المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 04

علي محمد الصلابي

صفحة ١٣ من ٢١

وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مخَْمَصَةٌ فيِ سَبِيلِ اللََِّّ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ ي َنَالُونَ مِنْ عَدُو ٍ ن َيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لهَُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَََّّ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [120.] ثانياً: ممارسة الشُّورى في هذه الغزوة مارس رسول الله (ص) في هذه الغزوة الشُّورى ، وَقَبِلَ مشورة الص ِد ِيق ، والفاروق في بعض النَّوازل الَّتي حدثت في الغزوة ، ومن هذه النَّوازل: أ قبول مشورة أبي بكر الص ِد ِيق في الدُّعاء حين تعرَّض الجيش لعطشٍ شديدٍ: قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: خرجنا إلى تبوك في ق َيْظٍ شديد ، فنزلنا منزلاً ، وأصابنا فيه عطشٌ ، حتََّّ ظننَّا: أ نَّ رقابنا ستنقطع؛ حتََّّ إنَّ الرَّجل لينحر بعيره ، فيعتصر ف َرْثَه ، فيشربه ، ثمَّ يجعل ما بقى على كبده ، فقال أبو بكر الص ِديق: يا رسول الله! إنَّ الله عوَّدك في الدعاء خيراً ، فادعُ الله ، قال: «أتحبُّ ذلك؟ »قال: نعم! فرفع يديه ، فلم يردَّهما حتََّّ حالت السَّماء ، فأظلَّت ثم سكبت ، فملؤوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر 1841) ، وابن حبان 1383) ، والبيهقي في الدلائل (5/231) ، والحاكم1/159) والهيثمي في مجمع الزوائد6/194 195.]) ب قبول مشورة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في ترك نحر الإبل حين أصابت الجيش مجاعةٌ: أصابت جيشَ العُسرة مجاعةٌ أثناء سيرهم إلى تبوك ، فاستأذنوا النَّبَّ (ص) في نحر إبلهم حتََّّ يسدُّوا جَوْعَت َهُم ، فلمَّا أذن لهم النَّبُّ (ص) في ذلك؛ جاءه عمر رضي الله عنه فأبدى مشورته في هذه المسألة، وهي: أنَّ الجند إن فعلوا ذلك نفدت رواحلُهم، وهم أحو ما يكونون إليها في هذا الطَّريق الطَّويل ، ثمَّ ذكر رضي الله عنه حلاً لهذه المعضلة ، وهو: جمع أزواد القوم ، ثمَّ الدعاء لهم بالبركة فيها ، فعمل (ص) بهذه المشورة حتََّّ صدر القوم عن بقيَّةٍ من هذا الطعام ، بعد أن ملؤوا أوعي تهم منه ، وأكلوا حتََّّ شبعوا 806.]) 3 قبول مشورة عمر رضي الله عنه في ترك اجتياز حدود الشَّام ، والعودة إلى المدينة عندما وصل النَّبُّ (ص) إلى منطقة تبوك ، وجد أنَّ الرُّوم فرُّوا خوفاً من جيش المسلمين ، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشَّ ام ، فأشار عليه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بأن يرجع بالجيش إلى المدينة ، وعلَّل رأيه بقوله: إنَّ للروم جموعاً كثيرةً ، وليس بها أحدٌ من أهل الإسلام. ولقد كانت مشورة مباركةً ، فإنَّ القتال داخل بلاد الرُّومان يعدُّ أمراً صعباً؛ إذ إنَّه يتطلَّب تكتيكاً خاص اً؛ لأنَّ الحرب في الصَّحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في المدن ، بالإضافة إلى أنَّ عدد الرُّومان في الشَّام يقرب من

عدد الصفحات ١٩٤

مئتين وخمسين ألفاً ، ولاشكَّ في أنَّ تجمُّع هذا العدد الكبير في تحصُّنه داخل المدن يعر ِض جيش المسلمين للخطر(1.) إنَّ ممارسة الشُّورى حياة الأمَّة في جميع شؤونَّا؛ الس ِياسيَّة والعسكريَّة والاجتماعيَّة ، منهجٌ تربويٌّ كريمٌ ، سار عليه الحبيب المصطفى (ص) في حياته. ثالثاً: التَّدريب العمليُّ العنيف: كان خرو الرَّسول (ص) إلى تبوك بأصحابه فيه فوائدُ كثيرةٌ ، منها: تدريبهم تدريباً عنيفاً ، فقطع بهم (ص) مسافةً طويلةً في ظروفٍ جويَّةٍ صعبةٍ ، حيث كانت حرارة الصَّيف اللاهب ، بالإضافة إلى الظُّروف المعيشيَّة الَّتي كانوا يعانون منها ، فقد كان هناك قلَّةٌ في الماء ، حتََّّ كادوا يهلكون من شدَّة العطش ، وأيضاً كان هناك قلَّةٌ في الزَّاد ، والظَّهْر ، ولاشكَّ في أنَّ هذه الأمور تعدُّ تدريباً عنيفاً؛ لا يتحمَّله إلا الأقوياء من الر ِجال. وفي هذا الدَّرس يقول الأستاذ محمود شيت خطاب: «تعمل الجيوش الحديثة على تدريب جنودها تدريباً عنيفاً كاجتياز مواقع ، وعراقيل صعبةٍ جد اً ، وقطع مسافاتٍ طويلةٍ في ظروفٍ ج و ِيَّةٍ مختلفةٍ ، وحرمانٍ من الطَّعام ، والماء بعض الوقت ، وذلك لإعداد هؤلاء الجنود لتحمُّل أصعب المواقف المحتمل مصادفتها في الحرب ، ولقد تحمَّل جيش العُسرَة مشقاتٍ لا تقلُّ صعوبةً عن مشقات هذا التَّدريب العنيف ، إن لم تكن أصعب منها بكثيرٍ ، لقد تركوا المدينة في موسم نضج ثمارها ، وقطعوا مسافاتٍ طويلةً شاقَّةً في صحراء الجزيرة العربيَّة صيفاً ، وتحمَّلوا الجوع ، والعطش مدَّةً طويلةً. إن غزوة تبوك تدريبٌ عنيفٌ للمسلمين ، كان غرض الرَّسول (ص) منه إعدادهم لتحمُّل رسالة حماية حر ِية نشر الإسلام خار شبه الجزير ة العربيَّة ، فقد كانت هذه الغزوة اخر غزوات الرَّسول (ص) ، فلابدَّ من الاطمئنان إلى كفاءة جنوده قبل أن يلحق بالرَّفيق الأعلى[»807.]) وقد ساعد هذا التَّدريب العمليُّ الصَّحابةَ في عصر الخلفاء ، فقاموا بفتح بلاد الشَّام ، وبلاد الفرس بقوَّة إيمانَّم ، وثقتهم بخالقهم ، وساعدهم على ذلك لياقتُهم البدنيَّة العالية ، ومعرفتُهم العمليَّة لاستخدام السُّيوف والر ِماح ، وأنواع الأسلحة في زمانَّم. رابعاً: أهم نتائج الغزوة: يمكن للباحث أن يلاحظ أهمَّ نتائج هذه الغزوة ، وهي:

