الثاني: أنَّ الخالفين فس ِر بالمخالفين ، يقال: فلانٌ خالفه أهلُ بيته: إذا كان مخالفاً لهم ، وقومٌ خالفون ، أي: كثيرو الخلاف لغيرهم. الثالث: أنَّ الخالف هو الفاسد. قال الأصمعيُّ: يقال: خلف عن كل ِ خيرٍ ، يخلف ، خلوفاً: إذا فسد ، وخلف اللَّبنُ: إذا فسد. إذا عرفت هذه الوجوه الثَّلاثة؛ فلا شك: أنَّ اللَّفظ يصلح حمله على كل ِ واحدٍ منها؛ لأنَّ أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الص ِفات السَّيئة737.]) هذا وقد لاحظت اختلاف سياسة الرَّسول (ص) في معاملته للمنافقين عندما اعتذروا له عن المسلمين الصَّادقين؛ حيث إنَّه (ص) عامل المنافقين بالل ِين، والصَّفح، واختار للمسل مين الصَّادقين الش ِدَّة ، والعقوبة! ولا شكَّ: أنَّ الشدَّة ، والقسوة في هذا المقام مع المسلمين مظهرٌ للإكرام ، والتَّشريف ، وهو ما لا يستحقُّه المنافقون ، وكيف يستحقُّ المنافقون أن تنزل اياتٌ في توبتهم على أي ِ حال إنََّّم كفرةٌ ، ولن ي َنْشُلَهم شيءٌ ممَّ ا يتظاهرون به في الدُّنيا من الدَّرك الأسفل في النَّار يوم القيامة ، وقد أمر الشَّارع جلَّ جلاله أن ندعهم لما تظاهروا به ، ونجُري الأحكام الدُّنيوية حسب ظواهرهم ، ففيم التَّحقيق عن بواطن أعذارهم ، وحقيقة أقوالهم؟ وفيم معاقبتُهم في الدُّنيا على ما قد يصدر عنهم مِنْ كذبٍ؟! ونحن إنمَّا نعطيهم الظَّاهر فقط من المعاملة والأحكام ، كما يُبدون لنا هم أيضاً الظَّاهر فقط من أحوالهم ، وعقائدهم. قال ابن القي ِم: وهكذا يفعل الربُّ سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم ، فيؤد ِب عبده المؤمن الَّذي حلبُّه وهو كريمٌ عنده بأدنى زلَّة وهفوةٍ ، فلا يزال مستيقظاً حذراً ، وأمَّا مَنْ سقط من عين الله ، وهان عليه؛ فإنَّه يخَُل ِي بينه وبين معاصيه ، وكلَّما أحدث ذنباً؛ أحدث له نعمةً738.]) خامساً: مسجد ضرار في أثناء عودة النَّب (ص) إلى المدينة راجعاً من تبوك نزلت عليه الايات الاتية ضِرَارًا وَكُفْرًا وَت َفْرِيقًا ب َينَْ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ مِنْ ق َبْلُ وَلَيَحْلِفُ نَّ إِنْ أَرَدْناَ إِلاَّ الحُْسْنىَ وَاللََُّّ يَشْهَدُ إِن َّهُمْ لَكَاذِبُونَ *لاَ ت َقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُس ِسَ عَلَى الت َّقْوَى مِنْ أَوَّلِ ي َوْمٍ أَحَقُّ أَنْ ت َقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ حلُِبُّونَ أَنْ ي َتَطَهَّرُوا وَاللََُّّ حلُِبُّ الْمُطَّه ِرِينَ [107 108.] وسبب نزول هذه الايات الكريمات: أنَّه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله (ص) إليها رجلٌ من الخزر ، يقال له: أبو عامر الرَّاهب ، وكان قد تنصَّر في الجاهليَّة ، وقرأ علم أهل الكتاب ، وكان فيه عبادةٌ في
عدد الصفحات ١٧٨الجاهلية ، وله شرفٌ في الخزر كبيرٌ ، فلمَّا قدِم رسولُ الله (ص) مهاجراً إلى المدينة ، واجتمع المسلمون عليه ، وصار ت للإسلام كلمةٌ عاليةٌ ، وأظهرهم الله يوم بدر؛ شرق اللَّعين أبو عامرٍ بريقِه ، وبارز بالعداوة ، وظاهر بها ، وخر فار اً إلى كفَّار مكَّة من مشركي قريشٍ ، يمالئهم على حرب رسول الله (ص) فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام أحدٍ ، فكان من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم الله عزَّ وجل ، وكانت العاقبة للمتَّقين ، وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصَّفَّين فوقع في إحداهنَّ رسول الله (ص) ، وأصيب ذلك اليوم ، فجرح ، وكسرت رباعيَّته اليُمنى ، والسُّفلى ، وشُجَّ رأسه (ص) . وتقدَّم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار ، فخاطبهم ، واستمالهم إلى نصره وموافقته ، فلمَّا عرفوا كلامه؛ قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق! يا عدوَّ الله! ونالوا منه ، وسبُّوه ، فرجع وهو يقول: والله! لقد أصاب قومي بعدي شرٌّ ، وكان رسول الله (ص) قد دعاه إلى الله قبل فر اره ، وقرأ عليه القران ، فأبى أن يسلم ، وتمرَّد ، فدعا عليه رسول الله (ص) أن يموت بعيداً طريداً ، فنالته هذه الدَّعوة ، وذلك: أنَّه لما فرغ النَّاس من أحدٍ ، ورأى أمر الرَّسول (ص) في ارتفاع ، وظهورٍ؛ ذهب إلى هرقل ملك الرُّوم يستنصره على النَّب ِ (ص) ، فوعده ، ومنَّاه ، وأقام عنده ، وكتب إلى جماعةٍ من قومه من الأنصار من أهل الن ِفاق ، والرَّيب يعدهم ، ويمن ِيهم بجيشٍ يقاتل به رسول الله (ص) ، ويغلبه ، ويردُّه عمَّا هو فيه ، وأمرهم أن يتَّخذوا له معقلاً ي َقْدَمُ عليهم فيه مَنْ ي َقْدَم من عنده لأداء كتبه ، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك ، فشرعوا في بناء مسجدٍ مجاورٍ لمسجد