المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ترجيحات ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز من أول سورة ق إلى آخر سورة الطور عرضا ودراسة

جوهرة بنت عبد الله الجعفري

صفحة ٤ من ٢٣

44 أولاً: التعريف بالترجيح ○ الترجيح في اللغة: مصدر رجَّح يُرجِّح ترجِّيحاً فهو راجح إذا رزن، وهو من الرُّجْحان(1). قال ابن فارس(2) :© ( الراء ، والجيم، والحاء ) أصل واحد يدل على رزانة وزياد ة ®(3). ورجح الشيء رجُ وحاً ورجح اناً ورجاح ةً إذا ثقل(4) . ويقال: رجحت إحدى الكفتين على الأخرى أي: مالت (5). وترجح في القول : تميل به(6). ورجحه أي: أرجحه وفضله وقواه (7). وأرج ح له ورجَّحه: أعطاه راجحاً (8). وفي الحديث: © زنْ وأرجح ®(9). والت َّر جُّح: التَّذبذُب بين شيئ(10). (1) ينظرلسان العرب ( 2 /445 )، ومعجم مقاييس اللغةلابن فارس ( 2 /489 ). (2) ابن فارس هو أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد القزويني، الرازي، المالكي، من أئمة اللغة والأدب، له عدة مصنفات، توفي سنة ( 395 ه. ينظر: سير أعلام النبلاء ( 71 /103 )، والأعلام1 /193 ). (3) معجم مقاييس اللغة( 2 /489 ). (4) ينظر كتاب العين للفراهيدي ( 3 /78 )،جمهرة اللغة لابن دريد ( 1 /437 )،و المعجم الوسيط لجماعة من العلماء اللغة العربية بمصر ( 1 /329 ). (5) ينظرتهذيب اللغة للأزهري ( 4 /142 )، والمعجم الوسيط ( 1 /329 ). (6) ينظر: تاج العروس6 /383 ). (7) ينظرالمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي ( 1 /219 )، والمعجم الوسيط ( 1 /329 ). (8) ينظر: المخصص لابن سيده ( 3 /440 )، وتاج العروس ( 6 /383 ). (9) ينظر معجم مقاييس اللغة ( 2 /489 ). هذا الحديث أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البيوع، باب ما جاء في الرجحان في الوزن ( 3 /598 / رقم 1305 )، عن سويد بن قيس، وقال عنه: © حديث حسن صحيح®. (10) ينظر المحيط في اللغة للصاحب ابن عباد ( 2 /403 )،و المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده ( 3 /76 ).

عدد الصفحات ٥٣

45 والراجح في علم الفلسفة: ما ترجح وجوده على عدمه، أو صدقه على كذبه (1). والترجيح عند الأصولي بمعنى: التمييل والتغليب(2). وخلاصة ذلك: أن معنى ( رجح ) سواء كان لفظه مجرداً ، أو مزيد اً فيه، يدور حول: الثقل، و الميلان، و الرزانة، و الزيادة، و التغليب(3) . ○ الترجيح في ا صطلاح: هو إثبات مرتبة في أحد الدليلين على الآخر (4) . وهو عند الأصوليين: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لدليل (5). وعرفه المفسرون بقولهم : هو تقوية أحد الأقوال في تفسير الآية لدليل من الأدلة الشرعية، أو قاعدة من القواعد التفسيرية التي قررها العلماء ، وتضعيف أو ردِّ ماسواه(6).  (1) ينظر المعجم الوسيط ( 1 /329 ). (2) ينظرنهاية السُّ ول في شرح منهاج الأ صول للآسنوي ( 4 /445 )، حيث قال© الترجيح في اللغة: هو التمييل والتغليب من قولهم رجح الميزان ®. (3) ينظر: التعارض والترجيح بين ادلة الشرعية للبرزنجي ( 1 /78 ). (4) معجمالتعريفات للجرجاني ( 1 /51 ). (5) شرح الكوكب المن لابن النجار ( 4 /616 )،وأعقبه موضحاً تعريفه: © ولا يكون إلا مع وجود التعارض، فحيث انتفى التعارض انتفى الترجيح؛ لأنه فرعُهُ، لا يقع إلا مرتباً على وجوده ®. (6) ينظر: أسباب الخطأ في التفسير لطاهر يعقوب2 /919 )، وقواعد الترجيح عند المفسرين للحربي ( 1 /29 ).

