المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 04

علي محمد الصلابي

صفحة ١٤ من ٢١

مكارم النَّب ِ ، وبرَّه ، وبِشْرَه ، واستنارة وجهه سروراً بمقدمهم عليه ، ويذكرون لهم ما شاهدوه من حال أصحابه في تاخيهم ، وتحاببهم ، ومواساة بعضهم بعضاً؛ ليثيروا في أنفسهم الشَّوق إلى لقاء رسول الله (ص) ، ولقاء أصحابه ، وحلب ِبوا إليهم التأس ِي بهم في سلوكهم ، ومكارم أخلاقهم 887]) بعض الوفود البقاء على نصرانيَّتها؛ كوفد نصارى نجران ، ووافقت على دفع الجزية ، ونحاول أن نتحدَّث عن بعض الوفود؛ لما في ذلك من الفقه ، والدُّروس ، والعبر؛ كوفد عبد قيس ، وبني سعد بن بكر ، ووفد نصارى نجران: أ وفد عبد القيس: وقد تحدَّث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن قدومهم ، فقال: إنَّ وفد عبد القيس أتوا رسول الله (ص) ، فقال رسول الله (ص) : «مَن الوفد؟ أو: مَنِ القوم؟»قالوا: ربيع ة قال «مرحباً بالقوم888]) بالوف د غير خزاي ا ، ولا نَ دَامَى 889 .»])قال: فقالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شُقَّةٍ بعيدةٍ890]) من كفَّار مضر ، وإناَّ لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهرٍ حرام ، فمرنا بأمرٍ فصلٍ891]) فأمرهم بأربعٍ ، ونَّاهم عن أربعٍ ، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده ، قال«هل تدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسولُه أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله ، وإقام الصَّلاة ، وإيتاء الزَّكاة ، وصوم رمضان ، وأن تؤدُّوا خمساً من المغنم»، ونَّاهم عن الدُّباء892])893])894]) وربما ق ال: النَّق 895]) ، أو المُقَ يرَّ وقال «احفظوهنَّ ، وأخبروا بهنَّ مَنْ وراءكم »[53) ، ومسلم17.]) وفي رواية: أنَّ الأشجَّ بن عبد قيسٍ تخلَّف في الر ِكاب حتََّّ أناخها ، وجمع متاع القوم ، ثمَّ جاء يمشي حتََّّ أخذ بيد رسول الله (ص) فقبَّلها ، فقال له النَّبُّ (ص) « :إنَّ فيك خصلتين حلبُّهما الله ورسولُه» فقال: جَبْلٌ جُبِلْتُ عليه ، أم تخََلُّقَاً مني ِ؟ قال «بل جَبْلٌ»[4187]) جَب َلَنيِ على ما حلبُّ اللهُ ورسولُه 4/206) ، والبخاري في الأدب المفرد 584([])896.]) وقد انشغل رس ول الله (ص) بمقدَمِهم وأخَّر صلاة السُّنَّة الب َعْدِيَّة بعد الظهر وصلاَّها بعد العصر897.]) ب وفد ضِمَام بن ثعلبة عن قومه بني سعد بن بكرٍ

عدد الصفحات ٢١٠

قال أنس بن مالك رضي الله عنه : بينما نحن جلوسٌ مع النَّب ِ (ص) في المسجد دخل رجلٌ على جملٍ ، فأناخه في المسجد ثمَّ عقله ، ثمَّ قال لهم: أيُّكم محمَّدٌ؟ والنَّبُّ (ص) متكىءٌ بين ظهرانيهم ، فقلنا: هذا الرَّجل الأبيض المتَّكىء ، فقال له الرَّجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النَّب (ص) : «قد أجبتك»، فقال الرَّجل للنَّب ِ (ص) : إني ِ سَائِلُكَ فمشد ِدٌ عليك في المسألة؛ فلا تجَِدْ898]) فقال: سل عمَّا بدا لك ، فقال: أسألك برب ِك ورب ِ مَنْ قبلك! الله أرسلك إلى النَّاس كل ِهم؟ فقال «اللَّهُمَّ نعم» قال: أَنْشدُكَ بالله! الله أمرك أن تصل ِيَ الصَّلوات الخمس في اليوم والَّليلة؟ قال «اللَّهمَّ نعم» قال: أنشدك بالله! الله أمرك أن نصوم هذا الشَّهر من السَّنة؟ قال: «اللَّهُمَّ نعم» قال: أنشدك بالله! الله أمرك أن تأخذ هذه الصَّدقة من أغنيائنا ، فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النَّب (ص) : «اللَّهم نعم» فقال الرَّجل: امنت بما جئت به ، وأنا رسول مَنْ ورائي مِنْ قومي ، وأنا ضِمَامُ بن ث َعْلَبَةَ أخو بني سعد بن بكر63) ، وأبو داود486) ، وابن ماجه1402) ، وأحمد3/168) ، والنسائي (4/122.]) وفي رواية ابن عبَّاسٍ: ... حتََّّ إذا فرغ؛ قال: فإني ِ أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمَّداً رسول الله (ص) ، وسأؤد ِي هذه الفرائض ، وأجتنبُ ما نَّيتني عنه ، ثمَّ لا أزيد ، ولا أنقص. قال: ثمَّ انصرف راجعاً إلى بعيره ، فقال رسول الله (ص) حين ولىَّ: «إنْ يصدق ذو الْعَقِيصَتَ ينِْ899]) .»قال: فأتى إلى بعيره ، فأطلق عِقَاله ثمَّ خر حتََّّ قدم على قو مه ، فاجتمعوا إليه ، فكان أوَّل ما تكلَّم به أن قال: بئست اللاَّتُ ، والعزَّى! قالوا: صه يا ضِمَام! اتَّق الب َرَص ، والجُذام! اتَّق الجنون! قال: ويلكم! إنََّّما والله! لا يضرَّان ، ولا ينفعان ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد بعث رسولاً ، وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به ممَّا كنتم فيه ، وإني ِ أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ، وإني ِ قد جئتكم من عنده بما أمركم به ، ونَّاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجلٌ ، ولا امرأةٌ إلا مسلماً ، قال: يقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما: فما سمعنا بوافد قومٍ كان أفضل مِنْ ضِمَامِ بن ثعلبة 1/264 265) ، وأبو داود487) ، والدارمي ( 656([])900.])

