المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ترجيحات ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز من أول سورة ق إلى آخر سورة الطور عرضا ودراسة

جوهرة بنت عبد الله الجعفري

صفحة ١٤ من ٢٣

207 وترجيح هذا القول لما يأ : 1 /إخبار الله عزوجل ببشارة الملائكة لنبينا إبراهيم ’، وزوجته سارة بولدهما إسحا ق ’ في مواضع أخرى من القرآن الكريم . 2/ مخالفة القول الثاني لما نمص عليه في القرآن الكر، ولما ذهب إليه الجمهور. 3/ أن الله عزوجل قد وصف إسحاق ’ بأنه ( عليم ) كما في هذه الآية، ووصف إسُاعيل ’ بأنه ( حليم )، كما في قوله تعالى: {ﯵ ﯶ ﯷ}[101]. كما أن سياق الآيات في سورة الصافات تدل على أن الغلام الحليم هو إسُاعيل ’، وليس إسحاق ’؛ لورود البشارة به لإبراهيم ’ بعد ذلك، حيث قال تعالى: {ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ } [100-113]. 4 / أن هذا القول هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين، ورجحه عدد منهم، بخلاف القول الثاني. 5 /موافقة هذا التجيح للقاعدة القائلةإن القول الذي تؤيده آيات قرآن ية مرجح عل ى غيره، وتفسير جمهور السلف مقدم على غيره من الأقوال(1).  (1) ينظر: قواعد التجيح 1 /258،281 .)

عدد الصفحات ٢١٦

208 المسألة الحادية عشرة: ما يُحمل عليه ذكر الإيمان ثم الإسلام في الآيات: وذلك في قوله تعالى: {ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ}. قالابن عطية: © قال المفسرون: ولا ف رق ب ين تقدم ذكر المؤمنين وتأخره ، وإنما هما و صفان ذكرهم ، أولا بأحدهما م آخر ا بالثاني، قال الرُّ مَّ اني: الآية دالة على أن الإيمان هو الإسلام . قال القاضي أبو محمد ¬ :ويظهر أن في المعنى زيادة تحسِّ ن التقديم للإيمان، وذلك أنه ذكره مع الإخراج من ا لقرية ، كأنه تعالى يقول: لقد أمرنا بإخراج كل مؤمن ، ولا يشت ط فيه أن يكون عاملا بالطاعات، بل التصديق بالله تعالى فقط ®(1). الدراسة والترجيح : اختلف المفسرون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن معنى الإيمان والإسلام واحد. وهذا القول منسوب إلى الرُّ مَّ اني. و ذكره بعض المفسرين كالماتريدي (2)، والبغوي(3)، والزمخشري (4)، والنسفي(5)، وابن عطية(6). وضعفه البيضاوي(7)، وابن كث (8)، والألوسي(9). (1) المحرر الوجيز 9 /189- 190 .) (2) ينظر: تفسير القرآن العظيم للماتريدي 4 /582 .) (3) ينظر معالم التنزيل ( 7 /377 .) (4) ينظر الكشاف ( 5 /617 .) (5) ينظر مدارك التنزيل ( 3 /377 .) (6) ينظر المحرر الوجيز ( 9 /189 .) (7) ينظر: أنوار التنزيل 3 /324 .) (8) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 7 /422 .) (9) ينظر روح المعاني ( 27 /14 .)