عدد الصفحات ٥٤

46 ثانياً: أهمية الترجيح عند المفسرين الناظر في كتب التفسير كثيراً ما يقف على تعدد في الأقوال حول المراد من لفظ قرآني، أو آية قرآنية ، أو توجيه لمعنى معين، ونحو ذلك ، مما يختلط فيه على القارئ غير المتمرس الخطأ ب الصواب، والحق بالباطل . من أجل ذلك اعتنى المفسرون بالنظر في الآيات التي وقع الخلاف على تفسيرها للتوصل إلى قول راجح في تفسير الآية، وتوضيح الحق من الباطل لئلا يختلط ذلك في تفسير كلام اله ™ . وسعياً لتوضيح تلك الأقوال المختلفة وضع العلماء مجموعة من القواعد التفسير ية التي يستعين بها المفسر في الترجيح بين الأقوال والآراء، ويستهدي بها لمعرفة الق ول الحق من القو ل الباطل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ¬ في كتابه ( مقدمة التفس هذا الصدد: © فقد سأل بع الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية، تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل؛ فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغثِّ والسمين ، والباطل الواضح، والحق المبين. والعلم إما نقلٌ مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيفٌ مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود. وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن، الذي هو حبل اله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخل ق عن كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، م نْ قال به ص د ق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه من جبارٍ قصمه اله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اله ®(1). ويتعين أهمية الترجيح في توضيح القول الراجح في الآيات التي وقع الخلاف بين العلماء على تفسيرها، أما ما اتفق العلماء على تفسيره، أو أجمع عليه أهل الأمصار و الأعصار، أو أهل عصر معين، كإجماع الصحابة، أو إجماع التابعين، أو من بعدهم، فليس بمحل للترجيح، ولا خلاف (1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع ها: عبدالرحمن بن قاسم، وساعده ابنه محمد ( 13 /329 ).

عدد الصفحات ٥٥

47 بأنالعمل بالراجح فيما له مُرجِّح هو قول جماهير العلماء، وهو المتعين عقلاً وشرعاً ، وقد عملت الصحابة بالترجيح مجمعين عليه، و الترجيح هو دأب العقل والشرع حيث احتاجا إليه (1). يقول الزركشي (2) :© والقصد منه(3) تصحيح الصحيح، وإبطال الباطل، اعلم أن اله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة ، بل جعلها ظنية قصداً للتوسيع على المكلفين؛ لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل، عليه وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدل ة الظنية، فقد تُعارض بعارضٍ في الظاهر بحسب جلائها وخفائها، فوجب الترجيح بينهما ، والعمل بالأقوى . والدليل على تعين الأقوى: أنه إذا تعارض دليلان أو أمارتان فإما أن يعملا جميعاً، أو يلغيا جميعاً، أو يعمل بالمرجوح، والراجح، وهذا متعين ®(4). ولما كان الوصول للقول الراجح بين الأقوال المختلفة في تفسير الآية أمراً مهماً، لم تقل الوسيلة الموصلة له أهمية عنه، ومن هنا تظهر لنا أهمية قواعد الترجيح في تعيين المراد من آيات ا لقرآن الكريم، بيد أن العلماء المتقدمين لم يفردوا هذه القواعد بالتصنيف والتأليف، بل كانت مبثوثة في ثنايا تفاسيرهم، وقد أفردها بالتأليف بع أهل العلم المعاصرين الذين اعتنوا بهذه القواعد، واستخرجوها من كت ب التفسير، ليضمنوها في كتب مفردة لها، و من هؤلاء العلماء: الدكتور حسين بن علي بن حسين الحربي، الذي ألف في ذكر هذه القواعد كتابه المسمى: قواعد الترجيح في التفسير، والذي استفدت منه كثيراً في توضيح القول الراجح في ثنايا هذه الرسالة .  (1) ينظر: شرح الكوكب المنير ( 4 /619 ،621 ). (2) الزركشي هو أبو عبداله، محمد بن بهادر بن عبداله، بدر الدين الزركشي، عالم بفقه الشافعية والأصول، تركي الأصل، مصري المولد والوفاة، له تصانيف كثيرة في عدة فنون، توفي سنة ( 794 ه. ينظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ( 3 /227 )، و الأعلام ( 6 /60 ). (3) أي: القصد من الترجيح. (4) البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ( 6 /108 ).

