المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ترجيحات ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز من أول سورة ق إلى آخر سورة الطور عرضا ودراسة

جوهرة بنت عبد الله الجعفري

صفحة ١٥ من ٢٣

223 الن  :(( اعمَلوا فكل ميسر لما خلقَ له ))(1)، وقوله: (( كلُّ مولودٍ يولدم على الفطرة ))(2) ... الحديث®(3). الدراسة والترجيح : اختلف المفسرون في معنى هذه الآية على خمسة أقوال: القول الأول: إن الآية عامة، والمعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة ، ويقر وا لي بالوحدانية و العبودية. وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب ، وابن عباسƒ. وذكره جمع من المفسرين منهم: مقاتل(4)، وابن أبي حاتم(5)، والماتريدي (6)،والسمرقندي (7)، وابن أبي زمن (8)، والثعلبي(9)، (1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الليل، باب قوله تعالى: {ﯛ ﯜ ﯝ} (6 /171 / برقم 4949 )، عن علي بن أبي طالب  قال© كان الن في جنازة، فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض، فقال: (( ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجن ة )) قالوا يا رسول الله: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟، قال: (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة )) م قرأ: {ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ[}5-6] الآية®، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتا ب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله، وشقاوته وسعادته ( 1 /1222 / برقم 2647 )،عن علي  كذلك. (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشرك 2 /100 / برقم 1385 )،عن أبي هريرة  قال: قال رسول ا  :© كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟ ®، وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ، في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار، وأطفال المسلمين ( 1 /1226 / برقم 2658 ). (3) المحرر الوجيز 9 /198- 199 .) (4) ينظر تفسير مقاتل ( 4 /133 .) (5) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ( 10 /3313 .) (6) ينظر تفسير القرآن العظيم للماتريدي ( 4 /587 .) (7) ينظر بحر العلوم ( 3 /280 .) (8) ينظر تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ( 4 /291 .) (9) ينظر الكشف والبيان ( 9 /120 .)

عدد الصفحات ٢٣٢

224 والواحدي(1)، وابن عطية(2)، وابن الجوزي (3)، والقرطبي (4)، والخازن (5)، وأبو حيان(6)، وابن كثير (7)، وابن عجيبة(8). ورجحه الطبري(9)،والماوردي (10)، والسمين الحلبي(11)، والشربي (12). قال الطبري© وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس ، وهو ما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا ®(13). وقال القرطبي: © وقال علي: أي وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة، واعتمد الزجاج هذا القول، ويدل عليه قوله تعالى : { ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ } [31] .فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته وا لتذلل لأمره ومشيئته ؟ قيل تذللوا لقضائه عليهم؛ لأن قضاءه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه ، وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به ، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه ®(14). واستدل أصحاب هذا القول بدليلين من القرآن: 1/ قوله تعا { ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ } [31]. (1) ينظر التفسير البسيط ( 20 /465 .) (2) ينظر المحرر الوجيز ( 9 /198 .) (3) ينظر زاد المسير ( 8 /42 .) (4) ينظر الجامع لأحكام القرآن ( 19 /075 .) (5) ينظر لباب التأويل ( 4 /197 .) (6) ينظر البحر المحيط ( 8 /141 .) (7) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 7 /425 .) (8) ينظر: البحر المديد5 /481 .) (9) ينظر جامع البيان للطبري ( 21 /555 .) (10) ينظر: النكت والعيون5 /374 .) (11) ينظر الدر المصون ( 10 /60 .) (12) ينظر السراج المنير ( 4 /107 .) (13) جامع البيان للطبري21 /555 .) (14) الجامع لأحكام القرآن 19 /507 .)