عدد الصفحات ٢١٧

209 قال الزمخشري © وفيه دليل على أنّ الإيمان والإسلام واحد ®(1). وقال ابن كثير: © احتج بهذهالآية من ذهب إلى رأي المعتزلة ، ممن لا يفرق بين مسم ى الإيمان والإسلام؛ لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف ®(2). القول الثاني: إن الإيمان هو غير الإسلام. وهذا القول ذكره جماعة من المفسرين كالقرطبي (3)، والخازن (4)، والحسن النيسابوري (5)، وابن عادل الحنبلي(6)، والبقاعي(7)، والشربي (8)، وابن عجيبة(9)، و المراغي (10)، وابن عاشور(11). وهو ما رجحه ابن عطية(12)، والرازي (13)، والثعال(14)، والشوكا (15). قال ابن عطية© ويظهر أن في المعنى زيادة تحسِّ ن التقديم للإيمان، وذلك أنه ذكر ه مع الإخراج من القرية ، كأنه تعالى يقول: لقد أمرنا بإخراج كل مؤمن ، ولا يشت ط فيه أن يكون عاملا بالطاعات، بل التصديق بالله تعالى فقط ®(16). (1) الكشاف5 /617 .) (2) تفسير القرآن العظيم لابن كث 7 /422 .) (3) ينظر الجامع لأحكام القرآن ( 19 /497 .) (4) ينظرلباب التأويل ( 4 /195 .) (5) ينظر غرائب القرآن ورغائب الفرق ان ( 6 /189 .) (6) ينظر: اللباب في علوم الكتاب18 /90 .) (7) ينظر نظم الدرر ( 18 /466- 467 .) (8) ينظر السراج المنير ( 4 /103 .) (9) ينظر البحر المديد ( 5 /476 .) (10) ينظر تفسير المراغي ( 27 /5 .) (11) ينظر التحرير والتنوير ( 27 /8 .) (12) ينظر: المحرر الوجيز ( 9 /190 .) (13) ينظر مفاتيح الغيب ( 28 /219 .) (14) ينظر الجواهر الحسان ( 5 /303 .) (15) ينظر فتح القدير ( 2 /719 .) (16) المحرر الوجيز 9 /190 .)

عدد الصفحات ٢١٨

210 والقول الراجح هو القول الثاني، وهو أن الإيمان هو غير الإسلام، وهو ما رجحه ابن عطية . وترجيح هذا القول لما يأتي : 1/ دلالة الآيات القرآنية على ا لاختلاف في المعنى الشرعي بين الإيمان والإسلام، كقوله تع الى: { ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ }[35]، وقوله تعا { ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ}[14]. 2/ إيضاح السنة النبوية لهذا الاختلاف، وذلك فيما رواه أبو هريرة  أن رسول ا  كان يوما بارزا للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال © الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر ®، قال: يا رسول ا لله ما الإسلام؟ قال: © الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان®(1). 3/ أن التفريق بين الإيمان والإسلام هو من المسائل التي أطال العلماء في بيانها في كتب ال عقائد، وحاصل أقوالهم في هذه المسألة: أن هذين اللفظين إذا افتقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افتقا. فإذا ذكر أحد هذين اللفظين مفردا عن الآخر فالمقصود به دين الإسلام كله، ولا فرق حينئذ بين الإيمان والإسلام. أما إذا ورد هذان اللفظان مع ا في سياق واحد، كان المقصود من الإيمان: الأعمال الباطنة التي هي من أعمال القلوب، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، و القدر خيره (1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة لقمان، باب قوله تعالى: {ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﰉ}، ( 6 /115 / برقم 4777 )، كما أخرجه مسلم في رواية بزيادة في لفظه، وذلك في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى ( 1 /36 / برقم 8 )، عن عمر بن الخطاب بقوله(( بينما نحن عند رسول الله  ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله © : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، و تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ®، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: © أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ®. قال: صدقت.

عدد الصفحات ٢١٩

211 وشره، أما الإسلام فيقصد به : الأعمال الظاهر ة، كالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وهذه الأعمال قد يصحبها الإيمان القلبي، وقد لا يصحبها فيكون صاحبها منافقا ، أو مسلما ضعيف الإيمان، وبهذا يكون الإيمان أعلى، فكل مؤمن مسلم، وليس العكس(1). وفي الآية الواردة في هذه المسألة وهي قوله تعا {ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ}[ذاريات :35- 36] موافقة لما سبق قوله، حيث أن اجتماع لفظ الإيمان والإسلام يقتضي افتاقهما في المعنى، وذلك أن الله عز وجل قد وصف في الآيات الناجين من آل لوط ’ بوصف الإيمان، وهو وصف أعلى من الإسلام؛ لأنهم قد جمعوا بين التصديق الباطن والانقياد الظاهر، م وصف بعدها بيت نبي الله لوط ’ بوصف الإسلام، وذلك لأن في بيته امرأته التي كانت مسلمة في الظاهر مع زوجها، منافقة كافرة في الباطن مع قومها، فعذبت بعذابهم، ولم تكن مع الناجين من المؤمنين (2). وبذلك يضعف ماذهب إليه أصحاب القول الأول بأن الآية دالة على أن الإيمان والإسلام هما بمعنى واحد لمخالفته لما ذكر في القرآن، والسنة، وترجيح العلماء. 4/ ترجيح عدد من المفسرين لهذا الق ول، وتضعيف عدد منهم للقول الأول. 5 /أن ترجيح هذا القول توافقه القاعدة التجيحية القائلة: كل تفسير خالف القرآن، أ و السنة، أو إجماع الأمة فهو ردٌّ، كما أن القول الذي تؤيده آيات قرآنية أو أحاديث نبوية مقدم على ما عمدم ذلك (3).  (1) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 7 /14 )، ومجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين لفهد السلمان ( 4 /91-92 .) (2) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 7 /473 )، ومجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين لفهد السلمان ( 1 /48- 49 .) (3) ينظر: قواعد التجيح 1 /183،191،281 .)