عدد الصفحات ٥٦

49 تميز تفسير ابن عطيةبثرائه في تنوع صيغه وألفاظه المستخدمة في التنصيص على الراجح أو الضعيف من الأقوال، مما جعل لتفسيره قيمة أكبر بين العلماء في هذا المجال، و يمكن تقسيم الصيغ التي اعتمدها ابن عطية من خلال النظر في السور الثلاث ( ق، الذاريات، الطور) محور الدراسة في هذا البحث إلى قسمين: ○ القسم الأول: صيغ ابن عطية في الترجيح بين الأقوال: وهذا القسم يندرج تحته ما يأتي :  أولا: التصريح ب القول الراجح : تعد هذه الطريقة من أشهر طرق الترجيح لدى المفسرين؛ لدللتها الصريحة على القول الراجح في المسألة، وقد اعتمدها ابن عطية في تفسيره في هذه السور عن طريق ين: 1- التصريح ب القول الراجح باستعمال صيغة ( أفعل ) الدالة على التفضيل، ومن ذلك قوله: - © وأحسنمنه ®(1). - © والأول أرجح ®(2)،© وهذا التأويل أرجح ®(3)،© وأرجح الأقوال القول الأول ®(4). - © والأول أصوب®(5). - © والقول ... أظهر®(6)،© وهو الأظهر ®(7). - © والأول أب®(8). (1) المحرر الوجيز 9 /129 ). (2) المصدر السابق ( 9 /134 ،187 ). (3) المصدر السابق ( 9 /177 ). (4) المصدر السابق ( 9 /215 ). (5) المصدر السابق ( 9 /141 ،142 ). (6) المصدر السابق ( 9 /153 ). (7) المصدر السابق ( 9 /211 ). (8) المصدر السابق ( 9 /209 ).

عدد الصفحات ٥٨

50 - © والمعنى الأول أبرع ®(1). - © وهو أحرى في الآية وأولى بالوصف ®(2). 2- التصريح ب ترجيح أحد الأقوال بغير صيغة ( أفعل ) الدالة على التفضيل، ومن ذلك قوله: - © وهذا قول حسن ®(3)،© وهذا وجه حسن ®(4)،© ويحسن هذا الحتمال ®(5)، © ويحسن هذا المع®(6). - © وهذا هو الحق®(7). - © ويقوى في شهيد اسم جنس®(8)،© ويقوى عندي®(9). - © والوجه عندي ®(10). - © والذي يترجح®(11). - © وظاهر لفظ السماء®(12)،© وهو الظاهر عندي®(13)،© ويظهر®(14). - © الصحيح®(15). (1) المحرر الوجيز 9 / 211 ). (2) المصدر السابق ( 9 / 148 ). (3) المصدر السابق ( 9 /129،132،223 ). (4) المصدر السابق ( 9 /174 ). (5) المصدر السابق ( 9 /216 ). (6) المصدر السابق ( 9 /140 ). (7) المصدر السابق ( 9 /131 ). (8) المصدر السابق ( 9 /146 ). (9) المصدر السابق ( 9 /151 ). (10) المصدرالسابق ( 9 /148 ). (11) المصدر السابق ( 9 /154 ). (12) المصدر السابق ( 9 /171 ). (13) المصدر السابق ( 9 /178 ). (14) المصدر السابق ( 9 /190 ). (15) المصدر السابق ( 9 /179 ).