عدد الصفحات ٢٣٣

225 2 /قولهتعالى: {ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ } [5]. ووجه الد لالة من الآيتين: أن الله عزوجل خلق الخلق من الجن والإنس ليأمرهم بالعبادة، فيقروا بها له وحده لا شريك له . القول الثاني: إن المعنى خاص، والمراد: وما خلقت الطائ عين من الجن والإنس إلا لعبادتي، فهؤلاء هم أهل السعادة، أما العاصو ن فهم أهل الشقاء. وهذا القول مروي عن زيد بن أسلم ، وسفيان الثوري . وذكره بعض المفسرين منهم: مكي بن أبي طالب (1)، والواحدي(2)، وابن الجوزي (3)، والقرطبي (4)، والنسفي(5). ورجحه السمعا (6). قال النسفي© العبادة إن حملت على حقيقتها فلا تكون الآية عامة، بل المراد بها الم ؤمنون من الفريقين ، دليله السياق أعني {ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ }[55]،وقراءة ابن عباس ƒ: (( وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدو ))، وهذا لأنه لا يجوز أن يخلق الذين علم منهم أنهم لا يؤمنون للعبادة؛ لأنه إذا خلقهم للعبادة وأراد منهم العبادة فلا بد أن توجد منهم، فإذا لم يؤمنوا علم أنه خلقهم لجهنم ،كما قال: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ}[179] ®(7). وقال ابن الجوزي : © وهذا اختيار القاضي أبي يعلى(8) فإنهقال: معنى هذا الخصوص لا العموم، (1) ينظر الهداية إلى بلوغ النهاية ( 11 /7108 .) (2) ينظر التفسير البسيط ( 20 /465 .) (3) ينظر زاد المسير ( 8 /24 .) (4) ينظر الجامع لأحكام القرآن ( 19 /506 .) (5) ينظر مدارك التنزيل ( 3 /380 .) (6) ينظر تفسير القرآن للسمعاني ( 5 /264 .) (7) مدارك التنزيل 3 /380 .) (8) أبو يعلى: هومحمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي، المعروف بالقاضي أبي يعلى ابن الفراء، كان من فقهاء الحنابلة، مع علمه بالقرآن والتفسير والأصول، له تصانيف كثيرة، توفي سنة ( 458 هـ ). ينظر: سير أعلام النبلاء ( 18 /79 )، والأعلام6 /99 .)

عدد الصفحات ٢٣٤

226 لأن البـملْ ه والأطفال وامجاانين لا يدخلو ن تحت الخطاب وإن كانوا من الإنس ، فكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ}[179]، فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة ®(1). واستدل أصحاب هذا القول بما يأتي: 1 /سياق الآية مع ما قبلها وهو قوله {ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ} [ذاريات 55]. 2/ قوله تعا{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ}[179]. ووجه استدلالهم به أن الله عزوجل خلق الجن والإنس من المؤمنين لعبادته ودخول جنته ، أما من عصاه منهم فيعلم من أفعالهم أن الله سبحانه خلقهم ليدخلهم جهنم. 3/ القراءة المروية عن عبدالله بن عباس ƒ، حيث قرأ : © وما خلقت الجن وانس من المؤمنين إلا ليعبدوني ®. وقد ردَّ ابن تيميةعلى أصحاب هذا الرأي بقوله: © وهو قول ضعيف مخالف لقول الجمهور، ولما تدل عليه الآية، فإن قصد العموم ظاهر في الآية، وبينِّ بيانا لا يحتمل النقيض، إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة، فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا له، ولم يذكر الإنس والجن عموما ، ولم تذكر الملائكة، مع أن الطاعة والعبادة وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس والجن، وأيضا فإن سياق الآية يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم؛ لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق له، ولهذا عقبها بقوله: { ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ } [57]، فإثبات العبادة ونفي هذا يبين أنه خلقهم للعبادة®(2). القول الثالث: معنى { ﭸ }: أيليتذلَّ لم وا لي ولقدرتي ، إذ معنى العبادة في اللغة: التذلل (1) زاد المس 8 /42 .) (2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن ت يمية ( 8 /40- 41 .)

