشركين من نفقاتهم الَّتي أنفقوا على أزواجهم الَّلاتي امَنَّ ، وهاجرن ، ثمَّ رَدُّوا إلى المشركين فضلاً إن كان بقي لهم51.]) وختم الاية الكريمة بقوله: أي احذروا أن تعتدوا قال الزُّهر يُّ: وما نعلم أحداً من المهاجرات ارتدَّت بعد إيمانَّا2733]) حجر: أراد الزُّهريُّ بذلك الإشارة إلى أنَّ المعاقبة المذكورة بالن ِسبة إلى الجانبين إنمَّا وقعت في الجانب الواحد؛ لأنَّه لم يُعرف أحدٌ من المؤمنات فرَّت من المسلمين إلى المشركين بخلاف عكسه52.]) لقد حدث خلافٌ في فهم البند القائل: من أتى محمَّداً (ص) من قريش بغير إذن ولي ِه ردَّه عليهم، فالمشركون يرون: أنَّ النَّص يشمل الر ِجال، والن ِساء، والرَّسول (ص) يرى: أنَّ النَّص للر ِجال دون الن ِساء؛ إذ النَّصُّ جاء بصيغة المذكَّر ، ولقد أيَّد الله رسوله (ص) فيما ذهب إليه ، فلم يُرجع مسلمةً هاجرت إلى المدينة فراراً بدينها ، بل امتحنها ، وقبلها بناءً على أمر رب ِه سبحانه وتعا53.])

عدد الصفحات ١٩

يقول الأستاذ محمد عزة دروزة تعقيباً على اية الامتحان: والاية تفهم مع الاستئناس بالر ِوايات المنسقة إجمالاً معها: أنَّ بعض المؤمنات الَّلاتي لم يستطعن أن يهاجرن إلى المدينة قبل الصُّلح اغتنمن فرصةً فهاجرن خِلْسةً ، وأنَّ ذويهنَّ جاؤوا يطالبون بإعادتهن وفقاً لشروط الصُّلح ، فنزلت الاية تنهى عن إعادتهنَّ ، وتأمر بالتَّعويض على أزواجهنَّ ، وقد تعدَّدت الأقوال في حقيقة نص ِ وثيقة الصُّلح ، ومنها أنَّه كان مطلقاً ، وبصيغة التَّذكير ، فرأى المك ِيُّون: أنَّه شاملٌ للر ِجال ، والنساء معاً ، فجاؤوا يطالبون بالإعادة ، ورأى النَّبُّ (ص) : أنَّه لا يشمل الن ِساء ، فنزلت الاية حاسمةً للأمر ، وهذا هو المعقول54.]) وقال الأستاذ الغزا«وقد أبى المسلمون عقيب صلح الحديبية أن يردُّوا الن ِسوة المهاجرات بدينهنَّ إ أوليائهنَّ ، إمَّا لأنَّ م فهموا: أنَّ المعاهدة خاصَّةٌ بالر ِجال فحسب ، أو لأنَّ م خشوا على الن ِساء الَّلاتي أسلمن أن يضعفن أمام التَّعذيب والإهانة ، وهنَّ لا يستطعن ضرباً في الأرض ، ورد اً للكيد ، كما فعل أبو جندل ، وأبو بصير ، وأضرابهما ، وأي اً كان الأمر؛ فإنَّ احتجاز مَنْ أسلم من الن ِساء تمَّ بتعليم القران [»55.]) * * * المبحثالثَّالث دروسٌ، وعبرٌ، وفوائد كانت غزوة الحديبية غنيَّة بالدُّروس العقائديَّة، والفقهيَّة، والأصوليَّة، والترَّبويَّة... إلخ، وسوف أذكر منها بعض الدُّروس على سبيل المثال لا الحصر: أولاً: أحكام تتعلَّق بالعقيدة: 1 حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس في قيام المغيرة بن شعبة على رأس النَّب ِ (ص) بالسَّيف ولم يكن من عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد سنةٌ يقتدى بها عند قدوم رسل العدو ِ من إظهار العز ِ، والفخر، وتعظيم الإمام، وطاعته، ووقايته بالنُّفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا النَّوع الَّذي ذمَّه النَّبُّ (ص) بقوله: «مَنْ أحبَّ أن يتمثَّل له الر ِجال قياماً؛ فليتبوأ مقعده من النَّار »[5229)، والترمذي2755.])

