ومضى الزَّمان ، وجاء عصر عثمان ، ثمَّ حدثت بعض الأمور وسُير َِ أبو ذر ٍإلى الرَّبذَة فلمَّا حضره الموت ، أوصى امرأته ، وغلامه: إذا متُّ فاغسلاني ، وكف ِناني ، ثمَّ احملاني ، فضعاني على قارعة الطَّريق ، فأوَّل ركبٍ يمرُّون بكم؛ فقولوا: هذا أبو ذر ٍ! فلمَّا مات؛ فعلوا به كذلك ، فطلع ركبٌ ، فما علموا به؛ حتََّّ كادت ركائبهم تطأ س ريره ، فإذا ابن مسعودٍ في رهطٍ من أهل الكوفة ، فقال: ما هذا؟ فقيل: جِنازة أبي ذر ٍ ، فاستهل ابن مسعودٍ يبكي ، فقال: صدق رسول الله (ص) : «يرحم الله أبا ذر ٍ يمشي وحدَه ، ويموت وحدَه ، ويُبعث وحدَه»فنزل ، فوليه بنفسه حتََّّ دفنه 3/50 51) ، والطبر ي في تاريخه (3/145) ، والبيهقي في الدلائل5/221 222([])662.]) وفي هذه القصَّة دروسٌ ، وعبرٌ؛ منها 1 ما تعرَّض له أبو ذر ٍ الغفاريُّ رضي الله عنه من الصُّعوبات ، والمخاطر ، الَّتي نجَّاه الله منها ، وقوَّاه بالصَّبر عليها ، لقد بذل أبو ذر ٍ جهداً كبيراً في المشي على قدميه ، وهو حلمل متاعه على ظهره ، حتََّّ لحق بالنَّب ِ (ص) والمسلمين؛ لكي ينال شرف الجهاد في سبيل663.]) 2 وفي قوله (ص«رحم الله أبا ذر! يمشي وحدَه ، ويموت وحدَه ، ويبعث وحدَه»دلالةٌ واضحةٌ وضوح الشَّمس في رائعة النَّهار على صدق نبوَّة الرَّسول (ص) ؛ إذ الإخبار بأمورٍ لم تقع ، ثمَّ تقع بعد الإخبار يدلُّ على معجزةٍ ، وتكريمٍ من الله لهذا الرَّسول (ص) وهذه الوسيلة من إثبات النُّبوَّة كثيرةٌ في الس ِيرة النَّبويَّة الشَّريفةِ 664.]) 3 كما أنَّ في القصَّة دلالةٌ على علم ابن مسعودٍ رضي الله عنه ، وقوَّة ذاكرته ، وسرعة استحضاره لما حفِظ؛ حيث تذكَّر بعد سنواتٍ عديدةٍ حديث رسول الله (ص) عمَّا سيؤول إليه أمر أبي ذر ٍ في اخر حياته رضي الله عنه 665.]) ثانياً: قصة أبي خيثمة قال ابن إسحاق: ... ثمَّ إنَّ أبا خَي ْثَمَة رجع بعد أن سار رسولُ الله (ص) أياماً إلى أهل ه في يوم حار ٍ ، فوجد امرأتين ل ه في عريشين لهما في حائط ه 666]) فيه ماءً ، وهيَّأت له فيه طعاماً ، فلمَّا دخل؛ قام على باب العريش ، فنظر إلى امرأتيه، وما صنعتا له، فقال: رسول الله (ص) في الض ِح ِ667])
عدد الصفحات ١٦٢باردٍ ، وطعامٍ مُهيَّأ ، وامرأةٍ حسناء ، في مال ه مقيمٌ ، ما ه ذا بالنَّصَف! ث مَّ قال: والله ! لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتََّّ ألحق برسول الله (ص) ، فهي ِئا لي زاداً ، ففعلتا ، ثمَّ قدَّم ناضحه668]) ، ثمَّ خر في طلب رسول الله (ص) حتََّّ أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهبٍ الجُمحيُّ في الطَّريق ، يطلب رسول الله (ص) ، فترافقا ، حتََّّ إذا دنوا من تبوك ، قال أبو خيثمة لعمير ب ن وهبٍ: إنَّ لي ذنباً ، فلا عليك أن تخََلَّف عني ِ ، حتََّّ اتيَ رسول الله (ص) ! ففعل حتََّّ إذا دنا من رسول الله (ص) وهو نازلٌ بتبوك ، قال النَّ اس: هذا راكبٌ على الطَّريق مقبلٌ ، فقال رسول الله (ص) : «كن أبا خيثمة»، فقالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثمة! فلمَّا أناخ ، أقبل فسلَّم على رسول الله (ص) ، فقال له رسول الله (ص) : «أولى لك يا أ خيثمة669 »! ])ثمَّ أخب ر رسولَ الله (ص) الخبر ، فقال ل ه رسول الله (ص) خيراً ، ودعا له بخيرٍ [5419) ، والبيهقي في الدلائل 5/222 223) ، والمجمع 6/192 193([])670. ]) قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك شعراً ، واسمه: مالكُ بن قيسٍ: لمَّا رأيتُ الناسَ في الد ِيْنِ ناف َقُوا أَت َيْتُ الَّتيِ كانَتْ أَعَفَّ وأَكْرمَا وباَي َعْتُ باليُمْنىَ يَدِي لِمُحمَّدِ ف َلَمْ أَكْتَسِبْ إِثمَْاً وَلمَْ أَغْشَ محَْرَمَا ت َرَكْتُ خَضِيْباً 671)]672]) صَفَاياَ673]) تحََمَّمَا674]) وَكُنْتُ إِذَا شَكَّ المُنَافِقُ أَسمَْحَتْ 675]) إِلىَ الد ِيْنِ ن َفْسِي شَطْرَهُ حَيْثَ يمََّمَا 676]) وفي هذه القصَّة دروسٌ ، وعبرٌ ، منها 1 المسلم صاحبضميرٍ حي ٍ: فقد رأى أبو خيثمة رضي الله عنه ما أعدَّت له زوجتاه من الماء البارد ، والطَّعام مع الظ ِل ِ المبرَّد ، والإقامة ، فتذكر رسولَ الله (ص) وما هو فيه من التَّعرُّض للشَّمس ، والر ِيح ، والحر ِ؛ فأبصر ، وتذكَّر ، وتيقَّظ ضميره ، وحاسب نفسه ، ثمَّ عزم على الخرو ، وخر وحدَه يقطع الفيافي ، والقفار حتََّّ التقى بعمير بن وهب الجمحي ِ ، ولعلَّه كان قادماً من مكة ، فهذه الصُّورة تبين ِ لنا مثلاً من سلوك المتَّقين الَّذين تمرُّ عليهم لحظات ضعفٍ ، يعودون بعدها أقوى إيماناً ممَّا كانوا عليه ، إذا