عدد الصفحات ٢١١

وتدل قصَّة إسلامه على مدى انتشار تعاليم الإسلام في وسط القبائل العربيَّة ، حتََّّ جاء ضِمَام ليسأل عنها ، ولكن جاء ليستوثق منها ، معد ِداً لها الواحدة تلو الأخرى ، ممَّا يدلُّ على استيعابه لها قبل مجيئه إلى الرَّسول (ص901. ]) وفد نصارى نجران كتب رسول الله (ص) إلى نجران 902])«أمَّا بعد ، فإني ِ أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتم؛ فالجزية ، فإن أبيتم؛ اذنتكم بحربٍ ، والسَّلام903.»]) فلمَّا أتى الأسقفَ الكتابُ؛ جمع النَّاس ، وقرأه عليهم ، وسألهم عن الرَّأي فيه ، فقرَّروا أن يرسلوا إليه وفداً يتكوَّن من أربعة عشرَ من أشرافهم ، وقيل: ست ِين راكباً منهم ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب وهو أميرهم، وصاحب مشورتهم، والَّذي يصدُرون عن رأيه والسَّيد وهو صاحب رحلتهم وأبو الحارث أسقفُهم ، وحبرُهم وصاحب مدراسهم فقدموا على النَّب ِ (ص) ، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحَبرِة ، وأرديةٌ مكفوفةٌ بالحرير ، وفي أيديهم خواتيم الذَّهب ، فقاموا يصلُّون في المسجد نحو المشرق ، فقال رسول الله (ص) : دعوهم ، ثمَّ أتوا النَّبَّ (ص) ، فأعرض عنهم ، ولم يكل ِمهم ، فقال لهم عثمان: من أجل زِي ِكُمْ هذا ، فانصرفوا يومهم هذا ، ثمَّ غدَوا عليه بِ زِي ِ الرُّهبان فسلَّموا علي ه ، فردَّ عليهم ، ودعاهم إلى الإسلام ، فأبوا ، وقالوا: كنَّا مسلمين قبلكم ، فقال النَّبُّ (ص) : «يمنعكم من الإسلام ثلاثٌ: عبادتكم الصَّليب ، وأكلكم لحم الخنزير ، وزعمكم أنَّ للهِ ولداً [»904]) عليهم القران ، ويقرع باطلهم بالحجَّة ، وكان ممَّا قالوه لرسول الله (ص) : ما لك تشتم صاحبنا ، وتقول: إنَّه عبد الله ؟! فقال: «أجل ، إنَّه عبد الله ورسولُه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البتول» فغضبوا ، وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أبٍ ، فإن كنت صادقاً ، فأرنا مثله؟ فأنزل الله في الرد ِ عليهم قوله سبحانهالحَْقُّ مِنْ رَب ِكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْترَِينَ [عمران 59 60.] فكانت حجَّةً دامغةً ، شُب ِه فيها الغريب بما هو أغرب منه905]) ، والموعظة الحسنة ، دعاهم إلى المباهلة906])

عدد الصفحات ٢١٢

جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ف َقُلْ ت َعَالَوْا نَ دْعُ أَب ْنَاءَناَ وَأَب ْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَناَ وَنِسَاءَكُمْ وَأَن ْفُسَنَا وَأَن ْفُسَكُمْ ثمَُّ ن َب ْتَهِلْ ف َنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللََِّّ عَلَى الْكَاذِبِينَ[عمران 61.] وخر النَّبُّ (ص) ومعه عليٌّ ، والحسن ، والحسين ، وفاطمة ، وقال «وإذا أنا دعوت فأم ِنوا[»907]) إلا هلكوا ، فأبوا أن يلاعنوه ، وقالوا: احكم علينا بما أحببت ، فصالحهم على ألفي حُلَّةٍ ، ألف رجب ، وألف في صفر 908])جوع إلى بلادهم، قالوا للنَّب ِ (ص) : ابعث معنا رجلاً أميناً ليقبض منا مال الصُّلح ، فقال لهم: «لأبعثنَّ معكم رجلاً أميناً حقَّ أم»، فاستشرف له أصحاب رسول الله (ص) فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجرَّاح»فلمَّا قام؛ قال«هذا أمين هذه الأمة» [4382) ، وأحمد3/184) ، والترمذي3791) ، وابن ماجه154 و155.]) سادساً: بعوث رسول الله (ص) لتعليم مبادأى الإسلام ، وترتيب أمور الإدارة والمال كانت الوفود تسعى إلى المدينة لتعلن إسلامها ، وتنضوي تحت سيادة الدَّولة الإسلاميَّة ، ويتعلَّموا ما شاء الله أن يتعلَّموه في المدينة قبل رجوعهم إلى موطنهم ، وكان (ص) يرسل معهم مَنْ يعل ِمهم دينهم ، وشرع (ص) يبعث دعاته في شتََّّ الجهات ، واهتمَّ بجنوب الجزيرة حيث قبائل اليمن؛ لتعليمها مبادأى الإسلام ، وأحكامه ، فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة ، ومختلف أطرافها ، وأصبحت الحاجة داعيةً إلى معل ِمين ، ودعاة ، ومرشدين ، يشرحون للنَّاس حقائق الإسلام909]) لكي تتطهَّر قلوبهم ، وتشفى صدورهم من أمراض الجاهليَّة ، وأدرانَّا الخبيثة ، وامتنعت قبيلة بني الحارث بن كعب عن الدُّخول في الإسلام ، فأرسل إليهم رسولُ الله (ص) خالداً في سريَّ ةٍ دعويَّةٍ جهاديَّةٍ. أ ب َعْثُ خالد إلى بني الحارث بن كعب ( 10 ه كان بنو الحارث بن كعب يسكنون بنجران ، ولم يقبَل منهم أحدٌ الإسلام ، فبعث رسول الله (ص) إليهم خالد بن الوليد في شهر ربيع الاخر ، أو جمُادَى سنَة عشْرٍ ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً ، فإن استجابوا؛ قَبِلَ منهم ، وإن لم يفعلوا؛ قاتلهم ، فخر خالد حتََّّ قدم عليهم ، فبعث الرُّكبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام ، فأسلم النَّاس ، ودخلوا فيما دُعوا إليه ، فأقام فيهم خالد يعل ِمهم الإسلام ، وكتاب الله ، وسنَّة نبي ِه (ص) كما أمره رسول الله (ص) ، ثمَّ كتب خالدٌ إلى رسول الله (ص) ي ُعْلِمه بإسلامهم ، وأنَّه مقيمٌ فيهم ، حتََّّ يكتب إليه رسول الله (ص) ، فجاءه كتاب رسول الله (ص) يأمره بأن ي ُقْبِل إلى المدينة؛ ومعه وفدٌ منهم ، ففعل ، فلما قدموا أمَّر عليهم قيس بن

