61 وذهب جْع من المفسرين إلى أن معناها الزيادة في القوة، وهذا القول هو ما رجحه ابن عطية لدلالة رسم المصحف عليه، وهو ما يفيد تعظيم قوة الله ™ في بناء السماء. وترجيح هذا القول هو الموافق للقاعدة الترجيحية: الوجه التفسيري الموافق لرسم المصح ف أولى من الوجه المخالف له (1). 7- الترجيح بما يتوافق مع فصاحة القرآن ورصفه : فإذا وردت الأقوال في تفسير الآية فإن ابن عطية يرجح القول الأمثل بما يتوافق مع فصاحة القرآن ويظمه ، وإن كان غيره من الأقوال سائغاً في تفسيرها. ومثال ذلك ماجاء في تفسير قوله تعالى: {ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ}[ ق: 19]. حيثاختلف الم فسرون في المراد ب ( الحق ) في القراءة الواردة: © وجاءت سكرة الحق بالموت ®،وذلك على قوليِّ(2) : حيث ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد هو ا ï،والتقدير: وجاءت سكرة الله بالموت ، وهذا القول ضعفه ابن عطية. وذهب جْع من المفسرين إلى أن المراد بالحق هنا الموت، والتقدير: وجاءت سكرة الموت بالموت ، فهو حق كائن لا محاله. وقد رجح ابن عطية القول الثاني لموافقة المعنى المقدر لنسق الآية، ويظم القرآن البليغ، إذ ي َب معُد أن يتسق أن يقدر المعنى على قولهم: وجاءت سكرة الله بالموت، فتلك الإضافة كما أفاد ابن عطية لا تتناسب مع فصاحة القرآن ورصفه ، كما أن اسم الإشارة ( ذلك ) راجع إلى ( الحق ) وهو الموت الذي يحيد منه الكفرة بآمالهم، ويعدلون عنه . (1) ينظر: قواعد الترجيح ( 1 /99 .) (2) ينظر: المسألة العاشرة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سور ة ( ق ) صفحة ( 131 ).
عدد الصفحات ٧٠62 8- الترجيح بما يحمل يصوص الوحي على الحقيقة لا على المجاز: الأصل أن يحمل الكلام على الحقيقة، وهذا ما يرجحه ابن عطية إ ذا وردت عدة أقوال في تف سير الآية متنازعه بيِّ الحقيقة والمجاز. ومثال ذلك ماجاء في تفسير قوله تعالى : {ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ} [ ق:30 ]. حيث اختلف المفسرون في قول جهنم هل يحمل على الحقيقة، أم على المجاز(1). قال ابن عطية© والذي يترجح في قول جهنمﯽ ﯾ ﯿ}، وأنها قالت ذلك وهي غير ملأى ®(2). وترجيح ذلك هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: الأولى حمل يصوص الوحي على الحقيقة(3). 9- الترجيح على الغالب من أسلوب القرآن وطريقته : إذا وردت الأقوال في تفسير الآية فإن ابن عطية يرجح القول الذي يتوافق مع طريقة الق ر آن، والغالب من أسلوبه على غيره. ومثال ذلك ماجاء في تفسير قوله تعالى: {ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ} [ الطور: 17]. فقد اختلف المفسرون في الغرض من الخطابفي هذه الآية، على قوليِّ(4): (1) ينظر: المسألة السابعة عشرة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة ( ق صفحة ( 161 ) . (2) المحرر الوجيز ( 9 /154 ). (3) ينظر: قواعد الترجيح 2 /40 .) (4) ينظر: المسألة الرابعة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الطور صفحة ( 245 ).