عدد الصفحات ١٦٣تذكَّروا وراجعوا أنفسهم ، وفي بيان ذلك يقول الله تبارك وتعا مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ[201.] وقد تذكَّر سريعاً ، وخر لعلَّه يدرك ما فاته ، وظلَّ يشعر بالذَّنب ، حتََّّ وص ل إلى النَّب ِ (ص) في تبوك ، وحصل على رضاه ، وسرورِه677.]) 2 معرفة الرَّسول (ص) بأصحابه ، وبمعادنَّم إنَّ قول الرَّسول (ص) حينما قال له أصحابه: هذا راكبٌ على الطَّريق مقبلٌ: «كن أبا خيثمة»فلمَّا اقترب ، وعرفوه ، قالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثم ة! يدلُّ على معرفة رسول الله (ص) بأصحابه ، وأنَّه أعرفُهم بمعادن رجاله ، يعرف المستجيب من غيره ، ويعرف التَّائب النَّائب إلى رب ِه إذا زل قدمُه بسرعة رجوعه ، ومعرفةُ خصال الر ِجال ومعادِنَّم تدلُّ على معرفةٍ واسعةٍ ، وخبرةٍ مستوعبةٍ فاحصةٍ ، نتيجة التَّعامل ، والاحتكاك في ميادين الحياة المختلفة ، فقد كان يخالط الجميع يسمع منهم ، ويُسمعهم ، ويسيرون معه ، ويجُاهدون تحت رايته 678.]) 3 حزم أبي خيثمة ، وصبره ، ونفاذ عزيمته تأمَّل هذا القرار الَّذي اتخذه أبو خيثمة رضي الله عنه أن يلحق برسول الله (ص) وحدَه ، في هذه الر ِحلة المُضْنِيَة ، في هذه الصَّحراء قليلة الماء ذات الحر ِ اللافح ، لقد اتخَّذ هذا القرار الحازم ، ونفَّذه بدقَّةٍ ، فدلَّ على قوَّة عزيمته ، وعنفوان إرادته ، وعلى جلده ، وصبره 679.]) 4 عِتَابُ القائد للجندي ِ له أثره وصل أبو خيثمة معترفاً بذنبه ، يطرح السَّلام على رسول الله (ص) ، فعاتبه (ص) معاتبةً تحمل في طيَّاتها اللَّوم ، والتَّأنيب ، والتَّهديد؛ إذ قال له رسول الله (ص) : «أولى لك ي ا أب ا خيثمة»فهي كلم ةٌ فيها معنى التَّهديد ، ومعناها: دنوتَ من الهلكة. إنَّه ممَّا لاشكَّ فيه: أنَّ هذا ال كلام كان له وقعه في نفس الجندي ِ؛ إذ أوقفه على حقيقة ما ارتكب من الذَّنب. وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ في تعليم القادة عدم السُّكوت على أخطاء الجنود؛ لأنَّ ذلك يضرُّهم ، ويُلحِق الضَّرر بغيرهم ، بل عليهم أن يسعوا إلى تصويب الخطأ ، ومحاسبة مرتكبه ، وتقويمه ، وبذلك يكونون معل ِمين ، ومرشدين ، ومرب ِ680.]) ثالثاً: الوصول إلى تبوك
عدد الصفحات ١٦٤عندما وصل النَّبُّ (ص) لم يجد أثراً للحشود الرُّومانية ، ولا القبائل العربيَّة ، وبالرَّغم من أنَّ الجيش مكث عشرين ليلةً في تبوك ، لم تفك ِر القيادة الرُّومانيَّة مطلقاً في الدُّخول مع المسلمين في قتالٍ ، حتََّّ القبائل العربيَّة المتنص ِرة اثرت السُّكون ، أمَّا حكام المدن في أطراف الشَّام ، فقد اثروا الصُّلح، ودفع الجزية ، فقد أرسل ملك أيلة للنَّب ِ (ص) هديةً ، وهي بغلةٌ بيضاء ، وبُرد ، فصالحه على الجزية ، وأرسل خالدَ بن الوليد رضي الله عنه على رأس سريَّةٍ من الفرسان ، بلغ عددها أربعمئةٍ وعشرين فارساً إلى دومة الجندل ، واستطاع خالد بن الوليد أن يأسر أُكْيدِرَ بن عبد الملك الكنديَّ ملكَها وهو في الصَّيْدِ خارجها681])682])من قَباء كان أُكَيْدِرُ يلبَسُه ، فقال الرَّسول (ص) : «أتعجبون من هذا؟ فوالَّذي نفسي بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنَّة أحسن مِنْ هذا»[3802) ، ومسلم2468/126([])683.]) وقد ورد أنَّ غنائم خالد من أُكَيْدِرَ كانت ثمانمئةٍ من السَّب ، وألفَ بعيرٍ ، وأربعمئة درعٍ، وأربعمئة رمحٍ684]) على الجزية 685.]) وكتب رسول الله (ص) معاهداتٍ لكل ٍ من أهل جرباء، وأذرح 686])687]) يؤد ِي بموجبها هؤلاء النَّاس من نصارى العرب الجزية كلَّ عامٍ ، وتخضع لسلطان المسلمين ، لقد انفرد رسول الله (ص) بالإمارات الواقعة في شمال الجزيرة ، وعقد معها معاهداتٍ ، وبذلك أمن حدود الدَّولة الإسلاميَّة الشَّمالية688.]) وبهذه المعاهدات قصَّ (ص) أجنحة الرُّوم ، فقد كانت هذه القبائل تابعةً للرُّوم ، ودخلوا في النَّصرانية ، فإقدام من أقدم منها على مصالحة رسول الله ، والتزامها بالجزية يعتبر قصَّاً لهذه الأجنحة ، وبتراً لحبال تبعيَّتهم للرُّوم ، وتحريراً لها من هذه التَّبعيَّة؛ الَّتي كانت تذلهُّم ، وتخضعهم لسلطان الرُّوم لينالوا مِنْ تساقط فتاتهم شيئاً يعيشون به ، وخوفاً من ظلمهم لقوَّتهم الباطشة ، وقد وَفَوا بعهد الصُّلح ، والتزموا أداء الجزية ، فأعطوها عن يد وهم صاغرون 689.]) وهذه سياسةٌ نبويَّةٌ حكيمةٌ اختطَّها رسولُ الله (ص) في بناء الدَّولة ، ودعوة النَّاس لدين الله ، فقد استطاع أن يفصل بين المسلمين وبين الرُّوم بإماراتٍ تدين للرَّسول (ص) بالطَّاعة ، وتخضع لحكم المسلمين ، وأصبحت في زمن الخلفاء الرَّاشدين نقاط ارتك ازٍ ، سهَّ لت مهمة الفتح الإسلامي ِ في