قُباء ، فبنوه ، وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خرو رسول الله (ص) إلى تبوك وجاؤوا ، فسألوا رسول الله (ص) أن يأتي إليهم ، فيصل ِي في مسجدهم ليحتجُّوا بصلاته فيه على تقريره ، وإثباته ، وذكروا: أنََّّم بنوه للضُّعفاء منهم ، وأهل العلَّة في الليلة الشَّاتية ، فعصمه الله من الصَّلاة فيه ، فقال: «إناَّ على سفرٍ ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله »، فلمَّا قفل عليه السَّلام راجعاً إلى المدينة من تبوك ولم يبقَ بينه وبينها إلا يومٌ أو بعض يومٍ نزل عليه جبريل بخبر مسجد الض ِرار ، وما اعتمده بانوه من الكفر ، والتَّفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم ، ومسجد قُباء؛ الَّذي أسس من أوَّل يومٍ على التَّقوى ، فبعث رسول الله (ص) إلى ذلك المسجد مَنْ هدمه قبل مَقْدَمِهِ المدينة11/23) ، والبيهقي في الدلائل (5/262 ،263) ، وابن هشام4/173 ،174) ، وابن كثير في تفسيره 2/388]) ذكره ابن كثيرٍ في سبب النُّزول
عدد الصفحات ١٧٩أمَّا معنى الايات الكريمات أخبر الله سبحانه أنَّ الباعث لهم على بناء هذا المسجد أربعةُ أمور: 1 الض ِرار لغيرهم ، وهو المضارَّة 2 الكفر بالله ، والمباهاة لأهل الإسلام؛ لأنََّّم أرادوا ببنائه تقوية أهل الن ِفاق 3 التَّفريق بين المؤمنين؛ لأنََّّم أرادوا ألاَّ حلضروا مسجد قُباء ، فتقلَّ جماعة المسلمين ، وفي ذلك من اختلاف الكلمة ، وبطلان الأُلفة ما لا يخفى. 4 الإرصاد لمن حارب الله ورس ول ه ، أي: الإعداد لأجل مَنْ ح ارب الله ورسوله739.]) وق د خيَّب الله تعالى مسعاهم ، وأبطل كيدهم ، بأنْ أمر نبيَّ ه (ص) بهدم ه ، وإزالته وقوله: ذمٌّ لهم على أيمانَّم {وَاللََُّّ يَشْهَدُ إِن َّهُمْ لَكَاذِبُونَ ثمَّ نَّى الله تعالى رسوله والمؤمنين عن الصَّلاة في هذا المسجد نَّياً مؤكَّداً ، فقال سبحانه فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُس ِسَ عَلَى الت َّقْوَى مِنْ أَوَّلِ ي َوْمٍ أَحَقُّ أَنْ ت َقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ حلُِبُّونَ أَنْ ي َتَطَهَّرُوا وَاللََُّّ حلُِبُّ الْمُطَّه ِرِينَ قال ابن عاشور: وقوله (سبحانه): المراد بالقيام الصَّلاة؛ الصَّلاة فيه: أنَّ صلاة النَّب (ص) فيه تُكْسِبه يمُناً ، وبركةً فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزيَّ ةً عليه ، ولذلك أمر رسول الله (ص) عمَّار بن ياسر ، ومالك بن الدُّخشم مع بعض أصحابه ، وقال لهم: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظَّالم أهلُه؛ فاهدموه ، وحر ِقوه»ففعلوا740.]) وقوله: احتراسٌ ممَّا يستلزمه النَّهي عن الصَّلاة في ه؛ من إضاعة عبادة في الوقت الَّذي رغبوه للصَّلاة { الذي دعوه فيه للصَّلاة في مسجد الض ِرار أن يصل ِي في مسجده ، أو في مسجد قُباء ، لئلا يكون لامتناعه من الصَّلاة من حظوظ الشَّيطان أن يكون صرفُه عن صلاةٍ في وقت دعي للصَّلاة فيه ، وهذا أدبٌ نفسانيٌّ عظيمٌ741.]) وفيه أيضاً: دفعُ مكيدة المنافقين أن يطعنوا في الرَّسول (ص) ، بأنَّه دعي إلى الصَّلاة في مسجدهم ، فامتنع ، فقوله: وإن كان اسم تفضيل فهو مسلوب المفاضلة؛ لأنَّ النَّهي عن صلاته في مسجد الض ِرار أزال كونه حقيقاً بصلاته فيه
عدد الصفحات ١٨٠ولعلَّ نكتة الإتيان باسم التَّفضيل: أنَّه تهكُّمٌ على المنافقين؛ لمجازاتهم ظاهراً في دعوتهم النَّبَّ (ص) للصَّلاة فيه ، بأنَّه وإن كان حقيقاً بصلاته بمسجدٍ أُ س ِس على التَّقوى أحق منه ، فيعرف من وصفه بأنَّه : أنَّ هذا أُس ِس على ضِد ِها وقد رأى ابن عاشور: أنَّ المراد بالمسجد الَّذي أسس على التَّقوى: أنَّه مسجد هذا صفته ، لا مسجداً واحداً معيَّناً ، فيكون هذا الوصف كل ِي اً انحصر في فردين: المسجد النَّبويُّ ، ومسجد قُباء742.]) قوله تعالى: روى «يا معشر الأنصار! إنَّ الله تعالى قد أثنى عليكم في الطُّهور، فما طُهوركم؟» قالوا: نتوضأ للصَّلاة ، ونغتسل من الجنابة ، ونستنجي بالماء. قال: «فهو ذاك ، فعليكُمُوه»[ ماجه355.]) وفي قصة مسجد الض ِرار دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد؛ منها 1 الكفر ملةٌ واحدةٌ وقد تبينَّ هذا في موقف أبي عامرٍ الرَّاهب من الإسلام ، ومن المسلمين؛ إذ غضب غضباً شديداً ، وتألمَّ لهزيمة المشركين في بد رٍ ، فأعلن عداءه للرَّسول (ص) ، وتوجَّه إلى عاصمة الش ِرك انذاك مكَّة حلثُّ أهلها على قتال المسلمين ، وخر مقاتلاً معهم في أحدٍ ، وحاول تفتيت الصَّف ِ الإسلامي ِ 743]) وصدق الله تعالى عندما قال ت َفْعَلُوهُ تَكُنْ فِت ْنَةٌ فيِ الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ[73.] محاولة التَّدليس على المسلم حاول المنافقون أن يضفوا الشَّرعية على هذا البناء ، وأنَّه مسجدٌ بنوه لأسبابٍ مقنِعةٍ في الظَّاهر ، ولكن لا حقيقة لها في نفوس أصحابها ، فقد جاؤوا يطلبون من الرَّسول (ص) الصلاة في هذا البناء ليكون مسجداً قد باركه رسول الله (ص) بالصَّلاة فيه ، فإذا حدث هذا فقد استقرَّ قرارهم في تحقيق أهدافهم ، وهذا أسلوبٌ ماكرٌ خبيثٌ قد ينطلي على كثيرٍ من النَّاس 744.]) 