عدد الصفحات ١٩٥

1 إسقاط هيبة الرُّوم من نفوس العرب جميعاًمسلمِهم ، وكافرِهم على السَّواء؛ لأن قوَّة الرُّوم كانت في حس ِ العرب لا تُقاوَم ، ولا ت ُغْلَب ، ومن ثمَّ فقد فزعوا من ذكر الرُّوم ، وغزوهم ، ولعلَّ الهزيمة الَّتي لحقت بالمسلمين في غزوة (مؤتة) كانت مؤك ِدةً على ما ترسَّخ في ذهن العربي ِ في جاهليته من أنَّ الرُّوم قوَّةٌ لا تُقهر ، فكان لابدَّ من هذا النَّفير العام ِ لإزاحة هذه الهزيمة النَّفسيَّة من نفوس العرب. 2 إظهار قوَّة الدَّولة الإسلامية كقوَّةٍ وحيدةٍ في المنطقة ، قادرةٍ على تحد ِي القِوى العظمى عالمي اً حينذاك ليس بدافعٍ عصب ٍ ، أو عرقي ٍ ، أو تحقيق أطماع زعاماتٍ معاصرةٍ ، وإنمَّ ا بدافعٍ تحريري ٍ ، حيث تدعو الإنسانيَّة إلى تحرير نفسها من عبودي ة العب اد إلى عبوديَّ ة رب ِ العباد ، ولقد حقَّقت هذه الغزوة الغرض المرجوَّ منها بالرَّغم من عدم الاشتباك الحربي ِ مع الرُّوم ، الَّذين اثروا الفرار شم الاً ، فحقَّقوا انتصاراً للمسلمين دون قتالٍ ، حيث أخلوا مواقعهم للدَّولة الإسلاميَّة ، وترتَّب على ذلك خضوعُ النَّصرانيَّة الَّتي كانت تمتُّ بصلة الولاء لدولة الرُّوم مثل إمارة دومة الجندل ، وإمارة أيْلة «مدينة العقبة حالياً على خليج العقبة»وكتب رسول (ص) بينه وبينهم كتاباً حلد ِد ما لهم ، وما عليهم808]) وأصبحت القبائل العربيَّة الشَّاميَّة الأخرى الَّتي لم تخضع للسَّيطرة الإسلاميَّة في تبوك تتعرَّض بشدَّة للتأث الإسلامي ِ ، وبدأ الكثير من هذه القبائل يراجع موقفه ، ويقارن بين جدوى الاستمرار في الولاء للدَّولة البيزنطيَّة ، أو تحويل هذا الولاء إلى الدَّولة الإسلاميَّة الناشئة ، ويعدُّ ما حدث في تبوك نقطةَ البداية العمليَّة للفتح الإسلامي ِ لبلاد الشَّام 809]) قوَّة التأث كغزوة تبوك ، فقد كانت هذه الغزوة بمثابة المؤشر لبداية عملياتٍ متواصلةٍ لفتح البلدان ، والَّتي واصلها خلفاء رسول الله (ص) من بعده ، وممَّا يؤك ِد هذا: أنَّ الرَّسول (ص) قبل موته جهَّز جيشاً بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة ليكون رأس حربةٍ موجَّهةٍ صوب الرُّوم ، وطليعةً لجيش الفتح ، وضمَّ هذا الجيش جُلَّ صحابة رسول الله (ص) ، ولكنَّه لم يقم بمهمَّته إلا بعد وفاته (ص) ، ومع هذا فقد حقَّق الهدف المطلوب منه ، كما سيأ 810]) لقد وضع رسول الله (ص) الأسس الأولى ، والخطوات المثلى لفتح بلاد الشَّام ، والفتوحات الإسلاميَّة. 3 توحيد الجزيرة العربيَّة تحت حكم الرَّسول (ص) : تأثَّر موقف القبائل العربيَّة من الرَّسول (ص والدَّعوة الإسلاميَّة بمؤث ِراتٍ متداخلةٍ ، كفتح مكةَ ، وخيبر ، وغزوة تبوك ، فبادر كلُّ قومٍ بإسلامهم بعدما امتدَّ سلطان المسلمين إلى خطوط التَّماس ِ مع الرُّوم ، ثمَُّ مصالحة نجران في الأطراف الجنوبيَّة على

عدد الصفحات ١٩٦

أن يدفعوا الجزية ، فلم ي َعُدْ أمام القبائل العربيَّة إلا المبادرة الشَّاملة إلى اعتناق الإسلام ، والالتحاق بركب النُّبوَّة بالسَّمع ، والطَّاعة ، ونظراً لكثرة وفود القبائل العربيَّة الَّتي قدمت إلى المدينة من أنحاء الجزيرة العربيَّة بعد عودة النَّب ِ (ص) من غزوة تبوك؛ لتعلن إسلامها هي ، ومن وراءها ، فقد سمُ ِيَ العامُ التَّاسع للهجرة في المصادر الإسلاميَّة ب (عام الوفود811.]) وبهذه الغزوة المباركة ينتهي الحديث عن غزو ات النَّب ِ (ص) الَّتي قادها بنفسه ، فقد كانت حياته المباركة (ص) غنيَّةً بالدُّروس ، والعبر ، الَّتي تتربىَّ عليها أمَّتُه في أجيالها المقبلة، ومليئةً بالدُّروس، والعبر في تربية الأمَّة ، وإقامة الدَّولة الَّتي تحكم بشرع الله. * * * المبحث السَّ ادس أهمُّ الأحداث ما بين غزوة تبوك وحجَّة الوداع812]) أولاً: وفد ثقيفٍ وإسلامُهم لمَّا انصرف الرَّسول (ص) عن الطَّائف اتَّبع أثره عروة بن مسعود الثَّقفي حتَّ أدركه قبل أن يصل إلى المدينة ، فأسلم ، ورجع إلى قومه ، فدعاهم إلى الإسلام ، فرموه بالنَّبل ، ف أصابه سهم فقتله ، ثمَّ إنََّّم رأوا: أنَّه لا طاقة لهم بحرب مَنْ حولهم من العرب الَّذين أسلموا ، فأجمعوا على أن يرسلوا رجالاً إلى رسول الله (ص) ، فقدم عليه ستَّةٌ منهم ، في رمضان بعد رجوعه من تبوك سنة تِسْعٍ813.])