عدد الصفحات ١٦٥عهدهم ، فمنها انطلقت قوَّات المسلمين إلى الشَّمال ، وعليها ارتكزت لتحقيق هدفها العظيم690.]) رابعاً: وصايا رسول الله (ص) للجيش عند مروره بحِجْر ثمود قال أبو كبشة الأنصاريُّ رضي الله عنه: لمَّا كان في غزوة تبوك تسارع النَّاس إلى أهل الحِجْرِ يدخلون عليهم ، فبلغ ذلك رسول الله (ص) ، فنادى في النَّاس: «الصلاة جامعة»قال: فأتيت رسول (ص) وهو ممسكٌ بعيره ، وهو يقول: «ما تدخلون على قومٍ غضب الله عليهم »فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله! قال: «أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ رجل م ن أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم ، فاستقيموا وسد ِدوا ، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يعبأ بعذابكم شيئاً ، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً »[4/231) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (6/194([])691.]) وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إنَّ الناس نزلوا مع رسول الله (ص) أرض ثمودٍ الحجر ، واستقوا من بئرها ، واعتجنوا به ، فأمرهم رسول الله (ص) أن يهريقوا ما استقوا من بئرها ، وأن يعلفوا الإبلَ العجينَ ، وأمرهم أن يستقوا من البئر الَّتي كانت تردها النَّاقة ، وقال رسول الله (ص) : «لا تدخلوا مساكن الَّذين ظلموا أنفسهم ، إلا أن تكونوا باكين؛ حذراً أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم»ثمَّ زجر692]) فأسرع حتََّّ خلَّفها 3380) ، ومسلم2980/39.]) وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ في توجيه رسول الله (ص) صحابته إلى الاعتبار بديار ثمود ، وأن يتذكَّروا بها غضبَ الله عل ى الَّذين كذَّبوا رسوله ، وألا يغفُلوا عن مواطن العظة برسومها الدَّارسة ، وأطلالها القديمة ، ونَّاهم عن الانتفاع بشيءٍ ممَّا في ربوعها ، حتََّّ الماء؛ لكيلا تفوت بذلك العبرة ، وتخف الموعظة ، بل أمرهم بالبكاء ، والتَّباكي ، تحقيقاً للتأثُّر بعذاب الله ، ولو أنََّّم مرُّو بها كما نمرُّ نحن باثار السَّابقين؛ لتعرَّضوا لسخط الله ، فإن الغابرين شهدوا المعجزات ، ودلائل النُّبوَّات ، وعاينوا العجائب ، لكن قست قلوبهُم ، فاستهانوا بها ، وحقَّ عليهم العذاب ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون من نقمة الله وغضبه. إن الله عزَّ وجلَّ ما قصَّ علينا من أنباء الأمم الخالية إلا لكي نأخذ منها العظة والاعتبار ، فإذا شهدنا بأعيننا ديارهم ، الَّتي نزل فيها سخط المولى عزَّ وجلَّ وعذابه الأليم؛ وجب أن تكون الموعظة أشدَّ ، والاعتبار أعمقَ ، والخوف من سخط المولى سبحانه أبلغَ ؛ و لهذا تسجَّى النَّبُّ صلوات الله
عدد الصفحات ١٦٦وسلامُ ه عليه بثوبه لمَّا مر بالد ِيار الملعونة المسخوطة ، واستحث خطا راحلته 693]) لأصحابه«لا تدخلوا بي وت الَّذين ظلم وا أنفسهم إلا وأنتم باكون ؛ خوف اً أن يصيبكم ما أصابهم» [ خامساً: وفاة الصحا عبد الله (ذو البجادين694]) قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قمت من جوف اللَّيل ، وأنا مع رسول الله (ص) في غزوة تبوك ، قال: فرأيت شعلةً من نارٍ في ناحية العسكر ، قال: فاتَّبعتها أنظر إليها ، فإذا رسول الله (ص) وأبو بكر ، وعمر ، وإذا عبد الله ذو البجادين المُزنيُّ قد مات ، وإذا هم قد حفروا له ، ورسول الله (ص) في حضرته ، وأبو بكر ، وعمر يُدَل ِيانه إليه ، وهو يقول: «أدْنِيَا إليَّ أخاكما»، فدلَّياه إليه ، فلمَّا هيَّأه لِشِق ِه ، قال: «اللَّهمَّ ! إني ِ أمسيت راضياً عنه ، فارض عنه »قال(الرَّاوي عن ابن مسعود) قال عبدُ الله بن مسعودٍ: يا ليتني كنت صاحب الحفرة2736) ، وأبو نعيم في الدلائل2/524 526) ، ومجمع الزوائد9/369([])695.]) قال ابن هشام: وإنما سمُ ِي ذا البجَادين؛ لأنَّه كان ينازع إلى الإسلام ، فيمنعه قومه من ذلك ، ويضي ِقون عليه ، حتََّّ تركوه في بجَِادٍ ، ليس عليه غيره فهرب منهم إلى رسول الله (ص) ، فلمَّا كان قريباً منه ، شقَّ بجاده باثنين ، فاتَّزر بواحدٍ ، واشتمل بالاخر ، ثمَّ أتى رسول الله (ص) فقيل له: ذو البِجادَين لذلك696.]) وفي هذه القصَّة دروسٌ ، وحكمٌ ، وفوائد؛ منها: 1 تكريم النَّب ِ (ص) لجنوده أحياء وأمواتاً فهذا الفعل مع ذي البجادين يدل على حرص النَّب (ص) على تكريم أصحابه حتَّ في حالة الوفاة؛ لأنََّّم قدَّموا أنفسهم للجهاد في سبيل الله ، تاركين وراءهم أعزَّ ما يملكون ، فكانت تلك الر ِعاية مظهراً من مظاهر تكريمهم في الدُّنيا ، حيث لم يترك جثثهم تتناوشها الذ ِئاب وغيرها من دواب ِ الأرض ، لكي يكون هذا التَّكريم من الأسباب الَّتي تدفع غيرهم إلى الاستبسال ، والإقدام في ميادين الجهاد. ومن الجدير بالذ ِكر: أنَّ هذا المبدأ لم يجد مَنْ يدعو إلى تطبيقه إلاَّ في الع صر الحديث ، وبهذا يمكن أن يقال: إنَّ رعاية القائد المسلم لشؤون جنده تعدُّ سبقاً عسكرياً لم تعرفه النُّظم والدَّساتير الوضعيَّة إلا بعد قرونٍ طويلةٍ مِنْ بزوغ الإسلام697.])