3 فالله خيرٌ حافظاً ، وهو أرحم الرا إنَّ الباحث ليلاحظ مدى العناية الإلهيَّة بالنَّب ِ (ص) ، فقد أطلعه الله عزَّ وجلَّ على أسرار هؤلاء المنافقين ، وما أرادوه من تأسيس هذا المسجد ، فلولا إعلام الله لرسوله (ص) ؛ لما أدرك رسول الله حقيقة نواياهم ، ولصلَّى في البناء ، فأضفى عليه الشَّرعيَّة ، و أقبل النَّاس يصلُّون فيه؛ لأنَّ رسول الله
عدد الصفحات ١٨١(ص) صلَّى فيه ، وبذلك حلدث الاختلاط بين المنافقين ، وضعاف المسلمين ، فينفردون بهم ، وقد يؤث ِرون عليهم بالإشاعات745.]) 4 العلا النَّبويُّ الحاسم إنَّ ما قام به الرَّسول (ص) من الأمر بهدم مسجد الض ِرار هو التَّ صرُّف الأمثل ، وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ ، سنَّه لقادة الأمَّة في القضاء على أي ِ عملٍ يراد منه الإضرار بالمسلمين ، وتفريق كلمتهم ، فالدَّاء العُضَالُ لا يُعالََ بتسكينه ، والتخفيف منه ، وإنمَّا يعالَ بحسمه ، وإزالة اثاره؛ حتََّّ لا يتجدَّد ظهوره بصورةٍ أخرى ، وإنَّ الث ِمار العمليَّة الَّتي لمسها المسلمون على إثر تطبيق الأمر النَّبوي ِ الحازم لتدلُّنا على أنَّ هذه المنهجيَّة؛ التي نَّجها رسول الله (ص) مع هذا المكر الخبيث هي الطَّريقة المثلى لقمع حركة الن ِفاق في المجتمع المسلم ، فقد أصبح أمرُهم بعد ذلك يتلاشى شيئاً، فشيئاً ، حتََّّ لم يبقَ منهم بعد لحاق الرَّسول (ص) بالرَّفيق الأعلى إلا عددٌ قليل ، ولم يُعرف عنهم بعد تدمير مسجد الض ِرار أن قاموا بأعمالٍ تخدم الهدف نفسه؛ لعلمهم بنتائج العمل بعد انكشافهم 746.]) 5 ما يلحق بحكم مسجد الض ِرار ذكر المفس ِرون ما يُ لحق بمسجد الض ِرار في الحكم ، فهذه بعض أقوالهم: أ قال الزَّمخشري: «وقيل: كلُّ مسجد بُني مباهاةً ، أو رياءً ، وسمعةً ، أو لغرضٍ سوى ابتغاء وجه الله ، أو بمالٍ غير طي ِبٍ؛ فهو لاحقٌ بمسجد الض ِرار [»747.]) علق الدَّكتور عبد الكريم زيدان على قول الزشري ، فقال: ولكن: هل يلحق بمسجد الض ِرار ، فيهدم ، كما هدم مسجد الض ِرار الَّذي بناه المنافقون في المدينة ، وأمر النَّبُّ (ص) بهدمه؟ لا أرى ذلك ، وإنمَّا يمكن أن يقال: إنَّ المسجد الذي بني لهذه الأغراض يلحق بمسجد الضرار من جهة عدم ابتنائه على التَّقوى ، والإخلاص الكامل لله تعا748.]) ب قال القرطبُّ في تفسيره: قال علماؤنا: وكلُّ مسجدٍ بُني على ضرارٍ ، أو رياءٍ وسمُعةٍ ، فهو في حكم مسجد الض ِرار لا تجوز الصَّلاة فيه749.]) وقال سي ِد قطب في تفسيره: هذا المسجد مسجد الض ِرار الَّذي اتخُّذ على ع هد رسول الله (ص) مكيدةً للإسلام ، والمسلمين ، هذا المسجد ما يزال ي ُتَّخذ في صورٍ شتََّّ ، ي ُتَّخذ في صورة نشاطٍ ظاهره الإسلام ، وباطنه لسحق الإسلام ، أو تشويهه ، وت ُتَّخذ في صورة أوضاعٍ ترفع لافتة الد ِين عليها لِت َت َت َرَّس وراءها ، وهي ترمي هذا الد ِين ، و ت ُتَّخذ في صورة تشكيلاتٍ ، وتنظيماتٍ ، وكتبٍ ، وبحوثٍ
عدد الصفحات ١٨٢تتحدَّث عن الإسلام؛ لتُخَد ِر القلقين الَّذين يرون الإسلام يُذبح ، ويمُحق ، فتخد ِرهم هذه التَّشكيلات ، وتلك الكتب بما توحيه لهم من أنَّ الإسلام بخيرٍ ، وأنَّه لا داعي للخوف ، أو القلق عليه750.]) 6 قاعدة لمعرفة ما يلحق بمسجد الض ِرار قال الدَّكتور عبد الكريم زيدان: كلُّ ما ي ُتَّخِذ ممَّا هو في ظاهره مشروعٌ ، ويريد متَّخذوه تحقيق غرضٍ غير مشروعٍ ، فهو مُلْحَقٌ بمسجد الض ِرار؛ لأنَّه حلمل روحَه ، وعناصِرَه 751]) قلنا في هذه القاعدة: كلُّ ما كان ظاهره مشروعاً ويريد مُتَّخذوه الإضرار بالمؤمنين؛ فهو مُلْحَقٌ بمسجد الض ِرار752.]) وبناء على هذه القاعدة يخر من نطاق مسجد الض ِرار ، وما يلحق به ما ذكره الإمام ابن القي ِم من مشاهد الش ِرك ، ومن أماكن المعاصي ، والفسوق ، كالحانات ، وبي وت الخمر ، والمنكرات ، ونحو ذلك؛ لأنَّ هذه المنكرات ظاهرها غير مشروع فلا تلحق به؛ وإن استحقت الإزالة كمسجد الض ِرار ، باعتبارها منكراتٍ ظاهراً ، وباطناً 753.]) 