عدد الصفحات ١٩٧

وكان الوفد يتكوَّن من ستَّةٍ من كبار بمالك ، والأحلاف ، ثلاثةٌ لكل ٍ منهما ، وعلى رأسهم جميعاً عبدُ ياَلَيْلَ ب ن عمرو 814]) ذلك لأنَّ ثقيف تأمل في أن يتدخل المهاجرون من بني أميَّة للتوسُّط في إقرار الصُّلح مع الرَّسول (ص بسبب علاقة بني أميَّة التَّاريخيَّة بالأحلاف815.]) كان الصَّحابة يعرفون اهتمام الرَّسول (ص) بإسلام ثقيفٍ ، ولذلك ما إن ظهر وفد ثقيف قرب المدينة؛ حتََّّ تنافس كلٌّ من أبي بكرٍ ، والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرَّسول (ص) ، وتنازل المغيرةُ لأبي بكرٍ [816.]) واستقبل الرَّسول (ص) الوفد راضي اً ، وبنى لهم خياماً لكي يسمعوا القران ، ويروا النَّاس إذا صلَّوا ، وكانت ضيافتهم على رسول الله (ص) ، وكانوا يفدون على رسول الله (ص) كلَّ يومٍ ، ويخل ِفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم ، فكان عثمان كلما رجعوا ، وقالُ وا بالهاجرة ، عمد إلى رسول الله (ص) فسأله عن الد ِين ، واستقرأه القران، حتَّ فقه في الد ِين، وعلم ، وكان إذا وجد رسول الله (ص) نائماً عمد إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك عن أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله (ص) ، وعجب منه، وأحبَّه817.]) ومكث الوفد أياماً يختلفونإلى النَّب ِ (ص) ، والنَّبُّ (ص) يدعوهم إلى الإسلام ، فقال له عبد ياَلَيْلَ: هل أنت مقاضينا حتََّّ نرجع إلى أهلنا ، وقومنا؟ فقال رسول الله (ص) : «نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام؛ قاضيتكم ، وإلا فلا قضيَّة ، ولا صلح بيني وبينكم» قال عبدُ ياَلَيْلَ: أرأيت الز ِنى؟ فإناَّ قوم عُزَّاب بغَرْبٍ818]) ، قال«هو ممَّا حرَّم الله على المسلمين ، يقول الله تعا }*[32.»] قال: أرأيت الر ِبا؟ قال«الر ِبا حرام»قال: فإنَّ أموالنا كلَّها رباً ، قال«لكم رؤوس أموالكم ، يقول تعا[278.»] قال: أفرأيت الخمر؟ فإنََّّا عصيرُ أعنابنا ،بدَّ لنا منها. قال: «فإنَّ الله قد حرَّمها»ثمَّ تلا رسول الله (ص) هذه الاية وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ ت ُفْلِحُونَ [90.]

عدد الصفحات ١٩٨

فارتفع القوم ، وخلا بعضهم ببعض ، فقال عبدُ ياَلَيْلَ: وحلكم! نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثَّلاث! والله لا تصبر ثقيفٌ عن الخمر أبداً، ولا عن الزنى أبداً. قال سفيان بن عبد الله: أيُّها الرَّجل! إنْ يرد الله بها خيراً تصبر عنها! قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا ، فصبروا ، وتركوا ما كانوا عليه ، مع أناَّ نخاف هذا الرجل ، قد أوطَأ الأرض غلبةً ، ونحن في حصنٍ في ناحية من الأرض ، والإسلام حولنا فاشٍ ، والله! لو قام على حصننا شهراً لمتنا جوعاً ، وما أرى إلا الإسلام ، وأنا أخاف يوماً مثل يوم مكَّة. وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله (ص) حتََّّ كتبوا الكتاب ، وكان خالد هو الَّذي كتبه ، وكان رسول الله (ص) يرسل إليهم الطَّعام ، فلا يأكلون منه شيئاً حتََّّ يأكل منه رسول الله (ص) ؛ حتََّّ أسلموا. قالوا: أرأيت الرَّبَّة ، ما ترى فيها؟ قال: «هَدْمَها» قالوا: هيهات! لو تعلم الرَّبَّة أناَّ أوضعنا هدمها819]) عنه: وحلك يا عبد ياليل! إنَّ الرَّبَّة حجرٌ لا يدري مَنْ عَبَدَهُ ممَّن لا يعبدُه قال عبد ياليل: إناَّ لم نأتك يا عمر! فأسلموا ، وكمل الصُّلح ، وكتب ذلك الكتاب خالد بن سعيد ، فلمَّا كمُل الصُّلح ، وكتبوه؛ كلَّموا النَّبَّ (ص) يدع الرَّبَّة ثلاث سنين ، لا يهدُمها ، فأبى ، قالوا: سنتين! فأبى ، قالوا: سنة! فأبى ، قالوا: شهراً واحداً! فأبى أن يوق ِت لهم وقتاً ، وإنمَّا يريدون بترك الرَّبة لما يخافون من سفهائهم ، والن ِساء ، والص ِبيان ، وكرهوا أن يُرو ِعوا قومهم بهدمها ، فسألوا النَّبَّ (ص) أن يعفيهم من هدمها820]) من الصَّلاة ، فقال رسول الله (ص«لا خير في دين لا صلاة فيه»[4/218) ، وأبو داود (3026) ، والطيالسي939) ، والبيهقي في الدلائل5/299 301([])821.]) لقد طلب وفد ثقيف أن يعفيهم رسول الله (ص) من بعض الفرائض ، وأن حلل ِل لهم بعض المحرَّمات ، إلا أنََّّم فشلوا في طلباتهم ، وخضعوا للأمر الواقع822.]) وقد أكرم رسو ل الله (ص) وِفَادَت َهُم، وأحسن ضيافتهم في قدومهم ، وإقامتهم وعند سفرهم ، وأمَّرَ (ص) عثمان بن أبي العاص على الطَّائف ، فقد كان أحرصَهم على تعلُّم القران ، والتَّفقُّه في الد ِين ، وكان أصغرهم سن اً823])تلاطهم بالمسلمين ، حتََّّ إنََّّم صاموا ما بقي عليهم من شهر ، ومكثوا في المدينة خمسة عشر يوماً ، ثمَّ رجعوا إلى