عدد الصفحات ٢٢٠

212 المسألة الثانية عشرة: معنى ( أو ): وذلك في قوله تعالى: {ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ}. قالابن عطية: © وقول فرعون في موسى ’ { ﮍ ﮎ ﮏ } أن موسى ’ لا بد أن يكون أحد هذين، وقال أبو عبيدة: ( أو ) هنا بمعنى الواو، واستشهد ببيت جري ر(1): أَثَ ــعْ ـلَ ـبَ ــــــــةَ الـفَ ــــــــــوَ ارسَ أَ وْ ريَ ـــــــاحَ ـــــــــا عَ دَ لْ ــــتَ به مْ طم ـــهَ ــــيَّ ـــــةَ والــخــشَ ـــــــــابــَـــــــــا؟(2) والخشَاب: بيوت في بني تميم، وقول أبي عبيدة ضعيف، لا داعية إليه في هذا المو ضع ®(3). الدراسة والترجيح : اختلف المفسرون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن ( أو ) هنا بمعنى التقسيم و الشك و الإبهام. وهذا القول ذكره الطبري(4)، وابن عطية(5)، وابن جزي (6)، وأبو حيان(7)، والسمين الحل(8)، (1) جرير هو أبو حزرة، جرير بن عطية بن حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع التميمي، شاعر مشهور، عاش عمره يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وهو ذو هجاء شديد، توفي سنة ( 110 هـ ). ينظر المؤتلف والمختلف للآمدي ( 1 /88 )، والأعلام2 /119 .) (2) هذا البيت من قصيدة طويلة قالها جرير يمتدح فيها قبيلتي: ثعلبة ورياح، ويذم قبيلتي: طهية والخشَاب، ومطلعها أقـــــلِّـــــي الــلَّـــــــــــوْمَ عَـــــــــاذ لَ و الـــــع ــــــــتَــــــابــــــــــا وقمــــــــــول ــــــــي إنْ أصـَــــــبْـ ـــــتم لَــــــــقَـــــــــدْ أصــــــــــابــــَـــــا حيث أن ثعلبة ورياح: قبيلتان من بني يربوع، وهم قوم جرير، وطهية والخشاب: م ن بني مالك بن حنظلة بن مالك، وهم أقرب إلى الفرزدق منهم إلى جرير، لذا توجه جرير بهجائهم. ينظر: ديوان جرير لمحمد بن حبيب ( 1 /813 )، وفمرحَة الأديب للغندجا ( 1 /74 )، ومنتهى الطلب من أشعار العرب لمحمد ميمون 4 /307 .) (3) ارر الوجيز ( 9 /191 .) (4) ينظر جامع البيان للطبري ( 21 /535 .) (5) ينظر المحرر الوجيز ( 9 /191 . ) (6) ينظر التسهيل ( 2 /373 .) (7) ينظر البحر المحيط ( 8 /139 .) (8) ينظر الدر المصون ( 10 /54 .)