عدد الصفحات ٧١63 فأصحاب الرأي الأول قالوا إن الخطاب موجه لأهل النار، والغرض من إخبارهم بذلك زيادة في غمن هم وسوء حالهم. وقال جْع من المفسرين إن هذا الخطاب موجه للنبي وللمؤمنيِّ، والغرض من التعقيب بذكر يعيمهم بعد عذاب الكافرين؛ للإخبار عما يؤول إليه حالهم، ويتبيِّ الفرق بينهم، ف يقع التحريض على الإيمان. وقد رجح ابن عطية هذا القول باعتبار أن هذا هو الغالب من أسلوب القرآن وطريقته في الترغيب والترهيب في كثير من مواضعه، فعندما يذكر عذاب الكافرين في السورة يعقبه بذكر يعي م المؤمنيِّ، فيصبح القارئ له بيِّ الخوف والرجاء . وهذا الترجيح هو الموافق للقاعدة القائلة: حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك (1). 10- اعتماد في الترجيح على عدم النسخ: إذا اختلف القول في الآية على النسخ أو عدمه، فإن ابن عطية يرجح القول بعدم النسخ إذا لم يثبت دليل يخالفه. ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ} [ الذاريات : 19]. حيثاختلف المفسرون في المراد ب ( الحق ) هنا (2) : قال ابن عطية© إن هذا الحق هو على وجه الندب، لا على وجه الفرض، و{ ﮗ}(3) يراد به : متعارف ، وكذلك قيام الليل الذي مدح به ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الف ضيلة بفعل (1) ينظر: قواعد الترجيح 1 /153 .) (2) ينظر: المسألة الثامنة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الذاريات صفحة ( 198 ) . (3) هذا إشارة إلى ما ورد في سورة المعارج، وذلك في قوله تعا {ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ } [ المعارج 24-25].
عدد الصفحات ٧٢64 المندوبات، وقال منذر بن سعيد(1): هي الزكاة المفروضة ، وهذا ضعيف؛ لأن السورة مكية ، وفرض الزكاة بالمدينة ، وقال قوم من المتأوليِّ : كان هذا ثم يسخ بالزكاة ، وهذا غير قوي ، وما شرع ا لله عز وجل بمكة قبل الهجرة شيئاً من أخذ الأموال ®(2). وترجيح ما رجحه ابن عطية هو الموافق للقاعدة القائلة: إذا تردد القول بيِّ النسخ أو ع دمه، فالأصل عدم النسخ(3). (1) منذر بن سعيد: هو أبو الحكم، منذر بن سعيد بن عبدالله بن عبدالرحمن اليزيدي الكزني البلوطي القرطبي، قاضي الأيدلس في عصره، إمام في اللغة والنحو ، توفي سنة ( 355 هينظر البلغة ( 1 /297 )، الأعلام ( 7 /294). (2) المحرر الوجيز ( 9 /179 ). (3) ينظر: قواعد التفس2 /292،298 .)
عدد الصفحات ٧٣65 ثانياً: الترجيح بالسنة النبوية تعد السنة النبوية المصدر الثاني لدى العلماء لتفسير القرآن الكريم، وقد احتوى تفسير ابن عطية على الكثير من أحاديث الرسول التي تدور حول شرح النص القر آني، وبيان معناه، وتوضيح مدلوله. فإذا ورد في تفسير الآية قولان، وكان الحديث مؤيداً لأحدهما، فإن ابن عطية يرجحه على غيره. ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ} [ ق: 30]. حيث اختلف المفسرون في المقصود بالفعل ( وت َقُولُ ) على قول (1): فذهب بعضهم إأن فعل القول هنا صادر من خزية جهنم من الملائكة، والمعنى: وتقول خزيتها . وذهب أكثر المفسرين إلى أن فعل القول صادر من جهنم يفسها، و المعنى: وتقول جهنم: هل من مزيد؟ . وهذا القول هو ما رجحه ابن عطية وغيره من المفسرين . وقد استدلوا عليه بحديث من السنة النبوية، عن النبي قال: © لاتزال جهنم تقول: ( هل من مزيد ) حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط ®(2)، أي: حسبي حسبي. (1) ينظر: المسألة السادسة عشرة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة ( ق صفحة ( 158 ). (2) ورد تخريج الحديث في موضعه من المسألة صفحة ( 159 )، في هامش13 ).
