قالت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها زو النَّب ِ (ص) : إنَّ النَّاس شكُّوا في صيام رسول الله (ص يوم عرفة ، فأرسلْتُ إليه بحلا بٍ985]) [1989) ، ومسلم1123/110.]) ب كيف يفعل بمن تُوفي محُْرِماً؟ قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: بينما رجلٌ واقفٌ مع رسول الله (ص) بعرفة؛ إذْ وقع عن راحلته ، ف َوَقَصَتْهُ ، أو فأَوْقَ صَتْهُ986])«اغسلوه بماءٍ وسدْرٍ ، وكف ِنوه ثوبين ، ولا تحن ِطوه987])988])([»989 .]) [1/215) ، ومسلم1206) ، والنسائي5/195) ، وابن ماجه3084.]) هل يجوز الحجُّ عن الغير؟ قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: كان الفضل بنُ العبَّاس رديفَ رسول الله (ص) ، فجاءت امرأةٌ من خثعم ، فجعل الفضلُ ينظر إليها ، وتنظر إليه ، وجعل النَّبُّ (ص) يصرف وجه الفضل إلى الش ِق ِ الاخر ، فقالت: يا رسول الله! إنَّ فريضة الله على عباده في الحج ِ أدركت أبي شيخاً كبيراً ، لا ي َث ْبُتُ على الرَّاحلة ، أفأحجُّ عنه؟ قال: «نعم»وذلك في حَجَّة الوداع 1513) ، ومسلم (1334.]) د منهج التَّيسير (لا حر ! لا حر قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: وقف رسول الله (ص) على راحلته ، فطفق ناس يسألونه ، فيقول القائل: يا رسول الله! إني ِ لم أكن أشعر: أنَّ الرمي قبل النَّحر ، فنحرت قبل الرَّمي؟ فقال رسول الله (ص) : «ارم ، ولا حر »قال: وطفق اخر يقول: إني ِ لم أشعر أنَّ النَّحر قبل الحلق ، فحلقت قبل أن أنحر ، فيقول: «انحر ، ولا ح ر ! »قال: فما سمعته يُسأل يومئذٍ عن أمرٍ ممَّا ينسى المرء ويجهل ، من تقديم بعض الأمور قبل بعض ، وأشباهها ، إلا قال رسول الله (ص) : «افعل ، و حر ! »[83) ، ومسلم1306.]) هذه بعض الأحكام المختصرة ، ومن أراد المزيد فليراجع ما كتبه الألبانيُّ عن حجة الوداع فقد لخص الحَجَّةَ في اثنتين وسبعين مسألة990])«الوصيَّة النَّبويَّة للأمَّة الإسلاميَّة»للدكتور فاروق حمادة ، فقد جمع من المصادر الأدبيَّة ، والحديثيَّة ، وكتب أهل الس ِير ثمانية وثلاثين بنداً ، ثمَّ قام
عدد الصفحات ٢٢٦بتحليلها ، وتخريجها ، وتوثيق نصوصها بميزان الجرح والتَّعديل؛ الَّذي اعتمده أئمَّة المسلمين منذ الصَّدر الأول؛ لأنَّ الأمر دينٌ وشرعٌ كما قال ، وقد أجاد ، وأفاد991.]) 6 فوائد في تسمية أيام الحج ِ كان يقال لليوم السَّابع من ذي الحجة يومُ الز ِينة؛ لأنَّه تُزيَّن فيه البُدن الَّتي تهُ دى بالجلال ، وغيرها ، واليوم الثَّامن يقال له: يوم الترَّوية؛ لأنََّّم كانوا يروون فيه إبلهم من الماء ، وحلملون منه ما حلتاجون إليه حال الوقوف ، وما بعده؛ لأنَّ هذه الأماكن لم يكن فيها يومئذٍ ابارٌ ، ولا عيونٌ ، أمَّا الان ففيها الماء الكثير والحمد لله! واليوم التَّاسع: يوم عرفة؛ للوقوف فيه بها ، واليوم العاشر: يوم النَّحر ، ويوم الأضحى ، ويوم الحج ِ الأكبر. واليوم الحادي عشر: يوم القر ِ؛ لأنََّّم يقرُّون فيه ، ويقال له: يوم الرؤوس؛ لأنََّّم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي ، وهو أوَّل أيام التَّشريق ، وثاني أياَّم التَّشريق يقال له: يوم النَّفر الأوَّل؛ لجواز الخرو فيه إلى مكَّة لمن يريد التَّعجيل ، وثالث أيام التَّشريق يقال له: يوم النَّفر الثَّا992.]) قال ع زَّ شأن ه لَيْهِ وَمَنْ تأََخَّرَ فَلاَ إِثمَْ عَلَيْهِ لِمَنِ ات َّقَى وَات َّقُوا اللَََّّ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تحُْشَرُونَ[203.] * * * المبحث الثَّامن مرض رسول الله (ص) ووفاتُه إنَّ الأرواح الشَّفافة الصَّافية القويَّة لتدرك بعض ما يكون مخبوءاً وراء حُجُب الغيب بقدرة الله تعالى ، والقلوب الطَّاهرة المطمئنة لتحد ِث صاحبها بما عسى أن حلدث له فيما يستقبل من الزَّمان ، والعقول الذَّكيَّة المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات ، وتلميحات ، ولنبي ِنا محمَّد (ص) من هذه ا لص ِفات الحظ الأوفر ، وهو منها بالمحل ِ الأرفع؛ الذي لا يُسامَى ، ولا يُطاوَل993.]) ولقد جاءت بعض الايات القرانيَّة مؤك ِدةً على حقيقة بشرية النَّب ِ (ص) ، وأنَّه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ، ويعاني سكراته ، كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء ، ولقد فهم (ص) من بعض
عدد الصفحات ٢٢٧الايات اقترابَ أجله ، وقد أشار (ص) في طائفة من الأحاديث الصَّحيحة إلى اقتراب وفاته ، منها ما هو صريح الدَّلالة على الوفاة ، ومنها ما ليس كذلك ، حيث لم يشعر ذلك منها إلا الاحاد من كبار الصَّحابة الأجلاَّء؛ كأبي بكرٍ ، والعباس ، ومعاذٍ رضي الله عنهم994.]) أولاً: الايات والأحاديث الَّتي أشارت إلى وفاته (ص 1 الايات أ قال تعالَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ ي َن ْقَلِبْ عَلَى عَقِب َيْهِ ف َلَنْ يَضُرَّ اللَََّّ شَي ْئًا وَسَيَجْزِي اللََُّّ الشَّاكِرِينَ[عمران 144.] قال القرطبُّ: فأعْلَمَ اللهُ تعالى في هذه الاية: أنَّ الرسل ليست بباقيةٍ في قومها أبداً ، وأنه يجب التَّمسُّك بما أتت به الرُّسل؛ وإن فُقِدَ الرَّسولُ بموتٍ ، أو ق َتْلٍ [995.]) ب قال تعا[30.] قال ابن كثير: هذه الاية من الايات الَّتي استشهد بها الص ِد ِيق رضي الله عنه عند موت الرَّسول (ص حتََّّ تحقَّق النَّاس موته 996.]) قال الله تعا مِنْ ق َبْلِكَ الخُْلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ ف َهُمُ الخَْالِدُونَ [34] أعقب ذل ك ببيان: أنَّ الموت حت مٌ لازمٌ ، وق درٌ س ابق ، فقال الله عزَّ وجل الْمَوْتِ وَن َب ْلُوكُمْ باِلشَّر ِ وَالخَْيرِْ فِت ْنَةً وَإِلَ ي ْنَا ت ُرْجَعُونَ[35] على وفاته (ص وهناك بعض الايات أشارت إلى ذلك وإن لم تصر ِح؛ منها: قال تعا[4 5.] قال تعا{ :لى[26 27.] قال تعا[88.] فهذه الايات تبين ِ: أنَّ جميع أهل الأرض ست مضي فيهم سنَّة الله في موت خلقه ، لن يتخلَّف منهم أحدٌ أبداً. قال تعا[ 3.]