عدد الصفحات ١٩٩

الطَّائف824]) ومشاركة المغيرة بن شعبة 825])فيان بن حرب رضي الله عنه 4) وبعثهم أثر الوفد826.]) وبينما نجحت مساعي الوفد في إقناع ثقيف بالدُّخول في الإسلام ، وأخبروهم بمصير الَّلات ، وإذا بالسَّريَّة قد وصلت إلى الطَّائف ، ودخل المغيرة بن شعبة في بضعة عشر رجلاً يهدمون الرَّبَّة827])تحت حراسةٍ مشدَّدةٍ من قومه بني مَعَت ِب الَّذين قاموا دونه؛ خشية أن يُرمى، أو يُصاب كما أصيب عروة بن مسعود828]) ونساؤها ، وصبيانَّا حتََّّ الأبكار من خدورهنَّ ، وكانوا لقرب عهدهم بالشَّرك لا ترى عامَّة ثقيف أنََّّا مهدو مة ، ويظنُّون أنََّّا ممتنعة829.]) وكان المغيرة رجلاً فيه دعابةٌ ، وظرفٌ ، فقال لأصحابه: والله لأضحكنَّكُم من ثقيف ، فضرب بالفأس ، ثمَّ سقط يركض ، فارتج أهل الطَّائف بصيحةٍ واحدةٍ ، وقالوا: أبعد الله المغيرة ، فقد قتلته الرَّبَّة ، وفرحوا حين رأوه ساقطاً [830]) على هدمها ، فوالله! لا تستطاع أبداً ، فوثب المغيرة بن شعبة ، وقال: قبَّحكم الله يا معشر ثقيف! إنمَّا هي لُكاع831])832.]) أكمل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ومن معه هدم الطَّاغية حتََّّ سوَّوها بالأرض ، وكان سادنَّا واقفاً على أحر ِ من الجمر؛ ينتظر نقمة الرَّبَّة ، وغضبها على هؤلاء العُصاة833]) أساسها حتََّّ صاح قائلاً: سترون إذا انتهى أساسها ، يغضب الأساس غضباً يخسف بهم [834]) فلمَّا سمع المغيرة رضي الله عنه بذلك السُّخف قال لقائد السَّريَّة: دعني أحفر أساسها ، فحفره ح أخرجوا ترابها ، وانتزعوا حُلِيَّها ، وأخذوا ثيابها ، فَبهِتَتْ ثقيفٌ 835]) تحجبه غشاوةٌ على أعينهم836.]) وأقبل الوفد ح دخل وا على رسول الله (ص) بحلي ِها ، وكسوتها ، ف قسمه رسول الله (ص) من يومه ، وحمدوا الله على نصرة نبي ِه ، وإعزاز دينه837.]) وتمَّ القضاء على ثاني أكبر طواغيت الش ِرك في الجزيرة العربيَّة ، وحلَّ محلَّها بيتٌ من بيوت الله عزَّ وجل يوحَّد فيه الرَّ بُّ الَّذي لا إله إلا هو ، وذلك بتوجيهٍ كريمٍ من رسول الله (ص) إلى عثمان بن أبي العاص

عدد الصفحات ٢٠٠

رضي الله عنه 838])«بأن يجعل مسجد الطَّائف حيث كان طاغيتهم»[450) ، وابن ماجه743.]) ثانياً: وفاة زعيم المنافقين (عبد الله بن أُبي ِ بن سلول): مرض عبد الله بن أبي ِ بن سلول ، رأسُ المنافقين ، في ليالٍ بَقِين من شوَّال ، ومات في ذي القعدة من السَّنة التاسعة839.]) قال أسامة بن زيد: دخلت مع رسول الله (ص) على عبد الله بن أبي ٍ في مرضه نعوده، فقال له النَّب (ص) : قد كنت أنَّاك عن حب ِ يهود ، فقال عبد الله: فقد أبغضهُم سعد بن زرارة ، فمات. ولمَّا توفي عبد الله بن أبي ٍ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله (ص) ، فسأله أن يعطيه قميصه يُكف ِن فيه أباه ، فأعطاه ، ثمَّ سأله أن يصل ِيَ عليه ، فقام رسول الله (ص) ليصل ِي عليه ، فقام عمر ، فأخذ بثوب رسول الله (ص) ، فقال: يا رسول الله! تصل ِي عليه ، وقد نَّاك ربُّك أن تُصلي عليه ، فقال رسول الله (ص) : إنمَّا خيرَّني الله فقال عِينَ مَرَّةً ف َلَنْ ي َغْفِرَ اللََُّّ لهَُمْ ذَلِكَ بأَِن َّهُمْ كَفَرُوا باِللََِّّ وَرَسُولِهِ وَاللََُّّ لاَ ي َهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [80] وسأزيده على السَّبعين ، قال: إنَّه منافق ، قال: فصلَّى عليه رسولُ الله (ص) ، فأنزل الله عزَّ وجل ايةحَدٍ مِن ْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ ت َقُمْ عَلَى ق َبرِْهِ [84[ .]4670) ، ومسلم (2400.]) وإنمَّا صلَّى عليه رسولُ الله (ص) إجراءً له على حكم الظَّاهر ، وهو الإسلام ، ولما فيه من إكرام ولده عبد الله وكان من خيار الصَّحابة ، وفضلائهم وهو الذي عرض على النَّب ِ (ص) أن يقتل أباه لمَّا قال مقالته يوم غزوة بني المصطلق ، كما بي َّنَّا ، ولما فيه من مصلحةٍ شرعيَّة ، وهو تأليف قلوب قومه ، وتابعيه ، فقد كان يدين له بالولاء فئةٌ كبيرةٌ من المنافقين ، فعسى أن يتأثَّروا ، ويرجعوا عن نفاقهم ، ويعتبروا ، ويخلصوا لله ، ولرسوله ، ولو لم يجُِبْ ابنه ، وترك الصَّلاة عليه قبل ورود النَّهي الصَّريح ، لكان سُبَّةً ، وعاراً على ابنه ، وقومه ، فالرَّسول الكريم (ص) اتَّبع أحسن الأمرين في الس ِياسة ، إلى أن نَُّيَ فانتهى 840.]) وأمَّا إعطاؤه (ص) القميص؛ فلأنالضَّنَّ به يخُِلُّ بالكرم ، وقد كان مِنْ خُلُق رسول الله (ص) ألاَّ يرد طالبَ حاجةٍ قطُّ ، على أنه كان مكافأة له على إعطائه العباس عم الرسول (ص) قميصه لما جيء به أسيراً يوم بدر ، وكان من خلق رسول الله (ص) وال بيته ردُّ الجميل بخير منه841.])