عدد الصفحات ٧٤66 وترجيح هذا القول هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة إذا ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال، فهو مرجح له على ما خالفه (1). (1) ينظر: قواعد الترجيح 1 /183 .)
عدد الصفحات ٧٥67 ثالثاً: الترجيح بالآثار عَ نيَِ ابن عطية بما ورد عن الصحابة والتابعيِّ في تفسير القرآن الكريم عناية كبيرة، إذ يقل كثيراً من أقوالهم، وآرائهم في تفسيره . فإذا ثبت الأثر في تفسير الآية فإن ابن عطية يرجحه على غيره. ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ} [ الطور: 21]. حيثاختلف المفسرون في معنى الآية على خمسة أقوال(1): القول الأول إن معنى الآية هو في حق الأبناء الذين ماتوا صغاراً، والمعنى: أن الله ليلحق بالمؤمن ذريته الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان في الموارثة، والدفن في مقابر ا لمسلميِّ، وأحكام الآخرة في الجنة. القول الثاني: المراد: يتبع الآباء ذريتهم الكبار، ويلحق الصغار منهم بالكبار، و معنى الآية: {ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ} التي بلغت الإيمان{ ﮊ ﮋ ﮌ} الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان، فالذرية هنا تقع على الكبار و الصغار. القول الثالث: إن الله ™ يرحم الآباء ويرفع هم مراتب رعياً للأبناء الصالحيِّ. القول الرابع: إن المراد بقوله:{ﮅ ﮆ } المهاجرون والأيصار، و( الذرية ) هم التابعو ن. القول الخامس: إن المؤمنيِّ تتبعهم ذريتهم في الإيمان ،وأن الله ™ يُ لحق الأبناء بمراتب آبائهم. (1) ينظر: المسألة السابعة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الطور صفحة ( 254 ).
عدد الصفحات ٧٦68 في الجنة، وإن كايوا أقل من آبائهم عملاً وتقوى، وهذا القول روي عن ابن عباس ƒ(1)، وسعيد بن جبير(2)، وقال به الجمهور وقد رجح ابن عطية القول الخامس بما ثبت فيه من الأثر، وهذا الترجيح هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: إن تفسير السلف وفهمهم للنصوص حجة على من بعدهم(3). (1) ابن عباسƒ: هو الصحابي الجليل أبو العباس، عبدالله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، حَ برُ هذه الأمة، ولد قبل الهجرة بثلاث سنيِّ، وتوفي سنة ( 68ه ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ( 1 /423 )، وأُسمد الغابة في معرفةالصحابة لابن الأثير ( 1 /692 ). (2) سعيد بن جبهو أبو محمد، ويقال: أبو عبدالله، سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، تابعي، من كبار العلماء، حبشي الأصل، من موالي بني والبة بن الحارث من بني أسد، قتله الحجاج سنة ( 95 ه ) . ينظر: سير أعلام النبلاء4 /321 )، والأعلام ( 3 /93 .) (3) ينظر: قواعد الترجيح 1 /243 .)
عدد الصفحات ٧٧69 رابعاً: الترجيح بالإجماع اهتم ابن عطية بالإجْاع، وقول الجمهور، واعتمد ذلك في تفسيره و ترجيحاته ، فإذا ايعقد الإجْاع على قول رجحه على ماسواه . ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﮭ ﮮ ﮯ} [ الطور: 6]. اختلف المفسرون في المراد بالبحر ال مُ قمسَم به في هذه الآية على ثلاثة أقوال(1): فذهب بعضهم إلى أن المراد به : البحر الذي في السماء تحت العرش. ورأى بعضهم الآخر إلى أن المراد هو القسم بجهنم، وأ طلق لفظ البحر عليها؛ لسعتها وتموجها . وذهب جْهور العلماء إلى أن المراد به: بحر الدييا. وهو ما رجحه ابن عطية لإجْاع العلماء عليه، وترجيحهم له . وهذا الترجيح هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: بأن القول الذي أجْع عليه جْهو ر السلف مقدم على غيره(2). (1) ينظر: المسألة الثايية في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الطور صفحة ( 238 ). (2) ينظر: قواعد الترجيح 1 /258 .)