عدد الصفحات ٢٢٨وقد بكى عمر بن الخطَّاب حين نزلت الاية ، فقيل: ما يبكيك؟فقال: إنَّه ليس بعد الكمال إلا النُّقصان!! وكأنه استشعر وفاة النَّب ِ (ص997. ]) قال تعا بحَِمْدِ رَب ِكَ وَاسْت َغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ ت َوَّاباً[1 3.] فقد سأل عمر رضي الله عنه ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن هذه الاية ، فقال: أَجَلُ رسول الله (ص) أعَلَمَهُ إياَّه ، فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم4430.]) في رواي ة الطَّبراقال ابن عبَّاس: نُعِيَتْ إلى رسول الله (ص) نفسُه حين نزلت ، فأخ ذ بأش د ِ ما كان ق طُّ اجته اداً في أمر الاخرة 2676) ، ومجمع الزوائد9/26 27) ، وابن الجوزي في الموضوعات ( 1/295 301.]) 3 أمَّا الأحاديث الَّتي أشارت إلى ذلك أ قالت عائشة رضي الله عنها: إناَّ كنَّا أزوا َ النَّب ِ (ص) عنده جميعاً لم تُغادِر منَّا واحدةٌ ، فأقبلت فاطمة عليها السَّلام ، ولا والله ما تخفَى مشيتُها من مشية رسول الله (ص) ، فلمَّا راها؛ رحَّبَ؛ قال: «مرحباً بابن»فأقعدها يمينه أو شماله ثمَّ سارها فبكت ، ثمَّ سارَّها ، فضحكت ، فقلت لها: خصَّك رسول الله بالس ِرار ، وأنت تبكين؟! فلمَّا أن قامت قلت لها: أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله (ص) ، فلمَّا توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق ِ لما أخبرتيني ، قالت: أمَّا الان؛ فنعم ، قالت: سارَّني في الأوَّل ، قال لي: «إنَّ جبريل كان يعارضني في القران كلَّ سنةٍ مرَّةً ، وقد عارضني في هذا العام مرَّتين ، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي ، فاتقي الله ، واصبري ، فنعم السَّلف أنا لك!»فبكيت ، ثمَّ سارَّني ، فقال«أما ترضين أن تكوني سي ِدة نساء المؤمنين ، أو سي ِدة نساء هذه الأمَّة؟»فضحكتُ6285 و6286) ، ومسلم2450 /98 99.]) وفي هذا الحديث دليلٌ قاطعٌ ، وإشارةٌ واضحةٌ إلى اقتراب أجل رسول الله (ص) ، وأنَّ ساعة الفراق قد باتت قريبةً إلا أنَّ النَّبَّ (ص) قد اختصَّ ابنته فاطمة رضي الله عنها بعلم ذلك ، ولم يعلم به المسلمون إلا بعد وفاة رسول الله (ص 998. ]) ب قال جابر رضي الله عنه: رأيت النَّبَّ (ص) يرمي على راحلته يوم النَّحر ، ويقول «لتأخذوا مناسككم؛ فإني ِ لا أدري لعل ِي لا أحُجُّ بعد حجَّتي هذه! »[
عدد الصفحات ٢٢٩قال النَّووي: فيه إشارةٌ إلى توديعهم ، وإعلامهم بقرب وفاته (ص) ، وحث ِهم على الاعتناء بالأخذ عنه ، وانتهاز الفرصة من ملازمته ، وتعلُّم أمور الد ِين ، وبهذا سم ِيت حجَّة الوداع999.]) وقال ابن رجب: وما زال (ص) يُعر ِض باقتراب أجله في اخر عمره ، فإنَّه لما خطب في حجة الوداع قال للنَّاس: «خذوا عني ِ مناسككم ، فلعل ِي لا ألقاكم بعد عامي هذا! فطفق يود ِع النَّاس ، فقالوا: هذه حجَّة الوداع1000.]) قال أبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه: خطب رسول الله (ص) للنَّاس ، وقال«إنَّ الله خيرَّ عبداً بين الدُّنيا وبين ما عنده ، فاختار ذلك العبد ما عند الله»قال: فبكى أبو بكرٍ رضي الله عنه ، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله (ص) عن عبدٍ خُير ِ ! فكان رسول الله (ص) هو المخيرَّ ، وكان أبو بكرٍ أعلمَنا466) ، ومسلم2382.]) قال الحافظ ابن حجر: وكأنَّ أبا بكر رضي الله عنه فهم الرَّمز الَّذي أشار به النَّبُّ (ص) من قرينة ذكره ذلك في مرض موته ، فاستشعر منه: أنَّه أراد نفسه ، فلذلك بكى1001.]) د قال العبَّاس بن