المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 04

علي محمد الصلابي

صفحة ١ من ٢١

المبحث الثَّا صلح الحديبية1]) أولاً: مفاوضة سهيل بن عمرٍو لرسول الله (ص): لمَّا بلغ قريشاً أمر بيعة الر ِضوان ، وأدرك زعماؤها تصميم الرَّسول (ص) على القتال؛ أوفدوا سهيل بن عمرو في نفرٍ من رجالهم لمفاوضة النَّب ِ (ص2]) القوم الصُّلح حين بعثوا هذاالرَّجل3.]) كان سهيل بن عمرٍو أحدَ زعماء قريشٍ البارزين الَّذين كانوا ي ُعْرَفون بالحنكة الس ِياسيَّة، والدَّهاء، فهو خطيبٌ ماهرٌ، ذو عقلٍ راجحٍ، ورزانةٍ ، وأصالةٍ في الرَّأي. شرع الفريقان المتفاوضان في بحث بنود الصُّلح ، وذلك بعد رجوع عثمان بن عفَّان رضي الله عنه ، وقد استعرض الفريقان النُّقاط الَّتي يجب أن تتضمَّنها معاهدة الصُّلح ، واستعرضا في مباحثاتهما مختلف القضايا الَّتي كانت تشك ِل مثار الخلاف بينهما ، هذا وقد اتَّفق الفريقان من حيث المبدأ على بعض النُّقاط ، واختلفا على البعض الاخر ، وقد طال البحث ، والجدل ، والأخذ والرَّدُّ حول هذه البنود ، وبعد المراجعات ، والمفاوضات تقاربت وجهات النَّظر بين الفريقين. وعند الشُّروع في وضع الص ِيغة الن ِهائية للمعاهدة ، وكتابتها لتكون نافذة المفعول رسمي اً حدث خلاف بين الوفدين على بعض النقاط ، كاد أن يعث ِر سير هذه الاتفاقيَّة ، فعندما شرع النَّبُّ (ص) في إملاء صيغة المعاهدة المتَّفق عليها؛ أمر الكاتب ، وهو الإمام عليُّ بن أبي طالبٍ بأن يبدأ المعاهدة بكلمة: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وهنا اعترض رئيس الوفدِ القرشي ِ سهيلُ بن عمروٍ قائلاً: لا أعرف الرَّحمن اكتب: «باسمك اللَّهُم»، فضجَّ الصَّحابة على هذا الاعتراض ، قائلين: هو الرَّحمن ، ولا نكتب إ الرَّحمن ، ولكنَّ النَّبَّ (ص) تمشياً مع سياسة الحكمة ، والمرونة ، والحلم ، قال للكاتب: «اكتب: باسمك اللَّهُم[»4]) المعاهدة هذه ، فأمرالكاتب أن يكتب: «هذا ما اصطلح عليه رسول »، وقبل أن يكمل الجملة اعترض رئيس الوفد القرشي ِ على كلمة (رسول الله) قائلاً: لو أعلم أنَّك رسولُ الله ما خالفتُك ، واتَّبعتُك ، أفترغب عن اسمك ، واسم أبيك محمَّد بن عبد الله؟! اكتب اسمك ، واسم أبيك(1.) واعترض المسلمون على ذلك ، ولكن رسول الله (ص) بحكمته ، وتسامحه ، وب ُعْدِ نظره حسم الخلاف ، وأمر الكاتب بأن يشطب كلمة (رسول الله) من الوثيقة ، فالتزم الصَّحابة الصَّمت ، والهدوء.

عدد الصفحات ٢

إنَّ النَّبَّ (ص) وافق المشركين على ترك كتابة «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»وكتابة «باسم ك اللَّهم»بدلاً عنها ، وكذا وافقهم على كتابة «محمَّد بن عبد»وترك كتابة «رسول الله (ص »، وكذا وافقهم على رد ِ من جاء منهم إلى المسلمين دون من ذهب منهم إليهم ، وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمَّة الحاصلة بالصُّلح ، مع أنَّه لا مفسدة في هذه الأمور ، أمَّا البسملة ، وباسمك اللَّهمَّ فمعناهما واحدٌ ، وكذا قوله «محمَّد بن عبد»هو أيضاً رسولُ الله (ص) ، وليس في ترك وصف الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع بالرَّحمن الرَّحيم ما ينفي ذلك ، ولا في ترك وصف النَّب (ص) بالر ِسالة ما ينفيها ، فلا ضرر ، ولا مفسدة فيما طلبوه ، وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا حللُّ من تعظيم الهتهم ، ونحو ذلك. وأمَّا شرط رد ِ مَنْ جاء منهم ، وعدم رد ِ من ذهب إليهم ، فقد بينَّ النَّبُّ (ص) تعليل ذلك ، والحكمة فيه في هذا الحديث بقوله: «مَنْ ذهب منَّا إل يهم فأبعده الله! ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ، ومخرجاً »، ثمَّ كان كما قال (ص5.]) وتمَّ عقد هذه المعاهدة، وكانت صياغتُها من عشرة بنود جاءت على الشَّكل التَّا 1 باسمك الل هم 2 هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله سهيل بن عمرو. 3 واصطلحا على وضع الحرب عن النَّاس عشر سنين ، يأمن فيهنَّ النَّاس ، ويكفُّ بعضُهم عن بعضٍ. 4 على أنَّه مَنْ قدم مكَّة من أصحاب محمَّد حاجاً ، أو معتمراً ، أو يبتغي من فضل الله؛ فهو امنٌ على دمه ، وماله ، ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر ، أو إلى الشَّام ، يبتغي من فضل الله؛ فهو امنٌ على دمه ، وماله. 5 على أنَّه مَنْ أتى محمَّداً من قريشٍ بغير إذن ولي ِه؛ ردَّه عليهم ، ومن جاء قريشاً ممَّن مع محمَّد ، يردُّوه عليه. 6 وأنَّ بيننا عَيبةً مكفوفةً ، وأنَّه لا إسلال ، ولا إغلال6.]) 7 وأنه من أحبَّ أن يدخل في عَقْدِ محمَّدٍ ، وعهده دخله ، ومن أحبَّ أن يدخل في عقد قريشٍ ، وعهدهم دخل فيه. (فتواثبت خزاعة ، فقالوا: نحن في عقد محمَّد وعهده ، وتواثبت بنو بكر ، فقالوا: نحن في عقد قريشٍ ، وعهدهم).