عدد الصفحات ٢١٣

الحُصَينْ ، وبعث إليه م بعد ذلك عمرو بن حزم ، ليفقههم في الد ِين ، ويعل ِمهم السُّنَّة ، ومعالم الإسلام910.]) وفي روايةٍ: أنَّه (ص) أرسل علي اً بدلاً من خالدٍ ، وعندما وصل إلى قبائل همدان؛ قرأ عليهم كتاب رسول الله (ص) ، فأسلمت همدان جميعاً ، فكتب عليٌّ إلى رسول الله (ص) بإسلامهم ، فلمَّا قرأ رسول الله (ص) الكتاب؛ خرَّ ساجداً ، ثمَّ رفع رأسه فقال: «السَّلام على همدان ، السَّلام على همدان»[ في الدلائل5/396.]) كان رسول الله (ص) حريصاً على الجبهة الجنوبيَّة للدَّولة ، وأن تدخل قبائل اليمن في الإسلام ، وظهر هذا الاهتمام في النتائج الباهرة الَّتي حقَّقتها الدَّعوة ، في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كل ِ أطراف اليمن متَّجهةً إلى المدينة ، ممَّا يدل على أنَّ نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متَّصلاً ، وبعيد المدى ، وكانت سرايا رسول الله (ص) تساند هذا النَّشاط الدَّعويَّ الس ِ لميَّ ، حيث بعث خالد بن الوليد ، ثمَّ علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنهما في هذا الس ِياق 911.]) إنَّ الوثائق الَّتي عقدها النَّبُّ (ص) مع قبائل اليمن ، وحضرموت قد بلغت عدداً كبيراً ، ضمَّنه ا محمَّد حمي د الله رحم ه الله في كتاب ه: «مجموع ة الوثائ ق الس ِياسيَّة [»912.]) إنَّ الترَّكيز على مفاصل القوى ، ومراكز التَّأثير في المجتمعات ، وبناء الدُّول ، منهج نبويٌّ كريمٌ ، حرص النَّبُّ (ص) على ممارسته في حياته. ب ب َعْثُ معاذ بن جبل ، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن: 1 بعث رسول الله (ص) معا ذ بن جبل الأنصاريَّ أعلمَ الصَّحابة في علم الحلال والحرام إلى اليمن؛ قاضياً ، ومفق ِهاً ، وأميراً ، ومصد ِقاً913])914]) ولمَّا خر معاذٌ قاصداً اليمن؛ خر معه رسول الله (ص) يود ِعه ، ويوصيه ، ومعاذ راكبٌ ، ورسول الله (ص) يمشي تحت راحلته ، فأوصاه بوصايا كثيرةٍ ، ورسم له منهجاً دعويا ً عظيماً ، حيث قال له: «إنك ستأتي قوماً من أهل كتاب ، فإذا جئتهم؛ فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله ، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم: أنَّ الله فرض عليهم خمس صلواتٍ كلَّ يومٍ وليلةٍ ، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم: أنَّ الله فرض عليهم صدقةً ، تؤخذ من أغنيائهم ، فتردُّ على

عدد الصفحات ٢١٤

فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فإياَّك وكرائمَ أموالهم ، واتَّقِ دعوة المظلوم ، فإنَّه ليس بينها وب الله حجاب»[ (1458) ، ومسلم19.]) وفي هذا الحديث إرشادٌ من النَّب ِ (ص) للدُّعاة إلى الله بالتَّدرُّ ، والبدء بالأهم ِ ، فالأهم ِ ، فالدَّعوة تكون بترسيخ الإيمان بالله تعالى ، ورسوله إيماناً يثبت في القلوب ، ويهيمن على الأفكار ، والسُّلوك ، ثمَّ تكون الدَّعوة بعد ذلك إلى تطبيق أركان الإسلام العمليَّة الَّتي ترس ِخ هذا الإيمان ، وتنم ِيه ، ثمَّ يأتي بعد ذلك الأمر بالواجبات ، والنَّهي عن المحرَّمات ، فيتقبَّل النَّاسُ تكاليف الإسلام الَّتي قد تكون مخالفةً لهوى النفس؛ لأنَّ قلوبهم قد عمرت بالإيمان ، واليقين قبل ذلك915.]) وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ رسمه (ص) لمعاذ ولمن يريد أن يسير على هدي الصَّحابة الكرام ، وما أحو الذين نذروا أنفسهم للدَّعوة إلى الله إلى الوقوف أمام هذا الهدي النَّبوي ِ يترسمَّون خطاه ، ويستوعبونه فهماً ، ووعياً ، وتطبيقاً! وحينئذٍ تكون خطاهم في الطَّريق الصَّحيح916]) رسول الله (ص) من وصاياه لمعاذ قال له «يا معاذُ! إنَّك عسى ألاَّ تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلَّك أن تمرَّ بمسجدي هذا ، وقبري 917 »])، فبكى معاذ خَشَعاً لفراق الرَّسول (ص) ، وكذلك وقع الأمر كما أشار الرَّسول (ص) ، فقد أقام معاذ باليمن ، ولم يقدم إلا بعد وفاة الرَّسول (ص918. ]) 2 وبعث رسول الله (ص) أبا موسى الأشعريَّ اليمنيَّ إلى مخلاف اليمن الاخر ، وهو الأسفل ، قاضياً ، ومفق ِهاً ، وأميراً ، ومصد ِقاً ، وأوصاه ، ومعاذاً ، فقال:ءَ «يس ِرا ، ولا تعس ِرا ، وبش ِرا ، ولا تنف ِرا ، وتطاوعا ، ولا تختلفا »[4342) ، ومسلم1733.]) وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ أرشد إليه رسولُ الله (ص) معاذاً ، وأبا موسى بأن يأخذوا بالتَّيسير على النَّاس ، ونَّاهما عن التَّعسير عليهم ، وأمرهما بالتَّبشير ، ونَّاهما عن التَّنف919.]) ترتيب أمور الإدارة والمال: إن الن ِظام جزءٌ من هذا الد ِين ، وداخلٌ في كل أموره؛ لأنَّ الن ِظام يجمع الأشتات ، وتحُقَّق به الأهداف ، والغايات ، فالن ِظام سمةٌ يتميَّز بها الإسلام منذ اللَّحظة الأولى؛ حيث يدخل في جميع جوانب الإسلام التَّصوريَّة ، والشَّعائريَّة ، والتُعبُّديَّة ، وفي الشَّرائع الحياتيَّة كل ِها ، فكان (ص) يضع من يدير المدينة في حالة غيبته عنها ، وكلَّما فتح منطقةً ، وضع عليها أميراً ، وكانت الوفود تأتي إلى رسول الله (ص) فيُعين ِ عليها أميراً مِنْ قِبَلِه ، ثمَّ يترك لهم مَنْ يعل ِمهم دينهم ، ويرسل إليهم مَنْ يجمع صدقاتهم920.])