عدد الصفحات ٥٩

51 - © ويؤيد هذا التأويل®(1)،© ويؤيد هذا المنزع ®(2)،© ويؤيد ذلك®(3).  ثانياا: ترجيح قول من الأقوال لدللة الآيات أو النصوص عليه، ومن ذلك قوله: - © وهذا هو ظاهر الآية®(4).  ثالثاا: ترجيح القول الموافق لما ذهب إليه جمهور العلماء، أو ما تعارف عل يه الناس، واتفقوا عليه، ومن ذلك قوله: - © عُرْف الستعمال®(5). - © ول خلاف ®(6). - © والجمهور®(7)،© وقال الجمهور®(8).  رابعاا: ترجيح أكثر من قول في تفسير الآية، ومن ذلك قوله: - © وفي جميع ذلك معت®(9). - © واللفظ يقتضي الجميع®(10).  خامساا: تصويب أحد الأقوال على احتمال صحة القول به، أو الحاجة إلى النظر فيه للشك في صحته، ومن ذلك قوله: (1) المحرر الوجيز 9 /198 ). (2) المصدر السابق ( 9 /199 ). (3) المصدر السابق ( 9 /208 ). (4) المصدر السابق ( 9 /142 ). (5) المصدر السابق ( 9 /174 ). (6) المصدر السابق ( 9 /204 ). (7) المصدر السابق ( 9 /208 ،214 ،216 ). (8) المصدر السابق ( 9 /226 ). (9) المصدر السابق ( 9 /170 ). (10) المصدر السابق ( 9 /170 ).

عدد الصفحات ٦٠

52 - © ويحتمل ®(1)،© وهذا محتمل®(2)،© ويحتمل عندي®(3)،© وتحتمل الآية®(4)، © وتحتمله هذه الآية®(5) . - © وفي هذا نظر®(6)،© والنظر المحرر في ذلك®(7). - © ويجوز®(8). ○ القسم الثاني: صيغ ابن عطية في التضعيف بين الأقوال: وهذا القسم يندرج تحته مايلي:  أولا: التصريح بتضعيف أحد الأقوال بألفاظ تنص على الضعف، ومن ذلك قوله: - © وهذا ضعيف®(9). - © وهو قول ضعيف®(10). - © وهذا التأويل يضعف®(11). - © وهذا التخصيص ضعيف®(12). - © وقول هذا القائل ضعيف®(13). (1) المحرر الوجيز 9 /174،182،211،215،216،226 ). (2) المصدر السابق ( 9 /134 ). (3) المصدر السابق ( 9 /140 ). (4) المصدر السابق ( 9 /198 ). (5) المصدر السابق ( 9 / 149 ). (6) المصدر السابق ( 9 /137،151،194،212،214 ). (7) المصدر السابق ( 9 /221 ) . (8) المصدرالسابق ( 9 /209 ). (9) المصدر السابق ( 9 /137،149،179،203 ). (10) المصدر السابق ( 9 / 146 ). (11) المصدر السابق ( 9 /147 ). (12) المصدر السابق ( 9 /151 ). (13) المصدر السابق ( 9 /161 ).