عدد الصفحات ٢٠

كما أنَّ الفخر والخيلاء في الحرب ليسا من هذا النَّوع المذموم في غيره[38])، ويشبه هذا ما فعله أبو دجانة في غزوة أحدٍ، فكلُّ ما يدلُّ على التكبرُّ، أو التجبرُّ في المشي ممنوع شرعاً، ولكنَّه جائزٌ في حالة الحرب بخصوصها، بدليل قوله (ص) عن مشية أبي دُجانة: «إنََّّا مشيةٌ يكرهها الله إلا في هذا الموضع»[65085)، ومجمع الزوائد6/109]) ([39]). 2 استحباب الفأل، وأنه مغاير للط ِيرة: لمَّا جاء سُهيل بن عمروٍ لمفاوضة رسول الله (ص)؛ قال رسول الله «سهَّل أمركم »[ ([40]). ففي الحديث استحباب التفاؤل، وأنَّه ليس من الط ِيرة المكروهة[41]). وقد ج اءت أحاديث عن النَّب ِ (ص) تبين ِ معنى الف أل ، ق ال رسول ص) : «لا طيرة، وخيرُها56]) .»قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟! قال «الكلمة الصَّالحة يسمعُها أحدُكم » [5754 و5755) ، ومسلم2223/110.]) والفرق بين الفأل ، والط ِيرة: أنَّ الفأل من طريق حسن الظَّن ِ بالله ، والط ِيرة لا تكون إلا في السُّوء ، فلذلك كُرِهَتْ57.]) وقد ذُكِرَتِ الط ِيرة عند النَّب ِ (ص) فقال «أحسنها الفأل ، ولا تردُّ مسلماً ، فإذا رأى أحدكم ما يكره؛ فليقل: الل هُمَّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت ، ولا يدفع السَّيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوَّة إلا بك» [3919)، والبيهقي السنن الكبرى (8/139.]) 3 بيان كفر من اعتقد: أنَّ للكوكب تأثيراً في إيجاد المطر قال خالدٌ الجهنيُّ رضي الله عنه: صلَّى لنا أي: من أجلنا ، أو بنا رسولُ الله (ص) صلاة الصُّبح بالحديبية على أثر سماءٍ58])نَّاس ، فقال «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ »قالوا: الله ، ورسوله أعلم. قال «أصبح من عبادي مؤمنٌ بي ، وكافر ، فأمَّا مَنْ قال مُطِرنا بفضل الله ، ورحمته؛ فذلك مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكب ، وأمَّا مَنْ قال: بِن َوْءِ 59]) فذلك كافرٌ بي ، ومؤمنٌ بالكوكب»[846) ، ومسلم71.]) وقد حمل العلماء الكفر المذكور في الحديث على أحد نوعيه الاعتقادي ِ ، أو كفر الن ِعمة بحسب حال القائل. فمن قال: مُطرنا بنوء كذا معتقداً: أنَّ للكوكب فاعلية ، وتأثيراً في إيجاد المطر فهو كافرٌ كفراً مخرجاً من الملَّة ، قال الشَّ افعيُّ: مَنْ قال: مطرنا بنوء كذا ، وكذا على ما كان أهل الجاهليَّة يعنون من إضافة المطر

عدد الصفحات ٢١

إلى أنَّه بنوء كذا ، فذلك كفرٌ ، كما قال رسول الله (ص) ؛ لأنَّ النَّوء وقتٌ ، والوقت مخلوقٌ لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً ، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا على معنى مُطرنا في وقت كذا؛ فلا يكون كفراً ، وغيره من الكلام أحبُّ إليَّ منه 60.]) فالشافعي يقصد هنا الكفر الاعتقادي61.]) 4 هل يجوز التبرُّك بفضلات الصَّالحين ، واثارهم؟ ففي حديث عروة بن مسعودٍ وهو يصف أصحاب رسول الله (ص) حوله؛ قال: فو الله ما تنخَّم رسول الله (ص) نخامةً إلا وقعت في كف رجلٍ منهم ، فدلك بها وجهه وجلدَه... وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئه وقد علق الشَّاطبُّ على هذا الحديث ، وأحاديث أخرى تماثله ، فقال: فالظَّاهر في مثل هذا النَّوع أن يكون مشروعاً في حق ِ مَنْ ثبتت ولايتُه ، وات ِباعه لسنَّة رسول الله (ص) وأن يُتبرَّك بفضل وضوئه ، ويُتدلَّك بنخامته ، ويُستشفى باثاره كل ِها ، إلا أنَّه عارضنا في ذلك أصلٌ مقطوعٌ به في متنه مشكلٌ في تنزيله، وهو أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم بعد موته عليه السلام لم يقع من أحدٍ منهم في شيءٍ من ذلك بالن ِسبة إلى مَنْ خَلَفَه؛ إذ لم يترك النَّبُّ (ص) بعد موته ، أفضل من أبي بكرٍ الصد ِيق رضي الله عنه ، فهو كان خليفتُه ، ولم يُفعل به شيءٌ من ذلك ، ولا عمر رضي الله عنه وهو كان أفضل الأمَّة بعده ، ثمَّ كذلك عثمان ، ثمَّ عليٌّ ، ثمَّ سائر الصحابة الَّذين لا أحد أفضل منهم في الأمَّة ، ثمَّ لم يثبت لواحدٍ منهم من طريقٍ صحيحٍ معروفٍ أنَّ متبر ِكاً تبرك به على أحد تلك الوجوه ، أو نحوها؛ بل اقتصروا على الاقتداء بالأفعال ، والأقوال ، والس ِير الَّتي اتَّبعوا فيها النَّبَّ (ص) ، فهو إذاً إجماع منهم على ترك تلك الأشياء62.]) وقد أخر ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهابٍ؛ قال: حدَّثني رجلٌ 63 ]) من الأنصار: أنَّ رسول الله (ص) كان إذا توضَّأ ، أو تنخَّم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ، ونخامته ، فشربوه ، ومسحوا به جلودهم ، فلمَّا راهم يصنعون ذلك؛ سألهم: «لم تفعلون هذا؟»قالوا نلتمس الطَّهور ، والبركة بذلك. فقال رسول الله (ص) : «من كان منكم حلبُّ أن حلبَّه الله ، ورسولُه؛ ف َلْيَصْدُقِ الحديث ، ولْي ُؤَد ِ الأمانة ، ولا يؤذِ جاره »[19748) ، وذكره الألباني في الصحيحة (2998.])