عدد الصفحات ٢١٥

وكان يختار عمَّاله من الصَّالحين ، وأولي العلم ، والد ِين ، ومن المنظور إليهم من العرب ، وذوي الشَّخصيَّات المؤث ِرة في قبائلهم ، فقد كان عامله على مكَّة عتَّاب بن أَسِيْدٍ ، وعلى الطَّائف عثمان بن العاص ، وبعث علي اً ، وأبا مو سى إلى اليمن ، وأقرَّ الرَّسول (ص) في بعض الحالات الأمراء ، والملوك الَّذين أسلموا ، أو قُبِلت الجزية منهم ، ومنهم: باذان بن سامان ولد بهرام الَّذي أقرَّه الرَّسول (ص) على اليمن بعد إسلامه ، ولما بلغه موته قسم عمله على جماعةٍ من الصَّحابة ، فولىَّ على صنعا ء شمر بن باذان ، وعلى مأرب أبا موسى الأشعريَّ ، وعلى الجند يعلى بن أميَّة ، وعلى همذان عامر بن شمر الهمداني ، وعلى ما بين نجران ، وزمع ، وزبيد خالد بن سعيد بن العاص ، وعلى نجران عمرو بن حزام ، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي ، وعلى السَّكاسك والسُّكو ن عكَّاشة بن ثور921.]) وكان (ص) يستوفي الحساب على العمَّال، حلاسبهم على المستخر ، والمصروف، وحدَّد (ص) لبعض عمَّاله رواتب ، منهم عَتَّاب بن أَسِيْدٍ والي مكَّة ، درهماً كلَّ يوم 922]) بن مالكٍ على قومه همدان خصَّص له قطعةً من ا رض يأخذ خراجها ، وكانت رواتب عمَّاله تتغيرَّ بتغير أحوال المعيشة ، فهي ليست ثابتةً923])«مَنْ ولي لنا ولايةً ، و يكن له بيتٌ؛ فليتَّخذ بيتاً ، أو لم تكن له زوجةٌ؛ فليتَّخذ زوجةً ، أو لم تكن له دابَّةٌ ، فليتَّخذ دابةً » [4/229) ، وأبو داود2945) ، وابن خزيمة2370([])924.]) وهذه هي الحاجات الرَّئيسية لولي ِ الأمر في ذلك الوقت؛ منعاً لأخذ الرَّشوة ، وهذه قاعدةٌ قانونيَّة جاء بها الإسلام قبل أن تثبتها القوانين الوضعية الحديثة في بنودها ، وهي أنَّ الهدية للحاكم رشوةٌ صرحلةٌ925.]) * * *

عدد الصفحات ٢١٦

المبحث السَّابع حجَّة الوداع (10 ه926]) الحجُّ أحد الأركان الخمسة ، وقد فُرض في العام العاشر ، وهذا ما ذهب إليه ابن القي ِم 927]) واستدلَّ بأدلةٍ قويَّةٍ ، وهو الَّلائق بهديه (ص) في عدم تأخير ما هو فرض، لأنَّ الله تعالى يقول عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْب َيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَ بِيلاً[عمران 97] سنة تِسْعٍ928.]) لم حلجَّ النَّبُّ (ص) من المدينة غير حجَّته الَّتي كانت في العام العاشر ، وعرفت هذه الحجَّة بحجَّة البلاغ ، وحجَّة الإسلام ، وحجَّة الوداع؛ لأنَّه (ص) ودَّع النَّاس فيها ولم حلجَّ بعدها ، وحجَّة البلاغ؛ لأنَّه (ص) بلَّغ النَّاس شرع الله في الحج ِ قولاً ، وعملاً ، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام ، وقواعده شيءٌ إلا وقد بيَّنه ، فلمَّا بينَّ لهم شريعة الحج ِ ، ووضَّحه ، وشرحه ، أنزل الله عليه ، وهو واقفٌ بعرفة أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتيِ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً [3[ .] (4407) ، ومسلم3017.]) ولمَّا نزلت هذه الاية؛ بكى بعض الصَّحابة ومنهم عمر بن الخَّطاب رضي الله عنه وكأنََّّم فهموا منها الإش ارة إلى قرب أجل الرَّسو ل (ص) ، ولمَّا قيل لسي ِدنا عمر: ما يبكيك؟ قال: إنَّه ليس بعد الكمال إلا النُّقصان 929])930.]) أولاً: كيف حجَّ النَّبُّ (ص)؟ [1557) ، ومسلم1218:]) ع زم رسول الله (ص) على الحج ِ ، وأعلم ال نَّاس: أنَّ ه حا ٌّ ، فتجهَّزوا وذل ك في شهر ذي القعدة سنة عشر للخرو معه ، وسمع بذلك مَنْ حول المدينة ، فقدموا يريدون الحجَّ مع الرَّسول (ص) ، ووافاه في الطَّريق خلائق لا حلصون ، فكانوا مِنْ بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله مدَّ البصر ، وخر من المدينة نَّاراً بعد الظُّهر لخمسٍ بَقِينَ من ذي القعدة يوم السَّبت ، بعد أن صلَّى الظُّهر بها أربعاً931.]) وخطبهم قبل ذلك خطبةً علَّمهم فيها الإحرامَ ، وواجباتِه ، وسننه ، ثمَّ سار وهو يلب ِ ، ويقول «لبيك اللَّهُمَّ لبيك ، لبَّيك لا شريك لك لبيك ، إنَّ الحمد ، والن ِعمة لك ، والملك ، لا شريك لك»والنَّاس معه يزيدون ، وينقصون ، وهو يقرُّهم ، ولا ينكر عليهم ، ولزم تلبيته ، ثمَّ مضى حتََّّ نزل ب (العر ) ثمَّ