عدد الصفحات ١٦٧فهذه صورة من البر ِ ، والتَّكريم فريدةٌ يتيمةٌ ، لن تجد في تاريخ الملوك والحكَّاممن يبرُّ ، ويتواضع إلى هذا المستوى ، إلى حيث يوس ِد الحاكم فرداً من رعيته بيده في مثواه الأخير ، ثمَّ يلتمس له المرضاة من رب ِ العالمين ، أمَّا هو فقد أعلن: أنَّه أمسى راضياً عنه698.]) 2 جواز الدفن في اللَّيل ، والغبطة مشروعةٌ في ا فقد دفن رسول الله (ص) ذا البجادين لي لاً ، والسُّنَّ ةُ أن ي ُعَجَّل في دفن الميت ، كما أنَّ الغبطة مشروعةٌ في الخير ، وهي أن تتمنىَّ حصول الخير لك ، كما حصل لغيرك من إخوانك ، وهذا عكس الحسد؛ إذ الحسد؛ تمني ِ زوال الن ِعمة عن غيرك ، والحسد كلُّه شرٌّ كما ترى ، أمَّا الغبط ة؛ فلا تكون إلا في ا699]) ذي البجادين«اللَّهُمَّ إني ِ أمسيت عنه راضياً ، فارضَ عنه »فقال ابن مسعود رضي الله عنه: يا ليت كنت صاحب اللَّحد700]) كلمةُ كل ِ مؤمنٍ امن بالله ، واليوم الاخر ، ووقف موقفه ذاك؛ فقد عرفوا أين تكون ميادين التَّنافس701.]) سادساً: بعض المعجزات الَّتي حدثت في الغزوة ظهرت في غزوة تبوك معجزاتٌ؛ منها: 1 اللهُ تعالى يرسل السَّحاب لدعاء نبي ِه بالسُّقيا لمَّا جاز النَّبُّ (ص) حِجْرَ ثمود ، أصبح النَّاس ولا ماء لهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله (ص) ، فدعا رسول الله (ص) ربه ، واستسقى لمن مع ه من المسلمين ، فأرسل الله سبحانه وتعالى سحابةً ، فأمطرت حتََّّ ارتوى النَّاس ، واحتملوا حاجتهم من الماء ، فتحدَّث ابن إسحاق عمَّن قال لمح مود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون الن ِفاق فيهم؟ قال: نعم والله! إن كان الرَّجل ليعرفه من أخيه ، ومن أبيه ، ومن عم ِه ، وفي عشيرته ، ثم ي َلْبَسُ بعضُهم بعضاً على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجالٌ من قومي ، عن رجلٍ من المنافقين معروف نفاقُه ، كان يسير مع رسول الله (ص) حيث سار ، فلمَّا كان من أمر النَّاس بالحِجْرِ ما كان ، ودعا رسول الله (ص) حين دعا ، فأرسل الله السَّحابة ، فأمطرت حتَّ ارتوى النَّاس ، قالوا: أقبلنا عليه نقول: وحلك! هل بعد هذا شيء! قال: سحابةٌ مارَّةٌ702.]) 2 خبر ناقة رسول الله (ص
عدد الصفحات ١٦٨لماكان رسول الله (ص) سائراً في طريقه إلى تبوك ضلَّت ناقتُه ، فخر أصحابه في طلبها ، وعند رسول الله (ص) رجلٌ من أصحابه ، يقال له: عُمارة بن حزم ، وكان عقبي اً بدريا ً ، وهم عمُّ بني عمرو بن حزمٍ ، وكان في رحله زيد بن اللُّصيت القينقاعي ، وكان منافقاً. قال زيد بن اللُّصَيْت؛ وهو في رحل عمارة ، وعُمارة عند رسول الله (ص) : أليس محمد يزعم: أنَّه نبٌّ ، ويخبركم عن السَّماء ، وهو لا يدري أين ناقتُه؟ فقال رسول الله (ص) وعُمارة عنده: «إنَّ رجلاً قال: هذا محمَّد يخبركم أنَّه نبٌّ ، ويزعم أنَّه يخبركم بأمر السَّماء ، و هو لا يدري أين ناقته؟ وإني ِ والله! ما أعلم إلا ما علمني الله ، وقد دلَّني الله عليها ، وهي في هذا الوادي ، في شعب كذا ، وكذا ، قد حبستها شجرةٌ بزمامها ، فانطلقوا حتََّّ تأتوني بها »، فذهبوا ، فجاؤوا بها ، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله ، فقال: والله! لعجبٌ من شيء حَدَّثناه رسولُ الله (ص) انفاً ، عن مقالة قائلٍ أخبره الله عنه بكذا ، وكذا ، للَّذي قال زيد بن اللُّصَيْت. فقال رجلٌ ممَّن كان في رحل عمارة ، ولم حلضر رسول الله (ص) : زيدٌ والله! قال هذه المقالة قبل أن تأتي ، فأقبل عمارة على زيدٍ ، يجأ في عنقه (يطعنه فيه) ويقول: إليَّ عبادَ الله ، إنَّ في رحلي لداهيةً؛ وما أشعر ، اخر ، أيْ عدوَّ الله مِنْ رحلي ، فلا تصحب 3/145) ، والبلاذري في أنساب الأشراف (1/285) ، والبيهقي في الدلائل5/232([])703.]) قال ابن إسحاق: فزعم بعض النَّاس أنَّ زيداًب بعد ذلك ، وقال بعض النَّاس: لم يزل مُتَّهماً بشر ٍ حتََّّ هلك 704.]) 3 الإخبار بهبوب ريحٍ شديدةٍ ، والتَّحذير منها أخبر رسولُ الله (ص) أصحابه في تبوك بأنَّ رحلاً شديدةً ستهبُّ ، وأمرهم بأن حلتاطوا لأنفسهم ، ودوابه ِم ، فلا يخرجوا حتََّّ لا تؤذيهم ، ول يربطوا دوابهَّم حتََّّ لا تؤذى. وتحقَّق ما أخبر به رسول الله (ص) فهبتِ الر ِيح الشَّديدة ، وحملت من قام فيها إلى مكانٍ بعيدٍ 705]) صحيحه بإسناده إلى أبي حمَُيْدٍ ، قال: وانطلقنا حتََّّ قدمن ا تب وك ، فقال رسول الله (ص «ستهب عليكم اللَّ يل ة ريحٌ شديدةٌ ، فلا يقم أحدٌ منكم ، فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عِقَالَه»، فهبَّت ريحٌ شديدةٌ ، فقام رجلٌ ، فحملته الر ِيح حتََّّ ألقته بجبل طي ِأى 1481) ، ومسلم 1392/11 و12.])