عدد الصفحات ٣

8 وأنت ترجع عنَّا عامك هذا ، فلا تدخل علينا مكة ، وأنَّه إذا كان عام قابلٍ خرجنا عنك ، فدخلتها بأصحابك ، فأقمت بها ثلاثاً ، معك سلاحُ الرَّاكب ، السُّيوف في القُرُب ، ولا تدخلها بغيرها. 9 وعلى أنَّ هذا الهَدْيَ وما جئتنا به؛ فلا تقدمه علينا 10 وشهد على الصُّلح رجالٌ من المسلمين ، ورجالٌ من المشرك ين: فمن المسلمين: أبو بكر الص ِد ِيق ، وعمر بن الخطَّاب ، وعبد الرَّحمن بن عوف ، وعبد الله بن سهيل بن عمرو ، وسعد بن أبي وقَّاص ، ومحمَّد بن مسلمة ، وعليُّ بن أبي طالبٍ كاتب المعاهدة رضي الله عنهم أجمعين. ومن المشركين: مِكْرزَ بن حفص ، وسهيل بن عمرو7.]) ت ُعَدُّ هذه المعاهدة أساساً للمعاهدات الإسلاميَّة ، وأنموذجاً فريداً للمعاهدات الدَّوليَّة بما سبقها من مفاوضاتٍ ، وما حوته مِنْ شروطٍ ، وما تمثَّل بها من خلق النَّب ِ (ص) في النُّزول عند رضا الطَّرف الاخر ، وفي كيفية الص ِياغة والالتزام. هذه المعاهدة سبقها مفاوضاتٌ من قبل المشركين ، والمسلمين ، وفشل بعض الممث ِلين في الوصول إلى اتفاق ، ودارت مشاوراتٌ شتََّّ من الجانبين قبل الوصول إليه ، حتََّّ توصل الفريقان إلى اتفاقٍ عن طريق ممث ِل المشركين (سهيل بن عمرو) ورسول الله (ص) على ملأ المسلمين. عُقدت هذه المعاهدة في الوقت الَّذي كان فيه المسلمون بمركز القوَّة ، لا الضَّعف ، وكان باستطاعتهم ألاَّ يقبلوا شروطها الَّتي اغتاظ منها كثيرٌ من الصَّحابة ، ولكن ما كان لهم أن يخرجوا عن طوع رسول الله (ص) الَّذي لا ينطق عن الهوى ، وقد تمادى رسول قريشٍ على رسول الله (ص) في مف اوضته ، وكان فرداً بين جيش المسلمين ، فلم ينله أذىً ، ولم يتمادَ عليه المسلمون بالقتل؛ «لأنَّ السُّفراء لا تُقتل»، ولكنَّ رسول الله (ص) يرضيه ، ويسعه بالحلم ، والل ِين ، حتََّّ يصل إلى الغاية التي ينشدها الإسلام ، وهي حقن الد ِماء ، وإحلال السَّلام ، ورجاء أن يعقل القوم الحقَّ ، وأن يراجعوا المواقف ، ويسمعوا كلام8]) وعندما نتأمَّل نصوص المعاهدة التي تمَّت في الحديبية فإننا نأخذ منها ا 1 أنَّ ديباجة المعاهدات الإسلاميَّة كانت تبدأ باسم الله ، أو باسمك الل همَّ ، والقانون الدَّولي في صياغة المعاهدات يقول: «تبدأ كتابة المعاهدات بديباجة يتَّفق عليها طرفا التَّعاقد»

عدد الصفحات ٤

والَّذي يجب أن نلاحظه: أنَّ المعاهدات في الإسلام تستند إلى الله تعالى؛ الَّذي تبدأ باسمه سبحانه ، حيث هو الرَّقيب ، والحسيب على ما في النَّوايا والقلوب ، واسم الله مقدَّسٌ في كل ِ قلبٍ يؤمن به ، حتََّّ أولئك الذين فسدت عقائدُهم ، فإنََّّم لا ينكرون الله ، ولكنَّهم أفسدوا تصوُّرهم لذات الله ، وقد جرت أعراف بعض الَّذين يستهوون قلوب العامَّة بالش ِعارات الج وفاء أن يقولوا بدل اسم الله: باسم الشَّعب ، أو باسم الأمَّة ، باعتبار قدسيَّة ما يبدؤون به كما يزعمون ، ولكنَّ الَّذي يؤمن بالله لا يعدل عن قدسية الله في اعتقاده ، ولذلك كانت البداية «باسمك الل هُم» 2 ذكر في المعاهدة طرفا التعاقد بعد (الد ِيباجة) كمايسم ِيها القانون الدَّوليُّ ، وهذا ما عليه القانون الدَّوليُّ العام من أنَّه يذكر بعد الد ِيباجة أسماء الممث ِلين ، أو الدُّول الَّتي هي أطراف في عقد المعاهدة. 3 بواعث المعاهدة: فقد جاء في بداية هذه المعاهدة ذكر الصُّلح لأجل وضع الحرب عن النَّاس عشر سنين ، يأمن فيهنَّ النَّاس ، ويكفُّ بعضهم عن بعضٍ ، وهذا ما عليه القانون الدَّولي العام كذلك. 4 الدُّخول في صلب المعاهدة ، وشروطها ، حيث ذكر رسول الله (ص) في هذه المعاهدة الشُّروط المتَّفق عليها بين الطَّرفين ، وهذا ما عليه القانون الدَّوليُّ العام. 5 في معاهدة صلح الحديبية جواز ابتداء الإمام (رئيس الدَّولة الإسلاميَّة) بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه ، ولا يتوقَّف ذلك على أن يكون ابتداء الطَّلب منهم9.]) 6 أنَّ مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزٌ للمصلحة الرَّاجحة ، ودفع ما هو شرٌّ منه ، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناها10.]) 7 أنَّ صلح الحديبية سمَّاه الله فتحاً؛ لأنَّ الفتح في اللُّغة هو فتح المغلق ، والصُّلح الَّذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً مغلقاً ففتحه الله ، والصُّلح كذلك يفتح القلوب المغلقة نحو الطَّر ف الاخر. لقد كانت الصُّورة الظَّاهرة في شروط الحديبية فيها ضيمٌ للمسلمين ، وهي في باطنها عزٌّ ، وفتحٌ ، ونصرٌ ، حيث كان رسول الله (ص) ينظر إلى ما وراء المعاهدة من الفتح العظيم من وراء سترٍ رقيقٍ ، وكان يعطي المشركين كلَّ ما سألوه من الشُّروط الَّتي لم حلتملها أكثر أصحابه ، ورؤوسهم ، وهو (ص) يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوبٍ11.]) 8 إنَّ المعاهدة قد تكون مفتوحةً لمن حلبُّ أن يدخل فيها من الأطراف ، أو الدُّول الأخرى، وهذا ما عليه القانون الدَّوليُّ؛ حيث أجاز أن تكون المعاهدة مفتوحةً لمن حلبُّ الدُّخول فيها من الأطراف