عدد الصفحات ٢٠١

وبموت عبد بن سلول تراجعت حركة الن ِفاق في المدينة ، حتََّّ إنَّنا لم نجد لهم حضوراً بارزاً في العام العاشر للهجرة ، ولم يبقَ إلا العدد غير المعروف إلا لصاحب سر رسول الله (ص) حُذيفة بن اليمان842])ي عليه حذيفة بن اليمان؛ لأنَّه كان يعلم أعيان المنافقين ، وقد أخبره رسول الله (ص) بهم843.]) كان العام التَّاسع حاسماً لحركة النفاق في المجتمع الإسلامي ِ ، فقد وصل النَّظام الإسلاميُّ إلى قوَّته ، ومن ثمَّ لابدَّ من تحديد إطار التَّعامل مع كل ِ القِوى بو ضوح 844]) خطَّة الإسلام أمام المنافق«فإنَّه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ، ويكل سرائرهم إلى الله ، وأن يجاهدهم بالعلم ، والحجَّ ة ، وأُمِر أن يُع رض عنهم ، ويُغلِ ظ عليهم ، وأن يبل غ بالقول البليغ إلى نفوسهم ، ونَُّيَ أن يصل ِي عليهم ، وأن يقوم على قبورهم ، وأُخبر: أنَّه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم[»845.]) وجاءت هذه الخطَّة وفق النُّصوص القرانيَّة الَّتي احتوتها سورة التَّوبة«براءة « »الفاضحة»حيث يستغرق الحديث عن المنافقين أكثر من نصف السُّورة ، فيفضح نواياهم ، وأعمالهم ، ووصف أحوالهم النَّفسيَّة والقلبيَّة ، وموقفهم في غزوة تبوك ، وقبلها ، وفي أثنائها ، وما تلاها ، وكشْف حقيقة حيلهم ، ومعاذيرهم في التَّخلُّف عن الجهاد ، وبث ِ الضعف ، والفتن ة ، والفرق ة في الصُّفوف ، وإيذاء رسول الله (ص) بالقول ، والعمل846.]) ومن أهم الأحكام الَّتي برزت في هذه المرحلة ضدَّ المنافقين: 1 عدم الصَّلاة على مَنْ مات منهم ، ودمغُهم بالكفر {وَلاَ تُصَل ِ عَلَى أَحَدٍ م ِن ْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ ت َقُمْ عَلَىَ ق َبرِْهِ إِن َّهُمْ كَفَرُواْ باِللَّ ِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُ ونَ * وَلاَ ت ُعْجِبْكَ أَمْوَالهُُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنمََّا يُرِيدُ اللََُّّ أَنْ ي ُعَذ ِب َهُمْ بهَِا فيِ الدُّن ْيَا وَت َزْهَقَ أَ ن ْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [84 85.] 2 تهديم مسجدهم الَّذي بنوه للإضرار بين المسلم وهو مسجد الض ِرار ، وقد تحدَّثت عنه فيما مضى بنوعٍ من التفصيل. 3 إصدار الأمر بمجاهدة المنافقين كمجاهدة الكافرين { }* [9] وسواءٌ أكان الجهادلقتال، أم في المعاملة ، والمواجهة ، والكشف ، والفضح ، فإنَّ طريقة التَّعامل مع المنافقين بعد سورة براءة غير المعاملة قبلها.

عدد الصفحات ٢٠٢

4 الكشف عن صفاتهم وأعمالهم بوضوح كما جاء في سورة التَّوبة أيضاً ، فهم الَّذين قالوا تثبيطاً للمسلم} [81 ] ، وهم الَّذين يلمزون المطَّو ِعين في الصَّدقات ، ويؤذون رسول الله (ص) في القول ، والفعل.....إ847.]) هذه معالم المنهج النَّبوي ِ في التعامل مع حركة الن ِفاق في المجتمع الإسلامي ِ في العام التَّاسع الهجري ِ ثالثاً: تخيير النَّب ِ (ص) لزوجاته (دروسٌ من بيوتات الرَّسول (ص)): قال تعا أُمَت ِعْكُنَّ وَأُسَر ِحْكُنَّ سَرَاحًا جمَِيلاً *وَإِنْ كُن ْتنَُّ تُرِدْنَ اللَََّّ وَرَسُ ولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَََّّ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا }*[28 29.] وقد دلَّت الأحاديث الصَّحيحة على أن نزول هاتين الايتين كان بعد اعتزال النَّب ِ (ص) لنسائه ، بعد أن أقسم ألاَّ يدخل عليهنَّ شهراً ، فاعتزلهن في مَشْرُبَةٍ له ، وهي القصَّة المعروفة بقصَّة إيلائه848 ]) من نسائه ، وكان تاريخ نزول هذه الايات في العام التاسع للهجرة 849.]) وأمَّا سبب نزولها ، فهو طلب زوجاته (ص) التَّوسعة عليهنَّ في النَّفقة ، فقد أخر مسلمٌ عن جابرٍ رضي الله عنه قال: «دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله (ص) فوجد الناس جلوساً ببابه ، لم يؤذن لأحدٍ منهم ، قال: فأُذِن لأبي بكرٍ فدخل ، ثمَّ أقبل عمر ، فاستأذن ، فأُذِن له ، فوجد النَّبَّ (ص) جالساً حوله نساؤه واجماً850]) فقاليا رسول الله! لو رأيت بنتَ خارجةَ 851]) عنقَها852])«هنَّ حولي كما ترى يسألنني النَّفقة »فقام أبو بكر إلى عائشة يجََأُ عنقها ، فقام عمر إلى حفصة يجََأُ عنقها ، كلاهما يقول: أتسألن رسول الله (ص) ما ليس عنده ، فقلن: والله! لا نسأل رسول الله (ص) شيئاً أبداً ليس عنده ، ثمَّ اعتزلهن شهراً ، أو تسعاً وعشرين ، ثمَّ نزلت عليه هذه الاية»[1478) ، وأحمد3/328.]) كانت الحياة المعيشية في بيوت رسول الله (ص) تجري على وتيرةٍ واحدةٍ ، بالرَّغم من إمكانية التَّوسُّع في بعض الأحيان، ونساء الرَّسول (ص) من البشر، يرغبن ما يرغب فيه النَّاس ، ويشتهين ما يشتهيه النَّاس 853]) فقال: إنَّ الرَّسول (ص) بنى حُجَراً حول مسجده الشَّريف ؛ لتكون مساكن له ، ولأهله ، ولم تكن