عدد الصفحات ٢٣٥

227 والانقياد، وعليه فجميع الجن والإنس خاضع متذلل لقدرة الله ومشيئته ، والكفار كذلك . و هذا القول ذكره بعض المفسرين كالبغوي(1)، والثعال(2). قال البغوي© وقيل: معناه: إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل للمشيئة، لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه قدر ذرة من نفع ولا ضر ®(3). القول الرابع إن المعنى: و ما خلقت الجن والإنس إلا مم عَ دِّ ين لعبادتي، فخلقت لهم عقولا وحواس وأجساما منقادة للعبادة، إلا من صرف نفسه عنها بعمله وكسبه . وهذا القول قال باحتمال معناه ابن عطية(4)، كما ذكره البيضاوي(5). قالابن عطية© : وتحتمل الآية أن يكون المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا ممعَ دِّ ين ليعبدوني، وكأن الآية تعديد نعمة، أي خلقت لهم حواس وعقولا وأجساما منقادة نحو العبادة، وهذا كما ت قول: البقر مخلوق للحرث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يحرث وما لا يحارب به أصلا ، فالمعنى: أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسَّ ب صرف نفسه عن ذلك ®(6). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي 1 /قـول النبي  :© اعمَلوا فكل ميسر لما خلقَ له ®(7). 2/ وقوله  :© كل مولودٍ يولدم على الفطرة ®(8). (1) ينظر معالم التنزيل ( 7 /381 .) (2) ينظر الجواهر الحسان ( 5 /306- 307 .) (3) معالم التنزيل 7 /381 .) (4) ينظر المحرر الوجيز ( 9 /198- 199 .) (5) ينظر أنوار التنزيل ( 3 /326 .) (6) المحرر الوجيز 9 /198- 199 .) (7) هذا الحديث ذكر في قول ابن عطية في بداية المسألة وتم تخريجه في صفحة ( 223 ) في هامش1 .) (8) سبق تخريجه في صفحة223 ) في هامش2 .)

عدد الصفحات ٢٣٦

228 القول الخامسالمعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفون، إ ذ أن خلقهم هو سبب معرفت هم بوجود الله ووحدانيته واستحقاقه للعبادة . وهذا القول روي عن مجاهد. وذكره مكي بن أبي طالب(1) . وحسنه الثعل (2)، والخازن(3). قال الخازن © وقيل: معناه: إلا ليعرفوني ، وهذا حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لم يم عرف وجوده وتوحيده ®(4). واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: {ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ } [38]. ووجه استدلالهم به: أن في خلق الله لهذا الكون وما حوى من مخلوقات ما يدل الثقل على وجوده، واستحقاقه للعبودية وحده سبحانه لا شريك له . وردَّ ابن تيمية على هذا الرأي: بأن خلق الله لهم قد يكون شرطا في معرفتهم به ، إلا أن هذه المعرفة لا تقتضي أن تكون هي الغاية التي خلقوا من أجلها، إذ الغاية من خلقهم هي العبادة لله وحدة (5). والقول الراجح: هو القول الأول، وهو أحد الأقوال التي ذكرها ابن عطية بنسبته إلى الصحابيين الجليلين: علي بن أبي طالب ، وابن عباسƒ . وقد أفاد قولهما أنالآية عامة، والمعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة، ويقروا لي بالوحدانية و العبودية. (1) ينظر الهداية إلى بلوغ النهاية ( 11 /7108 .) (2) ينظر الكشف والبيان ( 9 /120 .) (3) ينظر لباب التأويل ( 4 /197 .) (4) المصدر السابق. (5) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 8 /50- 51 .)

عدد الصفحات ٢٣٧

229 وترجيح هذا ا لقول لما يأتي: 1 /دلالة الآيات القرآنية على أن الله عزوجل قد خلق الجن والإنس ليأمرهم بالعبادة ويقروا له بها وحده لا شريك له، وذلك في قوله تعالى: { ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ}[31]، وقوله{ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ } [5]. 2/ أن هذا القول يدل عليه ظاهر اللفظ في الآية، وهو ما انتهى إليه فهم أكثر المفسرين فيه، قال الشنقيطي: © فإرادة عباد م المدلول عليها باللام في قوله: { ﭸ} إرادة دينية شرعية ، وهي الملازمة للأمر ، و هي عامة لجميع من أمرتهم الرسل بطاعة الله ®(1). 3 /أن سياق الآيات في السورة يدل على العموم، حيث قال سبحانه في الآية التي قبلها: {ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ}[55]، م ذكر ™ في الآيات بعدها الوعيد الذي أعده للكافرين، بقوله: {ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ }[59- 60]. كما أن سياق الآية مع ما بعدها فيه دلالة على إرادة الله عزوجل للعبودية من هم، و أمرهم بالإقرار بها له وحده لا شريك له، حيث قال سبحانه: {ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ } [56-58]. 4/ أن هذا القول هو ما ذهب إليه أكثر المفسرين في تفسيرهم للآية، مع ترجيح ب عضهم له، واستدلالهم عليه. أما الأقوال الأخرى فلم ترد إلا عن نزر يسير منهم . 5 /موافقة هذا التجيح للقاعدة القائلة: إن القول الذي تؤيده آيات قرآنية، و قال به جمهور (1) ينظر أضواء البيان ( 7 /714 .)