عدد الصفحات ٢١٧

سار حتََّّ أتى (الأبواء) فوادي (عسفان) في (سَرِف) ثمَّ نَّض إلى أن نزل ب (ذي طوى) ، فبات بها ليلة الأحد ، لأربع خلون من ذي الحجَّة ، وصلَّى بها الصُّبح ، ثمَّ اغتسل من يومه ، ونَّض إلى مكَّة فدخلها نَّاراً من أعلاها ، ثمَّ سار ، حتََّّ دخل المسجد ، وذلك ضحىً 932]) (ص) ، فرمل ثلاثاً933])934 ])عليه السَّلام. فقرأ {ب ْرَاهِيمَ وَإِسمَْاعِيلَ أَنْ طَه ِرَا ب َيْتيِ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [بقرة 125.] فجعل المقام بينه وبين البيت ، وكان يقرأ في الرَّكعتين: ثمَّ رجع إلى الرُّكن} *{قُلْ هُوَ اللََُّّ أَحَدٌ شَعَائِ رِ اللََِّّ فَمَنْ حَجَّ الْب َيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بهِِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَي ْرًا فَإِ نَّ اللَََّّ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [158.] وبدأ بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا ، فرقي عليه ، حتََّّ إذا رأى البيت؛ استقبل القبلة ، فوحَّد الله ، وكبرَّه ، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل ِ شيءٍ قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده »، ثمَّ دعا بين ذلك ، قال مثل هذه ثلاث مرَّاتٍ ، ثمَّ نزل إلى المروة ، حتََّّ إذا انصبَّتْ935]) صَعِدَتاَ936]) على المروة؛ قال«لو أني ِ استقبلتُ من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، وجعلتها عُمْرَةً ، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ؛ فليحلَّ ، وليجعلها عُمْرةً » فقام سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ ، فقال: يا رسول الله! أَلِعَامِنَا هذا أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله (ص) أصابعه واحدةً في الأخرى ، وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحج ِ »مرَّتين ،«لا بل لأبدٍ أَبَدٍ [»937.]) وأقام بمكة أربعة أيام: يوم الأحد ، والإثنين ، والثَّلاثاء ، والأربعاء ، فلمَّا كان يوم الخميس ضُحىً؛ توجَّه بمن معه من المسلمين إلى منىً ، ونزل بها ، وصلَّى بها الظُّهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، والفجر ، ومكث قليلاً حتََّّ طلعت الشَّمس ، وأمر بِقُبَّةٍ من شَعَرٍ تُضْرَبُ له بِنَمِرَةَ 938]) رسول الله (ص) ولا تَشُكُّ قريشٌ إلا أنَّه واقفٌ عند المشعر الحرام 939]) في الجاهليَّة ، فأجاز940])

عدد الصفحات ٢١٨

بها ، حتَّ إذا زاغت ا لشَّمسُ؛ أمَرَ بالقصواء ، فرُحِلَتْ له ، فأتى بطن الوادي 941]) النَّاس ، وقال «إنَّ دماءكم ، وأموالكم حرامٌ عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا كل شيءٍ من أمر الجاهليَّة تحت قدميَّ موضوعٌ ، ودماءُ الجاهليَّة موضوعةٌ ، وإنَّ أوَّل دَمٍ أضع من دمائنا دمُ ابنِ ربيعةَ بن الحارثِ ، كان مُسْتَ رْضَعاً في بني سعدٍ ، فقتلتْه هذيلٌ ، وربا الجاهليَّة موضوعٌ ، وأوَّل رباً أضع ربانا ، ربا العباس بن عبد المطَّلب ، فإنَّه موضوع كلُّه. فاتَّقوا الله في الن ِساء ، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمان الله ، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله ، ولكن عليهنَّ ألاَّ يوطئن فرشَكم أحداً تكرهونه942])943]) عليكم رزقُهن ، وكسوتهُنَّ بالمعروف؛ وقد تركت فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب الله ، وأنتم تُسْأَلُونَ عني ِ ، فما أنتم قائلون؟ »قالوا: نشهد أنَّك بلغت ، وأدَّيت ، ونصحت ، فقال بإصبعه السَّبَّابة ، يرفعها إلى السَّماء ، وينكتها 944])«اللَّهمَّ اشهد! اللَّهُمَّ اشهد »ثلاث مرَّات945.]) ثمَّ أذَّن ، ثم أقام ، فصلَّى الظُّهر ،ثمَّ أقام ، فصلَّى العصر ، ولم يصل ِ بينهما شيئاً ، ثمَّ ركب رسولُ الله (ص) ، حتََّّ أتى الموقف ، فجعل بطنَ ناقتهِ القصواءِ إلى الصَّخَرَاتِ 946]) يديه947]) حتَّ غاب القُرْصُ948.]) وذكر أبو الحسن النَّدويُّ: لمَّا فرغ رسول الله (ص) من صلاته ، والتَّضرُّع ، والابتهال إلى غروب الشَّمس ، وكان في دعائه رافعاً يديه إلى صدره ، كاستطعام المسكين ، يقول فيه: «اللَّهُمَّ! إنَّك تسمع كلامي ، وترى مكاني ، وتعلم سر ِي ، وعلانيتي ، لا يخفى عليك شيءٌ من أمري ، أنا البائس الفقير ، المستغيث المستجير ، والوَجِل المِشفِق ، المقر المعترف بذنوبي ، أسألك مسألة المسكين ، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذَّليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضَّرير ، مَنْ خضعت لك رقبته ، وفاضت لك عيناه ، وذلَّ جسده ، وَرَغِم أنفهُ لك ، اللَّهُمَّ! لا تجعلني بدعائك رب ِ شقي اً ، وكن بي رؤوفاً رحيماً ، يا خير المسؤولين! ويا خير المعطين[»949!]) وهناك أنزلت عليهيناً [3]