عدد الصفحات ٢٢١

213 وابن كث (1)، والثعالبي(2)، والشربي (3)، و الشوكاني (4)، والألوسي(5)، والقاسُي(6). قال الوسي: © {ﮌ ﮍ }: هو ساحر، {ﮎ ﮏ }يجعل ما ظهر على يديه ’من الخوارق العجيبة منسوبة إلى الجن ، وتردد في أنه حصل باختياره فيكون سحرا ، أو بغير اختياره فيكون جنونا ، وهذا مبني على زعمه الفاسد ، وإلا فالسحر ليس من الجن، كما بين في محله، فــــ ( أو ) للشك، وقيل : للإبهام ®(7). القول الثاني: إن ( أو ) بمعنى الواو. وهذا القول منسوب إلى أبي عبيدة(8). وذكره بعض المفسرين منسوبا إليه كالثعلبي(9)، والبغوي(10). وضعفه بعضهم كابن عطية(11)، وابن جزي (12)، وأبو حيان(13)، والثعال(14). قال أبو عبيدة© (أو ) ها هنا في موضع الواو التي للمو الاة؛ لأنهم قد قالوهما جميعا له ®(15). (1) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 7 /342 .) (2) ينظر الجواهر الحسان ( 5 /304 .) (3) ينظر السراج المنير ( 4 /104 .) (4) ينظر فتح القدير ( 2 /720 .) (5) ينظر روح المعاني ( 27 /15 .) (6) ينظر محاسن التأويل ( 6 /346 .) (7) روح المعا 27 /15 .) (8) ينظر مجاز القرآن ( 2 /227 .) (9) ينظر: الكشف والبيان ( 9 /118 .) (10) ينظر معالم التنزيل ( 7 /378 .) (11) ينظر المحرر الوجيز ( 9 /191 .) (12) ينظر التسهيل ( 2 /373 .) (13) ينظر البحر المحيط ( 8 /139 .) (14) ينظر الجواهر الحسان ( 5 /304 . ) (15) مجاز القرآن 2 /227 .)

عدد الصفحات ٢٢٢

214 والقول الراجح هو القول الأول، القائل: إن المراد من ( أو ) في هذه الآية التقسيم والتشكيك والإبهام، وهذا هو ما رجحه ابن عطية بتضعيفه للرأي الثاني . إذ أن غرض فرعون من اتهام نبي الله موسى ’ على هذا التقسيم بقوله: ( ساحر أو مجنون ) التمويه على قومه وبعث الشك في نفوسهم من صدق أمر موسى ’، لذا أنزل نفسه منزلة الشاك بأمره رغم معرفته بأنه نبي حقا ، وهذا القول هو ما ذهب إليه جمع من المفسرين ، مع تضعيفهم لقول أبي عبيدة. وترجيح هذا القول تؤيده القاعدة التجيحية القائلة: إن تفسير جمهور السلف مقدم ما سواه(1).  (1) ينظر: قواعد التجيح ( 1 /258 .)

عدد الصفحات ٢٢٣

215 المسألة الثالثة عشرة: الريح التي أهلك الله بها قوم عاد: وذلك في قوله تعالى: {ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ}. قالابن عطية: © وﮟ }، ولا تلقح شجرا ، ولا تسوق مطرا ، وقال سعيد بن المسيب: كانت ريح الجنوب ، وروي عن علي : كانت نكباء ، وهذا عندي لا يصح عن علي ؛ لأنه يرادُّ قول النبي (1) :( (نمصرتم بالصَّ با، وأم هلكت عاد بالدبور ))(2) ®(3). الدراسة والترجيح : اختلف المفسرون في نوع الريح التي أهلك الله بها قوم عاد، وذلك على أربعة أقوال : القول الأول: إنها الريح العقيم التي تهلك كل شيء تأتي عليه، فهي عقيمة من الخيرات لا تلقح شجرا ، ولا تسوق مطرا ، ويطلق عليها مسمى: ( الدبور )، وهي تتحرك من الغرب إلى الشرق . وقد ذكر هذا القول جمهور من المفسرين، منهم: مــقاتل(4)، والطبري(5)، وابن أبي حــاتم(6)، والمـاتريدي (7)، والـسمرقندي (8)، والثعلبي(9)، (1) معنى قوله: يمرادُّ قول الن: أي يعارضه، ويختلف عنه (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الكسوف، باب قول الن  :©نمصرتم بالص با® (2 /33 / برقم 1035 )، عن ابن عباس ƒ، وفي كتاب الخلق، باب قوله: "وَهموَ الَّذ ي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نمشمر ا بـَينَْ يَدَيْ رَحمَْت ه" ( 4 /109 / برقم 3205 )، وفي كتاب الأنبياء، باب {ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ }[6] (4 /137 / برقم 3343 )، وفي كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب ( 5 /109 / برقم : 4105 )، كما أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور ( 1 /399 / برقم 900 ) عن ابن عباسƒ كذلك (3) المحرر الوجيز 9 /191- 192 .) (4) ينظر تفسير مقاتل ( 4 /133 .) (5) ينظر جامع البيان للطبري ( 21 /537 .) (6) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ( 1 /3313 .) (7) ينظر تفسير القرآن العظيم للماتريدي ( 4 /584 .) (8) ينظر بحر العلوم ( 3 /279 .) (9) ينظر الكشف والبيان ( 9 /118 .)