7 مساجد الض ِرار في بلاد المسلم لا يزال أعداء الإسلام من المنافقين ، والملحدين ، والمبشرين ، والمستعمرين ، يقيمون أماكن باسم العبادة ، وما هي لها ، وإنمَّا المراد بها الطَّعن في الإسلام ، وتشكيك المسلمين في معتقداتهم ، وادابهم ، وكذلك يقيمون مدارس باسم الدَّرس ، والتَّعليم؛ ليتوصَّلوا بها إلى بث ِ سمومهم بين أبناء المسلمين ، وصرفهم عن دينهم ، و كذلك يقيمون المنتديات باسم الثَّقافة ، والغرض منها خلخلة العقيدة السَّليمة في القلوب ، والقيم الخلقيَّة في النُّفوس ، ومستشفيات باسم المحافظة على الصحَّة ، والخدمة الإنسانيَّة ، والغرض منها التأثير على المرضى ، والضعفاء ، وصرفهم عن دينهم ، وقد اتخَّذوا من البيئات الجاهلة ، والفقيرة ، لاسيَّما في بلاد إفريقية ذريعةً للتَّوصُّل إلى أغراضهم الدَّنيئة ، الَّتي لا يقرُّها عقلٌ ، ولا شرعٌ ، ولا قانونٌ754.]) إنَّ مسجد الض ِرار ليس حادثةً في المجتمع الإسلامي ِ الأوَّل ، وانقضت؛ بل هي فكرةٌ باقيةٌ ، يخَُطَّط لها باختيار الأهداف العميقة ، وتخُتار الوسائل الدَّقيقة لتنفيذها ، وخططها تصبُّ في التامر على الإسلام وأهله بالتَّشويه وقلب الحقائق ، والتَّشكيك ، وزرع بذور الفتن لإبعاد النَّاس عن دينهم ، وإشغالهم بما يضرُّهم ويدم ِر مصيرهم الأخروي755.]) * * *
عدد الصفحات ١٨٣المبحث الرَّابع قصَّة الثلاثة الذين خُل ِفوا وردت قصَّة الثَّلاثة الَّذين خل ِفوا على لسان كعب بن مالكٍ رضي الله عنه ، في كتب الس ِيرة ، والحديث ، والتفسير ، برواياتٍ متقاربةٍ في ألفاظها ، ولقيت عنايةً فائقةً في الشَّرح ، والتَّدريس وكان صحيح البُخاري ِ من أكثر الكتب دقَّةً ، وتفصيلاً لهذه القصَّة756.]) ونترك كعب بن مالك رضي الله عنه حلد ِثنا بنفسه ، حيث قال«لم أتخلَّف عن رسول الله (ص غزوةٍ غزاها إلا في غزوة ت َبُوك ، غير أني ِ كنت تخلَّفت في غزوة بدرٍ ، ولم يعاتبْ أحداً تخلَّفَ عنها ، إنمَّا خر رسول الله (ص) يريد عير قريش؛ حتََّّ جمع الله بينهم وبين عدو ِهم على غير ميعادٍ ، ولقد شهدتُ مع رسول الله (ص) ليلة العقبة 757]) وإن كانت بدرُ أذكرَ في النَّاس منه ا ، ك ان من خَبرَي أني ِ لم أكن ق طُّ أقو ى ، ولا أيسر حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزاة ، والله! ما اجتمعت عندي قَبلَه راحلتان قطُّ حتََّّ جمعتُهما في تلك الغزوة. ولم يكن رسول الله (ص) يريد غزوةً إلا ورَّى بغيرها ، حتََّّ كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله (ص) في حر ٍ شديدٍ ، واستقبل سفراً بعيداً ، ومفاز اً ، وعدو اً كثيراً ، فجلَّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهَّبوا أُهبةَ غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الَّذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله (ص) كثيرٌ ، ولا يجمعهم كتاب حافظٍ يريد الد ِيوان قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلا ظنَّ أن سيخفى له ، ما لم ينزل فيه وحيُ الله. وغزا رسول الله (ص) تلك الغزوة حين طابت الث ِمارُ ، والظ ِلالُ ، وتجهَّز رسول الله (ص) والمسلمون معه ، فطفقت أغدو؛ لكي أتجهَّزَ معهم ، فأرجعُ ، ولم أقض شيئاً ، فأقول في نفسي: أنا قادرٌ عليه. فلم يزل يتمادى بي؛ حتََّّ اشتد بالنَّاس الجِدُّ ، فأصبح رسول الله (ص) والمسلمون معه ، ولم أقضِ من جَهازي شيئاً ، فقلتُ: أتجهَّز بعده بيومٍ ، أو يومين ، ثمَّ ألحقُهم ، فغدوت بعد أن فَصَلوا؛ لأتجهَّزَ ، فرجعتُ ولم أقضِ شيئاً ، ثمَّ غدوت ، ثمَُّ رجعتُ ولم أقض شيئاً. فلم يزل بي حتََّّ أسرعوا وتفارط الغزو 758])تحل فأُدرِكَهُم وليتني فعلتُ
عدد الصفحات ١٨٤فلم يقدَّر لي ذلك ، فكنتُ إذا خرجتُ في النَّاس بعد خرو رسول الله (ص) فطفتُ فيهم أحزنني أني ِ لاأرى إلا رجلاً مغموصاً عليه الن ِفاق أو رجلاً ممَّن عذر الله من الضُّعفاء ، ولم يَذكرْني رسولُ الله (ص) حتَّ بلغ تبوك ، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: «ما فعل كعبٌ؟»فقال رجلٌ من بني سلمة رسول الله! حبسه بُرداه ، والنَّظر في عطفيه759]) رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيراً ، فسكت رسول الله (ص) ، فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مبي ِضاً [760])761]) خيثمة الأنصاريُّ ، وهو الَّذي تصدَّق بصاع التَّمر حين لمزه762]) قال كعب بن مالكٍ: فلمَّا بلغني: أنَّ رسول الله (ص) قد توجَّه قافلاً 763]) بث ِي(764]) ذي رأيٍ مِنْ أهلي. فلمَّا قيل لي: إنَّ رسولُ الله (ص) قد أظلَّ قادماً 765])766]) الباطل ، حتََّّ عرفت أني ِ لن أنجو منه بشيءٍ أبداً ، فأجمعت صِدْقَه 767]). وأصبح رسول الله (ص) قادماً ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فيركع فيه ركعتين ، ثمَّ جلس للنَّاس ، فلمَّا فعل ذلك جاءه المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه ، وحللفون له ، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً ، فقبل منهم رسولُ الله (ص) علانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته ، فلمَّا سلمت؛ تبسَّم تبسُّم المُغْضَب ، ثمَّ قال: «تعالَ»، فجئت أمشي حتََّّ جلست بين يديه ، فقال لي: «ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرَك؟»