عدد الصفحات ٢١٩

(ص) وقد شَنَقَ للقصواءِ الز ِمَامَ ، حتََّّ إنَّ رأسها ليُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ ، وهو يقول «أيُّها النَّاس! عليكم السَّكينة950.»]) وكان يلب ِ في مسيره ذل ك ، لا يقطع التَّلبية حتََّّ أتى المزدلفة ، وأمر المؤذ ِن بالأذان فأذَّن ، ثمَّ أقام ، فصلَّى المغرب قبل حط ِ الر ِحال ، وتبريك الجمال ، فلمَّا حطُّوا رحالهم؛ أمر ، فأقيمت الصَّلاة ، ثمَّ صلَّى العشاء ، ثمَّ نام ، حتََّّ أصبح ، فلمَّا طلع الفجر صلاَّها في أو ل الوقت ، ثمَّ ركب حتَّ أتى المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة ، وأخذ في الدُّعاء والتَّضرُّع ، والتَّكبير ، والتَّهليل ، والذكر ، حتَّ أَسْفَرَ جِد اً 951]) ثمَّ سار من مزدلفة ، مردِفاً للفضل بن عباس ، وهو يلب ِ في مسيره ، وأمر ابن عب اسٍ أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصياتٍ ، فلمَّا أتى بَطْنَ محَُس ِرٍ 952]) الس953]) فرماها راكباً بعد طلوع الشَّمس ، وقطع التلبية954.]) ثمَّ رجع إ مِنىً ، فخطب الناس خطبةً بليغةً ، أعلمهم فيها بحرمة يوم النَّحر ، وتحريمه ، وفضله عند الله ، وحرمة مكَّة على جميع البلاد ، وأمر بالسَّمع ، والطَّاعة لمن قادهم بكتاب الله ، وأمر النَّاس بأخذ مناسكهم عنه ، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفاراً ، يضرب بعضهم رقا ب بعض ، وأمر بالتَّبليغ عنه955.]) وقد جاء في هذه الخطبة«أتدرون أيُّ يومٍ هذا؟ »قلنا: اللهُ ورسولُه أعلم ، فَسكَتَ؛ حتََّّ ظننَّا أن سيسم ِيه بغير اسمه ، فقال: «أليس ذا الحجة؟»قلنا: بلى! قال«أي بلدٍ هذا؟»قلنا: الله ورسولُه أعلم ، فَسَكَتَ؛ حتََّّ ظننَّ ا: أنَّه سيسم ِيه بغير اسمه ، قال: «أليست بالبلدة الحرام؟ »قلنا: بلى! قال«فإن دماءكم ، وأموالكم وفي رواية: وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، إلى يوم تلقون ربكم ، ألا هل بلغت؟ »قالوا: نعم ، قال«اللَّهُمَّ اشهدفليبلغ الشَّاهد الغائب ، ف َرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامعٍ ، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ [»956.]) ثمَّ انصرف إلى المنحر بمنى ، فنحر ثلاثاً وستين بدنةً بيده ، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنين عمره ، ثمَّ أمسك وأمر علي اً أن ينحر ما بقي من المئة، فلمَّا أكمل (ص) نحره استدعى الحلاق ، فحلق رأسه ، وقسم شعره بين مَنْ يليه ، ثمَّ أفاض إلى مكَّة راكباً ، وطاف طواف الإفاضة957])

عدد الصفحات ٢٢٠

الظهر ، فأتى بني عبدِ المطلب يَسْقُون على زمزم ، فقال«انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم النَّاس على سِقَ ايتكم؛ لنزِعتُ معكم »، فناولوه دلواً ، فشرب منه958.]) ثمَّ رجع إلى منىً من يومه ذلك ، فبات بها ، فلمَّا أصبح؛ انتظر زوال الشَّمس ، فلمَّا زالت مشى من رحله إلى الجمار ، فبدأ بالجمرة الأولى ، ثمَّ الوسطى ، ثمَّ الجمرة الثَّالثة وهي جمرة العقبة وخطب الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النَّحر ، وخطبة ثانية في ثاني يوم النَّحر 959]) وهو يوم النفر الأول ، وهي تأكيد لبعض ما جاء في خطبتي عرفة ، ويوم النَّحر والواقع أن تكرار الخطب في حَجَّة الوداع كان أمراً لابدَّ منه لحاجة المسلمين ، فهي الحجَّة الوحيدة الَّ تي حجَّها الرَّسول (ص) ، وقد عزَّ فيها الإسلام والمسلمون ، وأصبحت كلمتهم هي النَّافذة في الجزيرة كل ِها ، كما كانت الوداع الأخير ، فما أشدَّ حاجةَ المسلمين في هذا المشهد العظيم إلى التَّذكير ، والنُّصح ، والتَّوصية ، وإلى تكرار القول ، والتَّأكيد عليه حتََّّ يعوه ، وحلفظوه ، ولا ينسوه ، وإلى تقريرهم بإبلاغ الر ِسالة ، وأداء الأمانة960.]) هذا ، وقد تأخَّر رسول الله (ص) حتََّّ أكمل رمي أيام التَّشريق الثَّلاثة ، ثمَّ نَّض إلى مكَّة ، فطاف للوداع ليلاً سحراً ، وأمر النَّاس بالرَّحيل ، وتوجَّه إلى المدينة961]) الوداع خطب الرَّسول (ص) النَّاس في غدير خُم ٍ قريباً من الجحفة في اليوم الثَّامن عشر من ذي الحجَّة ، وقد جاء في هذه الخطبة: «أمَّا بعد: ألا أيُّها النَّاس! فإنمَّا أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربي ِ فأجيب ، وأنا تاركٌ فيكم ث َقَ لَينِْ ، أوَّلهما كتابُ الله فيه الهدى والنُّور ، فخذوا بكتاب الله ، واستمسكوا به »، فحثَّ على كتاب الله ، ورغَّب فيه ، ثمَّ قال: «وأهلُ بيتي ، أذك ِركم اللهَ في أهل بيتي ، أذك ِركُم أهل بيتي ، أذك ِركم الله في أهل بيتي»[3/14 و17) ، ومسلم2408/36 و37.]) وفي روايةٍ: ... أخذ بيد علي ٍ رضي الله عنه وقال«من كنتُ وليُّه ، فهذا وليُّه ، اللَّهُمَّ والِ مَنْ والاه ، وعادِ مَنْ عاداه »[1/118([])962])«من كنت مولاه فعليٌّ مولاه »[ (4/368) ، والترمذي3713([])963.]) وكان علي قد أقبل من اليمن ، وشهد حجَّة الوداع964]) اشتدَّ في معاملتهم ، وكان قد استرجع منهم حللاً وزَّعها عليهم نائبه ، فأوضح لهم النَّبُّ (ص) في غدير خُم ٍ مكانةَ علي ٍ ، ونبَّه على فضله لينتهوا عن الشَّكوى965])كان الحقُّ مع علي ٍ في إرجاع ما أعطاهم نائبه في غيبته؛ لأنََّّا أموال صدقاتٍ ، وخمس 966.])