عبد المطلب رضي الله عنه: رأيت في المنام كأنَّ الأرض تنزع إلى السَّماء1002 ]) بأشطانٍ1003]) على النَّب ِ (ص) فقال «ذاك وفاة ابن أخيك»[ (844) ، ومجمع الزوائد9/23 24.]) وفي هذا الحديث إخبار النَّب (ص) بقرب وفاته ، وفيه صدق رؤيا المؤمن ، واستشعار بعض الصَّحابة وفاته (ص1004. ]) ه وعن معاذٍ: أنَّ النَّب (ص) لمَّا بعثه إلى اليمن؛ خر راكباً؛ والنَّبُّ (ص) يمشي تحت راحلته ، فقال: «يا معاذ! إنَّك عَسَى ألا تلقاني بعد عامي هذا ، فتمرَّ بقبري ، ومسجدي»فبكى معاذٌ لفراقه (ص) ، فقال: «لا تبك يا معاذ! فإنَّ البكاء من الشَّيطان »[5/235) ، والطبراني في الكب (20/121) ، وابن حبان647) ، ومجمع الزوائد9/22]) بن جبل باقتراب أجله ، وأنَّه يمكن ألا يلقاه بعد عامه هذا ، وفيه شدَّة محبَّة الصَّحابة للنَّب ِ (ص وبكائهم؛ إذا ذكروا فراقه 1005.]) ثانياً: مرض الرَّسول (ص ب دء الشَّكوى:
عدد الصفحات ٢٣٠رجع رسول الله (ص من حجَّة الوداع في ذي الحجَّة ، فأقام بالمدينة بقيَّته ، والمحرَّم ، وصفراً ، من العام العاشر ، فبدأ بتجهيز جيش أسامة ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة ، وأمره أن يتوجَّه نحو البلقاء ، وفلسطين ، فتجهَّز النَّاس ، وفيهم المهاجرون ، والأنصار ، وكان منهم أبو بكر ، وعمر ، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة ، وتكلَّم البعض في تأميره1006]) على كبار المهاجرين ، والأنصار ، فلم يقبل الرَّسول (ص) طعنهم في إمارة أسامة1007]) (ص«إن يطعنوا في إمارته؛ فقد طعنوا في إمارة أب يه ، وايمُ الله! إن كان لخليقاً للإمارة ، وإن كان لمن أحب ِ النَّاس إليَّ ، وإنَّ ابنه هذا لمن أحب ِ النَّاس إليَّ بعده » [3730) ، ومسلم2426.]) وبينما النَّاس يستعدُّون للجهاد في جيش أسامة؛ ابتدأى رسول الله (ص) بوجعه الَّذي قبضه الله فيه ، وقد حدثت حوادثُ ما بين مرضه ، ووفاته؛ منها: أ النَّبُّ (ص) في البقيع وزيارته قتلى أحدٍ ، وصلاتُه عليهم: عن أبي مُوَيْهِبَةَ مولى رسول الله (ص) ؛ قال: بعثني رسول الله (ص) في جَوف اللَّيل ، فقال: «يا أ مُوَيْهبَة! إني ِ قد أُمِرْت أن أستغفر لأهل البقيع ، فان طلق معي »فانطلقت معه ، فلمَّا وقف ب أظهرهم؛ قال: «السَّلام عليكم يا أهل المقابر! لي َهْنَ لكم ما أصبحتم فيه ممَّا أصبح النَّاس فيه ، أقبلت الفتن كقطع اللَّيل المظلم ، يتبع اخرُها أوَّلها ، والاخرة شرٌّ من الأولى [»1008]) فقال«يا أمُوَيْهِبَة! إني ِ قد أوتيت مفاتيح خزائن الدُّنيا ، والخلد فيها ، ثمَّ الجنَّة ، فخير ِت بين ذلك ، وبين لقاء ربي ِ ، والجنَّة »قال: فقلت: بأبي أنت وأم ِي! خذ مفاتيح خزائن الدُّنيا ، والخُلد فيها ، الجنَّة ، قال: «لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنَّة »ثمَّ استغفر لأهل البقيع، ثمَّ انصرف، فبدأ برسول الله (ص) وجعه؛ الَّذي قبضه الله فيه3/489) ، والطبراني في الكب22/346 347) ، والدارمي 79) ، والحاكم3/56) ، والهيثمي في مجمع الزوائد9/24.]) ومن حديث عقبة بن عامر الجهني ِ رضي الله عنه ، قال: إنَّ رسول الله (ص) صلَّى على قتلى أحدٍ بعد ثماني سنين كالمود ِع للأحياء ، والأموات ، ثمَّ طلع المنبر ، فقال: «إني بين أيديكم ف َرَطٌ ، وأنا عليكم شهيدٌ ، وإنَّ موعدكم الحوض ، وإني ِ لأنظر إليه؛ وأنا في مقامي هذا ، وإني ِ لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكن أخشى عليكم الدُّنيا أن تنافسوها»فقال عقبة: فكانت اخر نظرةٍ نظرتها إلى رسول (ص1344) ، ومسلم2296.])