عدد الصفحات ٢٢

وهذا الحديث أفاد أنَّ الأَوْلى ترك التبرُّك مع رسول الله (ص) ، ولعلَّ سكوت النَّب ِ (ص) عن ذلك يوم الحديبية ليرى عروةُ بن مسعود رسولُ قريشٍ مدى تعلُّق الصَّحابة رضي الله عنهم بالنَّب (ص) وحب ِهم له ، لا سيَّما وقد قال للنَّب ِ (ص) : إني ِ لأرى أشواباً من النَّاس خليقاً أن يفرُّوا ، ويدعوك هذه بعض المسائل العقائديَّة. ثانياً: أحكام فقهيَّة وأصوليَّة: 1 قصَّة كعب بن عجرة ، ونزول اية الفدية قال كعب بن عُجرة رضي الله عنه: وقف عليَّ رسول الله (ص) بالحديبية ، ورأسي يتهافت 64 ]) قملاً ، فقال«أيؤذيك هوامُّك؟[»65])«فاحلق رأسك »أو قال«احلق»قال فنزلت هذه الايةكٍ [196]«صم ثلاثة أيامٍ ، أو تصدَّق بفَرَ قٍ بين ستَّةٍ ، أو انْسُكْ 66]) تيسَّر»[1815) ، ومسلم1201/82.]) وفي رواية مسلمٍ«أنَّ النَّبَّ (ص) مرَّ به؛ وهو بالحديبية ، قبل أن يدخل مكَّة ، وهو محُْرِمٌ ، وهو يُوقِدُ تحت قِدْرٍ ، والقملُ يتهافتُ على وجهه ، فقال: «أيؤذيك هوامُّك هذه؟»قال: نعم. قال«فاحْلِقْ رأسَك ، وأطْعِمْ ف َرَقاً بين سِتَّةِ مساكينَ والفَرق: ثلاثةُ اصُعٍ أو صُمْ ثلاثة أيامٍ ، أو انسُكْ نسيكة » [1201/83) ، والترمذي2974]) من رأسه ، وهي نزلت في كع ب بن عُجرة خاصَّة ، وأصبح لكل ِ مسلمٍ يمرُّ بالحالة نفسِها. 2 مشروعية الصَّلاة في الر ِحال روى ابن ماجه عن أبي المليح بن أسامة؛ قال: خرجت إلى المسجد في ليلةٍ مطيرةٍ تماماً ، فلمَّا رجعت استفتحتُ ، فقال أ 67])نا مع رسول الله (ص) يوم الحديبية وأصابتنا سماءٌ لم تبلَّ أسافل نعالنا ، فنادى منادي رسول الله (ص) : «صلُّوا في رحالكم»[ داود1059) ، والنسائي2/111) ، وابن ماجه936]) برواية الث ِقات ، وقد صحَّحه ابن حجر68.]) 3 انصراف المسلمين من الحديبية ، ونومهم عن صلاة الصُّبح كانت مدَّة إقامة المسلمين بالحديبية بضعة عشر يوماً ، ويقال: عشرين ليلةً على قول الواقدي ِ69 ]) ، وابن سعدٍ70.])

عدد الصفحات ٢٣

وعن ابن عائذٍ: أنَّ رسول الله (ص) أقام في غزوته هذه شهراً ونصفاً71.]) والَّذي يبدو: أنَّ الواقديَّ ، وابن سعدٍ أرادا تحديد مدَّة إقامته (ص) في الحديبية ، أما ابن عائذٍ فقصد الزَّمن الَّذي استغرقته غيبة النَّب ِ (ص) منذ خروجه من المدينة إلى عودته إليها. وبعد أن تحلَّل المسلمون من عمرتهم تلك؛ قفلوا راجعين إلى المدينة ، فلمَّا كان من اللَّ يل عدلوا عن الطَّريق للنَّوم ، ووكَّلوا بلالاً بحراستهم ، فنام بلالٌ ، ولم يوقظهم إلا حرُّ الشَّمس 72]) حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه؛ حيث قال: أقبلنا مع رسول الله (ص) زمن الحديبية ، فقال رسول الله (ص) : «من يكلؤنا؟[»73]): أنا. فناموا حتََّّ طلعت الشَّمس ، واستيقظ النَّبُّ (ص) ، فقال: «افعلوا كما كنتم تفعلون »قال: ففعلنا. قال«فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي» [447) ، والنسائي في السنن الكبرى8802) ، وأحمد1/386 و391.]) وقد وردت أحاديث أخرى تفيد أنَّ قصَّة نومهم عن صلاة الصُّبح وقعت في غير الحديبي ة ، وحاول بعض العلماء التَّوفيق بين ه ذه النُّصوص ، وذهب الدُّكتور حافظ الحكمي إلى أنَّ ما ورد من اختلاف بين حديث عبد الله بن مسعود في قصَّة الحديبية وغيره محمولٌ على تعدُّد القصَّة ، كما رجَّح ذلك النَّووي74])ح إليه ابنُ كثيرٍ75])76]) يجمع إلا بتعدُّد القصَّة77.]) 4 مشروعية الهدنة بين المسلمين ، وأعدائهم ، ومقدار المدَّة التي تجوز المهادنة عليها استدلَّ العلماء ، والأئمَّة بصلح الحديبية على جواز عقد هدنةٍ بين المسلمين ، وأهل الحرب من أعدائهم إلى مدَّةٍ معلومةٍ ، سواءٌ أكان ذلك بعوضٍ يأخذونه منهم ، أم بغير عوضٍ ، أمَّا بدون عوض فلأنَّ هدنة المدينة كانت كذلك ، وأما بعوضٍ فبقياس الأولى؛ لأنََّّا إذا جازت بدون عوضٍ ، فلأن تجوز بعوض أقرب ، وأوجه. وأمَّا إذا كانت المصالحة على مالٍ يبذله المسلمون ، فهو غير جائزٍ عند جمهور المسلمين ، لما فيه من الصَّغَار لهم؛ ولأنَّه لم يثبت دليلٌ من الكتاب ، أو السُّنَّة على جواز ذلك ، قالوا: إلا إنْ دعت إليه ضرورةٌ لا محيص عنها ، وهو أن يخاف المسلمون الهلاك ، أو الأسر؛ فيجوز ، كما يجوز للأسير فداء نفسه بالمال.