عدد الصفحات ٧٨70 خامساً: الترجيح بعلوم اللغة العربية اهتم ابن عطيه في تفسيره بالجايب اللغوي اهتماما بالغاً، ويستوضح ذلك فيما يأتي: 1- اعتماد الترجيح على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ} [ الطور: 9]. فقد اختلف المفسرون في تحديد العامل على يصب الظرف ( يومَ ) في هذه الآية، على قوليِّ(1): فذهب أصحاب القول الأول إلى أن العامل فيه هولفظ ( واقع ) في قوله تعالى: {ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ}[7]. وذهب أصحاب القول الثاني إلى أن العامل فيه هو لفظ ( دافع ) في قوله تعا{ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ }[8]. وقد رجح ابن عطية القول الأول لشهرته، ولدلالته على و قو ع العذاب بهم يوم القيامة ، وهو اليوم الذي تمور فيه السماء. في حيِّ مُنع اختيار القول الثاني لئلا يتوهم أن يَدفع أحد عذاب الله في هذا اليوم. وترجيح ما ذهب إليه ابن عطية هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون غيرها (2). 2- اعتماد الترجيح على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: { ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ }[ الطور: 20]. (1) ينظر: المسألة الثالثة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الطو ر صفحة ( 242 ). (2) ينظر: قواعد الترجيح 2 /271 ).
عدد الصفحات ٧٩71 حيث اختلف المفسرون في تحديد العامل على يصب الحال ( متكئيَِّ ) في هذه الآية، على ثلاثة أقوال(1): القولالأول: الفعل المقدر في الظرف ( في جنات ) الواقع في قوله تعالى: {ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ } [17]. القول الثاالضمير الواقع في ( فاكهيِّ )، أو في ( أتاهم )، أو في ( وقاهم )، و ذلك في قوله تعالى: {ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ}[18]. القول الثالثالضمير في ( كلوا واشربوا )، وذلك في قوله تعالى: {ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ }[19]. والراجح هو القول الأول الذي ذكره ابن عطية، لأن قوله: {ﭼ} جاءت في سياق وصف حال المتقيِّ في الجنة، فكان ارتباط الحال هنا بالفعل المقدر في الظرف ( في جنات ) أولى؛ إذ الأصل بيان حالهم في الجنة. وهذا القول هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإع رابية اللآئقة بالسياق، والموافقة لأدلة الشرع (2). 3- ترجيح القول الموافق لتصريف الكلمة وأصل اشتقاقها ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: { ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ} [ ق: 17]. فقد اختلف المفسرون في المعنى المراد من ( قعيد ) في الآية على أربعة أقوال (3): القول الأول( قعيد ) بمعنى: ( قاعد ). (1) ينظر: المسألة السادسة في الدراسة التطبيقية للترجيحا ت في سورة الطور صفحة ( 251 ). (2) ينظر: قواعد الترجيح 2 /262 ). (3) ينظر: المسألة الثامنة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة ( ق ) صفحة ( 121 ).