عدد الصفحات ٢٣٨

230 السلف مقدم على غيره، كما أن ك ل تفسير لم يؤخذ من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو مر دود، و لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه (1).  (1) ينظر قواعد التجيح ( 1 /122 ،258 ،281 )- (2 /7 .)

عدد الصفحات ٢٣٩

232 بينيدي السورة : هذه السورة مكية بإجماع من المفسرين (1). سُميت بالطور نسبة إلى اللفظ الواقع في أول السورة، وقد ورد في صحيح البخاري تسميتها بسورة ( والطور ) مع الواو، نسبة إلى الآية الأولى منها (2). بلغت آيات هذه السورة تسع ا وأربعين آية، و هي من السور التي كان يقرأ بها النبي  كثيرا في صلاته(3)، فعنجبير بن مطعم (4) قال: © سُعت النبي  يقرأ في المغرب بالطور ، وذلك أول مــا وقر الإيمان في قلبي ®(5). وعن أم سلم ة ~(6) قالت: © شكوت إلى رسول ا  أني اشتكي ، فقال: © طو من وراء الناس وأنت راكبة ®، فطفت ورسول ا  يصلي إلى جنب البيت، يقرأ: بـــــ {ﮞﮟ (1) ينظر تفسير مقاتل ( 4 /141 )، والمحرر الوجيز 9 /203 )، والجامع لأحكام القرآن 19 /511 .) (2) ينظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة والطور 6 /139 .) (3) ينظر: التفسير الوسيط للقرآن الكريم لمحمد السيد طنطاوي 27 /39 .) (4) جبير بن مطعم: هو الصحابي اليل أبو عدي، وقيل: أبو حممد، جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد منا القرشي، كان من علماء قريش وسادتهم، ومن كبار النسابين، توفي بالمدينة سنة ( 57 هـ ) وقيل59 هـ ). ينظر: الاستيعاب ( 1 /119 )، وأمسْد الغابة1 /323 .) (5) أخرجه البخاري في صحيحه، ك تاب الأذان، باب الجهر في المغرب ( 1 /153 / برقم 765 )، عنجبير بن مطعم ، و أخرجه كذلك في كتاب الجهاد، باب فداء المشركين ( 4 /69 / برقم 3050 )، وأخرجه في كتاب المغازي، باب: حدثني خليفة، حدثنا حممد بن عبدالله الأنصاري، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس  قال© مات أبو زيد، ولم يترك عَقِبا ، وكان بَدْرِيا ® (5 /86 / برقم 4023 )، وأخرجه أيضا في كتاب التفسير، باب تفسير سورة والطور 6 /140 / برقم 4854 )، كما أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح ( 1 /214 / برقم 463 ) عن جبير بن مطعم  كذلك (6) أم سلم ة ~ :هي الصحابية الجليلة أم المؤمنين: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله المخزومي، تزوجت من أبي سلمة بن عبد الأسد، وقد هاجرت معه الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وبعد وفاته تزوجها ا لرسول  وذلك في السنة الثانية من الهجرة، توفيت بالمدينة سنة ( 59 هـ ) وقيل سنة60 هـ ). ينظر: الاستيعاب1 /941 )، وأسد الغابة ( 6 /289 .)

عدد الصفحات ٢٤١

233 ﮠ ﮡ }[1-2] ®(1). ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أن الله عز وجل لما ختم سورة الذاريات بالوعيد للكافرين، وما أعده لهم من العذاب الشديد وذلك في قوله تعالى: {ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ}[59-60]،ابتدأ سبحانه هذه السورة بالقسم بخمسة من أعظم مخلوقاته للتأكيد على أن هذا العذاب واقع بالكافرين لاحمالة، حيث قال سبحانه: {ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ }[7]، فناسبت الآيات التي ختم بها سورة الذاريات ما ابتدأت به سور ة الطور(2). وقد اشتملت هذه السورة على اثنتي عشرة مسألة ترجيحية ، دِ راستم ها فيما يأتي.  (1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب إدخال البعير في المسجد للعلة 1 /100 / بر قم: 464 )، عن أم سلمة ~، وأخرجه كذلك في كتاب الحج، باب المريض يطو راكبا ( 2 /155 / برقم 1633 )، وأخرجه في كتاب التفسير، باب تفسير سورة والطور ( 6 /140 / برقم 4853 )، كما أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب جواز الطوا على بعير وغيره، واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب ( 1 /579 / برقم 1276 ) عن أمسلمة ~. (2) ينظر البحر المحيط ( 8 /143 )، والبحر المديد5 /485 .)

عدد الصفحات ٢٤٢

234 المسألة الأولى: المراد بالطور: وذلك في قوله تعالى: {ﮞ ﮟ}. قالابن عطية: © قال بعض أهل اللغة: كل جبل ( طور )، فكأنه تبارك وتعالى أقسم بالجبال، إذ هو اسم جنس، وقال آخرون: ( الطور ) كل جبل أجرد لا ينبت شجرا ، وقال مجاهد في كتاب الطبري: ( الطور ) الجبل بالسريَ انِ ية(1). وهذا ضعيف، لأن من حكاه في العربية يقضي على هذا ، ولا خلا أن في الشام جبلا يسمى بالطور، وهو طور سيناء، وقال نو البكالي(2): إنه الذي أقسم الله تعالى به لفضله على الجبال ، إذ قد روي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أني مهبط على أحدكم أمري - يريد رسالة موسى ’ - فتطاولت كلها إلا الطور فإنه استكان لأمر الله تعالى وقال: حسبي الله، فأهبط الله تعالى الأمر عليه ®(3). الدراسةوالترجيح : اختلف المفسرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن المراد بالطور هنا: اسم جنس، فكل جبل يقال له: طور بالسريانية . وهذا القول ذكره الصنعاني(4)، وابن أبي حا(5)، وابن أبي زمنين (6) .وضعفه ابن عطية(7). (1) السريَانِية: لهجة آرامية مرتبطة بالمسيحية، انتشرت في الشام وشمال العراق، وكان لها اتصال وثيق باللغة العر بية، حيث انتقلت كلمات كثيرة من السريانية إلى العربية، كما أن الترجمات السريانية لها الفضل في نقل تراث اليونان إلى العربية. ينظر: أسس علم اللغة العربية لمحمود فهمي حجازي ( 1 /180- 183 .) (2) نو البكالي: هو نو بن فضاله الحميري البكالي، إمام أهل دمشق في عصره، ومن رجال الحديث، كان راويا للقصص، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: © وقع ذكره في الصحيحين في حديث سعيد ابن جب ، عن ابن عباس ƒ،عن أبي بن كعب ، في قصة موسى والخضر. قلت: ذكره البخاري في الأ وسط، في فصل من مات ما بين التسعين إلى المائة ، وذكره اب ن حبان في الثقات ®، وقال عنه في تقريب التهذيب © مستور، وإنما كذب ابن عباس  ما رواه عن أهل الكتاب®، توفي نحو سنة ( 95 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ( 2 /352)،3 /367 )، وتهذيب التهذيب4 /249 )، وتقريب التهذيب لابن حجر ( 1 /567 )، والأعلام8 /54 ) . (3) المحرر الوجيز 9 /203- 204 ). (4) ينظر: تفسير القرآن للصنعا 2 /246 .) (5) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن أبي حا 10 /3314 .) (6) ينظر: تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمن 4 /293 .) (7) ينظر: المحرر الوج يز ( 9 /203 .)