عدد الصفحات ٢٣١ب استئذانه (ص) أن يمُرَّض في بيت عائشة ، وشدَّة المرض الَّذي نزل به قالت عائشة رضي الله عنها: لمَّا ثَ قُلَ رسول الله (ص) واشتدَّ به وجعُه؛ استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي ، فأذنَّ له ، فخر وهو بين رجلين ، تخطُّ رجلاه في الأرض ، بين عبَّاسٍ ورجلٍ اخر 1009]) ولمَّا دخل بيتي؛ اشتدَّ وجعه. قال«أهريقوا عليَّ من سبع قربٍ لم تحُْلَلْ أوكيتُهن1010]) النَّاس »فأجلسناه في مخِْضَبٍ1011]) نصبُّ عليه من تلك القرب ، حتََّّ طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتنَُّ ، ثمَّ خر إلى النَّاس فصلَّى بهم ، وخطبهم 1198]) رسول الله (ص5646) ، ومسلم2571.]) وقال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: دخلت على رسول الله (ص) وهو يُوعَكُ فمسسته بيدي ، فقلت: يا رسول الله! إنك لَ تُوعَكُ وعْكاً شديداً ، فقال رسول الله (ص) : «أَجَلْ؛ إني ِ أُوعَكُ كما يوعك رجلان منكم »قال: فقلت: ذلك أنَّ لك أجرين ، فقال رسول الله (ص): «أجلْ»، ثمَّ قال رسول الله (ص) : «ما من مسلم يصيبه أذىً من مرضٍ فما سواه إلا حَطَّ الله به سيئاتِه ، كما تحَُط الشَّجرةُ ورقَها»[5647) ، ومسلم2570.]) ثالثاً: من وصايا رسول الله (ص) في أياَّمه الأخيرة: 1 وصيته (ص) بالأنصار مرَّ العبَّاس رضي الله عنه بقومٍ من الأنصار يبكون حين اشتدَّ برسول الله (ص) وجعُه ، فقال لهم: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلسنا من رسول الله (ص) ، فدخل العبَّاس عليه (ص) ، فأخبره ، فعُص ِب بعصابةٍ دسماء1012])رد ، وخر ، وصعِد المنبر ولم يصعد بعد ذلك اليوم ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثمَّ قال: «أوصيكم بالأنصار فإنََّّم كَرشي1013])1014]) وقد قَضوا الَّذي عليهم ، وبقي الَّذي لهم ، فاقبلوا من محُسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم »[ (3799) ، ومسلم (2510.]) وفي الحديث شدَّة محبَّة الأنصار لرسول الله (ص) ، وبكاؤهم لمرضه ، وحرمانَّم من مجلسه1015.]) 2 إخرا المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد لقد ازدادت شدَّة المرض على رسول الله (ص) ، بحيث كان ي ُغْمَى عليه في اليوم الواحد مرَّاتٍ عديدةً ، ومع ذلك كل ِه أحَبَّ (ص) أن يفارق الدُّنيا وهو مطمئنٌّ على أمَّته أن تضلَّ من بعده ، فأراد
عدد الصفحات ٢٣٢أن يكتب لهم كتاباً مفصَّلاً؛ ليجتمعوا عليه، ولا يتنازعوا ، فلمَّا اختلفوا عنده (ص) عدل عن كتابة ذلك الكتاب ، وأوصاهم بأمورٍ ثلاثةٍ ، ذكر الرَّاوي منها اثنين: أخرجوا الم شركين من جزيرة العرب. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به 3053) ، ومسلم1637.]) 3 النَّهي عن اتخ ِاذ قبره مسجداً كان من اخر ما تكلَّم به رسول الله (ص) قوله: «قاتل الله اليهود والنَّصارى! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»[437) ، ومسلم(530([])1016.]) 4 إحسان الظَّن ِ قال جابر رضي الله عنه: سمعت رسول الله (ص) يقول قبل موته بثلاث: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو حلسن الظَّنَّ بالله ، عزَّ وجلَّ »[3/293) ، ومسلم2877/81) ، وأبو داود3113) ، وابن ماجه (4167.]) 5 الوصيةبالصَّلاة ، وما ملكت أيمانكم: قال أنس رضي الله عنه: كانت وصيَّة رسول الله (ص) حين حضره الموت: «الصَّلاة وما ملكت أيمانُكم!»حتََّّ جعل يغرغر بها في صدره ، ولا يفيض بها لسانُه 3/117) ، وابن ماجه (2697) ، وابن حبان5/66.]) 6 لم يبقَ مِنْ مبش ِرات ا لنُّبوَّة إلا الرُّؤيا: قال عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: كَشَفَ رسول الله (ص) الس ِتْ رَ ، وهو مَعْصُوبٌ في مرضه؛ الَّذي مات فيه ، فقال: «اللَّهُمَّ! هل ب َلَّغْتُ؟ ثلاث مرَّات إنَّه لم يبقَ من مُبَش ِرات النُّبوة إلا الرُّؤيا ، يراها العبد الصَّ الح ، أو ترى له. ألا وإني ِ قد نَّيت عن القراءة في الرُّكوع ، والسُّجود ، فإذا ركعتم؛ فعظ ِموا الله ، وإذا سجدتم؛ فاجتهدوا في الدُّعاء ، فإنَّه قَمِنٌ1017]) .»[ (1/219) ، ومسلم479) ، وأبو داود876) ، والنسائي2/189) ، وابن ماجه3899.]) رابعاً: أبو بكر يصل ِي بالمسلم ولمَّا اشتدَّ المرض بالنَّب ِ (ص) ، وحضرت الصَّلاة ، فأذَّن بلالٌ ، قال النَّبُّ (ص) : «مُروا أبا بكرٍ ف َلْيُصَل ِ »فقيل: إنَّ أبا بكر رجلٌ أَسِيفٌ 1018]) بالنَّاس. وأعاد ، فأعاد وا له ، فأعاد الثَّالثة ، فقال: «إنكنَّ صواحبُ يوسف 1019])
