175 والشنقيطي بنسبة القول إلى أكثر أهل العلم(1). كمارجحه السمعاني (2)، والشوكاني (3). قال ااتريدي : © وكذلك أقسم بالجاريات يمسر ا، وهي السُّفن لما فيها من منافع الخلق، إذ لولا ها لانقطعت بعض المنافع عن الخلق، إذ ما يحتاج المرء من المنافع لا يوجد في مكان واحد، بل خلق ها متفرِّقة في أماكن، فطريق تحص يل هذه المنافع والحوائج سيّان، الحمل على ظهور الدوابّ في البر، وفي السفن في البحار، مع ما فيها من الآية العظيمة بما جعلها بحيث لا تتسفّل في الماء مع ث قَل الأحمال، بل تجري بها الريح حيث ما شا ءوا بأمر الله تعالى ®(4). قال الشوكا © هي السفن الجاري ة في البحر بالرّياح جريا سهلا ، وانتصاب ( ي سرا ) على المصدرية، أو صفة لمصدر محذوف، أو على الحال ، أي: جريا ذا يسر، وقيل: هي الر ياح، وقيل: السحاب، والأو ل أولى ®(5). واستدلوا على قولهم بما يأتي: 1 /النظائر القرآنية حيث تعددت الآيات في إطلاق وصف الجري على السفن ، كقوله تعالى: { ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ }[ 65]،وقوله: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ}[الشورى: 32]، وقوله ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ }[ 12]، و قوله: {ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ } [ 11]. 2 /الأثر المروي عن علي بن أبي طالب ، وابن عباسƒ في تفسير الآية(6)، حيث فسر قوله تعالى: {ﯪ ﯫ ﯬ} بأنها السفن. (1) ينظر: أضواء البيان7 /700 .) (2) ينظر: تفسير القرآن للسمعا 5 /250 .) (3) ينظر: فتح القدير2 /714 .) (4) تفسير القرآن العظيم للماتريدي ( 4 /573 .) (5) فتح القدير2 /714 .) (6) تقدم ذكر الأثر وتخريجه في دراسة المسألة الأولى من مسائل سورة الذاريات في صفحة 171 ) في هامش9 .)
عدد الصفحات ١٨٤176 3 /اثر المروي عن سعيد بن المسيب(1) أنه قال: © جاء صَب يغ التميمي(2) إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمن، أخبرني عن ( الذَّار يَات ذَرْو ا )، فقال: هي الرياح ، و لولا أنى سُعت رسول الله يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ( الْممقَسِّمَات أَمْر ا )، فقال: هي الملائكة، ولولا أني سُعت رسول الله يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ( الجَْار يَات يمسْر ا ) قال: هي السفن، ولولا أني سُعت رسول الله يقوله ما قلته ®(3). القول الثاني: إن المراد بها: هي السحب التي تجري ميسرة بالرياح . وهذا القول ذكره بعض المفسرين منهم: الماوردي (4)،والبيضاوي(5)، وأبي حيان(6)، وأبي السعود(7)، والمراغي (8)، وابن عاشور(9). (1) سعيد بن المسيب: هو أبو محمد، سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو المخزومي القر شي، من سادة التابعين، ومن الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، توفي سنة ( 94 هـ ). ينظر: سير أعلام النبلاء ( 4 /217 )، والأعلام3 /102 .) (2) صَب يغ التميمي : هو صَ ب يغ بن شريك بن المنذر بن قطن بن قشع بن عسل بن عمرو بن يربوع التميمي البصري، أتى عمر بن الخطاب يسأله عن مشكل القرآن، فاتهمه بأنه على رأي الخوارج، وضربه حتى أدمى رأسه، قال ابن كثير في تفسيره : ( 7 /414 :)© وإنما ضربه لأنه أظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا ®، قتل في خلافة معاوية. ينظر: تاريخ دمشق ( 23 /408 )، والإصابه3 /258 )، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر ( 3 /954 ). (3) أخرجه البزار في مسنده، في مسند عمر بن الخطاب ، فيما روى سعيد بن المسيب عن عمر (1 /423- 424 / برقم 299 ) بإسنادهعن إبراهيم بن هانئ ، عن سعيد بن سلام العطار، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، وقال بعده: © هذا الحديث لا نعلمه يروى عن الن من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه ، وإنما أتى من أبي بكر بن أبي سبرة فيما أحسب لأن أبا بكر لين الحديث، وسعيد بن سلام لم يكن من أصحاب الحديث، وإنما ذكرت هذا الحديث إذ لم أحفظه عن رسول الله إلا من هذا الوجه فذكرته وبينت العلة فيه ®، كما ذكره ابن كثير في تفسيره ( 7 /413 ) بسنده، وقال© هذا الحديث ضعيف رفعه ، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر ، فإن قصة صَب يغ بن عسل مشهورة مع عمر ®. (4) ينظر: النكت والعيون5 /361 .) (5) ينظر: أنوار التنزيل 3 /320 .) (6) ينظر: البحر المحيط8 /132 .) (7) ينظر: تفسير أبي السعود ( 8 /136 .) (8) ينظر: تفسير المراغي 26 /173 .) (9) ينظر: التحرير والتنوير 26 /338 .)