عدد الصفحات ٢٢١

ولما أتى رسولُ الله (ص) ذا الحليفة ، بات بها ، فلمَّا رأى المدينة؛ كبرَّ ثلاث مرَّاتٍ ، وقال «لا إله إلا الله وحدَه ، لا شريك له ، له المُلك ، وله الحمد ، وهو على كل ِ شيء قديرٌ ، ايبون ، تائبون ، عابدون ، ساجدون ، لرب ِنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحدَه»، ثمَّ دخلها نَّاراً1797) ، ومسلم1344([])967.]) ثانياً: الدُّروس ، والعبر ، والفوائد 1 مرحلة النُّضج الَّتي وصلت إليها الأمة: وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقد ِمةً ، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً ، فوسَّع (ص) في العام التَّاسع ، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلق ِي المباشر ، من خلال استقباله الوفود ، ومن خلال رحلة الحج ِ ، فأوجد قاعدةً عريضةً تح مل دعوته ، وقد تلقَّت عنه مباشرة ، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رَحَى الإسلام دائرةً ، وإلى الأبد968]) الأخيرة في تربية الأفراد والمجتمع على كتاب الله وسنَّة رسوله (ص 2 تربية الأفراد على قطع الص ِلة بالجاهليَّة ، والابتعاد عن الذُّنوب: أ فقد أشار (ص) إلى أهم ِيَّة قطع المسلم علاقته بالجاهليَّة: أوثانَّا ، وثاراتها ، ورِباها ، وغير ذلك ، ولم يكن حديثُه (ص) مجرَّد توصيةٍ ، بل كان قراراً؛ أعلن عنه للملأ كل ِه؛ لأولئك الَّذين كانوا مِنْ حوله ، والأمم الَّتي ستأتي مِنْ بعده ، وهذه هي صيغة القرار: «ألا إنَّ كلَّ شيءٍ من أمر الجاهليَّة تحت قدمي موضوعٌ ، دماءُ الجاهليَّة موضوعةٌ... وربا الجاهليَّة موضوعٌ969 »])لأنَّ الحياة الجديدة الَّتي حلياها المسلم بعد إسلامه حياةٌ لا صلة لها بِرِجْسِ الماضي ، وأدرانه 970.]) ب وقد حذَّر (ص) من الذُّنوب ، والخطايا ، والاثام ، ما ظهر منها ، وما بطن؛ لأنَّ الذُّنوب ، والخطايا تفعل بالفرد ما لا يفعله العدوُّ بعدو ِه ، فهي سبب مصائبه في الدُّنيا فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَي َعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [لشورى 30] المجتمعات ما لا يفعله السَّيف وأعلن رسولُ الله (ص) : أنَّه لا يقصد بالخطايا العودة إلى عبادة الأصنام؛ لأن العقول الَّتي تفتَّحت على التَّوحيد ترفض أن تعود إلى الش ِرك الظاهر ، ولكنَّ الشَّيطان لا ي يئس من أن يجد طريقه إليها من ثغرات الخطايا ، والذُّنوب ، حتََّّ ت ُرْدِي صاحبها في المهاوي 971.]) 3 تربية المجتمع على مبادأى أساسيَّة

عدد الصفحات ٢٢٢

أ الأخوَّة في الله هي العُروة الوُثقى الَّتي تربط بين جميع المسلم[ 10 ]، فقد قال (ص«أيُّها النَّاس! اسمعوا قولي ، واعقلوه ، ت َعَلَّمُنَّ: أنَّ كلَّ مسلمٍ أخٌ للمسلم ، وأن المسلمين إخوةٌ؛ فلا حللُّ لامرأٍى من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسٍ منه ، فلا تَظْلِمُنَّ أنفسكم » وقال«إنَّ دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم عليكم حرامٌ ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، حتََّّ تلقَوا ربَّكم فيسألَكم عن أعمالكم ، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلاَّلاً يضرب بعضُكم رقاب بعض»[ تخريجه ب الوقوف بجانب الضَّعيف ، حتََّّ لا يكون هذا الضَّعف ثغرةً في البناء الاجتماعي ِ ، فأوصى (ص) في خطبته بالمرأة والرَّقيق على أنََّّما نموذجان من الضُّعفاء 972]) بالإحسان إلى الضُّعفاء973]) الظُّلم البائد للمرأة في الجاهليَّة ، وتثبيت ضمانات حقوقها ، وكرامتها الإنسانيَّة، الَّتي تضمَّنتها أحكام الشَّريعة الإسلاميَّة974.]) التَّعاون مع الدَّولة الإسلاميَّة على تطبيق أحكام الإسلام، والالتزام بشرع الله ، ولو كان الحاكم عبداً حبشي اً؛ فإنَّ في ذلك الصَّلاحَ ، والفلاحَ ، والنَّجاةَ في الدُّنيا ، والاخرة975])بينَّ (ص العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنََّّا تعتمد على السَّمع ، والطَّاعة ما دام الرَّئيس حلكم بكتاب الله وسنَّة رسوله (ص) ، فإذا مال عنهما؛ فلا سمع، ولا طاعة، فالحاكم أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعا976.]) د المساواة بين البشر: فقد قال(ص) : «لا فضل لعربي ٍ على أعجمي ٍ، ولا لأعجمي ٍ على عربي ٍ ، و لأبيض على أسود ، ولا لأسود على أبيض إلا بالتَّقوى. النَّاس من ادم ، وادم من تراب»[ (5/411) عن رجل من أصحاب النب ِ (ص) ، والبزار2044) عن أبي سعيد ، والطبراني في الكب (18/12 13) ، وانظره في مجمع الزوائد 3/272]) لجنسٍ ، ولا لون ، ولا وطن ، ولا قوميَّة ، ... إلخ ، وإنمَّا أساس التَّفاضل قيمةٌ خلقيَّةٌ راقيةٌ ترفع مكانة الإنسان إلى مقاماتٍ رفيعةٍ جد اً 977.]) ه تحديد مصدر التَّلق ِي: وقد حدَّد (ص) مصدر التَّلق ِي والطَّريقة المثلى لحل ِ مشاكل المسلمين ، الَّتي قد تعترض طريقهم ، في الرُّجوع إلى مصدرين لا ثالث لهما ، ضمن لهم بعدَ الاعتصام بهما الأمان من كل ِ شقاءٍ ، وضلالٍ ، وهما: كتاب الله ، وسنَّة رسوله (ص) ، وإنَّك لتجده يتقدَّم بهذا ال تعهُّد ،