عدد الصفحات ٢٣٣فليصل ِ بالنَّاس »فخر أبو بكرٍ ، فوجد النَّبَّ (ص) في نفسه خفَّةً ، فخر يهادى بين رجلين ، كأني ِ أنظر إلى رجليه تخَُطَّانِ من الوجع ، فأراد أبو بكر أن يتأخَّر فأومأ إليه النَّبُّ (ص) : أنْ مكانك ، ثمَّ أُتي به حتََّّ جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النَّبُّ (ص) يُصل ِي ، وأبو بكر يصل ِي بصلاته ، والنَّاس يصلُّون بصلاة أبي بكرٍ ؟ فقال برأسه: نعم664) ، ومسلم418/95.]) خامساً: السَّاعات الأخيرة من حياة المصطفى (ص 1 كان أبو بكرٍ يصل ِي بالمسلمين؛ حتََّّ إذا كان يوم الإثنين ، وهم صفوفٌ في صلاة الفجر ، كشف النَّبُّ (ص) سِت ْرَ الحجرة ، ينظر إلى المسلمين ، وهم وقوفٌ أمام ربه ِم ، ورأى كيف أثمر غرس دعوته ، وجهاده ، وكيف نشأت أمَّةٌ تحافظ على الصَّلاة ، وتواظب عليها بحضرة نبي ِها وغيبته ، وقد قرَّت عينه بهذا المنظر البهيج ، وبهذا النَّجاح الَّذي لم ي ُقَدَّر لنب ٍ ، أو داعٍ قبله ، واطمأنَّ أنَّ صلة هذه الأمَّة بهذا الد ِين ، وعبادة الله تعالى صلةٌ دائمةٌ ، لا تقطعها وفاة نبي ِها ، فملأى من السُّرور ما الله به عليم ، واستنار وجهه؛ وهو منيرٌ1020.]) يقول الصَّحابة رضي الله عنهم: كشف النَّبُّ (ص) سِت ْرَ حجرة عائشة ينظر إلينا؛ وهو قائمٌ ، كأن وجهه ورقةُ مصحفٍ ، ثمَّ تبسَّم يضحك ، فهممنا أن نفتتن من الفرح ، وظنَّنا أنَّ النَّبَّ (ص) خار ٌ إلى الصَّلاة ، فأشار إلينا أن أتمُّو ا صلاتكم ، ودخل الحجرة ، وأرخى الس ِترْ 4448 .]) وانصرف بعض الصَّحابة إلى أعمالهم ، ودخل أبو بكرٍ على ابنته عائشة ، وقال: ما أرى رسول الله إ قد أقلع عنه الوجع ، وهذا يوم بنت خارجة إحدى زوجتيه ، وكانت تسكن بالسُّنح1021 ]) فركب على فرسه ، وذ هب إلى منزله 1022.]) 2 في الرَّفيق الأعلى واشتدَّت سكرات الموت بالنَّب ِ (ص) ، ودخل عليه أسامة بن زيد؛ وقد صمت فلا يقدر على الكلام ، فجعل يرفع يديه إلى السَّماء ، ثم يضعها على أسامة ، فعرف أنَّه يدعو له ، وأخذت السَّيدة عائشة رسول الله ، وأوسدته إلى ص درها بين سَحْرها ، ونحرها1023]) عبد الرَّحمن بن أبي بكر ، وبيده سواكٌ ، فجعل رسولُ الله (ص) ينظر إليه ، فقالت عائشة: اخذه لك؟ فأشار برأسه: أنْ نعم ، فأخذته من أخيها ، ثمَّ مضغته ، وليَّنته ، وناولته إياَّه ، فاستاك به كأحسن ما يكون الاستياك ، وكلُّ ذلك وهو لا ينفكُّ عن قوله: «في الرَّفيق الأعلى»[4437) ، ومسلم (2444/87.])
عدد الصفحات ٢٣٤وكان (ص) يُدخل يده في رَكوة ماءٍ ، أو علبةٍ فيها ماءٌ ، فيمسح بها وجهه ، ويقول«لا إله إلا الله ، إنَّ للموت سكراتٍ! »ثمَّ نصب يده ، فجعل يقول«في الرَّفيق الأعلى»حتََّّ قُبِضَ ، ومالت يده [4449.] وفي لفظ: أنَّ النَّبَّ (ص) كان يقول«الل هُمَّ! أعني ِ على سكرات الموت »[6/64) ، والترمذي (978) ، وابن ماجه1623) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة1093.]) وفي روايةٍ: أنَّ عائشة رضي الله عنها سمعت النَّب (ص) ، وأصغت إليه قبل أن يموت؛ وهو مُسْنِدٌ إلى ظَهْره يقول: «الل هُمَّ! اغفر لي ، وارحمني ، وألحقني بالرفيق الأعلى»[4440) ، ومسلم (2444/85.]) وقد ورد: أنَّ فاطمة رضي الله عنها قالت: واكرب أباه! فقال لها«ليس على أبيك كرب بعد اليوم » فلمَّامات؛ قالت: يا أبتاه! أجاب ربا ً دعاه. يا أبتاه! من جنَّة الفردوس مأواه. يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه. فلمَّا دُفِن (ص) قالت لأنسٍ: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله (ص) الترُّاب؟! [4462.]) 3 كيف فارق رسول الله (ص) الدُّنيا؟ فارق رسول الله (ص) الدُّنيا وهو حلكم جزيرة العرب ، ويرهبُه ملوك الدُّنيا ، وي َفْديه أصحابُه بنفوسهم ، وأولادهم ، وأموالهم ، وما ترك عند موته ديناراً ، ولا درهماً ، ولا عبداً ، ولا أمةً ، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء ، وسلاحه ، وأرضاً جعلها صدقةً4461])) ؛ ودرعُه مرهونةٌ عند يهودي ٍ بثلاثين صاعاً من شع1024.]) وكان ذلك يوم الإثن 12 ربيع الأوَّل سنة11 للهجرة بعد الزَّوال1025]) وستون سنَّة 3902 و3903) ، ومسلم2351]) ومصاباً على المسلم ين ، ومحنةً كبرى للبشريَّة ، كما كان يومُ ولادَته أسعدَ يومٍ طلعت فيه الشَّمْس1026.]) يقول أنسٌ رضي الله عنه: كان اليوم الَّذي قدم فيه رسول الله (ص) المدينة أضاء منها كلُّ شيءٍ ، فلمَّا كان اليوم الَّذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيءٍ3/221) ، والترمذي (3618) ، وابن ماجه (1631])