عدد الصفحات ٢٢٤

216 والواحدي(1)، والبغوي (2)، وابن كثير (3)، وأبو السعود (4)، وابن عجيب ة(5)، والألوسي(6)، والسعدي(7). وقال به على التجيح ابن عطية(8)،النسفي(9)، وأبو حيان(10). قال السمرقندي © يعني: سلطنا عليهم الريح الشديد، وإنما سُيت عقيما ؛ لأنها لا ت أتي على شيء إلا جعلته كالرميم ، لا خير فيه، ويقال: سُيت عقيما ؛ لأنها لا تلقح الأشجار، ولا تثير السحاب، وهي الدبور ®(11). واستدلوا على صحةقولهم بما يأتي: 1 /دلالة سياق الآية بما يليها، إذ فسرت نوع الريح المرسلة إلى قوم عاد بأنها ريح عقيم أهلك ت كل شيء مرت عليه، قال سبحانه: {ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ }[41-42]. 2/ البيانالصريح في السنة النبوية لنوع تلك الريح، قال  :© نمصرتم بالصَّ با، وأم هلكت عاد بالدبور ®(12). القول الثاني: إنها ريح الجنوب، وهي التي تتحرك من الجنوب إ لى الشمال. (1) ينظر التفسير البسيط ( 20 /455 .) (2) ينظر معالم التنزيل ( 7 /378 .) (3) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 7 /423 .) (4) ينظر تفسير أبي السعود ( 8 /142 .) (5) ينظر البحر المديد ( 5 /478 .) (6) ينظر روح المعاني ( 27 /15 .) (7) ينظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ( 1 /811 .) (8) ينظر المحرر الوجيز ( 9 /191 .) (9) ينظر: مدارك التنزيل ( 3 /378 .) (10) ينظر البحر المحيط ( 8 /139 .) (11) بحر العلوم3 /279 .) (12) سبق تخريجه في صفحة215 )، في هامش2 ).

عدد الصفحات ٢٢٥

217 وهذا القول مروي عن سعيد بن المسيب. وذكره عنه بعض المفسرين منهم: مكي بن أبي طالب(1)،وابن الجوزي (2). قال مكي بن أبي طالب© قال ابن المسيب: هي الجنوب ®(3). القول الثالث: إنها ريح نكباء ، وهي الريح التي تهب بين ريحين (4). وهذا القول روي عن علي بن أبي طالب. وذكره عنه بعض المفسرين ك السمعاني(5). وضعفه بعضهم كابن عطية(6)، والألوسي(7) . قال الألوسي في تضعيفه: © ولعل الخبر عن الأمير كرم الله تعالى وجهه غير صحيح ®(8). القول الرابع : إنها ريح الصَّ با، وهي التي تتحرك من الشرق باتجاه الغرب . وهذا القول مروي عن مجاهد. وذكره عنه الماوردي (9)، والقرط (10) . (1) ينظر الهداية إلى بلوغ النهاية ( 11 /7100 .) (2) ينظر زاد المسير ( 8 /39 .) (3) الهداية إلى بلوغ النهاية 11 /7100 .) (4) النكباء: هي في الرياح أربعة الدبور، و الصبا، و الشمال، و الجنوب، فلكل ريح م ن هذه الرياح نَكْباءم تنسب إ ليها، فالنكباء التي تنسب إلى ريح الدبور: هي التي تأتي بينها وبين رياح الجنوب، وهي تشبه الدبور في شدتها وعجاجها، والنكباء التي تنسب إلى ري ح الصبا: هي التي تأتي بينها وبين رياح الشمال، وهي تشبه الصبا في لينها، والنكباء التي تنسب إلى ريح الشمال: هي التي تكون بينها وبين ريح الدبور، وهي تشبه رياح الشمال في برودتها، والنكباء التي تنسب إلى ريح الجنوب: هي التي تكون بينها وبين رياح الصبا، وهي تشبه ر يح الجنوب في رقتها ولينها. ينظر: لسان العرب ( 1 /771 ). ( ملاحظة: ذكرتم هذا الكلام في هذا الموضع لمناسبته لتفصيلات القول، لذا لم أذكره سابقا عند أول ذكر للنكباء ). (5) ينظر تفسير القرآن للسمعاني ( 5 /260 .) (6) ينظر المحرر الوجيز ( 9 /192 .) (7) ينظر: روح المعاني ( 27 /15 .) (8) ينظر المصدر السابق. (9) ينظر النكت والعيون ( 5 /373 .) (10) ينظر الجامع لأحكام القرآن ( 19 /499 .)