عدد الصفحات ١٦٩قال النَّوويُّ في شرحه على صحيح مسلمٍ معق ِباً على هذا الحديث: هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظَّاهرة من إخباره (ص) بالمغيب ، وخوف الضَّرر من القيام وقت الر ِيح706.]) 4 تكثير ماء عين تبوك والإخبار بما ستكون عليه مِنْ خصبٍ قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال رسول الله (ص) : «إنَّكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك ، وإنَّكم لن تأتوها حتََّّ يَضْحَى النَّهار ، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتََّّ اتي »، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان ، والعين مثل الش ِراك 707])708]) رسول الله (ص «هل مَسَسْتُما من مائها شيئاً؟»قالا: نعم ،فسبَّهما النَّبُّ (ص) وقال لهما ما شاء الله أن يقول ، ثمَّ غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتََّّ اجتمع في شيءٍ ، وغسل رسول الله (ص) فيه يديه ووجهه ، ثمَّ أعاده فيها ، فجرت العين بماءٍ منهمرٍ أو غزيرٍ حتََّّ استقى النَّاس. وقد قال رسول الله (ص) لمعاذ ب ن جبل: «يوشك يا معاذ! إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهنا قد مُلأى جناناً »[5/237 238) ، ومسلم706/10) ، وأبو داود1260) ، والترمذي (553) ، والنسائي1/285) ، وابن ماجه1070.]) لقد كانت منطقة تبوك والوادي الَّذي كانت فيه العين منطقةً جرداء لقلَّة الماء ، ولكن الله عزَّ وجل أجرى على يد رسوله (ص) بركة تكثير هذا الماء ، حتََّّ أصبح يسيل بغزارةٍ ، ولم يكن هذا اتياً لسد ِ حاجة الجيش ، بل أخبر رسول الله (ص) بأنه سيستمرُّ ، وستكون هناك جنانٌ ، وبساتين مملوءةٌ بالأشجار المثمرة ، ولقد تحقَّق ما أخبر به الرَّسول (ص) بعد فترة قليلةٍ من الزَّمن ، ولا زالت تبوك حتَّ اليوم تمتاز بجنانَّا ، وبساتينها ، ونخيلها ، وتمورها ، تنطق بصدق نب وَّة الرَّسول (ص) ، وتشهد بأنَّ الرَّسول (ص) لا يتكلَّم إلا صدقاً، ولا يخبر إلا حق اً، ولا ينبأى بشيءٍ إلا ويتحقَّق709.]) 5 تكثير الطَّعام: قال أبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناسَ مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا ، فنحرنا نواضِحنا710])«افعلوا»فجاء عمر ، فقال: يا رسول الله! إنََّّم إن فعلوا؛ قلَّ الظَّهر711]) لهم بالبركة، لعلَّ الله أن يجعل في ذلك! فدعا رسول الله (ص) : بنطْعٍ712]) بفضل أزوادهم ، فجعل الرَّجل يجيء بكف ِ الذُّرة ، والاخر بكف التَّمْر ، والاخر بالكِسْرَة ، ح اجتمع على الن ِطع في ذلك شيءٌ يسيرٌ ، ثمَّ دعا عليه بالبركة ، ثمَّ قال لهم: «خذوا في أوعيتكم»،
عدد الصفحات ١٧٠فأخذوا في أوعيتهم حتََّّ ما تركوا من المعسكر وعاءً إلا ملؤوه ، وأكلوا حتََّّ شبعوا ، وفضَلَتْ منه فَضْلَةٌ ، فقال رسول الله (ص) : «أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني ِ رسو لُ الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شاك ٍ، فتحجب عنه الجنَّة »[3/11)، ومسلم27/45) ، والبيهقي في الدلائل5/229 230) ، وابن حبان (6530) ، وأبو يعلى1199.]) هذه بعض المعجزات ، والكرامات الَّتي أظهرها الله على يد رسول الله (ص) في غزوة تبوك ، تدل على صدق نبوَّته ، ورسالته ، وتدلُّ على رفعة منزلته ، وتكريمه عند رب ِه 713.]) سابعاً: حديث القران الكريم عن مواقف المنافقين في أثناء الغزوة أ قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال رجلٌ في غزوة تبوك في مجلسٍ يوماً: ما أرى قرَّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً ، وأكذبنا ألسنةً ، وأجبننا عند الل ِقاء.. فقال رجلٌ في المجلس: كذبت ، ولكنَّك منافقٌ ، لأخبرنَّ رسول الله (ص) ! فبلغ ذلك رسولَ الله (ص) ، ونزل القران. قال عبد الله: فأنا رأيته متعل ِقاً بحَِقْبِ 714]) الله، والحجارة تنكبُه715])ل: يا رسول الله! إنمَّا كنَّا نخوض ، ونلعب ، والرَّسول (ص يقول: «أبالله ، واياته ، ورسوله كنتم تستهزئون؟ »[10/172) ، والسيوطي الدر المنثور (4/230.]) وفي رواية قتادة ، قال: بينما رسول الله (ص) في غزوته إلى تبوك ، وبين يديه أناسٌ من المنافقين ، فقالوا: يرجو هذا الرَّجل أن تفتح له قصور الشَّام وحصونَُّا؟ هيهات! هيهات!! فأطلع الله نبيَّه على ذلك ، فقال نبُّ الله (ص) : «احبسوا عليَّ هؤلاء الرَّكب»فأتاهم ، فقال: قلتُم كذا ، وكذا ، فحلفوا ما كنَّا إلا نخوض ، ونلعب 10/172) ، والسيوطي في الدر المنثور (4/230])ت َهْزِئُوا إِنَّ اللَََّّ مخُْرِ ٌ مَا تحَْذَرُونَ *وَلَئِنْ سَأَلْت َهُمْ لَي َقُولُنَّ إِنمََّ ا كُنَّا نخَُوضُ وَن َلْعَبُ قُلْ أَباِللََِّّ وَآياَتِهِ وَرَسُولِهِ كُن ْتُمْ تَسْت َهْزِئُونَ[64 65.] والاستفهام في قوله: استفهامٌ لهؤلاء موبخ ِاً ، ومنكراً: ألم تجدوا ما تستهزئون به في مزاحكم ولعبكم كما تزعمون سوى فرائضِ الله ، وأحكامه ، واياته ، ورسوله الَّذي جاء لهدايتكم ، وإخراجكم من الظُّلمات إلى النُّور؟! ثمَّ بينَّ سبحانه:
عدد الصفحات ١٧١أنَّ استهزاءهم هذا أدَّى بهم إلى الكفر ، فقالةٍ مِنْكُمْ ن ُعَذ ِبْ طَائِفَةً بأَِن َّهُمْ كَانُوا مجُْرِمِينَ }* [66.] ومعنى الاية: أي: لا تذكروا هذا العذر لدفع هذا الجرم؛ لأنَّ الإقدام على الكفر لأجل اللَّعب لا ينبغي أن يكون ، فاعتذاركم إقرارٌ بذنبكم ، فهو كما يقال: عذرٌ أقبحُ من ذنبٍ716.]) وقوله: أي: إن نعف عن بعضكم؛كُمْ ن ُعَذ ِبْ طَائِفَةً بأَِن َّهُمْ كَانُوا مجُْرِمِينَ وإنابتهم إلى ربه ِم كمُخَش ِن بن حمَُير ِ؛ نعذب بعضاً اخر؛ لإجرامهم ، وإصرارهم عليه 717.]) ب إيذاء الرَّسول (ص) ، والمؤمنين ، ومحاولة اغتيال رسول الله (ص وقد نزل في هؤلاء المنافقين قول الله تعا إِسْلاَمِهِمْ وَهمَُّوا بمَِا لمَْ ي َنَالُوا وَمَا ن َقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللََُّّ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ ي َتُوبُوا يَكُ خَي ْرًا لهَُمْ وَ إِنْ ي َت َوَلَّوْا ي ُعَذ ِب ْهُمُ اللََُّّ عَذَاباً أَلِيمًا فيِ الدُّن ْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لهَُمْ فيِ الأَرْضِ مِنْ وَليِ ٍ وَلاَ نَصِيرٍ[74.] وقد قال ابن كثيرٍ: إنَّ الضَّحاك قال: إنَّ نفراً من المنافقين همُّوا بالفتك بالنَّب ِ (ص) وهوغزوة تبوك في بعض اللَّيالي في حال السَّير ، وكانوا بضعة عشر رجلاً نزلت فيهم هذه الاية718]) الواحدي ِ عن الضَّحَّاك: خر المنافقون مع رسول الله (ص) إلى تبوك ، فكانوا إذا خلا بعضُهم إ بعضٍ؛ سبُّوا رسول الله (ص) ، وأصحابَه ، وطعنوا في الدين ، فن قل ما قالوا حذيفةُ إلى رسول الله (ص) ، فقال لهم رسول الله: «يا أهل الن ِفاق! ما هذا الذي بلغني عنكم؟»، فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك ، فأنزل الله هذه الاية إكذاباً لهم719.]) والمعنى الإجماليُّ للاية «حللفون بالله أنَّم ما قالوا تلك الكلمة الَّتي نسبت إليهم ، والله يكذ ِبهم ، ويُثبت: أنََّّم قد قالوا كلمة الكفر الَّتي رويت عنهم ، ولم يذكر القران هذه الكلمة؛ لأنَّه لا ينبغي ذكرها [»720.]) أمَّا همُّهم بما لم ينالوا؛ فهو اغتيال رسول الله (ص) حين كان بالعقبة وهو منصرفٌ مِنْ تبوك. قال ابن كثير: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت اخذاً بخطام ناقة رسول الله (ص) أقود به ، وعمَّار يقود النَّاقة ، وأنا أسوقُه ، وعمَّار يقوده ، حتََّّ إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها ، قال: فأنبهت رسول الله (ص) بهم ، فصرخ به م فولَّوا مدبرين ، فقال لنا ر سولُ الله (ص) : «هل عرفتم القوم؟ »قلنا: لا يا رسول الله؟! قد كانوا ملثَّمين ، ولكنَّا قد عرفنا الر ِكابَ. قال «هؤلاء المنافقون إلي يوم القيامة ، وهل تدرون ما أرادوا؟ »، قلنا: لا. قال«أرادوا أن يزاحموا رسول
عدد الصفحات ١٧٢(ص) في العقبة ، فيلقوه منها»[ الدلائل5/260 261) ، والسيوطي في الدر المنثور (4/244.]) وقوله: . أي: وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر وبعثة الرَّسول (ص) فيهم شيئاً يقتضي الكراهة ، والهمَّ بالانتقام ، إلا أن أغناهم الله تعالى ، ورسولُه من فضله بالغنائم الَّتي هي عندهم أحبُّ الأشياء لديهم في هذه الحياة. وقوله تعا أي: فإنْ يتوبوا من الن ِفاق ، وما يصدر عنه من مساوأى الأقوال ، والأفعال؛ يكن ذلك المتاب خيراً لهم في الدُّنيا ، والاخرة. وقوله وَليِ ٍ وَلاَ نَصِيرٍ أي: وإن يُعرضوا عمَّا دُعوا إليه من التَّوبة ، وأصروا على الن ِفاق وما ينشأ منه من المساوأى الخلقيَّة ، والنَّفسيَّة ، يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدُّنيا بما يلازم قلوبهم من الخوف والهَلَع721.]) * * * المبحث الثَّالث العودة من تبوك إلى المدينة ، وحديث القران الكريم في المخلَّفين عن الغزوة ،