عدد الصفحات ٢٢٣

والضَّمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده؛ ليبين ِ للنَّاس أنَّ صلاحية التَّمسُّك بهذين الدَّليلين ليس وقفاً على عصرٍ دون اخر ، وأنَّه لا ينبغي أن يكون لأي ِ تطوُّرٍ حضاري ٍ ، أو عُرْف زمني ٍ أيُّ سلطانٍ ، أو تغَلُّبٍ عليهما 978.]) لقد وصف (ص الدَّاء ، والدَّواء ، ووضع العلا لكل ِ المشكلات بالالتزام التَّام ِ بما ج اء من أحكامٍ في كتاب الله وسنَّة رسوله (ص) : «تركت فيكم ما إن تمسَّكتُم به؛ لن تضلُّوا بعدي أبداً كتابَ الله ، وسنَّتي »[2/899) ، ومشكاة المصابيح186) ، والسلسلةالصحيحة (1761.]) هذا هو العلا الدَّائم ، وقد كرَّر (ص) نداءه للبشريَّة عامَّةً عبر الأزمنة ، والأمكنة بوجوب الاهتداء بالكتاب ، والسُّنَّة في حل ِ جميع المشكلات الَّتي تواجه البشريَّة؛ فإنَّ الاعتصام بهما يجن ِب النَّاس الضَّلال ، ويهديهم إلى الَّتي هي أقو م في الحاضر ، والمستقبل ، لقد اجتازت تعاليم رسول الله (ص) ، وهديه حدود الجزيرة ، واخترقت حواجز الزَّمن ، وأسوار القرون ، وظلَّ يتردَّد صداها حتََّّ يوم النَّاس هذا ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فلم يكن يخاطب سامعيه ، فيقول لهم: (أيُّها المؤمنون! أيُّ ها المسلمون! أيُّها الحجَّا )؛ بل كان يقول لهم: (أيُّها النَّاس!) ، وقد كرَّر نداءه إلى النَّاس كافَّةً مرَّاتٍ متعد ِدةً دون أن يخص ِصه بجنسٍ ، أو بزمانٍ ، أو مكانٍ ، أو لونٍ ، فقد بعثه الله للنَّاس كافَّةً ، وأرسله رحمةً للعا979.]) 4 الأساليب التعليمية من خطب حجَّة الوداع: أ التَّعليم بمباشرة ما يراد تعليمه: علَّم رسولُ الله (ص) صحابته الكرام مناسك الحج ِ بصورةٍ عمليَّةٍ ، بأن قام بها ، وباشرها فعلاً ، ولم يكتفِ بأن يعل ِمها لهم قولاً ، ولذلك قال لهم: «خذوا عني ِ مناسككم »[1297) ، وأبو داود (1970) ، والنسائي5/270([])980]) الناس معاني الإسلام أن يعل ِموهم هذه المعاني ، والمطلوبات الشَّرعية ، أو بعضَها الأقل ِ بصورةٍ عمليَّةٍ كالوضوء ، والصَّلاة ، وتعليم قراءة القران بصورةٍ سليمةٍ 981]). ب تكرار الخُطَب لاحظنا: أنَّ النَّب (ص) كرر خطبه ، فقد خطب في عرفة ، وفي منىً مرَّتين ، كما كرَّر معاني بعض هذه الخطب ، فعلى الدُّعاة أن يقتدوا برسول الله (ص) ، فيكر ِروا خطبهم ، ويكر ِروا بعض معانيها الَّتي يرون حاجةً لتكرارها؛ حتََّّ يستوعبها السَّا معون ، وحلفظوها؛ لأنَّ القصد من خُطب الخطيب إفادة السَّامعين

عدد الصفحات ٢٢٤

بما يقول ، فإذا كانت الفائدة لا تحصل ، أو لا تتمُّ إلا بتكرار الخُطب من حيث عددها ، أو بتكرارها من حيث تكرار معانيها ، فليكر ِرها الدَّاعية ، ولا يكون حرصه على أن يأتي بجديدٍ في خطبه ، ما دام يرى الحاجة في ترسيخ معانٍ معيَّنةٍ في أذهان السَّامعين. إنَّ الدَّاعية همُّه أن يفيد السَّامعين ، وليس همُّه أن يُظهر براعته في الخُطَب ، وفي تنوُّع معانيها دون نظرٍ ، ولا اعتبارٍ إلى ما حلتا إليه السَّامعون ، ودون اعتبارٍ لفهمهم هذه المعاني ، واستيعابهم لها[982.]) ف َلْيُ بَ ل ِغ الشَّاهدُ الغائبَ وفي هذا توجيهٌ نبويٌّ كريمٌ لكي تعمَّ الفائدة أكبر عددٍ ممكنٍ من النَّاس ، فهذا من باب التعاون على الخير؛ ولأنَّ الغائب قد يكون أوعى للعلم ، وأكثر فهماً له من الحاضر الَّذي سمع ، وعلى الدُّعاة ، والعلماء عندما ي ُلْقُون درساً أو محاضرةً لإخوانَّم أو لعامَّة النَّاس أن يقولوا للحاضرين: «فليبل ِغ الحاضرُ منكم الغائبَ بما سمعه »[67.]) د جلب انتباه الحاضر لما يقوله الخطيب ويستفاد من سؤال النَّب ِ (ص) الحاضرين عن اسم اليوم الَّذي هم فيه ، وكذا عن الشَّهر ، والبلد وهم يعرفونَّا ما يجلب انتباههم إلى ما قد عسى أن يريده بطرح هذه الأسئلة ، فيصغون إليه إصغاءً تامَّاً ، قال القرطبُّ: سؤال النَّب ِ (ص) عن الثلاثة: أي: عن اليوم ، والشَّهر ، والبلد ، وسكوته بعد كل ِ سؤالٍ منها؛ كان لاستحضار فهومهم ، وليُقبلوا عليه بكل ِيَّتهم وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه... فعلى العلماء ، والدُّعاة أن يقد ِموا بين يدي ما يقولونه ما يدعو إلى جلب انتباه السَّامعين ، ويشدُّهم إلى كلامهم983.]) 5 بعض الأحكام الفقهيَّة المستنبطة من حجَّة الوداع جاءت حجَّة الوداع حافلةً بالأحكام الشَّرعية ، وخاصَّةً ما يتعلَّق بالحج ِ ، وبالوصايا ، والأحكام الَّتي وردت في خطبة عرفات ، لذلك اهتمَّ العلماء بحجَّة الوداع اهتماماً كبيراً ، واستنبطوا منها الكثير من أحكام المناسك ، وغيرها ممَّا تحفِل به كتبُ الفقه ، وكتبُ شروح الحديث ، وخصَّص بعضُهم م ؤلفاتٍ مستقلَّةً في حجَّة الوداع984.]) ونشير إلى بعض هذه الأحكام باختصارٍ شديدٍ ، فمن هذه الأحكام أ إفطار الحا ِ يوم عرفة:

عدد الصفحات ٢٢٥