عدد الصفحات ٢٤٣

235 وقدرجحه أبو حيان بقوله: © الطور: الجبل، والظاهر أنه اسم جنس لا جبل معين ®(1) . القول الثا إن الطور هو: كل جبل أجرد لا ينبت شجرا . وهذا القول ذكره ابن عطية (2)، والثعال(3). قال ابن عطية © وقال آخرون ( الطور ) كل جبل أجرد لا ينبت شجرا ®(4). القول الثالث يمراد به هنا: طور سيناء، وهو الجبل كثير الشجر الذي كلم الله فيه م وسى ’، وقد اشتهر هذا المعنى لدى أهل العربية . وهذا القول ذكره جمع من المفسرين منهم: مقاتل (5)، والفراء (6)، وأبوعبيدة (7)، والماتريدي (8)، والثعلبي(9)، ومكي بن أبي طالب (10)، و الواحدي(11)،و البغوي(12)، و الزمخشري (13)، وابن عطية(14)، والقرطبي (15)،والبيضاوي(16)، وأبو السعود(17)، والألوسي(18). (1) البحر المحيط8 /143 .) (2) ينظر: المحرر الوجيز 9 /203 .) (3) ينظر: الجواهر الحسان5 /309 .) (4) المحرر الوجيز 9 /203 .) (5) ينظر: تفسير مقاتل4 /143 .) (6) ينظر: معاني القرآن 3 /91 .) (7) ينظر: مجاز القرآن 2 /230 .) (8) ينظر: تفسير القرآن العظيم للماتريدي 4 /592 .) (9) ينظر: الكشف والبيان9 /123 .) (10) ينظر: الهداية إلى بلوغ النهاية 11 /7114 .) (11) ينظر: التفسير البسيط20 /475 .) (12) ينظر: معالم التنزيل 7 /385 .) (13) ينظر: الكشا5 /623 .) (14) ينظر المحرر الوجيز ( 9 /204 .) (15) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 19 /511 .) (16) ينظر: أنوار التنزيل 3 /328 .) (17) ينظر: تفسير أبي السعود8 /146 .) (18) ينظر: روح المعا 27 /26 .)

عدد الصفحات ٢٤٤

236 ورجحه ابن عطية(1)، و الشنقيطي بقوله: © والأظهر أن الطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى ’ ®(2). والقول الراجح هو القول الثالث الذي رجحه ابن عطية ، فالمراد بالطور في هذه الآية : هو طور سيناء الذي كلم الله فيه نبي ه موسى ’. وترجيح هذا القول لما يأتي : 1/ دلالة الآياتالقرآنية عليه في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله تعالى: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ }[52]، وقوله { ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ }[29]، وقوله{ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ}[46]، وقوله: {ﭔ ﭕ }[2]. 2/ قول جمهور المفسرين به في تفسير الآية، وترجيح بعضهم له . قال نو البكالي: © إنه الذي أقسم ا تعالى به لفضله على الجبال، إذ قد روي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أني مهبط على أحدكم أمري - يريد رسالة موسى ’- فتطاولت كلها إلا ال طور فإنه استكان لأمر الله تعالى وقال: حسبي الله، فأهبط الله تعالى الأمر عليه ®(3). 3/ تضعيف القول الأول في دلالته على ممراد الآية هنا، وهذا ما قال به ابن عطية، كما أن هذا القول لم يرد إلا عن عدد قليل من العلماء . 4/ عدم صحة إطلاق القول الثاني علىمسمى الطور، إذ أن الطور هو الجبل كثير الشجر، وهذا ما أفاده العلماء في بيانهم لصفة الطور: قال السمعاني: © وحكي عن ابن عباس  أنه قال: كل جبل ينبت فهو طور، وكل (1) ينظر: المحرر الوجيز 9 /204 .) (2) أضواء البيان7 /725 .) (3) المحرر الوجيز 9 /204 .)

عدد الصفحات ٢٤٥

237 ما لا ينبت فليس بطور ®(1). وقال ابن كث : © فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه م وسى ’، وأرسل منه عيسى ’، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا، إنما يقال له : جبل ®(2). 5 /موافقة هذا الترجيح للقاعدة القائلةإن القول الذي تؤيده آيات قرآنية، وقال به جمهور السلف مقدم على غيره(3).  (1) تفسير القرآن للسمعا 5 /266 .) (2) تفسير القرآن العظيم لابن كث 7 /427 .) (3) ينظر: قواعد الترجيح 1 /258،281 .)