عدد الصفحات ٥

الأخرى، فقد دخلت خزاعة ، وكنانة في الصُّلح الذي أنَّى حالة الحرب القائمة بين هاتين القبيلتين والَّتي امتدَّت سنواتٍ عديدةً 12.]) 9 إنَّ المعاهدة لابدَّ لها من توقيع الأطراف ، والإشهاد عليها ، وتوقيع رسول الله (ص) وإشهاد أصحابه إنمَّا هو بمثابة التَّوقيع على المعاهدة ، والتَّصديق عليها ، كما هو في القانون الدَّولي ِ ال عام ِ. 10 إنَّ المعاهدة يجوز أن يكون الوسيط فيها طرفاً محايداً ، أو طرفاً يقر ِب بين وجهات النَّظر ، كوساطة سيد الأحابيش (الحُلَيْس بن عَلْقَمَةَ) حليف قريش الأكبر ، حيث طلبت منه قريش أن يكون وسيطاً بينهم وبين المسلمين ، وكان الحُلَيْسُ ذا عقلٍ راجحٍ ، و بصيرةٍ نافذةٍ ، وكان سي ِداً مطاعاً ، وكان رسول الله (ص) يعرفه ، ويعرف فيه التألُّه الشَّديد ، والتَّعظيم للحرم. وعندما اختارته قريش كانت تطمع في أن يكون لمركزه الممتاز بين العرب ، ولما يتمتَّع به من تقديرٍ لدى النَّب ِ (ص) تأثيرٌ على الرَّسول (ص) وأصحابه[13.]) وهذا ما يقرُّه القانون الدَّوليُّ؛ حيث إنَّ المعاهدة قد تعقد بوساطة دولةٍ أخرى ليست طرفاً في الن ِزاع ، أو أحد المبعوثين الَّذين لا علاقة لهم ، أو لدولتهم بالن ِزاع القائم بين طرفي التعاقد. 11 إن المعاهدة ت ُعَدُّ نافذة المفعول بمجرَّد الاتفاق على المعاهدة ، وشروطها ، حتََّّ لو لم تكتب ، ولو لم يوق ِع عليها الطَّرفان ، وذلك كما حدث لأبي جندل بن سهيل بن عمرو الَّذي ردَّه الرَّسول (ص) بموجب قبوله عليه السَّلام بالبند الخامس من المعاهدة ، والَّذي يقول: «على أنَّه من أتى محمَّداً من قريشٍ بغير إذن ولي ِ ه ردَّه عليهم...»، فمنذ أعلن رسول الله (ص) التزامه بهذا الشَّرط أجراه ، ولم تكن المعاهدة قد كتبت بعد ، ولم يوق ِع عليها الطرفان. 12 إنَّ المعاهدة تُكتب من نسختين ، ويأخذ كلُّ طرفٍ نسخةً طِبْقَ الأصل من المعاهدة؛ حيث إنَّه بعد أن تمَّت إجراءات الصُّلح ا لن ِهائية في الحديبية؛ أخذ كلٌّ من الفريقين نسخةً من وثيقة الصُّلح التَّاريخيَّة ، وانصرف الوفد القرشيُّ راجعاً إلى مكَّة14.]) ثانياً: موقف أبي جندل والوفاء بالعهد إنَّ من أبلغ دروس صلح الحديبية درسَ الوفاء بالعهد ، والتَّقيُّد بما يفرضه شرف الكلمة من ا لوفاء بالالتزامات؛ الَّتي يقطعها المسلم على نفسه ، وقد ضرب رسول الله (ص) بنفسه أعلى مثلٍ في التَّاريخ القديم ، والحديث لاحترام كلمةٍ لم تكتب ، واحترام كلمةٍ تكتب كذلك ، وفي الجد ِ في عهوده ، وحب ِه للصَّراحة ، والواقعيَّة ، وبغضه التَّحايل ، والالتواء ، والكيد ، وذلك حينما كان يفاوض (سهيل بن

عدد الصفحات ٦

عمرو) في الحديبية ، حيث جاءه ابن سهيل يرسف في الأغلال ، وقد فرَّ من مشركي مكَّة ، وكان أبوه يتفاوض مع الرَّسول (ص) ، وكان هذا الابن ممَّن امنوا بالإسلام وجاء مستصرخاً بالمسلمين ، وقد انفلت من أيدي المشركين. فلمَّا رأى سهيلٌ ابنه؛ قام إليه وأخذه بتلابيبه ، وقال: يا محمد! لقد لجَّت القضيَّةُ بيني وبينك أي: فرغنا من المناقشة قبل أن يأتيك هذا فقال رسول الله (ص) : صدقت ، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين! أُرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! فلم يغنِ عنه ذلك شيئاً ، وردَّ ه رسول الله (ص) ، وقال لأبي جندل: إناَّ قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً ، وأعطيناهم على ذلك ، وأعطونا عهداً ، وإناَّ لا نغدر بهم. غير أنَّ النَّبَّ (ص) إزاء هذه المأساة التي حالت بنود معاهدة الصُّلح بينه وبين أن يجد مخرجاً منها لأبي جندل المسلم ، طمأن أبا جندل وبشَّره بقرب الفر له ، ولمن على شاكلته من المسلمين ، وقال له وهو يواسيه : «يا أبا جندل! اصبر ، واحتسب ، فإنَّ الله جاعلٌ لك ، ولمن معك من المستضعفين فرجاً ، ومخرجاً »[15.]) وفي هذه الكلمات النَّبويَّة المشرقة العظيمة دلالةٌ ليس فوقها دلالةٌ على مقدار حرص رسول الله (ص) ، وتمسُّكه بفضيلة الوفاء بالعهد مهما كانت نتائجه ، وعواقبه فيما يبدو للنَّاس16.]) لقد كان درس أبي جندل امتحاناً قاسياً ، ورهيباً لهذا الوفاء بالعهد ، أثبت فيه الرَّسول (ص) والمسلمون نجاحاً عظيماً في كبت عواطفهم ، وحبس مشاعرهم ، وقد صبروا لمنظر أخيهم أبي جندل ، وتأثَّروا من ذلك المشهد عندما كان أبوه يجتذبه من تلابيبه ، والد ِماء تنزف منه؛ ممَّا زاد في إيلامهم ، حتََّّ إنَّ الكثيرين منهم أخذوا يبكون بمرارة إشفاقاً منهم على أخيهم في العقيدة ، وهم ينظرون إلى أبيه المشرك وهو يسحبُه بفظاظة الوثني ِ الجلف ، ليعود به مرَّة أخرى إلى سجنه الرَّهيب في مكَّة. وقد صبر أبو جندل ، واحتسب لمصابه في سبيل دينه ، وعقيدته ، وتحقَّق فيه قول الله تعا ي َتَّقِ اللَََّّ يجَْعَلْ لَهُ مخَْرَجًا * وَي َرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ حلَْتَسِبُ وَمَنْ ي َت َوَكَّلْ عَلَى اللََِّّ ف َهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَََّّ باَلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللََُّّ لِكُل ِ شَيْءٍ قَدْرًا [2 3.] فلم تمرَّ أقلُّ من سنة حتََّّ تمكَّن مع إخوته المسلمين المستضعفين بمكَّة من الإفلات من سجون مكَّة ، وأصبحوا قوَّةً صار كفار مكَّة يخشونَّا بعد أن انضمُّوا إلى أبي بصير ، وسيطروا على طرق قوافل المشركين الاتية من الشَّام17]) ثالثاً: احترام المعارضة النَّزيهة