عدد الصفحات ١٨٥177 قالالماوردي : © السحاب، وفي جريها يسرا على هذا القول وجهان : أحدهما: إلى حيث يسيرها الله تعالى من البقاع والبلاد ، الثاني: هو سهولة تسييرها، وذلك معر وف عند العرب ®(1). القول الثالث: إن المراد بها: الكواكب ا لجارية في فضاء هذا الكون الفسيح . وهذا القول ذكره بعض المفسرين ك الشربيني (2)، وابن عجيبة(3)، والقاسُي(4)، والسعدي(5). قال الشربي © وقيل: الكواكب التي تجري في منازلها ®(6). وقال السعدي: © النجوم التي تجري على وجه اليسر والسهولة، فتتزين بها السماوات ، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وينتفع بالاعتبار بها ®(7). القول الرابع : إن الآية تحمل على الأقوال السابقة جميعها. وهذا القول هو ما رجحه ابن عطية (8)، ووافقه عليه الثعالبي(9). والقول الراجح هو القول الأول، القائل بأن المراد بــ ( الجَار يات يمسْرا ) السفن الجارية في البحر بكل سهولة ويسر. وترجيح هذا القول لما يأتي : 1 /أن هذا القول تعضده النظائر القرآنية التي تدل على كثرة إطلاق وصف الجري ع لى السفن. (1) النكت والعيون5 /361 .) (2) ينظر: السراج المن 4 /94 .) (3) ينظر: البحر المديد5 /463 .) (4) ينظر: محاسن التأويل6 /338 .) (5) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ( 1 /808 .) (6) السراج المن 4 /94 .) (7) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1 /808 .) (8) ينظر: المحرر الوجيز 9 /170 .) (9) ينظر: الجواهر الحسان5 /296 .)
عدد الصفحات ١٨٦178 2 /شهرة هذا التفسير عن الصحابة فيما ذكر من آثارهم، وهو ما روي عن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبدالله بن عباس ƒ. 3 /اجتماع جمهور من المفسرين على ذكره والقول به في كتبهم . واعتبار هذا القول أولى مما ذهب إليه ابن عطية في اعتبار الجميع. 4 /أن ترجيح هذا القول يتوافق مع القواعد التجيحية القائلة إن القول ا لذي تؤيد ه آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك، و أن تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم، كما تحمل الآية على: الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله، وهو الأولى من الخروج بها عنه (1)، وعلى المعنى الذي استفاض النقل فيه عن أهل العلم وإن كان غيره محتملا (2). (1) ينظر: قواعد التجيح 1 /153،324 ،281 .) (2) ينظر: قواعد التفس2 /374 .)