عدد الصفحات ٢٤٦

238 المسألة الثانية المراد بالبحر الم ق س م به: وذلك في قوله تعالى: {ﮭ ﮮ ﮯ}. قالابن عطية: © قال علي بن أبي طالب ، وعبدالله بن عمر ƒ(1): البحر الـمم قسم به هو في السماء تحت العرش، والجمهور على أنه بحر الدنيا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ﭥ ﭦ ﭧ }[6]،وقال منذر بن سعيد: المعنى هو القسم بجهنم، وسُاها بحرا ؛ لِ سَ عَ تها وتموجها ، كما قال  في الفَرَ س(2) : ((وإن وجدناه لبحرا ))(3) ®(4). الدراسةوالترجيح : اختلف المفسرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يمراد به: البحر الذي في السماء تحت العرش. وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمر ƒ. (1) عبدالله بن عمرƒ: هو الصحابي الجليل أبو عبدالرحمن، عبدالله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر معه إلى المدينة، وشهد فتح مكة، وكان من أهل الورع والعلم، كثير الاتباع لآثار الرسول ، شديد التحري والاحتياط في فتواه، مكثرا من رواية الحديث، توفي بعد أن قتل عبدالله بن الزبير  سنة73 هـ ). ينظر: الاستيعاب ( 1/ 419 .) (2) عن أنس قال© كان فزع بالمدينة، فاستعار الن  فرسا من أبي طلحة يقال له: المندوب، فركب، فلما رجع قال: (( ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا )) ®،قال الأصمعي: © يقالللفرس بحر، إذا كان واسع الجري ، أو لأن جريه لا ينف د كما لا ينفد البحر ®. ينظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب الهبة، وفضلها، والتحريض عليها، باب من استعار من الناس الفرس، والدابة، وغيرها ( 5 /284- 285 / برقم 2545 .) (3) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الهبة، باب من استعار من الناس الفَرَس3 /165 / برقم : 2627 )، عن أنس ، وفي كتاب الجهاد، باب اسم الفرس الحمار 4 /29 / برقم 2857 )، وفي كتاب الجهاد أيضا ، باب الركوب على الدابة الصعبة، والفمحمولة من الخيل ( 4 /30 / برقم 2862 )، وفي كتاب الجهاد أيضا ، باب مبادرة الإمام عند الفزع4 /52 / برقم 2968 )، وفي كتاب الأدب، باب المعَارِيض مَندموحة عن الكذب ( 8 /47 / برقم 6212 )، كما أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب شجاعة النبي ، وتقدمه للحرب 2 /1091 / برقم 2307 )، عن أنس. (4) المحرر الوجيز 9 /208 .)

عدد الصفحات ٢٤٧

239 وذكره بعض المفسرين منهم: مقاتل(1)،والسمرقندي (2). قال مقاتل© {ﮭ ﮮ } آية تحت العرش، الممتلئ من الماء، يسمى: بحر الحيوان، يحيى الله به الموتى فيما بين النفختين ®(3). القول الثا إن المراد به: بحر الدنيا . وهذا القول مروي عن ابن عباس ƒ. وذكره جمع من المفسرين منهم: الطبري (4)، وابن أبي حا(5)، والماتريدي (6)، وابن أبي زمنين (7)، والثعلبي(8)، والبغوي(9)،والقرطبي (10)، والبيضاوي(11)، والشربيني (12)،وأبو السعود(13). ونسبه إلى الجمهور ابن عطية (14)، وأبو حيان (15)، وابن كث (16)، والثعال (17)، والألو سي(18). (1) ينظر: تفسمقاتل ( 4 /143 .) (2) ينظر: بحر العلوم3 /283 .) (3) تفسير مقاتل4 /143 .) (4) ينظر: جامع البيان للطبري21 /567 .) (5) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن أبي حا 10 /3315 .) (6) ينظر: تفسير القرآن العظيم للماتريدي 4 /593 .) (7) ينظر: تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ( 4 /294 .) (8) ينظر: الكشف والبيان9 /124 .) (9) ينظر: معالم التنزيل 7 /386 .) (10) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 19 /516 .) (11) ينظر: أنوار التنزيل 3 /329 .) (12) ينظر: السراج المن 4 /111 .) (13) ينظر: تفسير أبي السعود ( 8 /146 .) (14) ينظر: المحرر الوجيز 9 /208 .) (15) ينظر: البحر المحيط8 /144 .) (16) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كث 7 /429 .) (17) ينظر: الجواهر الحسان5 /310 .) (18) ينظر: روح المعا 27 /28 .)

عدد الصفحات ٢٤٨