عدد الصفحات ٢٠٣

الحُجَرُ كبيوت الملوك ، والأكاسرة، والقياصرة، بل كانت بيوت مَنْ ترفَّع عن الدُّنيا، وزخرفها، وابتغى الدَّار الاخرة، فقد كانت كمسجده مبنيةً من اللَّبنِ ، والط ِين ، وبعض الحجارة ، وسقوفها من جذوع النَّخل والجريد ، قريبة ا لفناء ، قصيرة البناء ، ينالها الغلام الفارع بيده. قال الحسن البصريُّ وكان غلاماً مع أم ِه خيرة مولاة أم ِ سلمة : قد كنت أنالُ أطولَ سقف في حُجَرِ النَّب ِ (ص) بيدي ، وكان لكل ِ حُجْرَةٍ بابان: خارجيٌّ ، وداخليٌّ من المسجد؛ ليسهلَ دخولُ النَّب ِ (ص) إليه854.]) وأمَّا الإضاءة: فلم يكن هناك مصباحٌ يستضاء به ، يدل على ذلك ما رواه البخاريُّ عن عائشةَ رضي الله عنها ، قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله (ص) ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد؛ غمزني ، فقبضت رجليَّ ، فإذا قام؛ بسطتُهما ، قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح382) ، ومسلم (512/272.]) أمَّا الفراش الَّذي يأوي إليه هذا النَّبُّ عليه أفضل الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم فهو عبارة عن رُمالِ حصيرٍ ، ليس بينه وبين ه فراشٌ ، قد أثر الرُّمال بجنبه ، متكأى على وسادةٍ مِنْ أَدَمٍ ، حشوها ليفٌ6456) ، ومسلم2082]) أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما أعلم النَّبَّ (ص) رأى رغيفاً مرقَّقاً855]) رأى شاةً سميطاً856])6457.]) وعن عائشة؛ قالت: إنْ كنا لننظر إلى الهلال ، ثلاثة أهلَّةٍ في شهرين ، وما أوقدت في أبيات رسول الله (ص) نارٌ ، فقال لها عروة بن الزُّبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التَّمر ، والماء (6459.]) هذا؛ وقد فتح الله على المسلمين بعد خيبر ، وفتح مكَّة ، وغزوة تبوك ، وقد قرأت زوجات النَّب (ص) اياتٍ في كتاب الله تبيح التَّمتُّع بنعم الله دون إسراف ، فرغبن أن ينالهن حظٌّ من ذلك ، كما في قوله تعامُسْرِفِينَ [31.] وحضَّ على أكل الطَّيبات من الر ِزق ، قال سبحانهاتِ مِنَ الر ِزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فيِ الحَْيَاةِ الدُّن ْيَا خَالِصَةً ي َوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ ن ُفَص ِلُ الآياَ تِ لِقَوْمٍ ي َعْلَمُونَ }*[32.]

عدد الصفحات ٢٠٤

ودعا إلى التوسُّط في الإنفاق ، والاعتدال فيه ، فقال تعا ت َبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ف َت َقْعُدَ مَلُومًا محَْسُورًا [29]ر يتعلَّق به (ص ، ونمطاً من المعيشة اختاره بتوجيهٍ من رب ِه عزَّ وجلَّ ، فلم يلتفت لشيءٍ من هذا ، كما أدَّبه ربه سبحانه وتعالى بقوله خْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ[88.] وقوله سبحانهتِن َهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَب ِكَ خَي ْرٌ وَأَب ْقَى[131.] ولذلك جاءت ايات التَّخيير ، فوقفت زوجاتُه (ص) من قضيَّة التَّخيير موقفاً حاسماً لا تردَّد فيه ، فإنََّّنَّ اخترن الله ورسولَه ، والدَّار الاخرة ، فقد كنَّ يطلبن منه (ص) التَّوسعة في النَّفقة ، وكن يدافعن عن ذلك ما استطعن ، فلمَّا وصل الأمر إلى وضعهنَّ أمام خيارين: الحياة الدُّنيا ، وزينتها ، أو الله ، ورسوله ، والدَّار الاخرة؛ لم يتردَّدن لحظ ةً واحدةً في سلوك الخيار الثَّاني بل قلن جميعهنَّ بص وتٍ واحد: نريد الله ، ورسولَه والدَّار الاخرة857.]) فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لمَّا أمر رسول الله (ص) بتخيير أزواجه؛ بدأ بي ، فقال«إني ِ ذا كرٌ لكِ أمراً ، فلا عليك ألاَّ تعجلي حتََّّ تستأمري أبويك »، قالت: وقد علم أنَّ أبويَّ لم يكونا يأمرا بفراقه ، قالت: ثمَّ قال: «إنَّ الله جلَّ ثناؤه قال الدُّن ْيَا وَزِين َت َهَا ف َت َعَالَينَْ أُمَت ِعْكُنَّ وَأُسَر ِحْكُنَّ سَرَاحًا جمَِيلاً *وَإِنْ كُن ْتنَُّ تُرِدْنَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآ خِرَةَ فَإِنَّ اللَََّّ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [28 29] أستأمر أبويَّ؟ فإني ِ أريد الله ورسولَه والدَّار الاخرة ، قالت: ثمَّ فعل أزوا ُ رسول الله (ص) مثلَ ما فعلتُ4786) ، ومسلم1457.]) وهكذا تتجلَّى في موقفهنَّ رضي الله عنهنَّ صورةٌ ناصعةٌ لقوَّة الإيمان ، واختبارٌ حقيقيٌّ للإخلاص ، والص ِدق مع الله تعالى ، فإنَّ قوله تعالى في الاية الأولى من ايتي التَّخي وَزِين َت َهَا ف َت َعَالَينَْ رفضن هذا ، واخترن الله ، ورسولَه ، والدَّار الاخرة. وفي قوله تعالى في الاية الثانية: إشارةٌ إلى أن كُن ْتنَُّ تُرِدْنَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَََّّ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً ا