عدد الصفحات ٧

بعد الاتفاق على معاهدة الصُّلح ، وقبل تسجيل بنودها ظهرت بين المسلممعارضةٌ شديدةٌ ، وقويَّةٌ لهذه الاتفاقيَّة ، وخاصَّةً في البندين اللَّذين يلتزم النَّبُّ (ص) بموجبهما برد ِ من جاءه من المسلمين لاجئاً ، ولا تلتزم قريشٌ برد ِ مَنْ جاءها من المسلمين مرتدَّاً ، والبند الَّذي يقضي بأن يعود المسلمون من الحديبية إلى المدينة د ون أن يدخلوا مكَّة ذلك العام، وقد كان أشدَّ النَّاس معارضة لهذه الاتفاقيَّة، وانتقاداً لها عمر بن الخطَّاب، وأُسيد بن حضير سي ِد الأوس، وسعد بن عُبادة سي ِد الخزر . وقد ذكر المؤر ِخون: أنَّ عمر بن الخطَّاب أتى رسول الله (ص) مُعلناً معارضته لهذه الاتفاقيَّة ، وقال لرسول الله (ص) : ألست برسول الله؟ قال: «بلى»قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال«بلى» قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال «بلى»قال: فعلام نُعطى الدَّنيَّة في ديننا؟! قال«إني ِ رسولُ الله ، ولستُ أعصيه 18.»]) وفي روايةٍ«أنا عبد الله ، ورسوله ، لن أخالف أ مره ، ولن يُضي ِع19 »])قلت: أوليس كنت تحد ِثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى! فأخبرتك أنا نأتيه العام؟»قلت: لا. قال«فإنَّك اتيه ، ومطو ِفٌ به »قال عمر: فأتيت أبا بكرٍ ، فقلت له: يا أبا بكر! أليس برسول الله؟ قال: بلى! قال أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى! قلت: فعلام نُعطى الدَّنيَّة في ديننا؟ فقال أبو بكر ناصحاً الفاروق بأن يترك الاحتجا والمعارضة : الزم غرزه أي: أمره ، فإني ِ أشهد أنَّه رسول الله ، وأنَّ الحقَّ ما أمر به ، ولن يخالف أمر الله ، ولن يضي ِعه الله[ .20.]) وبعد حادثة أبي جندل المؤلمة المؤث ِرة عاد الصَّحابة إلى تجديد المعارضة للصُّلح ، وذهبت مجموعة منهم إلى رسول الله (ص) بينهم عمر بن الخطاب لمراجعته ، وإعلان معارضتهم ، إلا أنَّ النَّبَّ (ص) بما أعطاه الله من صبرٍ ، وحكمةٍ ، وحلمٍ ، و قوَّة حجَّةٍ استطاع أن يقنع المعارضين بوجاهة الصُّلح ، وأنَّه في صالح المسلمين ، وأنَّه نصرٌ لهم21]) ، وقد تحقَّق ما أخبر به (ص وبهذا يتبينَّ: أنَّ الرَّسول (ص) وضع قاعدة احترام المعارضة النَّزيهة ، حيث قرَّر ذلك بقوله ، وفعله ، وهو والله أعلم إنمَّا أراد بهذا الفعل إرشاد القادة من بعده إلى احترام المعارضة النَّزيهة؛ الَّتي تصدر من أتباعهم ، وذلك بتشجيع الأتباع على إبداء الاراء السَّليمة؛ الَّتي تخدم المصلحة العامَّة22.]) وهذا الهديالنَّبويُّ الكريم بينَّ: أنَّ حر ِيَّة الرأي مكفولةٌ في المجتمع الإسلامي ِ ، وأنَّ للفرد في المجتمع المسلم الحر ِيَّة في التَّعبير عن رأيه ، ولو كان هذا الرَّأي نقداً لموقف حاكم من الحكَّام ، أو خليفةٍ من

عدد الصفحات ٨

الخلفاء ، فمن حق ِ الفرد المسلم أن يبين ِ وجهة نظره في جو ٍ من الأمن ، والأمان دون إرهابٍ ، أو تسلُّط يخنق حر ِية الكلمة ، والفكر. ونفهم من معارضة عمر لرسول الله (ص) : أنَّ المعارضة لرئيس الدَّولة في رأيٍ من الاراء ، وموقف من المواقف ليست جريمةً تستوجب العقاب ، وي ُغَيَّب صاحبها في غياهب السُّجون23.]) رابعاً: التَّحلُّل من العمرة ومشورة أم ِ سلمة رضي الله عنها لما فرغ رسول الله (ص) من قضية كتابة الصُّلح قال لأصحابه: «قوموا ، فانحروا ، ثمَّ احلقوا»ح قال ذلك ثلاث مرَّاتٍ ، فلمَّا لم يقم منهم أحدٌ؛ دخل على أم ِ سلمة ، فذكر لها ما لقي مِنَ النَّاس ، فقالت أمُّ سلمة: يا نب الله! أتحبُّ ذلك؟ اخر ، ثمَّ لا تُكل ِم أحداً منهم كلمةً؛ حتَّ تنحر بُدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك. فخر ، فلم يكل ِم أحداً منهم حتََّّ فعل ذلك: نحر بُدْنه ، ودعا حالقه ، فلمَّا رأوا ذلك؛ قاموا ، فنحروا ، وجعل بعضهم حللق بعضاً ، حتََّّ كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً تخريجه وقد حلق رجالٌ يوم الحديبية ، وقصَّر اخرون ، فقال رسول الله (ص) : «يرحم الله المحل ِق»قالوا والمقص ِرين يا رسول الله؟! قال: «يرحم الله المحل ِق»قالوا: والمقص ِرين يا رسول الله؟! قال«يرحم المحل ِقين!»قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال «والمقصرين »[1727) ، ومسلم (1201) ، عن ابن عمر ، وأحمد1/216) عن ابن عباس24.]) وكان في هدي النَّب ِ (ص) في الحديبية جملٌ لأبي جهلٍ في رأسه ب ُرَةٌ 25]) المشرك 1/234) ، وأبو داود ( 1749) ، وابن ماجه 3076) ، والطبراني في المعجم الكبير (11147 و11148([])26.]) وفي هذه الحادثة تستوقفنا أمورٌ فيها دروسٌ ، وعبرٌ منها 1 كان رأي أم ِ سلمة سديداً ، ومباركاً؛ حيث فهمت رضي الله عنها عن الصَّحابة: أنَّه وقع أنفسهم أن يكون النَّبُّ (ص) أمرهم بالتَّحلُّل أخذاً بالرُّخصة في حق ِهم، وأنَّه يستمرُّ على الإحرام أخذاً بالعزيمة في حق ِ نفسه، فأشارت على النَّب ِ (ص) أن يتحلَّل لينتفي عنهم هذا الاحتمال ، وعرف النَّبُّ (ص) صواب ما أشارت به ، ففعله ، فلمَّا رأى الصَّحابة ذلك؛ بادروا إلى فعل ما أمرهم به ، فلم يبق بعد ذلك غايةٌ تُنتظر ، فكان ذلك رأياً سديداً ، ومشورةً مباركةً ، وفي ذلك دليلٌ على استحسان مشاورة المرأة الفاضلة ما دامت ذات فكرةٍ صائبةٍ ، ورأيٍ سديدٍ 27])