قال: قلت: يا رسول الله! إني ِ والله! لو جلست عند غيرك من أهل الدُّنيا؛ لرأيت أن سأخر من سَخَطِه بعذرٍ ، ولقد أُعطيت جدلاً768]) ترضى به عني ِ؛ ليوشكن 769]) فيه770])771]) عذر ، والله! ما كنت قطُّ أقوى ، ولا أَيْسَرَ مني ِ حين تخلَّفت عنك ، قال رسول الله (ص) : «أمَّا هذا؛ فقد صدق ، فقم حتََّّ يقضي فيك» فقمت ، وثار رجالٌ من بني سلمة ، فاتَّبعوني ، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا ، لقد عجزت ألا تكون اعتذر ت إلى رسول الله (ص) بما اعتذر به إليه المخلَّفون ، فقد كان كافيك ذنبَك
عدد الصفحات ١٨٥استغفارُ رسول الله (ص) لك ، قال: فوالله! ما زالوا يُؤن ِبون772]) الله (ص) ، فأُكذ ِبَ نفسي قال: ثمَّ قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان ، قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: مَنْ هما؟ قالوا: مُرَارةُ بن الرَّبيع العَمْريُّ ، وهلالُ بن أميَّة الواقفيُّ ، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شَهِدا بدراً ، فيهما أسوةٌ ، قال: فمضيت حين ذكروهما لي ، ونَّى رسول الله (ص) المسلم ين عن كلامنا نحن الثَّلاثة من بين مَنْ تخلَّف عنه. قال: فاجتَ نَ بَ نا النَّاس ، وقال: تغيرَّوا لنا حتََّّ تنكَّرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض الَّتي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليل ةً ، فأمَّا صاحب اي؛ فاستكا773]) أنا ، فكنت أشبَّ القوم ، وأجلَدَهم 774]) ، ولا يكل ِمني أحدٌ واتي رسول الله (ص) ، فأسل ِم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصَّلاة ، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه برد ِ السلام ، أم لا؟ ثمَّ أصل ِي قريباً منه ، وأسارقه النَّظر ، فإذا أقبلت على صلاتي؛ نظر إليَّ ، وإذا التفتُّ نحوه؛ أعرض عني ِ ، حتََّّ إذا طال عليَّ ذلك من جفوة المسلمين ، مشيت حتََّّ تسوَّرت جدار حائطِ أبي قتادة ، وهو ابن عم ِي ، وأحبُّ النَّاس إليَّ ، فسلَّمت عليه ، فوالله! ما ردَّ عليَّ السَّلام ، فقل ت له: يا أبا قتادة! أنشدُك775]) ورسوله؟ قال: فسكت ، فعدت ، فناشدته ، فسكت ، فعدت ، فناشدته ، فقال: اللهُ ورسوله أعلم ففاضت عيناي ، وتولَّيت حتََّّ تسوَّرت الجدار. فبينما أنا أمشي في سوق المدينة؛ إذا نبطي من نبط أهل الشَّ ام776]) بالمدينة ، يقول: مَنْ يدلُّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفق النَّاس يشيرون له إليَّ ، حتَّ جاءني فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسَّان ، وكنت كاتباً ، فقرأته فإذا فيه: أمَّا بعد؛ فإنَّه قد بلغنا أنَّ صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللهُ بدار هوانٍ ، ولا مَضْيَعة 777]) وهذا أيضاً من البلاء ، فتايممت778])779]) ليلةً من الخمسين واستلبث الوحي780])إنَّ رسول (ص) يأمرك أن تعتزل امرأتك! قال: فقلتُ: أطل ِقها ، أم ماذا أفعل؟ قال: لا ، بل اعْتَزِلهَْا ، فلا تقربنَّها ، قال: فأرسل إلى صاحبَّ بمثل هذا.
عدد الصفحات ١٨٦قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك ، فكوني عندهم؛ حتََّّ يقضي الله في هذا الأمر ، قال: فجاءت امرأةُ هلال بن أميَّة رسولَ الله (ص) فقالت له: يا رسول الله! إنَّ هلال بن أميَّة شيخٌ ضائعٌ ، ليس له خادمٌ ، فهل تكره أن أخدُمَه؟ قال: «لا ، ولكن لا يقربنَّك »فقالت: إنَّه والله! ما به حركةٌ إلى شيءٍ ، والله! ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله (ص) في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أميَّة أن تخدمه. قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسولَ الله (ص) ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله (ص) إذا استأذنتُه فيها ، وأنا رجلٌ شابٌّ ، قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ ، فكمُل لنا خمسون لي لةً على ظهر بيت من بيوتنا. فبينما أنا جالس على الحال الَّتي ذكر الله عزَّ وجل منَّا ، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت؛ سمعتُ صوت صارخٍ أوفَ على سَلَعٍ 781]) مالك! أبشر! قال: فخررت ساجداً ، وعرفت أن قد جاء فر ٌ. قال: فاذن782]) رسول الله (ص) توبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر ، فذهب النَّاس يبش ِروننا ، فذهب قِبَل صاحب مبش ِرون ، ورَكَض رجلٌ إليَّ فرساً ، وسعى ساعٍ مِنْ أسلم قِبَلِي ، وأوفَ الجبل ، فكان الصَّوت أسرع من الفرس ، فلمَّا جاءني الَّذي سمعت صو ته يبش ِرني ، نزعت له ثوبيَّ ، فكسوتهُما إياَّه ببشارته ، والله! ما أملك غيرهمَا يومئذٍ. واستعرتُ ثوبين ، فلبستهما ، فانطلقت أتأمَّم 783]) فوجاً784])دخلت المسجد ، فإذا رسول الله (ص) جالسٌ في المسجد ، وحوله النَّاس ، فقام طلحة بن عُب َيْد الله ي ُهَرْوِلُ حتََّّ صافحني ، وهنَّأني ، والله! ما قام رجلٌ من المهاجرين غيرهُ. قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلمَّا سلَّمت على رسول الله (ص) قال: وهو يَ بْ رُق وجهُه من السُّرور ، ويقول: «أبشرْ بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك »قال: قلتُ: أمن عندك رسول الله! أم من عند الله؟ فقال: «لا ، بل من عند»وكان رسول الله (ص) إذا سُرَّ استنار وجهُه حتَّ كأنَّه قطعةُ قمرٍ قال: وكنا نعرف ذلك. قال: فلمَّا جلست بين يديه؛ قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع785]) «أمسك بعضَ مالك ، فهو خير لك»قال: فقلت: فإني ِ أمسك سهمي الذي بخيبر ، قال: وقلت رسول الله! إنَّ الله إنمَّا أنجاني بالص ِدق ، وإنَّ من توبتي ألاَّ أُحد ِثَ إلا صدقاً ما بقيت. قال: فوالله! ما
عدد الصفحات ١٨٧علمت أنَّ أحداً من المسلمين أبلاه786]) إلى يومي هذا أحسن ممَّا أبلاني الله به ، وَوَالله! ما تعمَّدت كَذْبَ ةً منذ قلت ذلك لرسول الله (ص) إ يومي هذا ، وإني ِ لأرجو أن حلفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله عز وجلسَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ ب َعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ ق ُلُوبُ فَرِيقٍ مِن ْهُمْ ثمَُّ تاَبَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بهِِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُل ِفُوا حَتََّّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بمَِا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَن ْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَ أَ مِنَ اللََِّّ إِلاَّ إِلَيْهِ ثمَُّ تاَبَ عَلَيْهِمْ لِ ي َتُوبُوا إِنَّ اللَََّّ هُوَ الت َّوَّابُ الرَّحِيمُ *ياَأَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ات َّقُوا اللَََّّ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِ ينَ }* [117 119.] قال كعب رضي الله عنه: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمةٍ قطُّ ، بعد أنْ هداني للإسلام ، أعظم نفسي من صدقي رسول الله (ص) ألاَّ أكونَ كذب ْتُه ، فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، إنَّ الله قال للذين كذبوا الله حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحدٍ ، وقال لِت ُعْرِضُوا عَن ْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَن ْهُمْ إِ ن َّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بمَِا كَانُوا يَكْسِبُونَ *حلَْلِفُونَ لَكُمْ لِت َرْضَوْا عَن ْهُمْ فَإِنْ ت َرْضَوْا عَن ْهُمْ فَإِنَّ اللَََّّ لاَ ي َرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [95 96.] قال كعبٌ رضي الله عنه: كنَّا تخلفنا ن الثَّلاثة عن أمر أولئك الَّذين قبل منهم رسول الله (ص) حين حلفوا له ، فبايعهم ، واستغفر لهم ، وأرجأ رسولُ الله (ص) أمرَنا حتََّّ قضى الله فيه ، فبذلك قال الله عز وجل ا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَن ْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللََِّّ إِلاَّ إِلَيْهِ ثمَُّ تاَبَ عَلَيْهِمْ لِي َتُوبُوا إِنَّ اللَََّّ هُوَ ا لت َّوَّابُ الرَّحِيمُ [ 118]غَزْوَةِ ، وإنمَّا هو تخَْلِيفه إياَّنا ، وإرجاؤُه أمرَ787])4418) ، ومسلم2769.]) وفي هذه القصَّة دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائدُ كثيرةٌ ، نذكر منها 1 الأسلوب الجميل ، والبيان الرَّائع ، والأدب الرَّفيع لقد تمَّت صياغة ه ذا الحديث بأسلوبٍ جميلٍ ، وبيانٍ رائ عٍ ، وأدبٍ رفيعٍ ، وإنَّه ليُعتبر مع أمثال ه كحديث صلح الحديبي ة ، وحديث الإف ك نماذ َ عالي ةً للأدب العربي ِ الرَّفيع ، وليت القائمين على وضع المناهج الد ِراسيَّة يختارون هذه الأحاديث ، وأمثالها لتنمية مدارك الطُّلاَّب ، وتكوين الملكة الأدبيَّة ، والثروة اللُّغوية العالية ، انظر مثلاً إلى قول كعب في هذا الحديث: فلمَّا قيل: إنَّ رسول الله (ص) قد