عدد الصفحات ٢٠٥

سببه كونَّنَّ محسناتٍ ، ومن ذلك اختيارهن الله ، ورسوله ، والدَّار الاخرة؛ إذ لا يكفي لحصولهنَّ على هذا الأجر كونَّنَّ زوجاتٍ للرَّسول (ص 858. ]) وتنكير الأجر ، ثمَّ وَصْفُه بأنه عظيم فيه ترغيبٌ لهنَّ بالكف ِ عن التطلُّع إلى الحياة الدُّنيا وزينتها ، فهذا الأجر لا يقد ِر قدره إلا الله ، وهو شاملٌ لخيري الدُّنيا والاخرة859.]) ولقد اعتبر الخلفاء الرَّاشدون قصَّة التَّخيير تلك مَعْلَماً من معالم الإسلام ، ومنهجاً نبويا ً كريماً ينبغي أن يسلكه بيت القيادة في الأمَّة. وإنَّ النَّظرة الفاحصة في التاريخ لَ تُ بَ ين ُِ: أنَّ هذا الجانب يعدُّ معياراً د قيقاً به يُعرف القرب من الاستقامة ، أو البعدُ عنها ، وقد فهم قادة الأمَّة المؤمنون حينما وُجدوا على امتداد تاريخ الإسلام ، أهم ِية هذا الجانب ، فرعَوْه حقَّ رعايته ، وإنَّ الأمثلة العمليَّة من تاريخ الخلافة الرَّاشدة هي من الوفرة ، والكثرة بمكانٍ ، بحيث لا ت ُتْعِبُ الباحث في التَّفتيش عنها 860.]) إنَّ قيادة الأمَّة تكليفٌ ، ومَغْرمٌ ، وليست مغنماً ، ولابدَّ لِلَّذين يتولَّونَّا أن حلسبوا أهمية التَّعالي على حطام الدُّنيا ، والشَّوق إلى الله ، والدَّار الاخرة861.]) رابعاً: حجُّ أبي بكرٍ رضي الله عنهلنَّاس: كانت تربية المجتمع، وبناء الدَّولة في عصر النَّب ِ (ص) مستمرَّةً في جميع الأصعدة، والمجالات العقائديَّة ، والاقتصاديَّة ، والاجتماعيَّة ، والس ِياسيَّة ، والعسكريَّة ، والتَّعبديَّة ، وكانت فريضة الحج ِ لم تمُارس في السَّنوات الماضية ، فحجَّةٌ عام (8 ه ) بعد الفتح كُل ِف بها عَتَّابُ بن أَسِيْدٍ ، ولم تكن قد تميَّزت حجَّة المسلمين عن حجَّة المشرك862])«إنَّه حلضر البيت عُراةٌ مشركون يطوفون بالبيت ، فلا أحبُّ أن أحجَّ حتََّّ لا يكون ذلك »، فأرس ل (ص) الص ِد ِيق أميراً على الحج ِ سنة تسعٍ ، فخر أبو بكر ، ومعه عددٌ كبيرٌ من الصَّحابة 863]) معهم الهدي864.]) فلمَّا خر الص ِد ِيق بركب الحجيج؛ نزلت سورة براءة ، فدعا النَّبُّ (ص) علي اً رضي الله عنه ، وأمره أن يلحق بأبي بكرٍ الص ِد ِيق ، فخر على ناقة رسول الله (ص) العضباء؛ حتََّّ أدرك الص ِد ِيق أبا بكرٍ بذي الحليفة ، فلمَّا راه الص ِد ِيق ، قال له: أميرٌ أم مأمور؟ فقال: بل مأمور ، ثمَّ سارا ، فأقام أبو بكرٍ للنَّاس الحجَّ على منازلهم؛ الَّتي كانوا عليها في الجاهليَّة ، وكان الحجُّ في هذا العام في ذي الحجَّة كما دلَّت على ذلك الر ِوايات الصَّحيحة لا في شهر ذي القعدة كما قيل.

عدد الصفحات ٢٠٦

وقد خطب الص ِد ِيق قبل الترَّوية ، ويوم عرفة ، ويوم النَّحر ، ويوم النفر الأوَّل ، فكان يعر ِف النَّاس مناسكهم: في وقوفهم ، وإفاضتهم ونحرهم ، ونفرهم ، ورميهم للجمرا ت.... إلخ ، وعليٌّ يخلفه في كل موقف من هذه المواقف ، فيقرأ على النَّاس صدر سورة براءة ، ثم ينادي في النَّاس بهذه الأمور الأربعة: لا يدخل الجنَّة إلا مؤمن ، ولا يطوف بالبيت عُرْيان ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ فعهده إلى مدَّته ، ولا حلجُّ بعد العام مش رك 1/79) ، والترمذي 871 و3092) ، وأبو يعلى (452([])865.]) وقد أمر الص ِد ِيق أبا هريرة في رهطٍ اخر من الصَّحابة لمساعدة علي ِ بن أبي طالب في إنجاز مهمَّته866.]) إنَّ نزول صدر سورة براءة يمث ِل مفاصلةً نَّائيَّة مع الوثنيَّة ، وأتباعها ، حيث منعت حجَّهم ، وأعلنت الحرب عليهم 867.]) قال الله تعاأَرْب َعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَي ْرُ مُعْجِزِي اللََِّّ وَأَنَّ اللَََّّ مخُْزِي الْ كَافِرِينَ *وَأَذَانٌ مِنَ اللََِّّ وَرَسُولِهِ إِلىَ النَّاسِ ي َوْمَ الحَْج ِ الأَكْبرَِ أَنَّ اللَََّّ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ ت ُب ْتُمْ ف َهُوَ خَي ْرٌ لَكُمْ وَإِنْ ت َوَلَّي ْتُمْ فَاعْلَمُوا أَ نَّكُمْ غَي ْرُ مُعْجِزِي اللََِّّ وَبَش ِرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [1 3.] وقد أُمْهِلَ المعاهدون لأجلٍ معلومٍ منهم إلى انتهاء مدَّتهم فقال تعا لمَْ ي َن ْقُصُوكُمْ شَي ْئًا وَلمَْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتمُِّو ا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلىَ مُدَّتهِِمْ إِنَّ اللَََّّ حلُِبُّ الْمُتَّقِينَ [4.] كما أمهل مَنْ لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم ، حيث يصبحون بعدها في حالة حربٍ مع المسلمين ، قال تعا ت ُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتمُُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاق ْعُدُوا لهَُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تاَبُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآت َوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّ وا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَََّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5.] وقد كلَّف النَّبُّ (صعلي اً بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج ِ، مراعاةً لما تعارف عليه العرب فيما بينهم في عقد العهود ، ونقضها ألاَّ يتولىَّ ذلك سي ِد القبيلة، أو رجل مِنْ رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاةٌ للإسلام، فلذلك تدارك النَّبُّ (ص) الأمر ، وأرسل علي اً بذلك ، فهذا هو السَّبب في تكليف علي ٍ بتبليغ صدر سورة براءة ، لا ما زعمه بعضُهم من أن ذلك للإشارة إلى أنَّ علي اً