عدد الصفحات ٨٠72 القول الثا ( قعيد ) بمعنى: ( مقاعد ). القول الثالث: ( قعيد ) بمعنى: ( قعود ). القول الرابع: ( قعيد ) بمعنى: رصد ، أو المرصد ، أو الرصيد . وقد رجح ابن عطية القول الأول، وهو القو ل الذي ذهب إليه جْع من المفسرين . وقد علل اختياره بما يدل عليه اللفظ، إذ أن ( المقاعد ) لا يكون إلا عند قعود الإيسان، أما ( القاعد ) يكون قاعدا على كل هيئات الإيسان . كما أن ( قعيد ) قد أتت على وزن: فعيل ، وهي صفة مشبهه باسم الفاعل ( قاعد )، وهو ما يفيد الديمومة والثبوت، وعليه يكون المراد من القعيد هو الملازم الذي لا يبر ح، لا القاعد الذي هو ضد القائم. وترجيح هذا القول هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائ لة: كل تفسير مأخوذ من دلالة ألفاظ الآية، و سياقها، و يوافقه تصريف الكلمة، وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية (1). 4- تقديم القول الموافق للمعهود من كلام العرب على غيره ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: :{ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ} [ ق: 37]. حيثاختلف المفسرون في ألفاظ الاستعارة الواردة في قوله: { ﭪ ﭫ}، وما شابهها، على قوليِّ(2): القول الأولإن هذه الألفاظ قليل استخدامها لغموض معاييها، وبعدها عن الأذهان، وهذا القول ذكره ابن عطية، وقال بضعفه . القول الثاني: هو القائل بوضوح مقصد ا لآيات، وبيان معاييها في مواضعها. (1) ينظرقواعد الترجيح عند المفسرين ( 2 /7 ،153 ). (2) ينظر: المسألة الثامنة عشرة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة ( ق ) صفحة ( 165 ) .
عدد الصفحات ٨١73 وهذا القول هو ما رجحه ابن عطية، إذ أن إلقاء السمع: استعارة لشدة الإصغاء للقرآن ومواعظ الرسول ، كأن أسماعهم طرحت في ذلك، فلا يشغلها شيء آخر تسمعه (1)،ومن عادة العرب أنها تقول: ألق إلى سمعك، أي: استمع إلي بشدة(2). وهذا الترجيح هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلةأن القرآن عربي فيسلك به في الاستنباط والاستدلال مسلك العرب في تقرير معاييه (3)، ومن مسلك العرب استخدام أساليب الاستعارة ل لدلالة على التشبيه البليغ. 5- اعتماد الترجيح على أحسن تقدير في المحذوفات القرآيية ومثال ذلك ماجاء في تفسير قوله تعالى: { ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ }[ ق: 1]. حيث اختلف المفسرون في تقدير جواب القسم المحذوف في الآية على عدة أقوال(4). وكان الراجح منها ما ذهب إلى ترجيحه ابن عطية، بقوله © ا واب مق در ت قدي ره: ) ق و ال ق رآن المجي د ل تبعثن )، وهذا قول حسن، وأحسن منه أن يكون الجواب هو الذي يقع عنه الإضراب ب ( بل )، كأيه تعالى قال: ( والقرآن المجيد ما ردوا أمرك بحجة ، أو ما كذبوك ببره ان )، أو نحو هذا مما لا بد لك من تقديره ®(5). وترجيح هذا القول هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة إذا تردد المحذوف بيِّ الحس ن والأحسن وجب تقدير الأحسن؛لأن الله ï وصف كتابه بأيه أحسن الحديث فليكن محذوفه أحسن المحذوفات، كما أن ملفوظه أحسن الملفوظات(6). (1) التحرير والتنوير 26 /324 ). (2) الجامع لأحكام القرآن ( 19 /459 ). (3) ينظر: قواعد التفس1 /260 ). (4) ينظر: المسألة الأولى في الدراسة التطبيقية لل ترجيحات في سورة ( ق ) صفحة ( 82 ). (5) ينظرالمحرر الوجيز ( 8 / 129 ). (6) ينظرقواعد التفسير للسبت ( 1 /402 ).
عدد الصفحات ٨٢74 6- زيادة المبنى تدل على زيادة المع ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ} [ الذاريات : 47]. فقد اختلف المفسرون في رسم قوله ( ﯲ ) على قوليِّ(1)، والراجح ما ذهب إليه جْع من المفسرين بقولهم: أنها كتبت بياءين للدلالة على أن المراد بها ( القوة )، إذ لا يراد بها ( الأيدي ) التي هي جْع ( يد )، وهذا القول هو ما فسر به ابن عطية الآية. إذ أن زيادة الياء في رسم المصحف هو للدلالة على تعظيم قوة الله ™ في بناء السماء، وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة: ( زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى )(2)، ف قوة اللفظ هو قوة للمعنى المراد به . (1) ينظر: المسألة الرابعة عشرة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الذاريات صفحة ( 219 ). (2) ينظر: قواعد التفسير ( 1 /396 ).