عدد الصفحات ٩

بين أن تأتي المشورة من رجلٍ ، أو امرأةٍ ما دامت مشورةً صائبةً ، وهذا عين التَّكريم للمرأة الَّتي يزعم أعداء الإسلام: أنَّه غمطها حقَّها ، وتجاهل وجودها ، وهل هناك اعترافٌ واحترامٌ لرأي المرأة أكثر من أن تشير على نب ٍ مرسلٍ ، ويعمل النَّبُّ (ص) بمشورتها لحل ِ مشكلة اصطدم بها ، وأغضبته؟28.]) 2 أهم ِيَّة القدوة العملية: فقد دعا رسول الله (ص) إلى أمر وكرَّره ثلاث مرَّاتٍ ، وفيهم كبار الصَّحابة ، وشيوخهم ، ومع ذلك لم يستجب أحدٌ لدعوته ، فلمَّا قدم رسول الله (ص) على الخطوة العمليَّة؛ الَّتي أشارت بها أمُّ سلمة تحقَّق المراد ، فالقدوة العمليَّة في مثل هذه المواقف أجدى ، وأنفع29.]) 3 حكم الإحصار في العمرة والحج ِ: دلَّ عمل الرَّسول (ص) بعد الفراغ من أمر الصُّلح من التحلُّل ، والنَّحر ، والحلق على أنَّ المحصر يجوز له أن يتحلَّل ، وذلك بأن يذبح شاةً حيث أحصر ، أو ما يقوم مقامها ، وحللق ، ثمَّ ينوي التَّ حلُّل ممَّا كان قد أهلَّ به ، سواءٌ كان حج اً ، أو عمرةً ، كما دلَّ على أنَّ المتحل ِل لا يُلزم بقضاء الحج ِ ، أو العمرة إذا كان متطو ِعاً ، وخالف الحنفيَّة ، فرأوا: أنَّ القضاء بعد المباشرة واجبٌ؛ بدليل أنَّ جميع الَّذين خرجوا معه (ص) في صلح الحديبية خرجو ا معه في عمرة القضاء ، إلا مَنْ توفي ، أو استشهد منهم في غزوة خي30.]) خامساً: العودة إلى المدينة ونزول سورة الفتح ثمَّ انصرف رسول الله (ص) من الحديبية قاصداً المدينة ، حتََّّ إذا كان بين مكَّة والمدينة نزلت سورة الفتح ، قال تعاخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَت ْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُوناَ فَاسْت َغْفِرْ لَنَا ي َقُولُونَ بأَِلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فيِ ق ُلُوبهِِمْ قُلْ فَمَنْ يمَْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللََِّّ شَي ْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ ن َفْعًا بَلْ كَانَ اللََُّّ بمَِا ت َعْمَلُونَ خَبِيرًا [11. ] وقد عبرَّ رسول الله (ص) عن عظيم فرحته بنزولها ، وقال: أُنزلت عليَّ الليلة سورةٌ لهي أحبُّ إليَّ ممَّا طلعت عليه الشَّمس4177) ، عن أسلم ، ومسلم1786) عن أنس ف َتَحْنَا لَكَ ف َتْحًا مُبِيناً { سَي ِئَاتهِِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللََِّّ ف َوْزًا عَظِيمًا[5[ ]4172) عن أنس

عدد الصفحات ١٠

وقد أسرع النَّاس إلى رسول الله (ص) وهو واقفٌ على راحلته بكراع الغميم فقرأ عليهم: فقال رجل {«نعم ، والذي نفسي بيده! إنَّه لفتح»[ داود2736) ، والحاكم2/131]) وأدركوا: أنََّّم لا يمكن أن حليطوا بالأسباب والنَّتائج ، وأنَّ التَّسليم لأمر الله ، ورسوله فيه كلُّ الخير لهم ، ولدعوة الإسلام31.]) كان حديث القران الكريم عن هذا الحدث العظي م في سورة الفتح ، وكان القران الكريم له منهجُه الخاصُّ في عرضه لغزوة الحديبية ، فنجد في حديثه عن هذه الغزوة: أنَّه سمى الصُّلح الذي وقع بين الفريقين مع عدم وقوع القتال فتحاً مبيناً. إنَّنا بالتَّأمُّل في أسباب النُّزول نجد: أنَّ سورة الفتح نزلت بعد انتهاء النَّب ِ (ص) من الصُّلح ، وهو عائدٌ إلى المدينة النَّبويَّة ، وبعد أن خاض النَّبُّ (ص) ، والمؤمنون تلك التَّجارب العظيمة من الأمل في العمرة إلى مواجهة المشركين ، إلى بيعة الر ِضوان ، إلى الصُّلح الَّذي لم يكن بعض الصَّحابة راضين عنه ، ودارت في أنفسهم أشي اء كثيرةٌ حول هذه الأحداث الجسام. ينزل القران الكريم ويبين ِ للمسلمين: أنَّ هذا الصُّلح هو فتحٌ مبين ، ويؤك ِد: أنَّ النَّبَّ (ص) كان على صوابٍ في قبول الصُّلح؛ لتزداد ثقة المؤمنين برسول الله (ص) حين يبش ِره الله على الملأ من الدُّنيا بأنَّ الله تعالى فتح بالصُّلح ليغفر له ما تقدَّم من ذنبه ، وما تأخَّر كرامةً منه سبحانه لرسوله ، ليزداد المسلمون ثقةً ، واطمئناناً بأنََّّم على الصَّواب ، وأن ما فعلوه هو الحقُّ ، وماله السَّعادة ، ثمَّ بينَّ سبحانه أنَّ توفيق الله كان مع المؤمنين؛ فهو الَّذي وفَّقهم للصَّبر مع رسوله ، وموافقتهم أخيراً على ما جنح له من أمر الصُّلح ، وأنَّ ذلك كان بسبب إنزال السَّكينة في قلوبهم ، حتََّّ على قلوب من أنكر بعض شروط الصُّلح ، واستسلم للأمر على مضضٍ ، فلم حلصل رفضٌ لهذا الصُّلح ، بل كلُّهم نزلوا على أمر رسوله (ص) بفضل السَّكينة؛ الَّتي أنزلها عليهم ، قال تعا لِي َزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانَِِّمْ وَللََِِّّ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللََُّّ عَلِيمًا حَكِيمًا [4.] فالقران الكريم يبين ِ: أن هو الَّذي أنزل السَّكينة عليهم ليتذكَّروا فضله ، ويداوموا على شكره ، وهذا الإعلام بإنزال السَّكينة ممَّا يتميَّز به حديث القران الكريم عن هذه الغزوة؛ إذ السَّكينة أمرٌ معنويٌّ لا يعلم نزوله إلا الله ، وأشار القران الكريم إلى بيعة الر ِضوان ، وهي مبايعة الصَّحابة للنَّب ِ على الموت ، فأثنى الله سبحانه وتعالى على هذه البيعة ، وكتب لها الخلود في القران ، وقرَّر أنََّّا مبايعةٌ لله عزَّ وجلَّ