عدد الصفحات ٢٠٧

أحقُّ بالخلافة من أبي بكرٍ، وقد علَّق على ذلك الدُّكتور محمد أبو شهبة، فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الص ِد ِيق له: أميرٌ أم مأمور؟ 868 ])وكيف يكون المأمورُ أحقَّ بالخلافة من الأم869]) وقد كانت هذه الحجَّة بمثابة التَّوطئة للحجَّة الكبرى ، وهي حجَّة الوداع870]) أبي بكر: أنَّ عهد الأصنام قد انقضى ، وأنَّ مرحلةً جديدةً قد بدأت ، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى ، فبعد هذا الإعلان الَّذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة ، أيقنت تلك القبائل أنَّ الأمر جَدٌّ ، وأنَّ عهد الوثنيَّة قد انقضى فعلاً ، فأخذت ترسل وفودها معلنةً إسلامها ، ودخولها في التَّوحيد871.]) خامساً: عام الوفود9 ه872:]) لمَّا افتتحرسول الله (ص) مكَّة ، وفرغ من تبوك ، وأسلمت ثقيف ، وبايعت ، وضرب رسول الله (ص) أمد أربعة أشهرٍ لقبائل العرب المشركين ، لكي يقر ِروا مصيرهم بأنفسهم قبل أن تتَّخذ الدَّولة الإسلاميَّة منهم موقفاً معيَّناً ، ضربت إليه وفود العرب اباط الإبل من كل ِ وجهٍ معلنةً إيمانَّا، وولاءها 873]) وقد اختلف العلماء في تاريخ مَقْدَمِ الوفود على رسول الله (ص) وفي عددها، حيث أشارت المصادر الحديثيَّة ، والتَّاريخيَّة إلى قدوم بعض الوفود إلى المدينة في تاريخٍ مبكرٍ عن السَّنة التَّاسعة ، ولعلَّ ذلك ممَّا أدى إلى الاختلاف في تحديد عدد الوفود بين ما يزيد على ستين وفداً عند البعض ، ويرتفع فيبلغ أكثر من مئة وفدٍ عند اخرين ، ولعلَّ البعض قد اقتصر على ذكر المشهور منهم874]) بن إسحاق: أنَّه: لمَّا فتح رسول الله (ص) مكَّة المكرَّمة ، وفرغ من تبوك ، وأسلمت ثقيف ، وبايعت؛ ضربت إليه وفود العرب من كل ِ وجه 875.]) وقد استقصى ابن سعدٍ في جمع المعلومات عن الوفود ، كما فصَّل كثيراً ، وقدَّم ترجماتٍ وافيةً عن رجال الوفود ، ومن كانت له صحبةٌ منهم ، وما ورد عن طريقهم من اثار ، ولا تخلو أسانيد ابن سعدٍ أحياناً من المطاعن ، كما أنَّ فيها أسانيد من الث ِقات أيضاً876]) المؤر ِخون ليست ثابتةً بالنَّقل الصَّحيح المعتمد وفق أساليب المحد ِثين ، برغم أنَّ عدداً كبيراً من المروياَّت عن تلك الوفود ثابتةٌ ، وصحيحةٌ877])اتٍ عن وفد قبيلة تميم ، وقدومه إلى النَّب (ص) ، ووفود أخرى مثل: عبد القيس ، وبني حنيفة ، ووفد نجران ، ووفد الأشعريين ، وأهل اليمن ، ووفد دَوْسٍ4365 و4368 ، و4372 و4392])

عدد الصفحات ٢٠٨

بمعلوماتٍ إضافيَّةٍ ، وردت في مصادر تاريخيَّةٍ إلى جانب ما ورد عنها في كتب الس ِيرَ والمغازي 878 ]) ، وقد أورد مسلم أخباراً عن أغلب الوفود المذكورة انفاً 879]) الوفود880.]) إنَّ قصص الوفود ، وأخبارها ، وكيفيَّة تعامل رسول(ص) معها من الأهميَّة بالمكان الكب881 ]) ، وتبقى مسألة الحاجة الماسَّة إلى نقدٍ تاريخي ٍ لمتون الأخبار المفصَّلة الَّتي وصلتنا عن الوفود882]) فلقد تركت لنا تلك الأخبار ، والقصص منهجاً نبويا ً كريماً في تعامله (ص) مع الوفود ، يمكننا الاستفادة من هديه (ص) في تعامله مع النَّفسيَّة البشريَّة ، وتربيته ، ودقَّته ، وتنظيمه ، ففيها ثروةٌ هائلةٌ من الفقه الَّذي يدخل في دوائر التَّعليم والترَّبية ، والتَّثقيف وب ُعْد النَّظر وجمع القلوب على الغاية ، وربط أفرادٍ بأعيانَّم بالمركز بحيث تبقى في كل ِ الظُّروف ، والأ حوال مرتكزاتٌ قويَّةٌ إلى الإسلام ، إلى غير ذلك من مظاهر العظمة للعاملين في كل ِ الحقول نفسي اً ، واجتماعي اً ، واقتصاديا ً ، وإداريا ً وسياسي اً ، وعسكريا ً ، تعطي لكل ِ عاملٍ في جانب من هذه الجوانب دروساً تكفيه ، وتغنيه 883.]) هذا وقد تميَّز العام التاسع بتوافد العرب إلى المدينة ، وقد استعدَّت الدَّولة الإسلاميَّة لاستقبالهم، وتهيئة المناخ الترَّبوي ِ لهم، وقد تمثَّل هذا الاستقبال بتهيئة مكان إقامة لهم، وكانت هناك دارٌ للض ِيافة 884 ]) ، ينزل فيها الوافدون ، وهناك مسجدُ رسول الله (ص) الَّذي كان ساحةً ل ستقبال ، ثمَّ كان هناك تطوُّعٌ ، أو تكليف رسول الله (ص) لأحد الصَّحابة باستضافة بعض القادم885.]) واهتمَّ (ص) بتلك الوفود ، وحرَص على تعليمها ، وتربيتها ، وق د كانت تلك الوفود حريصةً على فهم الإسلام ، وتعلُّم شرائعه ، وأحكامه ، وادابه ، ونظمه في الحياة ، وتطبيق ما عُل ِموه تطبيقاً عملي اً ، جعلهم نماذ حي ة لفضائله ، وقد كان لكثيرٍ منهم سؤالاتٌ عن أشياء كانت شائعةً بينهم؛ ابتغاء معرفة حلالها ، وحرامها ، وكان النَّبُّ (ص) حريصاً أشدَّ الحرص على تفقيههم في الد ِين ، وبيان ما سألوه عنه ، وكان (ص) يُدني منهم مَنْ يعلم منه زيادة حِرْصٍ على القران العظيم ، وحفظ اياته تفقُّهاً فيه ، ويقول لأصحابه: «فق ِهوا إخوانكم[»886.]) وكان (ص) يسأل عمَّن ي ُعْرَف مِنْ شرفائهم ، فإذا رغبوا في الرَّحيل إلى بلادهم أوصاهم بلزوم الحق ِ ، وحثَّهم على الاعتصام بالصَّبر ، ثمَّ يجزيهم بالجوائز الحسان ، ويسو ِي بينهم ، فإذا رجعوا إلى أقوامهم؛ رجعوا هُداةً دعاةً ، مشرقةً قلوبهم بنور الإيمان ، يعل ِمونَّم ممَّا عُل ِموا ، وحلد ِثونَّم بما سمعوا ، ويذكرون لهم

عدد الصفحات ٢٠٩