عدد الصفحات ١٧٣وعن مسجد الض ِرار عاد النَّبُّ (ص) إلى المدينة بعد أن مكث في تبوك عشرين ليلةً722]) مسجد الض ِرار الَّذي بناه المنافقون وهو راجعٌ إلى المدينة ، ولمَّا اقترب من المدينة؛ خر الص ِبيان إلى ثَنِيَّة الوداع يتلقَّونه ، ودخل المدينة ، فصلَّى في مسجده ركعتين ، ثمَّ جلس للنَّاس ، وجاء المخلَّفون لرسول الله (ص) يقد ِمون له الاعتذار ، وكانوا أربعة أصنافٍ: فمنهم من له أعذارٌ شرعيَّةٌ ، وعذرهم الله سبحانه وتعالى ، ومنهم مَنْ ليس له أعذارٌ شرعيَّة ، وتاب الله عليهم ، ومنهم من منافقي الأعراب الَّذين يسكنون حول المدينة ، و منهم من منافقي المدينة. أولاً: المخلَّفون الَّذين لهم أعذار شرعيَّةٌ ، وعذرهم الله سبحانه وتعالى : قال تعا نَصَحُوا للََِِّّ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللََُّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ *وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَت َ وْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ق ُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحمِْلُكُمْ عَلَيْهِ ت َوَلَّوْا وَأَعْي ُن ُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يجَِدُوا مَا ي ُنْفِقُونَ [91 92.] بيَّنت هذه الايات الكريمة الَّذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك وكان لهم عذرٌ شرعيٌّ ،نَّه ليس عليهم حر ٌ ، وليس عليهم إثمٌ في هذا التَّخلُّف؛ ذلك لأن لهم عذراً شرعياً منعهم من الخرو ، وفي المراد بالضُّعفاء: أنََّّم الزَّمنى ، والمشايخ الكبار ، وقيل: الص ِغار ، وقيل: المجانين ، سمُّوا ضعافاً لضعف عقولهم ، ذكر القولين الماورديُّ ، والصَّحيح: أنََّّم الَّذين يضعفون لزمانةٍ ، أو عمىً ، أو سن ٍ ، أو ضعفٍ في الجسم. والمرضى: الَّذين بهم أعلالٌ مانعةٌ من الخرو للقتال723.]) وقوله: أي: ليس على الذين نفقةً تبلغهم إلى الغزو حر ٌ؛ أي: إثم ، أي: إذا عرفوا وأبغضوا أعداءه724.]) وقوله: قال الطَّبري: يقول تعالى: ليس على مَنْ في تخلُّفه عن رسول الله وعن الجهاد معه ، لعذرٍ يُعذر به طريقٌ يتطرَّق عليه ، فيعاقب مِنْ قبله يقول تعالى: والله ساترٌ على ذنوب عليها725.])
عدد الصفحات ١٧٤وقال القرطبُّ: الاية أصلٌ في سقوط التَّكليف عن العاجز ، و فرق بين العجز من جهة القوَّة ، أو العجز من جهة المال726.]) وقوله: معطوف على من عطف الخاص ِ على العام ِ ، اعتناءً بشأنَّم ، وجعلهم كأنََّّم لتميزهم جنسٌ اخر ، مع أنََّّم مندرجون مع الَّذين وصفهم الله قبل ذلك أي المرضى ، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون إذا ما تخلَّفوا عن الجهاد ، وكذلك لا حر ، ولا إثم أيضاً على فقراء المؤمنين على الرَّواحل؛ الَّتي يركبونَّا لكي يخرجوا معك إلى هذا السَّفر الطَّويل لهم {727{ :]) {تسيل بالدُّموع من شدَّة الحزن؛ لأنََّّم لا يجدون المال؛ الَّذي ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا الرَّواحل؛ الَّتي يركبونَّا في حال سفرهم إلى تبوك728.]) ثانياً: المخلَّفون الذين ليس لهم أعذارٌ شرعيَّةٌ ، وتاب الله عليهم جاءت ثلاث ايات تتحدَّث عن هؤلاء المخلَّفين ، وهي: 1 قوله تعايْهِمْ إِنَّ اللَََّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [102.] ومعنى الاية الكريمة: أنَّ هؤلاء الجماعة تخلَّفوا عن الغزو لغ عذرٍ مسو ِغٍ للتخلُّف ، ثم ندموا على ذلك ، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة ، كما اعتذر المنافقون ، بل تابوا ، واعترفوا بالذَّنب ، ورجوا أن يتوب الله عليهم ، والمراد بالعمل الصَّالح: ما تقدَّم من إسلامهم ، وقيامهم بشرائع الإسلام ، وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن ، والمراد بالعمل السَّي ِأى: هو تخلُّفهم عن هذه الغزوة ، وقد أتبعوا هذا العمل السَّي ِأى عملاً صالحاً ، وهو الاعتراف به والتَّوبة عنه. وأصل الاعتراف: الإقرار بالشَّيء ، ومجرَّد الإقرار لا يكون توبةً إلا إذا اقترن به النَّدم على الماضي ، والعزم على ت ركه في الحال ، والاستقبال ، وقد وقع منهم ما يفيد هذا. ومعنى الخلط: أنََّّم خلطوا كلَّ واحد منهما بالاخر؛ كقولك: خلطت الماء باللَّبن ، واللبنَ بالماء. وفي قوله: دليلٌ على أنَّه قد وقع منهم مع الاعترافأو مقد ِمة التَّوبة وهي الاعتراف ، ويقوم مقام التَّوبة ، وحرف الترَّج ِي وهو (عسى) هو في كلام الله سبحان ه