عدد الصفحات ١٨٨أظلَّ قادماً؛ زاح عني ِ الباطل ، وعرفت أني ِ لن أخر منه أبداً بشيءٍ فيه كذبٌ ، فأجمعت صِدْقَه788.]) 2 الص ِدق سفينة النَّجاة: لقد أدرك كعبٌ ، وهلالُ ، ومُرَارةُ رضي الله عنهم خطورة الكذب ، فعزموا على سلوك طريق الصَّراحة ، والص ِدق ، وإنْ عرَّضهم ذلك للتَّعب ، والمضايقات ، ولكنْ كان أملُهم بالله تعالى كبيراً في أن يقبل توبت َهُم ، ثمَّ يعودون إلى الصَّف ِ الإسلامي ِ أقوى ممَّا كانوا عليه789]) توبته على كعبٍ وَمَنْ معه رضي الله عنهم بقوله تعا الصَّادِقِينَ[119.] 3 الهَجْر الترَّبويُّ ، وأثره في المجتمع إنَّ الهجر الترَّبويَّ له منافعُه العظيمة في تربية المجتمع المسلم على الاستقامة ، ومنع أفراده من التَّورُّط في المخالفات الَّتي تكون إمَّا بترك شيءٍ من الواجبات ، أو فعل شيءٍ من المحرَّمات؛ لأنَّ مَنْ توقَّع أنَّه إذا وقع في شيءٍ من ذلك سيكون مهجوراً من جميع أفراد المجتمع ، فإنَّه لا يفك ِر في الإقدام على ذلك. ولا يغيب عن البال أنَّ تطبيق هذا الحكم يجب أن يتمَّ في الظُّروف المشابهة لحياة المسلمين في العهد النَّبوي ِ المدني ِ ، حيث توجد الدَّولة المهيمنة ، والمجتمع القويُّ ، مع أمن الوقوع في الفتنة لمن طُب ِ ق عليه هذا الحكم. وهذا الهجر الترَّبويُّ يختلف عن الهجر الَّذي يكون بين المسلمين على أمور الدنيا ، فهذا دنيويٌّ ، وذاك دينيٌّ، فالهجر الد ِينيُّ مطلبٌ شرعيٌّ يث اب عليه فاعله ، أمَّا الهجر الدُّنيويُّ؛ فإنَّه مكروهٌ ، إلا إذا زاد عن ثلاثة أيام؛ فإنَّه يكون محرماً790])«لا حللُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ يلتقيان ، فيعرض هذا ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسَّلام »[6237) ، ومسلم (2560])«مَنْ هجر أخاه سنةً فهو كَسَفْكِ دَمِهِ »[4/220) ، وأبو داود (4915) ، والبيهقي في الاداب280) ، والحاكم4/163) ، والبخاري في الأدب المفرد (404.]) 4 تنفيذ المجتمع المسلم كل ِه لأوامر القيادة استجاب المجتمع المسلم كلُّه لتنفيذ أمر المقاطعة ، والهجر الَّذي صدر من القائد الأعلى (ص) ، وامتنعوا جميعاً عن الحديث مع هؤلاء الثلاثة ، ووصف كعبٌ لنا ذلك ، فقال: «فاجت َن َبَنا النَّاس ،
عدد الصفحات ١٨٩وتغيرَّوا لنا ، حتََّّ تنكَّرتْ في نفسي الأرضُ فما هي التي أعرف ، فأ مَّا صاحباي ، فاستكانا ، وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأمَّا أنا؛ فكنت أشَبَّ القوم ، وأجلدَهم ، فكنت أخر ، فأشهدُ الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ، ولا يكل ِمني أحدٌ...[»791.]) وقد أطلق كعب السَّلام على ابن عم ِه أبي قتادة ، فلم يردَّ عليه السَّلام ، وناشده بالله مراراً: هل تعلمني أحبُّ الله ، ورسولَه؟ فسكت ، مع أنَّه من أحب ِ النَّاس إليه ، لقد كان أبو قتادة في هذا الموقف موزَّعَ الفكر بين إجابة رجلٍ حبيب إليه ، عزيزٍ عليه ، وبين تنفيذ أمر النَّب ِ (ص) بتطبيق الهجر الترَّبوي ِ ، ولكن ليس هناك تردُّد بين الأمرين ، فالَّذي أوحى به إيمان أبي قتادة هو تنفيذ أمر النب ِ (ص) فظهر ذلك على سلوكه792.]) وقد بلغ الالتزام بالأمر النَّبوي ِ في الهجر الترَّبوي ِ ذروته حين أمر رسولُ الله (ص) الثلاثة الَّذين خُل ِفوا باعتزال زوجاتهم حتََّّ يقضي الله أمراً كان مفعولاً ، فالتزم الجميع بذلك ، واستأذنت زو هلال بن أميَّة وكان شيخاً طاعناً في الس ِن ِ لا يجد من يخدمه فطلبت من الرَّسول (ص) أن يأذن لها أن تخدمَ ه ، فأذن لها النَّبُّ (ص) بذلك شريطة ألا يقربها ، فالتزمتْ رضي الله عنها 793.]) 5 الولاء التَّامُّ لله ورسوله (ص): كان العدوُّ الصَّليبُّ يراقب ، ويرصد ، ويستغلُّ الفرصة السَّانحة لكي يمز ِق الجبهة الدَّاخلية، ويشعل نار الفتنة بين المسلمين، ليوهن البنيان ، ويقو ِض الأركان، ولذلك استغلَّ ملكُ غسَّان فرصة هجران المسلمين لكعب بن مالكٍ رضي الله عنه ، وعقوبة رسول الله (ص) له بأن يرسل سفيره لكعب برسالةٍ خاصَّةٍ منه إليه يُغريه فيها. تأمَّل قوله: قد بلغني أنَّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ، ولا مَضْي َعَة ، فالحَْقْ بنا ، نواسِك أيضاً! قد بلغ مني ِ ما وقعت فيه أن طمع فيَّ رجالٌ من أهل الش ِرك! ثمَّ أحرق الر ِسالة 794.]) وهذا الموقف يدلُّ على شدَّة ولاء كعبٍ لله ، ورسوله (ص) وقوَّة إيمانه ، وعظمة نفسه ، فقد أدرك أنََّّا محنةٌ جديدةٌ أقسى من الأولى ، فلا يرضيه أن يجيب ملك غسان بالسَّلب ، أو يرمي بالكتاب ، ويمز ِقه ، ولكنَّه رمى به في التَّنور ، ليصير رماداً ، ويصير كلُّ ما به دخاناً يتبدَّد في الهواء ، وخر الرَّجل من محنته ، وهو أقوى ما يكون إيماناً ، وأصفى ما يكون روحاً ، وأكرم ما يكون أخلاقاً ، فيا لعظمة هذه النُّفوس المؤمنة الكبيرة 795])د مرَّ كعبٌ من فوق هذا الاختبار ، والابتلاء عزيزاً ، قويا ً بإسلامه ، لم يتأثَّر به ، ولا انزلق فيه796.])