عدد الصفحات ١١

، فقال تعامَنْ نَكَثَ فَإِنمََّا ي َنْكُثُ عَلَى ن َفْسِهِ وَمَنْ أَوْفََ بمَِا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَََّّ فَسَي ُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [10.] وبهذا نرى ما يتميَّز به القران الكريم في حديثه عن الغزوات ، فهو يبين ِ الحقائق ويصح ِح العقائد ، ويربي ِ النُّفوس ، ويفضح المنافقين ، ويبشر المسلمين بغنائم قريبةٍ تحقَّقت في خيبر ، وبين أصحاب الأعذار ، فليس كلُّ مَنْ تخلَّف عن الجهاد يُعاتب ، وإنمَّا هناك استثناء ، وهذا من كمال رحمته الإلهيَّة ، ثمَّ لما تمَّ صلح الحديبية ، وعاد المسلمون إلى المدينة ، ولم يتحقَّق ما قصدوه من دخول مكَّة؛ أشار سبحانه وتعالى إلى الرُّؤيا الَّتي سبق أن راها النَّبُّ (ص) وبشَّر بها أصحابه ، وبينَّ أنََّّا رؤيا صِدْقٍ ، وأنََّّا ستتحقَّق. قال تعا امَ إِنْ شَاءَ اللََُّّ آمِنِينَ محَُل ِقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَص ِرِينَ لاَ تخََافُونَ ف َعَلِمَ مَا لمَْ ت َعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ ف َتْحًا قَرِيبًا }*[27.] ثمَّ خُتمتِ السُّورة الجليلةُ بصفات مدحٍ للنَّب ِ (ص) ولأصحابه الكرام 32.]) قال تعادًا *محَُمَّدٌ رَسُولُ اللََِّّ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحمََاءُ ب َي ْن َهُمْ ت َرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ي َب ْ ت َغُونَ فَضْلاً مِنَ اللََِّّ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فيِ وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَث َلُهُمْ فيِ الت َّوْرَاةِ وَمَث َلُهُمْ فيِ الإِنجِْيلِ كَزَرْعٍ أَ خْرَ َ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْت َغْلَظَ فَاسْت َوَى عَلَى سُوقِهِ ي ُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِ يَغِيظَ بهِِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللََُّّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ مِن ْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا[28 ،29.] هذه الايات الكريمة وصفت أصحاب محمَّدٍ في أحلى ، وأجمل صورةٍ ، إنََّّا صورةٌ عجيبةٌ يرسمها القران الكريم بأسلوبه البديع ، صورةٌ مؤلَّفةٌ من عدَّة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة ، حالاتها الظَّاهرة ، والمضمرة. فلقطةٌ: تُصو ِر حالتهم مع الكفَّار ، ومع أنفسهم الكفار ، وفيهم اباؤهم ، وإخوتهم ، وذو و قرابتهم ، وصحابتهم ، ولكنَّهم قطعوا هذه الوشائج جميعاً وهم فقط إخوة اللَّقطة الثَّانية: والتَّعبير يوحي كأنمَّا هذه هي هيئتهم الدَّائمة؛ الَّتي يراها الرَّائي ح ذلك: أنَّ هيئة الرُّكوع والسُّجود تمث ِل حالة العبادة ، وهي الحالة الأصليَّة في حقيقة نفوسهم ، فعبرَّ عنها تعبيراً يثب ِتها كذلك في زمانَّم ، حتََّّ لكأنَّم يقضون زمانَّم كلَّه ركَّعاً سجداً.

عدد الصفحات ١٢

واللَّقطة الثَّالثة: مثلها ، ولكنَّها لقطةٌ لبواطن نفوسهم ، وأعماق سرائرهم فهذه هي صورة مشاعرهم الدَّائمة الله ، ورضوانُه ، ولا شيء وراء الفضل والر ِضوان يتطلَّعون إليه ، ويشتغلون به. واللَّقطة الرَّابعة: تثبت أثر العبادة الظَّاهرة ، والتَّطلُّع المضمر في ملامحهم ، ونضجها على سماتهم سيماهم { في هذه الس ِيما هي النُّ كت ة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذ ِه ن عند سماع قوله: فالمقصود بأثر السُّجود هو أثر أكمل صورها ، فهو أثر هذا الخشوع ، أثره في ملامح الوجه ، حيث تتوارى الخيلاء ، والكبرياء ، والفراهة ، وحللُّ مكانَّا التَّواضع النَّبيل ، والشَّفافية الصَّافية ، والوضاءة الهادئة ، والذُّبول الخفيف؛ الَّذي يزيد وجه المؤمن وضاءةً ، وصباحةً ، ونُبلاً. وهذه الصُّورة الوضيئة الَّتي تمث ِلها هذه اللَّقطات ليست مستحدثةً ، إنمَّا هي ثابتةٌ لهم في لوحة القدر ، ومِنْ ثمَّ فهي قديمةٌ جاء ذكرها في التَّوراة: وصفتهم الَّتي عرفهم الله بها في كتاب الت َّوْرَاةِ قويٌّ يخر فرخه منرْعٍ أَخْرَ َ شَطْأَهُ العود بل يشدُّه: وأنَّ العود ازر وامتلأت. هذه صورته في ذاته ، فأمَّا وقعه في نفوس أهل الخبرة ، والزَّرع ، والعارفين ، منه النَّامي المثمر ، ومنه البائر ، فهو وقع البهجة والإعجاب: وهم الكفَّار؛ فعلى العكس ، فهو وقع الغيظ والكَمَديظَ بهِِمُ الْكُفَّارَ بأنَّ هذه الز ِراعة زرعةُ الله أو زرعة رسولِه ، وأنََّّم ستارٌ لِقَدره ، وأداةٌ لإغاظة أعداء الله. وهذا المثل ثابتٌ في الإنجيل في بشارته بمحمَّدٍ (ص) ومَنْ معه حين يجيئون. وهكذا يثبت الله في كتابه الخالد صفة هذه الجماعة المختارة صحابة رسول الله فتثبُت في صلب الوجود كل ِه ، وتتجاوب بها أرجاؤه ، وهو يستمع إليها من بارأى الوجود ، وتبقى أنموذجاً للأجيال تحاول أن تحق ِقها ليتحقَّق معنى الإيمان في أعلى الدَّرجات.