عدد الصفحات ٢٢٦

218 قال الماوردي © هي ريح الص با، رواه ابن أبي نجيح(1) عن مجاهد ®(2). والقول الراجح هو القول الأول الذي رجحه ابن عطية ، فالريح التي أهلك الله بها قوم عاد هي الريح العقي م، وهي التي تعرف بـــ ( الدبور ) . وترجيح هذا القول لما يأتي: 1 /تفسير القرآن لهذه الريح في الآية التي تليها بأنها ريح عقيم قد أهلكت كل شيء أتت عليه، وذلك في قوله تعالى: {ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ }[42]. وقد صرحت السنة النبوية في ذكر هذه الريح التي أهلك الله بها قوم عاد، وأنها تسمى ( الدبور ) وذلك في قول الرسول  :© نمصرتم بالصَّ با، وأم هلكت عاد بالدبور ®(3). 2/ قول جمهور المفسرين به ، واستدلالهم عليه، وترجيح بعضهم له، وتضعيفهم لغيره، قال أبو حيان: © فقول من ذهب إلى أنها الصبا، أو الجنوب، أو النكباء -وهي ريح بين ريحين ، نكبت عن سُت القبلة، فسميت نكباء- ليس بصحيح؛ لمعارضته للنص الثابت عن الرسول  أنها الدبور ®(4). 3 /موافقة هذا التجيح للقاعدة القائلة إن القول الذي تؤيده قرائن السياق، وفسرته السنة النبوية، وقال به جمهور السلف هو مرجح على ما سواه(5).  (1) ابن أبي نجيح: هو أبو يسار، عبدالله بن يسار-بن أبي نجيح- الثقفي المكي، إمام في التفسير والحديث، حدث عن: مجاهد، وطاووس، وعطاء، وغيرهم، اتهم بالاعتزال والقدرية، توفي سنة ( 131 هـ ). ينظر: التاريخ الكب 5 /233 )، وسير أعلام النبلاء ( 6 /125 .) (2) النكت والعيون5 /373 .) (3) سبق تخريجه في أول المسألة صفحة ( 215 )، في هامش2 ). (4) البحر المحيط8 /139 .) (5) ينظر: قواعد التجيح ( 1 /171،258،269 .)