عدد الصفحات ١٩٠6 توبة الله على العبد قِيمَةٌ دينيَّةٌ يتطلَّع إليها الصَّادقون عندما نزلت الايات الكريمة الَّتي بيَّنت توبة الله على هؤلاء الثَّلاثة؛ كان ذلك اليوم من الأيام العظيمة عند المسلمين ، ظهرت فيه الفرحة على وجه رسول الله (ص) ؛ حتََّّ استنار كأنَّه قطعة قمرٍ ، وظهرت الفرحة على وجوه الصَّحابة رضي الله عنهم؛ حتََّّ صاروا يتلقَّون كعباً ، وصاحبيه أفواجاً ، يهن ِئونَّم بما تفضل الله به عليهم من التَّوبة ، وجاء كعبٌ إلى النَّب ِ (ص) ووجهه ي َب ْرُق من السُّرور ، فقال (ص) له: «أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك »وهذا يعني مقام التَّوبة ، وأنََّّا أعظم من الدُّخول في الإسلام. إنَّ التَّوبة تعني عودة العبد إلى الدُّخول تحت رضوان الله تعالى ال ذي هو أعلى هدفٍ ين شده المسلم ، وبالتَّالي فإنَّه حلظى بحفظه جلَّ وعلا في الدُّنيا ، وتكريمه في الاخرة ، لقد كانت توبة كعبٍ عظيمةً ، عبرَّ عنها بنزع ثوبيه اللَّذين لا يملك يومئذٍ غيرهما وإهدائهما لِمَنْ بشَّره 797]) كعبٍ لطلحة بن عبيد الله مصافحته ، وتهنئته له798]) أنَّ كعباً رضي الله عنه لم يذكر في هذا الخبر إلا ما جرى له 799]) وكان الَّذي بشَّر هلال بن أميَّة بتوبته سعيدُ بن زيدٍ ، قال: وخرجت إلى بني واقفٍ ، فبشرته ، فسجد ، قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتََّّ تخر ن َفْسُه 800.]) 7 تشرع أنواعٌ من العبادات شكراً لله عند الن ِعمة كانت فرحة كعب بن مالكٍ بتوبة الله سبحانه وتعالى عليه لا تحدُّها حدودٌ ، ولا تصو ِرها مثل ، وقد تفنَّن هو رضي الله عنه في التَّعبير عنها بجملةٍ من العبادات ، منها: أ سجود الشُّكر: حينما سمع كعبٌ البشارة بتوبة الله عليه؛ خرَّ ساجداً من فوره شكراً لله تبارك وتعالى فقد كان من عادة الصَّحابة رضي الله عنهم أن يسجدوا شكراً لله تعالى كلَّما تجدَّدت لهم نعمةٌ، أو انصرفت عنهم نِقْمَةٌ، وقد تعلَّموا ذلك من رسول الله (ص801. ]) ب مكافأة الَّذي حلمل البُشرى فقد نزع كعب ثوبيه اللَّذين كان يلبَسُهما ، فكساهما الَّذي سمع صوته بالبشرى ، وما كان يملك وقتئذٍ غيرهما ، ثمَّ استعار ثوبين ، فلبسهما ، ولاشكَّ أنَّ هذا ضربٌ من الهبة المشروعة ، فإن كان المبش ِر غني اً
عدد الصفحات ١٩١، كان له هديةً ، وإن كان فقيراً؛ كان له صدقةً ، وكلاهما إخرا المال شكراً لله تعالى على إنزاله الفر802.]) التَّصدُّق بالمال فقد جعل كعبٌ رضي الله عنه من توبته أن ينخلع من ماله صدقةً لله تعالى ، لكنَّه (ص) وجَّهه إلى عدم التَّصدُّق بجميع ماله ، وقال له: «أمسك عليك بعض مالك ، فهو خيرٌ لك»، وكأنَّه يستشيره بذلك ، فكانت المشورة بإمساك بعض ماله 803]) بجميع ماله ، والصَّدقة مستحبَّة ، والنَّذر واجبُ الوفاء ، ولم يذهب كعب إلى النَّذر ، وإنمَّا استشار الصَّدقة بكل ِ المال ، فأشار رسول الله (ص) عليه بإمساك بعض ماله. * * * المبحث الخامس دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد أولاً: معالمُ من المنهج القراني ِ في الحديث عن غزوة تبوك:
عدد الصفحات ١٩٢إنَّ الايات الَّتي أنزلها الله في كتابه المتعل ِقة بغزوة العُسْرَة هي أطول ما نزل في قتالٍ بين المسلمين ، وخصومهم ، وقد بدأت باستنهاض الهمم لرد ِ هجوم المسيحيَّة ، وإشعارهم بأنَّ الله لا يقبل ذرَّة تفريطٍ في حماية دينه ، ونصرة نبي ِه (ص) ، وإنَّ التراجع أمام الصُّعوبات الحائلة دون قتال الرُّوم يعتبر مزلقةً إلى الردَّة والن ِفاق804]) اثاَّق َلْتُمْ إِلىَ الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ باِلحَْيَاةِ الدُّن ْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَْيَاةِ الدُّن ْيَا فيِ الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ *إِلاَّ ت َنْفِرُوا ي ُعَذ ِبْكُمْ عَذَاباً أَلِيمًا وَيَسْت َبْدِلْ ق َوْمًا غَي ْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَي ْئًا وَاللََُّّ عَلَى كُل ِ شَيْءٍ قَدِي رٌ[38 39.] وعند التَّأمُّل في سورة التَّوبة يلاحظ القارأى: أنَّ لها معالمَ في عرضها لغزوة تبوك ، منها: 1 عاتب القران الكريم مَنْ تخلَّف عتاباً شديداً ، وتميَّزت غزوة تبوك عن سائر الغزوات بأنَّ الله حث على الخرو فيها ، وعاتب مَنْ تخلَّف عنها ، والايات الكريمة جاءت بذلك كقول ه تعا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بأَِمْوَالِكُمْ وَأَن ْفُسِكُمْ فيِ سَبِيلِ اللََِّّ ذَلِكُمْ خَي ْرٌ لَكُمْ إِنْ كُن ْتُمْ ت َعْلَ مُونَ[ 41.] وقد خُتِمَتِ الغزوات النَّبويَّةُ بهذه الغزوة ، وقد كان تطبيقاً عملي اً لوضع النَّص ِ ا لقراني في قوله تعالى: {ياَ أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ ي َلُونَكُم م ِنَ الْكُفَّارِ }... 2 ميَّز القران الكريم هذه الغزوة عن غيرها ، فسمَّاها الله تعالى ساعة العسرة ، قال تعا اللََُّّ عَلَى النَّبِ ِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ ات َّب َعُوهُ فيِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ الكلمة. 3 من معالم منهج القران في عرضه لهذه الغزوة العظيمة: أنَّ الله ردَّ على المنافقين لَمْزَهُمْ فقراء الصَّحابة عندما جاء أحدُهم بنصف صاعٍ ، وتصدَّق به ، فقالوا: إن الله لغنيٌّ عن صدقة هذا ، وما فعل هذا إلا رياءً ، فنزلت الايةلاَّ جُهْدَهُمْ ف َيَسْخَرُونَ مِن ْهُمْ سَخِرَ اللََُّّ مِن ْهُ مْ وَلهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[79.] 4 بينَّ القران الكريم: أنَّ المؤمنين الَّذين خرجوا مع رسول الله (ص) وعددُهم يزيد عن الثَّلاثين ألفاً قد كتب الله لهم الأجر العظيم 805])بأَِمْوَالهِِمْ وَأَن ْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لهَُمُ الخَْي ْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [88{ .]
عدد الصفحات ١٩٣