عدد الصفحات ١٣

وفوق هذا التكريم كل ِه وعد الله بالمغفرة واجر العظيم: وهو وعدٌ يجيء في هذه الص ِيغة العامَّة بعدما تقدَّم من صفتهم الَّتي تجعلهم أوَّل الدَّاخلين في هذه الص ِيغة العامَّة الصَّالحَِاتِ مِن ْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا حسبُهم ، وذلك الر ِ ضا وحدَه أجرٌ عظيمٌ ، ولكنَّه الفيض الإلهيُّ بلا حدودٍ ولا قيود ، والعطاء الإلهيُّ عطاءٌ غير مجذوذ33.]) يقول سي ِد قطب رحمه«ومرةً أخرى أحاول من وراء أربعة عشر قرناً أن أستشرف وجود هؤلاء الر ِجال السُّعداء ، وقلوبهم؛ وهم يتلقَّون هذا الفيض الإلهيَّ من الر ِضا ، والتَّكريم ، والوعد العظيم ، وهم يرون أنفسهم هكذا في اعتبار الله ، وفي ميزان الله ، وانظر إليهم وهم عائدون من الحديبية ، وقد نزلت هذه السُّورة ، وقد قرئت عليهم ، وهم يعيشون فيها بأرواحهم ، وقلوبهم ، ومشاعرهم ، وسماتهم ، وينظر بعضهم في وج وه بعضٍ ، فيرى أثر الن ِعمة الَّتي حلُِسُّها وهو في كيانه [»34]) أن الدَّعوة قد دخلت في طورٍ جديد ، وفتح أكيد ، وافاق أوسع ، وامتدادٍ أرحب ، وأنَّ من طبيعة هذا الد ِين أن ينمو ، وينتعش في أجواء الس ِلم ، والأمن أكثر منه وقت الحر ب ، ولمسوا مع الأيام نتائج صلح الحديبية الَّتي كان من أهم ِها: 1 اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان الدَّولة المسلمة ، فالمعاهدة دائماً لا تكون إلا بين ندَّين ، وكان لهذا الاعتراف أثرُه في نفوس القبائل المتأث ِرة بموقف قريشٍ الجحودي ِ؛ حيث كانوا يرون: أنََّّ ا الإمام والقدوة. 2 دخلت المهابة في قلوب المشركين ، والمنافقين ، وتيقَّن الكثير منهم بغلبة الإسلام ، وقد تجلَّت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثيرٍ من صناديد قريش إلى الإسلام؛ مثل خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، كما تجلَّت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلُّفهم. 3 أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام ، وتعريف النَّاس به ، ممَّا أدى إلى دخول كثيرٍ من القبائل فيه ، يقول الإمام الزُّهري: «فما فتح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه ، إنمَّا كان القتال حيث التقى النَّاس ، فلمَّا كانت الهدنة ، ووضعت الحرب ، وأمن النَّاس بعضهم بعضاً ، والتقوا ، فتفاوضوا في الحديث ، والمنازعة ، فلم يكلَّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السَّنتين مثلُ ما كان في الإسلام قبل ذلك[»35.])

عدد الصفحات ١٤

وعقَّب عليه ابن هشامٍ بقوله: والدَّليل على قول الزُّهري ِ أنَّ رسول الله (ص) خر إلى الحديبية في ألف وأربعمئةٍ في قول جابر بن عبد الله، ثم خر في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف[36]). 4 أمن المسلمون جانب قريش، فحوَّلوا ثقلهم على اليهود، ومَنْ كان يناوئهم من القبائل الأخرى، فكانت غزوة خيبر بعد صلح الحديبية. 5 مفاوضات الصُّلح جعلت حلفاء قريش يفقهون موقف المسلمين، ويميلون إليه، فهذا الحُلَيْسُ بن علقمة عندما رأى المسلمين يلبُّون؛ رجع إلى أصحابه، قال: لقد رأيت البُدْن قد ق ُل ِدَتْ، وأُشْعِرت، فما رأى أن يُصَدُّوا عن البيت. 6 مكَّن صلح الحديبية النبَّ (ص) من تجهيز غزوة مؤتة، فكانت خطوةً جديدةً لنقل الدَّعوة الإسلاميَّة بأسلوبٍ آخر خار الجزيرة العربيَّة. 7 ساعد صلح الحديبيَّة النَّبَّ (ص) على إرسال رسائل إلى ملوك الفرس، والرُّوم، والقط يدعوهم إ الإسلام. 8 كان صلح الحديبيَّة سبباً ومقد ِمةًلفتحِ مكَّة، ويقول ابن القي ِم: «كانت الهدنةُ مقد ِمةً بين يدي الفتح الأعظم، الَّذي أعزَّ الله به رسوله، وجنده، ودخل النَّاسُ به في دين الله أفواجاً، فكانت هذه الهدنة باباً له، ومفتاحاً، ومؤذناً بين يديه، وهذه سُنَّةُ الله سبحانه في الأمور العظام الَّتي يقضيها قدراً، وشرعاً أن يوط ِئَ لها بين يديها مقد ِماتٍ، وتوطئاتٍ تُؤذنُ بها، وتدُلُّ عليها »([37]). سادساً: أبو بصير في المدينة وقيادته لحرب العصابات في أعقاب صلح الحديبية مباشرةً استطاع أبو بصير عُت ْبَةُ بن أُسَيْدٍ أن يفرَّ بدينه من سجون الش ِرك في مكَّ ة المكرَّمة، وأن يلتحق برسول الله (ص) في المدينة، فبعثت قريش في إثره اثنين من رجالها إلى رسول الله (ص) ليرجعا به، تنفيذاً لشروط المعاهدة، فقال رسول الله (ص) لابي بصير: «يا أبا بصير! إناَّ قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإنَّ الله جاعلٌ لك، ولمن معك من المستضعفين فرجاً، ومخرجاً، فانطلق إلى قومك»فقال أبو بصير: يا رسول الله! أتردني إلى المشرك يفتنونني في ديني؟ قال: «يا أبا بصير، انطلق؛ فإن الله سيجعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرجاً، ومخرجاً »[4/325)، وابن هشام3/331.]) فانطلق معهما، وقد شقَّ ذلك على المسلمين وهم ينظرون بحزنٍ إلى أخيهم في العقيدة، وهو يعود إلى سجنه بمكَّة بعد أن استطاع أن يفلت من ظلم قريشٍ ، ولكنَّ رسول الله (ص) كان يهتمُّ بالوفاء بالعهود