عدد الصفحات ٢٢٧

219 المسألة الرابعة عشرة: لماذا رسمت ( ﯲ ) بياءين في المصحف؟: وذلك في قوله تعالى: {ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ}. قالابن عطية: © والأَيْ د: القوة، قاله ابن عباس ƒ، ومجاهد، وقتادة، ووقعت في المصحف بياءين وذلك على تخفيف الهمز، وفي هذا نظر ®(1). الدراسة والترجيح : اختلف المفسرون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إنها رسُت بياءين للدلالة على تخفيف الهمز(2)، فتقلب ياء من جنس حركة ما قبلها؛ إذ الهمزة مفتوحة مك سور ما قبلها، فتصور على أنها ياء، والمعنى: جمع يد. وهذا القول ضعفه ابــن عـطــيــة بقوله: © وفي هذا نظر®(3). القول الثاني: إنها كتبت بياءين للدلالة على أن المراد بها ( القوة )، إذ لا يراد به ا ( الأيدي ) التي هي جمع ( يد ). وهذا القول ذكره جمع من المفسرين منهم: مــقاتـــل(4)، والـــطـبــري(5)، والـــسمرقن ــدي(6)،والــثـــعـلبـي(7)، والمـــــاوردي (8)، وأبـــو حـــيان(9)، (1) المحرر الوجيز 9 /194 .) (2) في مذهب حمزة عند قراءتها حالة الوقف وجهان 1/ تحقيق الهمز، 2/ التسهيل، وذلك بإبدال الهمزة ياء مفتوحة فتقرأ: ( ب يـَيْدٍ )؛ لأنها متوسطة بزائد، ولم أقف على من يقرأها بتخفيف الهمز سوى ما ذكره ابن عطية، ولعل مقصد ابن عطية من تخفيف الهمزة هو تسهيلها، إذ في الحالتين تقرأ بالياء. ينظر: إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر ( 2 /493 )، ومعجم القراءات للخطيب 9 /140 .) (3) ينظر: المحرر الوجيز 9 /194 .) (4) ينظر تفسير مقاتل ( 4 /132 .) (5) ينظر جامع البيان للطبري ( 21 /545 .) (6) ينظر بحر العلوم ( 3 /280 .) (7) ينظر الكشف والبيان ( 9 /119 .) (8) ينظر النكت والعيون ( 5 /373 .) (9) ينظر البحر المحيط ( 8 /401 .)

عدد الصفحات ٢٢٨

220 وابـــن كــثيـــر (1)، والـــشربــيـــ (2)، وابـــن عــجــيــبــة(3)، والألـــوسي(4)، وابــن عــاشور(5). ورجحه الرازي (6)، والشنقيطي(7). قال الشنقيطي© قوله تعالى في هذه الآية الكريمة{ ﯱ ﯲ } ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم؛ لأن قوله { ﯲ } ليس جمع يد، وإنما الأَ يْ د القوة، فوزن قوله هنا ( بأَ يْ د ) فـَ عْ ل، ووزن ( الأَ يْ د ي ) أَ فْ ع ل، فالهمزة في قوله : { ﯲ } في مكان الفاء، والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام، ولو كان قوله تعالى : { ﯲ } جمع( يد ) لكان وزنه أَ فْ ع لا، فتكون الهمزة زائدة ، والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين، والياء المحذوفة لكونه منقوصا هي اللام . ( والأَ يْ د )، ( والآد ) في لغة العرب بمعنى القوة ، ورجل أَ يِّ د: قوي، ومنه قوله تعالى: { ﯕ ﯖ ﯗﯘ } [ 87،253]،أي: قويناه به، فمن ظن أنها جمع ( يد ) في هذه الآية فقد غلط غلطا فاحشا ، والمعنى: والسماء بنيناها بقوة ®(8). والقول الراجح هو القول الثاني، الذي يؤكد على أن الغرض من رسُها بياءين هو الد لالة على المعنى المراد بها وهو الزيادة في القوة ، وهذا هو ما فسر به ابن عطية الآية. وترجيح هذا القول لما يأتي: 1 /أنزيادة الياء في رسم المصحف للدلالة على تعظيم قوة الله ™ في بناء السماء، و أنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة: ( زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ) ، فــقوة اللفظ هو قوة (1) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كث 7 /424 .) (2) ينظر السراج المنير ( 4 /105 .) (3) ينظر البحر المديد ( 5 /478 .) (4) ينظر روح المعاني ( 27 /17 .) (5) ينظر التحرير والتنوير ( 27 /16 .) (6) ينظر مفاتيح الغيب ( 28 /226 .) (7) ينظر أضواء البيان ( 7 /710 .) (8) المصدرالسابق.