عدد الصفحات ٢٤

وقد ذهب الشَّافعيُّ وأحمد رحمهم الله وكثير من الأئمَّة إلى أنَّ الصُّلح لا ينبغي أن يكون إلا إلى مدَّةٍ معلومةٍ ، وأنَّه لا يجوز أن تزيد المدَّة على عشر سنواتٍ مهما طالت؛ لأنََّّا هي المدَّة الَّتي صالح النَّبُّ (ص) قري شاً عليها عام الحديبية78.]) وذهب اخرون إلى جواز الهدنة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة ، وهو قول أ حنيفة79.]) والتَّحقيق: أنَّ القول الأول هو الرَّاجح لظاهر الحديث ، وإنْ وُجِدت مصلحةٌ في الزيادة على العشر جدَّد العقد ، كما قال الشَّافعي80.]) وقال بعض المتأخ ِرين 81]) {وكُمْ أَوْ ي ُقَاتِلُو ا ق َوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللََُّّ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ف َلَقَات َلُوكُمْ فَإِنِ اعْت َزَلُوكُمْ ف َلَمْ ي ُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَ وْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللََُّّ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً[90.] وهذا قولٌ مبنيٌّ على أنَّ الأصل في ع قة المسلمين بالكفَّار هي السَّلم ، لا الحرب82]) إنمَّا شرع لمجرد الد ِفاع عن المسلمين ، فحسب5.) وهذا القول مردودٌ لما يلي أ أنَّ صاحب هذا القول قد خرق الات ِفاق بعد أن حكاه بنفسه؛ حيث قال: اتَّفق الفقهاء على أن عقد الصلح مع العدو ِ لابدَّ من أن يكون مقدوراً بمدَّة معيَّنةٍ ، فلا تصح المهادنة مطلقةً إلى الأبد من غير تقديرٍ بمدَّة83.]) ب الاية الَّتي استدل بها منسوخةٌ بقوله تعا وَجَدْتمُُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاق ْعُدُوا لهَُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تاَبُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآت َوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَََّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5.] فقد نقل ذلك ابن جرير 84])([85 ]) عن مجاهدٍ. ثمَّ قال: وهو أصحُّ شيءٍ في معنى الاية الأصل الَّذي انبنى عليه هذا القول مردودٌ باية براءة السَّابقة ، وبواقع سيرة الرَّسول (ص) ، وخلفائه مع أعدائهم.

عدد الصفحات ٢٥

د أمَّا فكرة: أنَّ الجهاد إنمَّا شرع للد ِفاع عن المسلمين ، فهي فكرةٌ دخيلةٌ ، وقد تصدَّى لها سي ِد قطب86]) وعدم الفهم لمرحليَّة الدَّعوة87.]) 5 المُطْلَق يجري على إطلاقه هذه قاعدةٌ أصوليَّةٌ يؤي ِدها ما رواه ابن هشام عن أبي عبيد: أنَّه قال: إنَّ بعض من كان مع رسول الله (ص) قال له لمَّا قدم المدينة: ألم تقل يا رسول الله! إنَّك تدخل مكَّة امناً؟ قال: «بلى! أفقلتُ لكم من عامي هذا؟ »قالوا: لا ، قال «فهو كما قال لي جبريلُ عليه السلام »[ (3/341([])88.]) وفي هذا الأثر تبشير المؤمنين بفتح مكة في المستقبل ، وإيماءٌ بالوحي الصَّادق إلى ذلك النَّصر ، ولفتٌ لهم إلى وجوب التَّسليم لأمره بإطلاقٍ كلَّما ورد مطلقاً دون تحميله زياداتٍ وقيوداً تصرفه عن إطلاقه89.]) 6 وجوب طاعته (ص) ، والانقياد لأمره؛ وإن خالف ظاهر ذلك القياس ، أو كرهته النُّفوس جاء في قصَّة الحديبية: أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ، وبعضَ الصَّحابة رضي الله عنهم كرهوا الصُّلح مع قريش(1)؛ لما رأوا في شروطها من الظُّلم ، والإجحاف في حق ِهم ، لكنَّهم ندموا بعد ذل ك على صنيعهم ، ورأوا: أنََّّم وقعوا في حر ٍ؛ إذ كيف يكرهون شيئاً رضيه ر سول الله (ص) ! وظلَّت تلك الحادثة درساً لهم فيما استقبلوا من حياتهم ، وكانوا حلذ ِرون غيرهم من الوقوع فيما وقعوا فيه من الاعتماد على الرَّأي90]) ، فلقد رأيتُني أردُّ أمررسول الله (ص) برأيي اجتهاداً ، فو الله! ما الو عن الحق ِ ، وذلك يوم أبي جندل 1813) ، ومجمع الزوائد6/145 146.]) وكان سهل بن حنيف رضي الله عنه يقول: اتهَّموا رأيكم؛ رأيتُني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردَّ أمر رسول الله (ص) ؛ لرَدَدْتُه91.]) ولقد بقي عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه برهةً من الزَّمن متخوفاً أن يُنزل الله به عقاباً لِلَّذي صنع يوم الحديبية ، فكان رضي الله عنه يتحدَّث عن قصَّته تلك ، ويقول: فما زلت أصوم ، وأتصدَّق ، وأعتق