عدد الصفحات ٦١

53 - © وقول... ضعيف ®(1).  ثانياا: التصريح بتضعيف أحد الأقوال بألفاظ لها معنى الضعف، ومن ذلك قوله: - © وهذا قول أجن®(2). - © وفي إضافة السكرة إلى اسم الله ب ُعْد®(3). - © وهذا يبعد على ... ®(4). - © وهذا غير قوي®(5). - © وهذا وَهْم®(6). - © وهذا عندي ليصح عن ®(7). - © وهذا قول مستكره ®(8). - © وهذا على تََو ز ®(9).  ثالثاا: تضعيف القول لعدم موافقته للدليل، ومن ذلك قوله: - © وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب ا ®(10). (1) المحرر الوجيز ( 9 /191 ). (2) المصدرالسابق ( 9 /132 ). (3) المصدر السابق ( 9 /145 ). (4) المصدر السابق ( 9 /146 ). (5) المصدر السابق ( 9 /179 ). (6) المصدر السابق ( 9 /187 ). (7) المصدر السابق ( 9 /192 ). (8) المصدر السابق ( 9 /215 ). (9) المصدر السابق ( 9 /226 ). (10) المصدر السابق ( 9 /132 ).

عدد الصفحات ٦٢

54 - © أن معنى توقيف الكافر وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أجرى في الآية وأو بالوصف ®(1).  رابعاا: تضعيف القول لمعارضته لما تقتضيه علوم اللغة، ومن ذلك قوله: - © وهذا تفسير لتعطيه اللفظة®(2).  (1) المحرر الوجيز 9 /148 ). (2) المصدر السابق ( 9 /175 ).

عدد الصفحات ٦٣

 أولاً: المرجح ات القرآنية .  ثانياًالترجيح بالسنة النبوية .  ثالثاً: الترجيح بالآثار .  رابعاً: الترجيح بالإجماع.  خامساً: الترجيح بعلوم اللغة العربية  سادساً: الترجيح بال عرف .  سابعاً: الترجيح بالتاريخ .

عدد الصفحات ٦٤

56 لاشك أن ترجيح القرآن بالقرآن هو من أشرف طرق التفس وأقواها وأصحها في المقام الأول، وهو المعتمد الأول لدى العلماء في تفسير كتاب الله، إذ أن ما أُجْمِل في موضع ب ُيِّن في مو ضع آخر، وما اختُصِر في موضع بُسِط في آخر ، ولقد ظهرت عناية ابن عطية في تفسيره بالمرجحات القرآيية واضحة من خلال السور الثلاث: ( ق، والذاريات، والطور )، وذلك حسب مايأتي: 1- الترجيح بالنظائر القرآيية : اتبع ابن عطية طريقة ال سلف في تفسير القرآن بالقرآن، فإذا ورد في تفسير الآية مايعضدها من الآيات الأخرى رجحه على ماسواه من الأقوال . ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﮞ ﮟ} [الطور1]. حيث اختلف المفسرون في المراد بالطور على ثلاثة أقوال (1) : فذهب بعضهمإلى أن الطور اسم جنس، فكل جبل يطلق عليه طور، وهذا القول ضعفه ابن عطية(2). و رأى بعضهم الآخر أن المراد به كل جبل أجرد لا ينبت شجراً، وقد رد عليهم ابن كثير (3) بقوله© فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى ’، وأرسل منه عيسى ’، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طوراً ، إنما يقال له: جبل ®(4). (1) ينظر: المسألة الأولى في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الطور صفحة ( 234 ). (2) ينظر: المحرر الوجيز 9 /203 .) (3) ابن كثير: هو أبو الفداء ، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، عماد الدين، حافظ، مؤرخ، فقيه ، له عدة تصاييف، توفي سنة ( 747 ه ينظر: المنهل الصافي ( 2 /414 )، و الأعلام ( 1 /320 ). (4) تفسير القرآن العظيم لابن كث ( 7 /427 .) أولاً: المرجحات القرآنية