عدد الصفحات ٢٣٥رسول الله (ص) سيموت ، ولكنْ إنمَّا أبكي على الوحي الَّذي رُفِع عنَّا2454) ، وابن ماجه (1635.]) 4 هول الفاجعة ، وموقف أبي بكرٍ منها قال ابن رجب: ولمَّا تُوفي رسولُ الله (ص) اضطرب المسلمون ، فمنهم من دُهِشَ ، فخولط ، ومنهم مَنْ أُقْعِد فلم يُطق القيام ، ومنهم من اعتُقل لسانُه ، فلم يطق الكلام ، ومنهم من أنكر موت ه بالكل ِيَّة1027.]) قال القرطبُّ مبي ِناً عظم هذه المصيبة ، وما ترتَّب عليها من أمور: من أعظم المصائب: المصيبةُ في الد ِين. قال رسول الله (ص) : «إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ؛ فليذكر مصابه بي ، فإنََّّا أعظم المصائب »[6718) ، والبيهقي في شُعَب الإيمان (10152) ، والهيثمي في مجمع الزوائد3/2.]) وصدق رسولُ الله (ص) ؛ لأنَّ المصيبة به أعظمُ من كل ِ مصيبةٍ يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي ، وماتت النُّبوَّة ، وكان أوَّل ظهور الشَّر ِ بارتداد العرب ، وغير ذلك ، وكان أوَّل انقطاع الخير ، وأول نقصانه1028.]) لقد أذهل نب أُ الوفاة عمرَ رضي الله عنه ، فصار يتوعَّ د ، وين ذر مَنْ يزعُم: أنَّ النَّبَّ (ص) مات ، ويقول: ما مات ، ولكنَّه ذهب إلى رب ِه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين ليلةً ، ثمَّ رجع إليهم. والله! ليرجعنَّ رسولُ الله كما رجع موسى ، فليقط ِعنَّ أيدي رجالٍ ، وأرجلهم زعموا: أنه مات1029.]) ولمَّا سمع أبو بكرٍ الخبر؛ أقبل على فرسٍ من مسكنه بالسُّنْح؛ حتََّّ نزل ، فدخل المسجد ، فلم يكل ِم النَّاس ، حتََّّ دخل على عائشة فتيمَّم رسولَ الله (ص) وهو مُغشَّى بثوبٍ حَبرةٍ ، فكشف عن وجه ه ، ثمَّ أكبَّ عليه ، فقبَّله ، وبكى ، ثمَّ قال: بأبي أنت و أمي! والله! لا يجمع الله عليك موتتين ، أمَّا الموتة الَّتي عليك فقد متَّها4452 ،4453]) عمر! وهو ماضٍ في كلامه ، وفي ثورة غضبه ، فقام أبو بكر في النَّاس خطيباً بعد أن حمِد الله ، وأث عليه ، قال:
عدد الصفحات ٢٣٦أمَّا بعد: فإنَّ مَنْ كان يعبد محمَّداً؛ فإنَّ محمَّداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت ، تلا هذه الايةلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ ي َن ْقَلِبْ عَلَى عَقِب َيْهِ ف َلَنْ يَضُرَّ اللَََّّ شَي ْئًا وَسَيَجْزِي اللََُّّ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144.] قال عمر: فو الله! ما إن سمعت أبا بكر تلاها ، فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي ، وعلمتُ: أن رسول الله (ص) قد مات 4454.]) قال القرطبُّ: هذه الاية أدلُّ دليلٍ على شجاعة الص ِد ِيق ، وجراءته؛ فإنَّ الشَّجاعة ، والجرأة حدُّهما: ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النَّب ِ (ص) ، فظهرت عنده شجاعتُه ، وعلمه ، قال النَّاس: لم يمت رسول الله (ص) ، منهم عمر ، وخرِسَ عثم ان ، واستخفى عليٌّ ، واضطرب الأمر ، فكشفه الص ِد ِيق بهذه الاية حين قدومه من مسكنه بالسُّنْح1030.]) فرحم الله الص ِد ِيق الأكبر! كم من مصيبةٍ درأها عن الأمَّة! وكم من فتنةٍ كان المخر على يديه! وكم من مشكلةٍ ، ومعضلةٍ كشفها بشهب الأدلَّة من القران ، والسُّ نَّة ، التي خفيت على مثل عمر رضي الله عنه! فاعرِفوا للص ِد ِيق حقه ، واقدروا له قدره ، وأحبُّوا حبيب رسول الله (ص) ، فحبُّه إيمانٌ ، وبغضه نفاقٌ1031.]) 5 بيعة أبي بكر بالخلافة وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة ، في سقيفة بني ساعدة ، حتََّّ لا يجد الشَّ يطان سبيلاً إلى تفريق كلمتهم ، وتمزيق شملهم ، ولا تلعب الأهواء بقلوبهم ، وليفارق رسولُ الله (ص) هذه الدُّنيا؛ وكلمة المسلمين واحدةٌ ، وشملُهم منتظمٌ ، وعليهم أميرٌ يتولىَّ أمورهم ، ومنها تجهيز رسول الله (ص) ، ودفنه1032.]) والحديث عن بيعة أبي بكر سنتكلمعنه بالتفصيل عند الدُّخول في عصر الخلفاء الرَّاشدين إن شاء الله تعالى. 6 غَسْلُ رسول الله (ص) ، وكَفنُه ، والصَّلاة عليه قالت عائشة رضي الله عنها: لمَّا أرادوا غَسْلَ النَّب ِ (ص) قالوا: ما ندري: أنجر ِده من ثيابه كما نجر ِد موتانا ، أو نغسله؛ وعليه ثيابه؟! فلمَّا اختلفوا؛ ألقى الله عليهم النَّوم حتََّّ ما منهم رجلٌ إلا وذقنه في صدره فكلَّمهم مكل ِمٌ من ناحية البيت ، لا يدرون من هو: أن اغسِلوا رسول الله (ص) وعليه ثيابُه ، فغسَّلوه؛ وعليه قميصُه ، يصبُّون الماء فوق القميص ، ويدلكون بالقميص دون أيديهم. قالت