عدد الصفحات ٢٦

مِنَ الَّذي صنعت مخافة كلامي الَّذي تكلَّمت به يومئذٍ؛ ح رجوت أن يكون خيراً (3/331([])92.]) قال ابن الديبع الشَّيباني تعليقاً على هذه الحادثة: قال العلماء: لا يخفى ما في هذه القصَّة من وجوب طاعته (ص) والانقياد لأمره؛ وإن خالف ظاهرُ ذلك مقتضى القياس ، أو كَرِهَتْهُ النُّفوس ، فيجب على كل ِ مكلَّفٍ أن ي عتقد: أنَّ الخير فيما أمر به ، وأنَّه عين الصَّلاح المتضم ِن لسعادة الدُّنيا والاخرة ، وأنَّه جاء على أتم ِ الوجوه وأكملها ، غير أنَّ أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته ، وعاقبة أمره93.]) ثالثاً: أنموذ من الترَّبية النَّبويَّة في قول رسول الله (ص) : «مَنْ يَصْعَدُ الثَّنيَّة ثَنيَّة المُرَارِ؛ فإنَّه حلَُطُّ عنه ما حُطُّ عن بني إسرائيل؟»[ تخريجه يظهر في هذا الحديث جانبٌ عظيمٌ من جوانب الترَّبية النَّبويَّة يستحقُّ التأمُّل والتَّدبُّر، فرسول الله (ص) يشج ِع أصحابه على صعود الثَّنيَّة ، ثمَّ يخبرهم: أ نَّ الذي يجتازها سينال مغفرةً من الله تعالى ، وحين نتأمَّل هذا الحديث تبرز لنا معانٍ عظيمةٌ منها: 1 أنَّ رسول الله (ص) يريد أن يربط قلوب أصحابه باليوم الاخر في كل ِ لحظةٍ من لحظات حياتهم 2 أنَّه يريد لفت أنظارهم إلى أنَّ كلَّ حركةٍ يتحرَّكونَّا ، وكل عملٍ يقومون به حتََّّ ما يرون: أنه من العادات أو من دواعي الغريزة يجب استغلاله للتَّزوُّد لذلك اليوم ، وكان (ص) يسعى دائماً لترسيخ تلك المعاني في نفوس الصَّحابة ، فنراه يقول في موطنٍ اخر: «وفي بُضْعِ أحدكم صدقةٌ»قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدُنا شهوته؛ ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرامٍ؛ أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال؛ كان له أجرٌ »[5/167 و168) ، ومسلم1006) ، وأبو داود5243) و5244.]) ويقول في موطنٍ ثالث «وإنَّك مهما أنفقت من نفقةٍ فإنََّّا صدقةٌ ، حتََّّ اللُّقم ة الَّتي ترفعُها إلى في امْرَأتك»[2742) ، ومسلم1628.]) إنَّ تلك المعاني إذا تمكَّنت في قلب المسلم لكَفِيْلةٌ بأن تصبُغَ حياته كلَّها بصبغة العبودية لله وحده ، وإذا شملت العبادة كلَّ نواحي حياة المسلم؛ فإنَّ لهذا الشُّمول اثاراً مباركةً سوف يشعر بها الفرد في نفسه ، ثم يلمسها فيمن حوله94.]) ومن أبرز تلك الاثار أمران

عدد الصفحات ٢٧

أ أن يصبُغ حياة المسلم وأعماله بالص ِبغة الرَّباَّنيَّة ، ويجعله مشدوداً إلى الله في كل ِ ما يؤد ِيه ، فهو يقوم به بنيَّة العابد الخاشع ، وروح القانت المخبت ، وهذا يدفعه إلى الاستكثار من كل ِ عملٍ نافعٍ ، وكل ِ إنتا ٍ صالحٍ ، وكل ِ ما ييس ِر له ، ولأبناء نوعه الانتفاع بالحياة ، على أمثل وجوهها ، فإنَّ ذلك يزيد رصيده من الحسنات ، والقربات عند الله تعالى ، كما يدعوه هذا المعنى إلى إحسان عمله الدُّنيوي ِ ، وتجويده ، وإتقانه ، ما دام يقد ِمه إلى رب ِه سبحانه ابتغاء رضوانه ، وحسنِ مثوبته. ب أنَّه يمنح المسلم وحدة الوُجهة ، ووحدة الغاية في حياته كل ِها ، فهو يرضى رباً واحداً في كل ِ ما يأتي ، ويدع ، ويتَّجه إلى هذا الرَّب ِ بسعيه كل ِه الد ِيني ِ والدُّنيوي ِ ، لا انقسام ، ولا صراع ، ولا ازدوا في شخصيته ، ولا في حياته 95.]) ولقد عاش الصَّحابة الكرام تلك المعاني ، وحوَّلوها إلى حقائق ملموسةٍ في حياتهم كل ِها ، وما حفظ سيرتهم إلا لكي نقتديَ بهم في حياتنا ، وتكونَ حجَّةً على كل ِ مَنْ جاء بعدهم 96.]) * * * الفصلالرَّابع عشر أهم الأحداث ما بين الحديبية ، وفتح مكة المبحث الأوَّل غزوة خيبر أولاً: تاريخها ، وأسبابها: ذكر ابن إسحاق97])98]) كانت في صفر ، أو ربيع الأول من السَّنة السَّابعة للهجرة بعد العودة من غزوة الحديبية ، وذهب ابن