عدد الصفحات ٨٣75 سادساً: الترجيح بالعرف و من ذلك ترجيح ابن عطية للقول الموافق لعرف العرب في دلالة ألفاظهم واستخدامها. ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ} [ الذاريات : 9]. حيث اختلف المفسرون في عود الضم{ ﭛ} في الآية، وذلك على ثلاثة أقوال(1): القول الأولإن الضمير هنا راجع إلى القول الذي يصرف بسببه من أراد الإسلام عنه، بأن يقال له: هذا سحر، وكهاية، ونحوها . القول الثاني: إن الضمير يعود إلى القول الذي ينصرف عنه إلى الإسلام من غلبت سعادته ، وهذا على أن يكون قوله تعالى: {ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ}[ الذاريات : 8] للكفار فقط. القول الثالث: إن الضمير في ( عنه ) عائد على الإيمان بالله، أو رسوله ، أو كتابه، أو شرعه، أو اليوم الآخر، أو عليهما جْيعاً ، والمعنى: يصرف عن الإيمان بالله، ورسوله ، وبما جاء به من الحق من صرف ممن كتب له الشقاء في الدارين . وهذا القول هو ما قال به أكثر المفسرين، ورجحه ابن عطية لتوافقه مع عُرف الاستعمال في ( أُفِك )، وذلك في الصرف من الخير إلى الشر، وليس العكس، ولذا يندرج معه القول الأول. وهذا الترجيح هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والح قيقة اللغوية في تفسير كلام الله قدمت العرفية (2). (1) ينظر: المسألة الرابعة في الدراسة التطبيقية للترجيحا ت في سورة الذاريات صفحة ( 182 ). (2) ينظر: قواعد الترجيح 2 /64 ).
عدد الصفحات ٨٤76 سابعاً: الترجيح بال تاريخ فقد اعتمد ابن عطية في ترجيحه على الأقوال ا لمؤيدة لأحداث تاريخية على غيرها. ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ} [ ق: 12]. حيث اختلف المفسرون في المراد بأصحاب الرس(1) في هذه الآية على خمسة أقوال(2): القول الأول: إن أصحاب الر س هم القوم الذين أقاموا حول بئر تسمى الر س، وقد بعث الله إليهم يبياً ، فكذبوه، وقتلوه، وألقوه في الر س، وردموا عليه، فأهلكهم الله. القول الثاني: إن الر س هي بئر قُتل فيها صاحب يس. القول الثالث: إنهم قوم عاد، وقد بعث الله إليهم يبيه هود ’. القول الرابع: إنهم قوم شعيب ’. القول الخامس: إنهم أصحاب الأُ خم دُ ود(3). وقدضعف ابن عطية القول الأخير مرجحاً بذلك القول الأول. وعلل ذلك لمخالفة القول لما اشتهر في تاريخ الأمم الغابرة ، إذ أن الله عز وجل قد أخبر بهلاك أصحاب الر س الذين كذبوا أيبياء هم، وقتلوهم في الدييا، أما أصحاب الأُ خم دُ ود فهم قوم آمنوا بالله، ولم يكذبوا يبياً ، بل كذبوا ملكاً ، وهو الذي أمر اتباعه بإحراق من لم يرجع منهم عن دينه في الأُخم دُود، وقد توعد الله هذا الملك واتباعه بالعذاب في الآخرة. (1) ذكرت معنى هذه اللفظة لاحقاًموضعها من المسألة في صفحة ( 108 )، في هامش1 ). (2) ينظر: المسألة الخامسة في الدراسة التطبيقية ل لترجيحات في سورة ( ق ) في صفحة ( 108 ). (3) ذكرت معنى هذه اللفظة لاحقاً في موضعها من المسألة في صفحة ( 109 )، في هامش2 ).
عدد الصفحات ٨٥