عدد الصفحات ٦٥

57 والصحيح فيه ما ذهب إليه جْع من المفسرين ، ورجحه ابن عطية (1)، والشنقيطي(2) بأن المراد به طور سيناء، وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى ’. ويعضد هذا القول الآيات القرآيية الواردة في هذا المعنى: ومنها قوله تعالى: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ }[52]، وقوله { ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ }[29]، وقوله{ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ}[46]. وهذا القول توافقه القاعدة الترجيحية القائلة القول الذي تؤيده آيات قرآيية مقدم على ما عدم ذلك(3). 2- الترجيح بظاهر القرآن : سار ابن عطية في ترجيحه للأقوال على تقديم القول الموافق لظاهر اللفظ القرآني على ماكان مخالفاً له. ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ} [ ق: 18]. فقد اختلف المفسرون فيما يكتبه الكتبة من الملائكة في هذه الآية (4)،وفي ذلك قال ابن عطية: © قال الحسن بنأبي الحسن(5)،وقتادة(6): يكتب الملكان جْيع الكلام، فيثبت الله (1) ينظر: المحرر الوجيز 9 /204 .) (2) أضواء البيان7 /725 .) الشنقيطي: هو محمد الأميِّ بن محمد المختار بن عبدالقادر الجكني الشنقيطي، مفسر، مدرس، من علماء شنقيط في موريتاييا، له عدة مصنفات، توفي سنة ( 1393 ه ). ينظر: الأعلام6 /45 ) . (3) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسرين 1 /281 .) (4) ينظر: المسألة التاسعة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة ( ق صفحة ( 125 ). (5) الحسن بن أبي الحسن: هو أبو سعيد، الحسن بن يسار البصري، تا بعي، أحد العلماء الفقهاء الفصحاء في ز منه، توفي سنة ( 110 ه ). ينظرطبقات المفسرين للداودي ( 1 /150 )، والأعلام2 /226 ). (6) قتادة هو أبو الخطاب، قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي البصري، تابعي، ضرير، ثقة، مفسر، حافظ، كان ر أساً في العربية، ومفردات الل غة، وأيام العرب والنسب، توفي سنة ( 118ه ). ينظر: معرفة الثقات للعجلي ( 2 /215 )، والأعلام ( 5 /189 ).

عدد الصفحات ٦٦

58 من ذلك الحسنات والسيئات، ويمحو غير ذلك ، وهذا هو ظاهر الآية. و قال أبو الجوزاء (1)، ومجاهد(2) :يكتبان عليه كل شيء حتى أيينه في مرضه ، وقال عكرمة (3): المع: ما يلفظ من قول خير أو شر، و أما ما خرج عن هذا فإيه لا يُ كتب، والأول أصوب ®(4). وترجيح ما ذهب إليه ابن عطية هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة : بعدم جواز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه (5) . 3- الترجيح بدلالة السياق القرآني : إذا وردت عدة تفاسير للآية فإن ابن عطية يرجح منها القول الموافق للسياق القرآني، وقرا ئن السياق على ماعداه من الأقوال. ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ}[ الذاريات : 16]. اختلف المفسرون في المراد بقوله {ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ}(6): فذهب بعضهم إلى أن المراد آخذين في الدييا ما آتاهم ربهم من الفرائض والشرائع . وذهب جْع من المفسرين إلى أن المراد: آخذين في الجنة ما آتاهم ربهم من الكرامة و النعيم (1) أبو الجوزاء : هو أوس بن عبدالله بن خالد الربعي، أبو الجوزاء البصري، كان عابدا فاضلا ، صحب ابن عباس ƒ اثنتي عشرة سنة، قتل في الجماجم سنة ( 83 هينظر: التاريخ الكبير ( 2 /16 )، والثقات لابن حبان ( 4 /42 ). (2) مجاهد: هو أبو الحجاج، مجاهد بن جبر المكي المخزومي، أحد التابع ، وشيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس ƒ، توفي سنة 104 ه. ينظر: سير أعلام النبلاء ( 4 /449 )، و طبقات المفسرين للداودي ( 2 /305 ). (3) عكرمة : هو أبو عبدالله، عكرمة بن عبدالله البربري ، المدني، الهاشمي، مولى عبدالله بن عباس ، تابعي، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي ، توفي سنة ( 105 هينظر: حلية الأولياء ( 3 /326 )، وتذكرة الحفاظ 1 /95 ). (4) المحررالوجيز ( 9 / 142 ). (5) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسرين 1 /122 .) (6) ينظر: المسألة السادسة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الذاريات صفحة ( 190 ).