عدد الصفحات ١٥

، والمواثيق ، ولم يكن عنده مجرَّد نظريةٍ مكتوبةٍ على الورق ، ولكنَّه كان سلوكاً عملياً في حياته ، وفي علاقته الدَّولية ، فقد أوصى الله سبحانه وتعالى بالوفاء بالعهود، وحذَّر من نقض الأيمان بعد توكيدها في كثير من الايات القرانيَّة ، قال تعاانَ ب َعْدَ ت َوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَََّّ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَََّّ ي َعْلَمُ مَا ت َفْعَلُونَ[91.] وقال جلَّ وع[34.] وبهذا يكون الوفاء بالعهد عند المسلمقاعدةً أصوليَّة من قواعد الد ِين الإسلامي ِ ، الَّتي يجب على كل ِ مسلمٍ أن يلتزم بها36.]) لقد التزم رسول الله (ص) بعهده مع قريش ، وسلَّم أبا بصير إليهما ، وانطلق معهما ، فلمَّا كان بذي الحُليفة؛ قال لأحد صاحبيه: أصارمٌ سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم. قال: أنظر إليه؟ قال: انظر؛ إن شئت ، فاستلَّه أبو بصير ، ثم علاه به حتََّّ قتله ، ففرَّ الاخر إلى رسول الله (ص) فقال: قتل صاحبُكم صاحب ، فما لبث أبو بصير أن حضر ، متوشحاً السَّيف ، وقال: يا رسول الله! وفَت ذمَّتك ، وأدَّى الله عنك ، أسلمتني بيد القوم ، وقد امتنعت بديني أن أُفتن فيه ، أو ي ُعْبَث37 .]) فقال النَّبُّ (ص«ويل أم ِه! مسْعَرُ38]) .»[4/331)، والبخاري (2732) ، وأبو داود2765.]) فلمَّا سمع ذلك عرف: أنَّه سيردُّه إليهم ، فخر حتََّّ أتى سيف البحر ، وقد فهم المستضعفون بمكَّة من عبارة الرَّسول (ص) أنَّ أبا بصير بحاجةٍ إلى الر ِجال ، فأخذوا يفرُّون من مكة إلى أبي بصير في سيف البحر ، فلحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرٍو ، وغيره ، حتََّّ اجتمع عند أبي بصير عصبةٌ قويَّةٌ ، فما يسمعون بعيرٍ لقريشٍ خرجت إلى الشَّام إلا اعترضوا طريقها ، وقتلوا مَنْ فيها ، وأخذوا الأموال التي كانوا يتَّجرون بها ، فأرسل المشركون إلى النَّب ِ (ص) يناشدونه الله ، والرَّحم لمَا أرسل إلى أبي بصيرٍ ، ومن معه ، ومن أتاه منهم ، فهو امنٌ ، وتخلَّوا في ذلك عن أقسى شروطهم الَّتي صبُّوا فيها كؤوس كبر يائهم ، فذلَّت قريشٌ من حيث طلبت العز39.]) فأرسل إليهم النَّبُّ (ص) وهم بناحية العيص ، فقدموا عليه ، وكانوا قريباً من الس ِت ِين ، أو السَّبع40]) إسقاط شرطها التَّعسُّفيَّ ، فزادت بهم قوَّة المسلمين ، وقويت بهم شوكتُهم ، واشتدَّ بأسهم ، غير أنَّ أبا بصيرٍ ، رأس تلك العصابة ، ومؤس ِسها لم يقدَّر له أن يكون معها ، فقد وافاه كتاب النَّب ِ (ص) بالعودة

عدد الصفحات ١٦

إلى المدينة وهو على فراش الموت ، فلفظ أنفاسه حيث كان في الثَّغر ، وهواه قلب المجتمع النَّبوي ِ في المدينة41.]) إنَّ قصَّة أبي جندلٍ ، وأبي بصيرٍ ، وما احتملاه في سبيل العقيدة ، وما أبدياه من الثَّبات ، والإخلاص ، والعزيمة ، والجهاد؛ حتََّّ مرَّغوا رؤوس المشركين بالترُّاب ، وجعلوهم يتوسَّلون للمسلمين لترك ما اشترطوه عليهم في الحديبية ، هذه القصَّة نموذ ٌ يُقتدى به في الثَّبات على العقيدة ، وبذل الجهد في نصرتها ، وفيها ما يشير إلى مبدأ: «قد يسع الفرد ما لا يسع الجماعة »، فقد ألحق أبو بصير ، وجماعتُه الضَّرر بالمشركين في وقتٍ كانت فيه دولة الإسلام لا تستطيع ذلك وفاءً بالصُّلح ، لكنَّ أبا بصير ، وأصحابَه خار ُ سلطة الدَّولة ولو في ظاهر الحال ولم يكن ما قام به أبو بصير ، والمستضعفون بمكَّة مجرَّد اجتهادٍ فردي ٍ لم حلظَ بإقرار الرَّسول (ص) حيث لم يأمر أبا بصير بالكف ِ عن قوافل المشركين ابتداءً ، أو بالعودة إلى مكَّة ، إنَّ ذلك لم حلدث ، فكان إقراراً له؛ إذ كان موقف أبي بصير ، وأصحابه ف ي غاية الحكمة ، حيث لم يستكينوا لطغاة مكَّة يفتنونَّم عن دينهم ، ويمنعونَّم من اللَّحاق بالمدينة ، فاختاروا موقفاً فيه خلاصُهم ، وإسناد دولتهم بأعمالٍ تُضعِف اقتصاد مكَّة ، وتزعزع إحساسها بالأمن في وقت الصُّلح ، بل يمكن القول بأن اتخ ِاذ هذا الموقف كان بإشارةٍ ، وتشجيعٍ من النَّب ِ (ص) حين وصف أبا بص42])«مِسْعَرُ حربٍ. لو كان معه أحدٌ »[ إنَّ المتأم ِل في هذه الأحداث يرى رعاية الله الَّتي أولاها لهؤلاء الصَّحابة الكرام ، و شكَّ: أنَّ هناك أسباباً بذلوها ، فأهَّلتهم لتلك الر ِعاية من الله سبحانه ، فقد بينَّ سبحانه في كتابه المؤه ِلات لرعايته وعنايته. قال تعا[128.] وقال تعا ا فيِ الأَرْضِ ب َعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحمَْةَ اللََِّّ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [56.] وقال تعا[2] {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَن َ هْدِي َن َّهُمْ سُب ُلَنَا وَإِنَّ اللَََّّ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }*[69.] فهذه الص ِفات قد توافرت في الصَّحابة رضي الله عنهم ، فنالوا تلك الر ِعاية والعناية من الله ، وم توافرت في شخصٍ ، أو أمَّ ةٍ في كل ِ زمانٍ ، ومكانٍ فإنَّ رعاية الله سوف تنزل عليهم؛ لأنَّ الله قد وعد بذلك ، ووعده الحق43.])

عدد الصفحات ١٧