عدد الصفحات ٢٢٩

221 للمعنى المراد به . وقد ورد في قوله تعالى: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ }[ 17]، تفسير ( الأَيْد ) التي على وزن ( فـَعْل ) بالقوة، دون زيادة الياء في رسُها لعدم دلالتها على ا لزيادة في معناها كهذه الآية(1). 2/ أن زيادة الياء تأكيدا على معنى القوة للآية و رفع التوهم عن اللفظ، وأنها ليست ( الأَيْد ي ) جمع ( يد ) التي على وزن ( أَفْع ل ) ، بل هي ( الأَيْد ) التي بمعنى القوة، وهي على وزن ( فـَعْل ) (2). 3/ قول جمهور المفسرين به، وترجيح بعضهم له، وتضعيف ابن عطية للقول الأول. 4 /موافقة التجيح للقاعدة القائلة زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى (3)، كما أن الوجه التفسيري الموافق لرسم المصحف أولى من ا لوجه المخالف له (4).  (1) ينظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ( 1 /140 )، وعنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل لابن البناء المراكشي ( 1 /91 )، وقالفيه: © {ﯰ ﯱ ﯲ } كتب بياءين: فرقا بين ( الأَ يْ د ) الذي هي القوة، وبين ( أيدي ) جمع يد، ولا شك أن القوة التي بنى الله بها السماء أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي ، فزيدت الياء ؛ لاختصاص اللفظة بالمعنى الأظهر في الإدراك الملكوتي في الوجود ®. (2) ينظر: لطائف البيان في رسم القرآن، تأليف: أحم د أبو زيتحار ( 2 /41 )، وفيه تفصيل أوسعلهذه المسألة لمن أراد الاستزادة . (3) ينظر: قواعد التفسير ( 1 /396 .) (4) ينظر: قواعد التجيح ( 1 /99 .)

عدد الصفحات ٢٣٠

222 المسألة الخامسة عشرة: معنى الآية: وذلك في قوله تعالى: {ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ}. قالابن عطية: © فقال علي بن أبي طالب ، وابن عباسƒ،المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعب ودية، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: { ﭸ } إذ العبادة هي مضم ن الأمر ، وقال زيد بن أسلم ، وسفيان(1): المعنى خاص، والمراد وما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلا لعبادتي ، ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس ƒ روى عن الن  أنه قرأ ( وما خلقت الجن والإ نس من المؤمنين إلا ليعبدو ني )(2)، وقال ابن عباس ƒ أيضا: معنى { ﭸ }: ليتذللم وا لي ولقدرتي وإن لم يكن ذلك على قوانين الشرع . قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل فجميع الجن والإنس عابد متذلل، والكفار كذلك ، ألا تراهم عند القح وط والأمراض وغ ير ذلك ؟ وتحتمل الآية أن يكون المعنى : و ما خلقت الجن والإنس إلا مم عَ دِّ ين ليعبدوني، وكأن الآية تعديد نعمة ، أي: خلقت لهم حواس وعقولا وأجساما منق ادة لحق العبادة، وهذا كما تقول: البقر مخلوق للحرث، والخيل للحرب ، وقد يكون منها ما لا يحرث وما لا يحارب به أصلا ، فالمعنى: أن الإعد اد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة ، لكن بعضهم تكسَّ ب صر ف نفسه عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قـول (1) سفيان: هو أبو عبدالله، سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع الثوري الكوفي، شيخ المسلمين في علوم الدين ، وإمام الحفاظ والمحدثين، صنف في الحديث كتابيه الجامع الكبير والصغير، توفي سنة ( 161 هـ ). ينظر: سير أعلام النبلاء ( 7 /230 )، والأعلام3 /104 .) والسبيل إلى معرفة أنه المقصود بالتجمة ما ذكره الصنعاني في تفسيره 2 /452 ) في السند المروي لتفسير هذه الآية: ( عن سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن زيد بن أسلم )، وقد ورد هذا السند كذلك في تفسير سفيان الثوري رواية أبي جعفر محمد، عن أبي حذيفة النهدي، عنه ( 1 /282 .) (2) وردت هذه القراءة عن الصحابيين الجليلين: عبدالله بن عباس ƒ، وأبي بن كعب ، وهي قراءة شاذة عنهما . ينظر: الكشف والبيان ( 9 /120 )، وتفسير القرآن للسمعا 5 /264 )، ، ومختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه ( 1 /614 ).

عدد الصفحات ٢٣١