عدد الصفحات ٦٧

59 في الآخرة، وهذا القول هو ما رجحه ابن عطية في تفسير الآية لدلالة سياق الآيات، حيث أن الآيات قبلها أتت لبيان مصير المؤمنيِّ في الآخرة، وما أُعد لهم من الكرامة والنعيم، وذلك في قوله تعالى: {ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ} [ الذاريات : 15- 16]. ولقرينة السياق في قوله { ﮈ ﮉ} أي: في الدييا،{ ﮊ } أي محسنيِّ في الدييا بالطاعة والأعمال الصالحة، وقد أتت تعليلاً لاستحقاقهم هذا النعيم في الآخرة. وترجيح هذا القول هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: إدخال الكلام في معاني ما قبله، وما بعده أولى من الخروج به عنهما (1)،كما أن القول الذي تؤيده قرائن السياق مرجح على ما خالفه(2). 4- الترجيح باعتبار عموم اللفظ في الآية : إذا ورد اللفظ في الآية عاماً ولم يرد دليل على تخصيصه فابن عطية يرجح القول ب العموم في الآية. ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ}[ الذاريات : 7 ]. حيث اختلف المفسرون في المراد بالسماء في هذه الآية (3): فذهب بعضهم إلى أن المراد بها السماء السابعة . و رأى بعضهم الآخر أن المراد بها السحاب. وذهب أكثر المفسرين إلى أن السماء هنا اسم جن س يراد به السماوات السبع جْيعها . وهذا القول هو مارجحه ابن عطية وغيره م ن المفسرين لعموم اللفظ في الآية . وترجيح هذا القول هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: الأولى حمل يصوص الوح ي على (1) ينظر: قواعد الترجيح 1 /111 .) (2) ينظر: قواعد الترجيح 1 /269 .) (3) ينظر: المسألة الثالثة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الذاريات صفحة ( 179 ).

عدد الصفحات ٦٨

60 العمم مالم يرد يص بالتخصيص(1). 5- الترجيح الموافق للقراءات القرآيية : إذا وردت عدة أقوال في تفسير الآية فإن ابن عطية يرجح منها القول الموافق للفظ القرا ءة القرآيية على غيره من الأقوال. ومثال ذلك ماجاء في تفسير قوله تعالى : {ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ} [ الطور: 18]. حيثورد في قوله: {ﭬ} ثلاثة قراءات (2)، وقد رجح ابن عطية في معناها ما كان موافقاً لقراءة الجمهور ( فاكهيَِّ ) أي بمعنى: فرحيِّ مسرورين معجبيِّ منعميِّ بم ا آتاهم ربهم من الخير والكرامة . وهذا القول هو الموافق للقاعدة الترجيحية القائلة: إن معنى القراءة المتواترة أولى بالصو اب في الآية من غيرها(3). 6- الترجيح الموافق لرسم المصحف : إذا ورد المعنى موافقاً لرسم اللفظ في المصحف فابن عطية يرجحه على غيره من المعا ني. ومثال ذلك ماجاء في تفسير قوله تعالى : {ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ} [ الذاريات : 47]. حيث اختلف المفسرونفي المعنى المراد من قوله: { ﯲ }(4)،على قوليِّ: فذهب بعضهم إلى أن المراد بها جْع ( يد )، وهذا القول ضعفه ابن عطية. (1) ينظر: قواعد الترجيح 2 /166 .) (2) ينظر: المسألة الخامسة في الدراسة التطبيقية للترجيحات سورة الطور صفحة ( 248 ) . (3) ينظر: قواعد الترجيح 1 /92 .) (4) ينظر: المسألة الرابعة عشرة في الدراسة التطبيقية للترجيحات في سورة الذاريات صفحة ( 219 ) .

عدد الصفحات ٦٩