عدد الصفحات ٢٨

سعدٍ99]) السَّنة السَّادسة100]) وكذلك فإ نَّ الخلاف بينهما ، وبين الإمامين الزُّهري ، ومالكٍ مرجعه إلى الاختلاف في ابتداء السَّنة الهجريَّة الأولى كما سبق الإشارة إلى ذلك ، وقد رجَّح ابن حجر101]) الواقدي ِ102.]) لم يُظهر يهود خيبر العداء للمسلمين حتََّّ نزل فيهم زعماء ب النَّضير؛ الَّذين حزَّ في نفوسهم إجلاؤهم عن ديارهم ، ولم يكن الإجلاء كافياً لكسر شوكتهم ، فقد غادروا المدينة ومعهم الن ِساء ، والأبناء ، والأموال ، وخلفهم القيان يضربن الدُّفوف ، والمزامير بزهاءٍ ، وفخرٍ ما رئي مثله في حي ٍ من النَّاس في زمانَّم103.]) وكان من أبرز زعماء بني النَّضير الذين نزلوا في خيبر سلاَّم بن أبي الحُقَيق ، وكِنانة بن أبي الحُقيق ، وحُيَيُّ بن أخطب ، فلمَّا نزلوا دان لهم أهلُها104.]) وكان تَ زَعُّمُ هؤلاء ليهود خيبر كافياً في جر ِها إلى الص ِراع ، والتَّصد ِي ، والانتقام من المسلم، فقد كان يدفعهم حقدٌ دفينٌ ، ورغبةٌ قويَّةٌ في العودة إلى ديارهم داخل المدينة ، وكان أوَّل تحرُّكٍ قوي ٍ ما حدث في غزوة الأحزاب حيث كان لخيبر وعلى رأسها زعماء بني النَّضير دورٌ كبيرٌ في حشد قريش ، والأعراب ضدَّ المسلمين ، وتسخير أموالهم في ذلك ، ثمَّ سعيه م في إقناع بني قريظة بالغدر ، والتَّعاون مع الأحزاب( 2) ، بل إنََّّم أنفقوا أموالهم ، واستغلُّوا علاقاتهم مع يهود بني قُريظة من أجل نُصرة الأحزاب وطَعْنِ المسلمين في ظهورهم 105]) ودولتهم النَّامية تفرَّغ المسلمون بعد صلح الحديبية لتصفية خطر يهود خيبر الَّذي أصبح يهد ِد أمن المسلمين ، ولقد تضمَّنت سورة الفتح الَّتي نزلت بعد الحديبية وعداً إلهياً بفتح خيبر ، وحيازة أموالها غنيمةً(3.) قال تعاتَ الشَّجَرَةِ ف َعَلِمَ مَا فيِ ق ُلُوبهِِمْ فَأَن ْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثاَب َهُمْ ف َتْحًا قَرِيبًا *وَمَغَانَِِ كَثِيرَةً يأَْخُذُون َهَا وَكَانَ اللََُّّ عَزِيزًا حَكِيمًا *وَعَدَكُمُ اللََُّّ مَغَانَِِ كَثِيرَةً تأَْخُذُون َهَا ف َعَجَّلَ لَكُمْ هَ ذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَي َهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا *وَأُخْرَى لمَْ ت َقْدِرُوا عَلَي ْهَا قَدْ أَحَاطَ اللََُّّ بهَِا وَكَانَ اللََُّّ عَلَى كُل ِ شَيْءٍ قَدِيرًا [18 21.] ثانياً: مسير ايش الإسلامي ِ إلى خيبر:

عدد الصفحات ٢٩

سار الجيش إلى خيبر بروحٍ إيمانيَّةٍ عاليةٍ ، على الرَّغم من علمهم بمنعة حصون خيبر ، وشدَّة بأس رجالها ، وعتادها الحربي ِ ، وكانوا يكبر ِون ، ويهل ِلون بأصواتٍ مرتفعةٍ ، فطلب منهم النَّبُّ (ص) أن يرفُقوا بأنفسهم قائلاً: «أيَّها الناس! ارْب َعُوا على أنفسكم ، فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ، ولا غائباً ، ولكن تدعون سميعاً بصيراً »[6384) ، ومسلم2704.]) وكان سيره (ص) بالجنود ليلاً ، فقد قال سلمةُ بن الأكوع رضي الله عنه: خرجنا مع النَّب (ص) إ خيبر ، فسرنا ليلاً ، وكان عامر بن الأكوع حلدو بالقوم ، ويقول: الل هُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَي ْنَا ولاَ تَصَدَّق ْنَا وَلاَ صَلَّي ْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا ات َّقَي ْنَا وَث َب ِتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَق َي ْنَا وَأَلْقِينَْ سَكِي ْنَةً عَلَي ْنَا إِناَّ إِذَا صِيْحَ بِنَا أتينا وَباِلص ِيَاحِ عَوَّلُوا عَلَي ْنَا فقال رسول الله (ص) : «مَنْ هذا السَّائق؟»قالوا: عامر بن الأكوع قال: «يرحمه » قال رجلٌ هو عمر بن الخطَّاب106]) (4196) ، ومسلم1802.]) وعندماوصل الجيش الإسلاميُّ بالصَّهباء وهي من أدنى خيبر صلَّى العصر ، ثمَّ دعا بالأزواد ، فلم يؤت إلا السَّويق ، فأمر به فثري ، فأكل ، وأكل معه الصَّحابة ، ثمَّ قام إلى المغرب ، فمضمض ثمَّ صلَّى بالصَّحابة ، ولم يتوضَّأ4195) ، والبيهقي في الدلائل(4/200([])107.]) وكان (ص) قد بعث عبَّاد بن بِشْرٍ رضي الله عنه في سريَّةٍ استطلاعيَّة يتلقَّط أخبار العدو ِ ، ويستطلع إن كان هناك كمائن ، فلقي في الطَّريق عيناً لليهود من أشجع ، فقال: من أنت؟ قال: باغٍ أبتغي أبعرة ضلَّت لي ، أنا على إثرها. قال عبَّاد: ألك علمٌ بخيبر؟ قال: عهدي بها حديثٌ ، فيم تسألني عنه؟ قال: عن اليهود؟ قال: نعم ، كان كنانة بن أبي الحُقيق ، وهوذة بن قيس ساروا في حلفائهم من غَطَفان ، فاستنفروهم وجعلوا لهم ثمر خيبر سنةً ، فجاؤوا مُعَد ِين ، مؤيَّدين بالكُراع والس ِلاح ، يقوده م عتبة ب ن بدرٍ ، ودخلوا معهم في حصونَّم ، وفيهم عشرة الاف مقاتلٍ ، وهم أهل الحصون الَّتي لا ترام ، وسلاحٌ ، وطعامٌ كثيرٌ ، لو حُصِرُوا لسنين؛ لكفاهم ، وماءٌ يشربون في حصونَّم ، ما أرى لأحدٍ بهم طاقة ، فرفع عبَّاد بن بشرٍ السَّوط ، فضربه ضرباتٍ ، وقال: ما أنت إلا عينٌ لهم ، اصدقني ، وإلا ضربتُ