عدد الصفحات ٢٣٧عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّله إلا نساؤُه3141) ، وابن ماجه (1464) ، والحاكم3/59 60.]) وكُف ِنَ (ص) في ثلاثة أثواب سَحُوليَّةٍ ، من ثياب سَحُول بلدة باليمن ليس فيها قميصٌ ، ولا عمامةٌ [1271) ومسلم941([])1033]) رسولُ الله (ص) أُدخل الر ِجال ، فصلُّوا عليه بغير إمامٍ أرسالاً ، حتََّّ فرَغوا ، ثمَّ أُدخل الن ِساء فصل عليه ، ثمَّ أُدخل الص ِبيان فصلُّوا عليه ، ثمَّ أدخل العبيد ، فصلُّوا عليه أرسالاً ، لم يؤمَّ هم على رسول الله (ص) أحدٌ1628.]) قال ابن كثير: وهذا الصَّنيع ، وهو صلاتهُم عليه فرادى لم يؤمَّهم أحدٌ عليه أمرٌ مجمعٌ عليه ، لا خلاف فيه1034.]) 7 موقع دفنِه ، وصفة قبرِه ، ومَنْ باشر دفنَه؟ ومتَّ دُفن؟ اختلف المسلمون في موقع دفنه ، فقال بعضهم: يدفن عند المنبر ، وقال اخرون: بالبقيع ، وقال قائل: في مصلاَّه545) ، وابن سعد2/293]) مادَّة هذا الخلاف أيضاً بما سمعه من رسول الله (ص) ، قالت عائشة ، وابن عباسٍ: لمَّا قُبض رسول (ص) ، وغُس ِ ل؛ اختلفوا في دفنه ، فقال أبو بكر: ما نسيتُ ما سمعت من رسول الله (ص) يقول: «ما قبض الله نبي اً إلا في الموضع الَّذي حلب أن يدفن فيه»، ادفنوه في موضع فراشه 1035.]) وهذا الحديث وإن كان هناك خلافٌ في صحَّته إلا أنَّ دفن النَّب ِ (ص) في موضعه الَّذي توفي ِ فيه أمرٌ مجمعٌ عليه1036.]) وقال ابن كثيرٍ: قد عُلِمَ بالتَّواتر: أنَّه (ص) دفن في حجرة عائشة الَّتي كانت تختصُّ بها ، شرقيَّ مسجده في الزَّاوية الغربيَّة القبلية من الحجرة ، ثمَّ دُفن فيها أبو بكرٍ ، ثمَّ عمر رضي الله عنهما1037.]) وقد لحُِدَ1038]) قبر رسول الله (ص) ، وقد أجمع العلماء على أن اللَّحد ، والشَّق1039 ]) جائزان ، لكن إذا كانت الأرض صلبةً لا ينهار ترابهُا؛ فاللَّحد أفضل ، وإن كانت رِخْوَةً تنهار؛ فالشَّق أفضل1040.]) وقد قال الألبانيُّ رحمه الله! : ويجوز في القبر اللَّحد ، والشَّق لجريان العمل عليهما في عهد النَّب ِ (ص) ، ولكنَّ الأوَّل أفضل1041])1042]) ، فقد كان مُسَنَّماً1390])
عدد الصفحات ٢٣٨وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المستحب في بناء القبور هو التَّس نيم ، وأنَّه أفضل من التَّسطيح1043]) المذهبين ، فقال: وكانت قبور أصحابه لا مشرفةً ، ولا لاطئةً ، وهكذا كان قبرُه الكريم ، وقبر صاحبيه ، فقبرُه (ص) مُسَنَّم مبطوح ببطحاء العرصة ا لحمراء ، لا مبنيٌّ ولا مطينٌَّ ، وهكذا قبر صاحبيه1044])1045.]) وأمَّا الذين باشروا دفنه (ص) ؛ فقد قال ابن إسحاق: وكان الَّذين نزلوا في قبر رسول الله (ص) : علي ب ن أبي طالبٍ ، والفضل ب ن عباس ، وقُ ثَم بن عبَّاس ، وشُقْران مولى رسول الله (ص1046]) وزاد النَّووي1047])1048]) وأوس بن خَوْليِ ٍ 1049]) لَبِنَاتٍ ، ثمَّ أهالوا الترُّاب1050]) الأربعاء. قال ابن كثير: والمشهور عن الجمهور ما أسلفن اه من أنَّ ه (ص) توفي ي وم الإثنين ، ودفن ليل ة الأربعاء 1051.]) لقد كان لوفاة رسول الله (ص) أثرٌ على الصَّحاب ة الكرام ، فقد قال أنسٌ رضي الله عنه: «وما نفضنا عن النَّب ِ (ص) الأيدي وإناَّ لفي دفنه حتََّّ أَنْكَرْناَ قلوبنا »[3618) ، وابن ماجه (1631([])1052.]) سادساً: بعض ما قيل من المراثي في وفاة الرَّسول (ص 1 ما قاله حسَّانُ رضي الله عنه في موت رسول الله (ص): لقد نافح حسَّانُ بن ثابتٍ رضي الله عنه عن رسول الله (ص) في حياته ، ودافع عن الإسلام والمسلمين بقصائده الرَّائعة؛ الَّتي هزَّت عرب الجزيرة ، وفعلت فيهم الأفاعيل ، ولقد تأثَّر بموت حبيبنا (ص) ، فرثاه بقصائدَ مبكيةٍ حزينةٍ ، حفظها لنا التَّاري خ ، ولم تهمِلْها اللَّيالي ، ولم تفصِلْها عنَّا حواجزُ الزَّمن ، ولا أسوارُ القرون ، فَمِمَّا قاله يبكي رسولَ الله (ص) : مَا باَلُ عَيْنِكَ لاَ ت َنَامُ كَأن َّهَا كُحِلَتْ ماقيها 1053])1054]) جَزَعاً عَلَى المَهْدِي ِ أَصْبَحَ ثاَوِياً ياَ خَي ْرَ مَنْ وَطِأىَ الحَصَى لا ت َب ْعُدِ وَجْهِيْ يَقِيْكَ الت ُّرْبَ لهَْفِي لَي ْتَنيِْ غُي ِبْتُ ق َب ْلَكَ فيِ بَقِيْعِ الغَرْقَد 1055]) بأََبيِ وَأُم ِي مَنْ شَهِدْتُ وَفَاتَهُ فيِ ي َوْم الاث ْن َينِْ النَّبُِّ المُهْتَدِى