عدد الصفحات ١٧٥يفيد تحقُّق الوقوع ؛ لأنَّ الإطماع من الله سبحانه إيجابٌ؛ لكون ه أكرم الأكرمين ، أي: يغفر غَفُورٌ رَحِيمٌ 729.]) 2 قوله تعا يمٌ [106.] والمراد بهؤلاء المرجون كما في الصَّحيحين: هلال بن أميَّة ، وكعب بن مالك ، ومُرارة بن الرَّبيع ، وكانوا ق د تخلَّفوا عن رسول الله (ص) لأمرٍ ما ، مع الهم ِ باللَّحاق به (ص) فلم يتيسَّر لهم ، ولم يكن تخلُّفهم عن نفاقٍ ، وحاشاهم ، فقد كانوا من المخلصين ، فلمَّا قدم النَّبُّ (ص) وكان ما كان من المتخل ِفين؛ قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة ، ولم يعتذروا له (ص) ، ولم يفعلوا كما فعل أهل السَّواري730]) رسول الله باجتنابهم ، وشدَّد الأمر عليهم ، كما ست َعْلَمُه إن شاء الله تعالى ، وقد وقف أمرهم خمس ليلةً لا يدرون ما الله تعالى فاعلٌ بهم731.]) 3 قال تعا {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُل ِفُواْ حَتََّّ إِ ذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بمَِا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّ ِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثمَُّ تاَبَ عَلَيْهِمْ لِي َتُوبُواْ إِنَّ اللَّ َ هُوَ الت َّوَّابُ الرَّحِيمُ }*[ 118.] والمراد بهؤلاء الثَّلاثة هم: هلالُ بنُ أميَّة ، وكعب بن مالك ، ومُرَارة بن الرَّبيع ، وفيهم نزلت هذه الاية732]) والعبر ، والحكم ثالثاً: المخلفون من منافقي الأعراب الَّذين يسكنون حول المدينة: هؤلاء المخلَّفون من منافقي الأعراب نزل فيهم قوله تعا وَق َعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَََّّ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن ْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [90.] ومعنى الاية: أنَّه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاؤوا به من الأعذار بحق ٍ أو باطلٍ على كلا التَّفسيرين ؛ لأجل أن يأذن لهم رسول الله (ص) بالتَّخلُّ ف عن الغزوة ، وطائفةٌ أخرى لم يعتذروا ، بل قعدوا عن الغزوة ولغير عذرٍ ، وهم منافقو الأعراب الذين كذَبوا الله ورسوله ، ولم يؤمنو ا ، ولا صدَّقوا ، ثمَّ توعَّدهم الله سبحانه فقال: أي: من والذين لم يعتذروا ، بل كذَّبوا بالله ، ورسوله ، أي: كثيرُ ، والاخرة 733.])
عدد الصفحات ١٧٦ونزل فيهم قوله تعالى: والمعنى: اذكروا أيها المؤمنون! أنَّه يسكن مِنْ حول مدينتكم قومٌ من الأعراب {734.]) رابعاً: المخلَّفون من منافقي المدينة قال تعالاَفَ رَسُولِ اللََِّّ وَكَرِهُوا أَنْ يجَُاهِدُوا بأَِمْوَالهِِمْ وَأَن ْفُسِهِمْ فيِ سَبِيلِ اللََِّّ وَقَالُوا لاَ ت َنْفِرُوا فيِ الحَْر ِ قُلْ ناَرُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا ي َفْقَهُونَ *ف َلْيَضْحَكُوا قَ لِيلاً وَلْي َبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بمَِا كَانُوا يَكْسِبُونَ *فَإِنْ رَجَعَكَ اللََُّّ إِلىَ طَائِفَةٍ مِن ْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُو ِ ف َقُلْ لَنْ تخَْرُجُ وا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ ت ُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ باِلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاق ْعُدُوا مَعَ الخَْالِفِينَ }*[81 83.] وتفسير الايات السَّابقة كالاتي: المخلَّفون: اسم مفعول مأخوذ من قولهم: خلَّف فلانٌ فلاناً وراءه: إذا تركه خلفه ، والمخلَّف: المتروك خلف مَنْ مضى 735]) { أحدهما: أنَّ معناه: بعد رسول الله (ص والثاني: أنَّ معناه: مخالفة رسولِ الله (ص) ، فالمعنى بأنََّّم قعدوا لمخالفة رسول الله (ص)( 3.) والمعنى: قال ابن كثير: يقول تعالى ذامَّاً للمنافقين المُتَخل ِفين عن صحابة رسول الله (ص) في غزوة تبوك ، وفرحوا بقعودهم بعد خروجه معه أي: بعضهم لبعض قال الله تعا وَأَن ْفُسِهِمْ فيِ سَبِيلِ اللََِّّ وَقَالُوا لاَ ت َنْفِرُوا فيِ الحَْر ِ منه مِنَ الحر ِ وقوله وَلْي َبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بمَِا كَانُوا يَكْسِبُونَ والمعنى: أنََّّم فرحوا ، وضحكوا طوال أعمارهم في الدُّنيا ، فهو قليلٌ بالنسبة إلى بكائهم في الاخرة؛ لأنَّ الدُّنيا فانيةٌ ، والاخرة باقيةٌ ، والمنقطعُ الفاني قليلٌ بالنسبة إلى الدَّائم الباقي. وقوله تعالى: والمراد بقوله: إلى طائفة من هؤلاء المنافقين الَّذين تخلَّفوا عن الخرو معك إ بقوله: حين لم يخرجوا إلى تبوك والمراد بقوله: . قال الإمام الرَّازي} ملخَّصُه: ذُكِرَ في تفس«الخالف»وجوهٌ الأول: الخالفون جمعٌ ، واحدهم: خالف ، وهو مَنْ يخلُف الرَّجل في قومٍ. ومعناه: فاقعدوا مع الخالفين من الر ِجال الَّذين يخلُفون في البيت ، فلا يبرحونه.
عدد الصفحات ١٧٧