عدد الصفحات ٣٠

عنقك! فقال الأعرابيُّ: القوم مرعوبون منكم ، خائفون ، وَجِلون؛ لما صنعتم بمن كان بيثرب من اليهود ، وقال لي كنانة: اذهب معترضاً للطَّريق ، فإنَّم لا يستنكرون مكانك ، واحزرهم لنا ، وادنُ منهم كالسَّائل لهم ما تقوى به ، ثمَّ ألقِ إليهم كثرة عددنا ، ومددنا ، فإنََّّم لن يدعوا سؤلك ، وعج ِل الرَّجعة إلينا بخبرهم108.]) وعندما وصل جيش المسلمين إلى مشارف خيبر ، قال رسول الله (ص) لأصحابه «قفوا»ثمَّ قال «الل هُمَّ ربَّ السَّموات ، وما أظْلَلْنَ ، وربَّ الأرضين ، وما أَق ْلَلْنَ ، وربَّ الشَّيا طين ، وما أَضْلَلْنَ ، وربَّ الر ِياح ، وما ذَرَيْن ، فإناَّ نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شر ِها ، وشر ِ أهلها ، وشر ِ ما فيها ، اقدموا باسم الله»[2709) ، والحاكم2/100 101) ، والنسائي في اليوم والليلة (543 )، والبيهقي في السنن الكبرى5/252) ، وابن خزيمة565) ، والطبراني في الكبير (7299]) ولما أدرك رسول الله (ص) اللَّيل أمر الجيش بالنَّوم على مشارف خيبر ، ثم استيقظوا مبكرين ، وضربوا خيامهم ، ومعسكرهم بوادي الرَّجيع ، وهو وادٍ يقع بين خيبر وغطفان؛ حتَّ يقطعوا المدد عن يهود خيبر من قبيلة غطفان109.]) ولمَّا أصبح الصُّبح خرجت اليهود بمساحيهم 110])111]) المسلمين قالوا: محمدٌ والله! محمدٌ والخَميس ، فقال النَّبُّ (ص«الله أكبر! الله أكبر! خربت خي ، إناَّ إذا نزلنا بساحة قومٍ ، فساء صباحُ المنذرين»[610) ، ومسلم1365/120.]) ثالثاً: وصف تساقط حصون خي هرب اليهود إلى حصونَّم ، وحاصرهم المسلمون ، وأخذوا في فتح حصونَّم واحداً تلو الاخر ، وكان أوَّل ما سقط من حصونَّم ناعمٌ ، والصَّعب بمنطقة النَّ طاة ، وأبو الن ِزار بمنطقة الش ِق ِ ، وكانت هاتان المنطقتان في الشَّمال الشَّرقي من خيبر ، ثمَّ حصن القَمُوص المنيع في منطقة الكتيبة ، وهو حصن ابن أبي الحُقَيْق ، ثم أسقطوا حصني منطقة الوَطيح ، والس112.]) وقد واجه المسلمون مقاومةً شديدةً وصعوبةًكبيرةً عند فتح بعض هذه الحصون ، منها حصن ناعمٍ؛ الَّذي استشهد تحته محمود بن مسلمة الأنصاريُّ ، حيث ألقى عليه مرحبُ رحىً مِنْ أعلى الحصن113])114]) أبو بكر الص ِد ِيق ، ولم يفتح الله عليه، وعندما جهَد النَّاس ، قال رسول الله (ص) : إنَّه سيدفع الل ِواء