عدد الصفحات ٢٣٩فَظَلِلْتُ ب َعْدَ وَفَاتِ هِ مُت َب َل ِداً مُت َلَد ِداً1056]) أَأُقيمُ ب َعْدَك بالْمَدِي ْنَةِ بَ ي ْن َهُمْ ياَ لَي ْتَنيِ صُب ِحْتُ 1057])1058]) أَوْ حلَّ أَمْرُ اللهِ فِي ْنَا عَاجِلاً فيِ رَوْحَةٍ مِنْ ي َوْمِنَا أَوْ فيِ غَدِ ف َت َ قُوْمُ سَاعَت ُنَا ف َنَ لْقَى طي ِباً محَْضَاً ضَرَائِبُهُ1059])1060]) ياَ بِكْرَ امِنَةَ المُبَارَكُ بِكْرُها ولَدَتْهُ محُْصنَةٌ بِسَعْدِ الأَسْعَدِ ن ُوْراً أضَاءَ عَلَى البرَِيَّةِ كُل ِهَا مَنْ ي ُهْدَ للنُّورِ المُبَارَكِ ي َهْتَدِي يا رَبُّ فَاجمَْعْنَا مَعاً ونَبِي َّنَا في جَنَّةٍ تَ ثْ1061]) فيِ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ فَاكْت ُب ْهَا لَ نَا ياَ ذَا الجَلاَلِ وَذَا العُلاَ والسُّؤْدَدِ وَاللهِ أسمَْعُ مَا بَقِيْتُ بهَِالِكٍ إلاَّ بَكَيْتُ عَلَى النَّب ِ محَُمَّدِ ياَ وَيْحَ أنْصَارِ النَّبِ ِ وَرَهْطِه ب َعْدَ المُغَيَّبِ في سَوَاءِ المَلْحَدِ 1062]) ضَاقَتْ باِلانْصَارِ البِلاَدُ فَأَصْبَحُوا سُوداً وجوهُهُمُ كَلَوْنِ الإثمْدِ 1063]) وَلَقَدْ وَلَدْناَهُ1064]) وَفَضُولُ نِعْمَتِ ه بنا لمَْ تجُْحَدِ واللهُ أكْرمَنَا بِهِ وهَدَى بِهِ أنصَارَهُ في كُل ِ سَاعَةِ مَشْهَدِ صلَّى الإلهُ وَمَنْ حلَُفُّ بِعَرْشِهِ وَالطَّي ِب ُوْنَ عَلَى المُبَارَكِ أَحمَْدِ 1065]) وقال أيضاً تاَللهِ مَا حمََلَتْ أُن ْثَى وَلاَ وَضَعَتْ مِثْلَ الرَّسُ وْلِ نَبِ ِ الأُمَّةِ الهَادِي وَلاَ ب َرَى اللهُ خَلْقاً مِنْ بَرِيَّته أوْفَ بذِمَّةِ جَارٍ أَوْ بمِِي ْعَادِ مِنَ الَّذِي كَانَ فِي ْنَا يُسْتَضَاءُ بِهِ مُبَارَكُ الأمْرِ ذَا عَدْلٍ وَإِرْشَادِ إلى أنْ قَال: ياَ أَفْضَلَ النَّاسِ إني ِ كُنْتُ فيِ ن َهَ رٍ أَصْبَحْتُ مِنْه كمثْلِ المُفْرَدِ الصَّادِي 1066]) 2 وممَّا قاله أبو بكرٍ الص ِد ِيق يبكي النَّبَّ (ص لَمَّا رَأَيْتُ نَبِي َّنَا مُتَجَنْدِلاً ضَاقَتْ عَليَّ بِعَرْضِهِنَّ الدُّورُ فَارْتاَعَ ق َلْبِ عِنْدَ ذَاكَ لِمَوْتِهِ وَالعَظْمُ مِني ِ مَا حَيِيْتُ كَسِي ْرُ أَعتِيْقُ! وَحلَْكَ! إِنَّ خِلَّكَ قَدْ ث َوَى وَالصَّب ْرُ عِنْدَكَ مَا بَقِيْتَ يَسي ْرُ ياَ لَي ْتَنيِ مِنْ ق َبْلِ مَهْلِكَ صَاحِبِْ غُي ِبْتُ فيِ لحَْدٍ عَلَيْهِ صُخُورُ
عدد الصفحات ٢٤٠فلَتَحْدُثَنَّ بَدَائِعٌ مِنْ ب َعْدِهِ ت َعْيَا لهَُنَّ جَوَانِحٌ وَصُدُوْرُ1067]) 3 وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب بن هاشم رضي الله عنه يبكي رسولَ الله (ص أَرِقْتُ ف َبَاتَ لَيْلِي لاَ ي َزُوْلُ وَلَيْلُ أَخِي المُصِي ْبَةِ فِيْهِ طُوْلُ وَأَسْعَدَنيِ البُكَاءُ وَذَاكَ فِيْمَا أُصِيْبَ المُسْلِمُ وْنَ بِهِ قَلِيْلُ لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِي ْب َت ُنَا وَجَلَّتْ عَشِيَّةَ قِيْلَ: قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ وَأَضْحَتْ أَرْضُنَا ممَِّا عَرَاهَا تَكَادُ بِنَا جَوَانِب ُهَا تمَِيْلُ ف َقَدْناَ الْوَحْيَ والت َّنْزِيْلَ فِي ْنَا ي َرُوْحُ بِهِ وَي َغْدُو جِب ْرَئِيلُ وَذَاكَ أَحَقُّ مَا سَالَتْ عَلَيهِ ن ُفُوْسُ النَّاسِ أَوْ كَادَتْ تَسِيلُ نبٌّ كَانَ يجَْلُو الشَّكَّ عَنَّا بمَِا ي ُوَحَى إِلَيْهِ وَمَا ي َقُوْلُ وي َهْدِي ْنَا فَلاَ نخَْشَى مَلاَماً عَلَي ْنَا والرَّسُولُ لَنَا دَلِيْلُ أَفَاطِمُ! إنْ جَزِعْتِ فَذَاكَ عُذْرٌ وَإِنْ لمَْ تجَْزَعِي ف َهُوَ السَّبِيْلُ ف َقَب ْرُ أَبِيْكِ سَي ِدُ كل ِ ق َبرٍْ وَفِيْهِ سَي ِدُ النَّاسِ الرَّسُولُ 1068]) 4 وقالت صفيَّة بنتُ عبد المطَّلب تبكي رسولَ الله (ص ألاَ ياَ رَسُولَ اللهِ كُنْتَ رَجَاءَنا وَكُنْتَ بِنَا ب َر اً وَ لمَْ تَكُ جَافِيَا وَكُنْتَ رَحِيْماً هَادِياً وَمُعَل ِماً لِي َبْكِ عَلَيْكَ الْي َوْمَ مَنْ كَانَ باَكيَا لَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبَِّ لِفَقْدِهِ وَلَكِنْ لِمَا أَخْشَى مِنَ الهَْرْ ِ1069]) كَأَنَّ عَلَى ق َلْبِ لِذِكْرِ محَُمَّدٍ وَمَا خَ فَتْ مِنْ ب َعْدِ الن بِ ِ المَكَاوِياَ أَفَاطِمُ! صَل ى اللهُ ربُّ محَُمَّدٍ عَلَى جَدَثٍ أَمْسَى بِي َثْرِبَ ثاَوِياَ فِدَىً لِرَسُولِ اللهِ أُم ِي وَخَالَتيِ وَعَم ِي وَاباَئِي وَن َفْسِي وَمَالِيَا صَدَقْتَ وَب َلَّغْتَ الر ِسَالَةَ صَادِقاً وَمُتَّ صَ لِيْبَ العُوْدِ أَب ْلَجَ صَافِيَا ف َلَوْ أَنَّ رَبَّ النَّاسِ أَب ْقَى نَبِي َّنَا سَعِدْناَ وَلكِنْ أَمْرُهُ كَانَ مَاضِيَا عَلَيْكَ مِنَ اللهِ السَّلاَمُ تحَِيَّةً وَأُدْخِلْتَ جَنَّاتٍ مِنَ العَدْنِ رَاضِيَا 1070]) * * *
عدد الصفحات ٢٤١