عدد الصفحات ٣١

غداً إلى رجلٍ حلبُّه الله ورسولُه ، وحلبُّ الله ورسولَه ، لا يرجع حتََّّ ي ُفْتَح له ، فطابت نفوس المسلمين ، فلمَّا صلَّى فجر اليوم الثَّالث دعا عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، ودفع إليه الل ِ واء ، فحمله ، فتمَّ فتح الحصن على يديه3/37.]) وكان عليٌّ يشتكي من رَمَدٍ في عينيه عندما دعاه الرَّسول (ص) ، فبصق رسول الله (ص) في عينيه ، ودعا له ، فب َرَأَ4210) ، ومسلم2406.]) ولقد أوصى الرَّسول (ص) علياً بأن يدعو اليهود إلى الإسم قبل أن يداهمهم ، وقال له: «فو الله! لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن تكون لك حمُُرُ الن َّعَمِ »[3009) ، ومسلم (2406.]) وعندما سأله عليٌّ رضي الله عنه: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال«قاتلهم حتََّّ يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك؛ منعوا منك دماءهم ، وأموالهَم إلا بحق ِها ، وحسابهم على الله »[2405) ، والبيهقي في دلائل النبوة4/260.]) وعندما حاصر المسلمون هذا الحصن برز لهم سي ِده ، وبطلُهم مِرْحَبٌ ، وكان سبباً في استشهاد عامر بن الأكوع ، ثمَّ بارزه عليٌّ فقتله115]) اليهود ، ومِنْ ثمََّ هزيمتهم116.]) ووردت مجموعةٌ من روايات تخبر بأن علياً رضي الله عنه تترَّس بباب عظيمٍ ، كان عند حصنِ ناعمٍ، بعد أن أسقط يهوديٌّ ترسه مِنْ يده . وكلُّها رواياتٌ ضعيفةٌ 6/8)، والطبري في تاريخه3/94) ، والبيهقي في دلائل النبوة (4/212) ، ومجمع الزوائد6/152([])117]) ينفي قوَّة علي ٍ ، وشجاعته ، فيكفيه ما ثبت في ذلك ، وهو كثيرٌ118.]) توجَّه المسلمون إلى حصن الصَّعب بن مُعاذ بعد فتح حصن ناعمٍ ، وأبلى حامل رايتهم الحُباب بن المنذر بلاءً حسناً ، حتََّّ افتتحوه بعد ثلاثة أيام ، ووجدوا فيه الكثير من الطَّعام والمتاع يوم كانوا في ضائقةٍ من قلَّة الطَّعام ، ثمَّ توجَّهوا بعده إلى حصن قلعة الزُّبير الَّذي اجتمع فيه الفارُّ ون من حصن ناعمٍ ، والصَّعبِ ، وبقيَّةِ ما فتح من حصون يهود فحاصروه ، وقطعوا عنه مجرى الماء الَّذي يغذ ِيه ، فاضطروهم إلى النزول للقتال ، فهزموهم بعد ثلاثة أياَّمٍ ، وبذلك تمَّت السَّيطرة على اخر حصون منطقة النَّطاة؛ الَّتي كان فيها أشدُّ اليهود ، ثمَّ تو جهوا إلى حصون منطقة الش ِق وبدؤوا بحصن أُبيَ ٍ ، فاقتحموه ، وأفلت بعضُ مقاتلته إلى حصن نزار ، وتوجَّه إليهم المسلمون فحاصروهم ، ثمَّ افتتحوا الحصن ، وفرَّ

عدد الصفحات ٣٢

بقيَّة أهل الش ِق ِ من حصونَّم ، وتجمعوا في حصن القَمُوص المنيع ، وحصن الوَطِيح ، وحصن السَّلالم ، فحاصرهم المسلمون لمدَّة أربعة عشر يوماً حتََّّ طلبوا الصُّلح 119.]) وهكذا فُتحت خيبر عَنْوةً120]) البخاري121])1365/120])3009([])122]) (ص) غزا خي ، وافتتحها عَنْوةً123.]) وبذلك سقطت سائر خيبر بيد المسلمين ، وسارع أهل فَدَك في شمال خيبر إلى طلب الصُّلح ، وطلبوا منه أن حلقن دماءهم ، وبذلوا له الأموال فوافق على طلبهم1551) ، وأحمد2/451) ، وأبو داود (3006) ، والبيهقي في السنن الكبرى9/137 138([])124]) لرسول الله (ص) ؛ لأنَّه لم يوجف عليها بخيلٍ ، ولا ركاب ، وحاصر المسلمون وادي القرى، وهي مجموعةُ قرى بين خيبر، وتيماء ليا125]) الأرض والنَّخل بيد اليهود ، وعاملهم عليه ا مثل خيبر ، وصالحت تيماء على مثل صلح خيبر ، ووادي القرى 126.]) وبذلك تساقطت سائر الحصون اليهوديَّة أمام قوَّات المسلمين ، وقد بلغ قتلى اليهود في معارك خي ثلاثةً وتسعين رجلاً 127]) فأعتقها رسولُ الله (ص) ، وتزوَّجها 371) ، ومسلم1365.]) واستشهد من المسلمين عشرون رجلاً فيما ذكر ابن إسحاق 128]) الواقدي129.]) رابعاً: الأعرابيُّ الشَّهيد ، والرَّاعي الأسود ، وبطلٌ إلى النَّار 1 الأعرابيُّ الشَّهيد جاء رجلٌ من الأعراب إلى النَّب ِ (ص) ، فامن به ، واتَّبعه ، فقال: أهاجر معك. فأوصى به بعض أصحابه ، فلمَّا كانت غزوة خيبر ، غنم رسول الله (ص) شيئاً ، فقسمه ، وقسم للأعرابي ِ ، فأعطى أصحابه ما قسَم له ، وكان يرعى ظهرهم ، فلمَّا جاء؛ دفعوه إليه ، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قسمه لك رسولُ الله (ص) ، فأخذه فجاء به للنَّب ِ (ص) ، فقال: ما هذا يا رسول الله؟! قال: «قَسْمٌ قسمتُه لك»قال: ما على هذا اتبعتُك ، ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا وأشار إلى حلقه بسهمٍ

عدد الصفحات ٣٣