عدد الصفحات ١٨٧179 المسألة الثالثة: المقصود بالسماء وذلك في قوله تعالى: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ}. قالابن عطية: © فظاهر لفظة ( السماء أنها لجميع السماوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ƒ(1): هي السماء السابعة ®(2). الدراسةوالترجيح : اختلف المفسرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن السماء هنا اسم جنس، يراد به ا: السماوات جميعها. وهذا القول ذكره القرطبي (3). ورجحه ابن عطية(4)، وأبو حيان(5)، وابن كثير (6)، والشوكا (7)، والألوسي(8)، وأبو الطيب القنوجي (9). قال الألوسي © واستظهر في السماء أنه جنس أريد به جميع السموات ، وكون كل واحدة م نها ذات حبك بمعنى مستوية الخلق جيدته ®(10). (1) عبدالله بن عمرو بن العاص ƒ: هو الصحابي الجليل أبو محمد، عبدالله بن عمرو بن العاصبن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي، أسلم قبل أبيه، كان حافظا للحديث، وقد أذن له الرسول بكتابة الحديث عنه، توفي سنة ( 65 هـ. ينظر الإصابة ( 4 /111 )، والأعلام4 /111 ). (2) المحرر الوجيز 9 /171 .) (3) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 19 /471 .) (4) ينظر: المحرر الوجيز 9 /171 .) (5) ينظر: البحر المحيط8 /133 .) (6) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 7 /415 .) (7) ينظر: فتح القدير2 /714 .) (8) ينظر: روح المعا 27 /4 .) (9) ينظر: فتح البيان في مقاصد القرآن 13 /190 .) (10) روح المعا 27 /4 .)
عدد الصفحات ١٨٨180 القول الثا إن المراد بها السماء السابعة . وهذا القول روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص ƒ. وذكره بعض المفسرين رواية عنه منهم: الطبري(1)، والثعلبي(2)، ومكي بن أبي طالب(3)، وابن عطية(4). قالالثعلبي: © وقال عبد الله بن عمرو ƒ: هي السماء السابعة ®(5). القول الثالث: إن المراد بها: السحاب . وهذا القول ذكرة بعض المفسرين منهم: الماوردي (6)، والقرط (7)، والشوكا (8). قال الشوكا © وقيل : المراد بها السح اب ®(9). والقول الراجح هو القول الأول، القائل إن المقصود بها هي السماوات جميعها، فهي محبكة متقنة، شديدة البناء، حسنة الخلق في ارتفاعها ، واتساعها، واستوائها، وزينتها، و هذا القول هو ما رجحه ابن عطية وجماعة من المفسرين لعموم اللفظ في الآية. و قد روي عن ابن زيد (10) في تفس قوله تعالى: { ﭒ ﭓ } قوله: حمب كَت شمدّت، م قرأ قول ه تعالى: {ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ }[ 12] (11)، مما يدل على أن السماوات السبع كلها هي الم عنية في الآية. (1) ينظر: جامع البيان للطبري21 /490 .) (2) ينظر: الكشف والبيان( 9 /110 .) (3) ينظر: الهداية إلى بلوغ النهاية 11 /7073 .) (4) ينظر: المحرر الوجيز 9 /171 .) (5) الكشف والبيان9 /110 .) (6) ينظر: النكت والعيون5 /362 .) (7) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 19 /471 .) (8) ينظر: فتح القدير2 /714 .) (9) المصدر السابق. (10) ابن زيد: هو عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، وقد سبقت ترجمته في صفحة 142 .) (11) ينظر: جامع البيان للطبري21 /489 .)
عدد الصفحات ١٨٩181 كما أن القول الثاني والثالث يدخلان في عموم القول الأول. وترجيح هذا القول هو المواف ق للقاعدة الت جيحية القائلة : الأولى حمل نصوص الوحي على العموم مالم يرد نص بالتخصيص (1). (1) ينظر: قواعد التجيح 2 /166 .)
عدد الصفحات ١٩٠182 المسألة الرابعة: ع ودُ الضمير: وذلك في قوله تعالى: {ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ}. قالابن عطية: © والضمير في ( عَنْهم ): قال الحسن ، وقتادة: هو عائد على محمد ، أو كتابه، أو شرعه، و {ﭚ} معناه: يصرف، فالمعنى: يصرف من الكفار عن كتاب الله تعا من صمرف ممن غلبت شقاوته، وكان قتادة يقول: المأفوك منا اليوم عن كتاب الله تعالى كثير، و يحتمل أن يعود الضمير على القول الذي يصرف بسببه من أراد الإسلام بأن يقال: هو سحر، هو كهانة، وهذا قول حكاه الزهراوي ، ويحتمل أن يعود الضمير في { ﭛ} على القول، أي: يصرف عنه بتوفيق الله تعالى إلى الإسلام من غلبت سعادته ، وهذا على أن يكون قوله تعالى: {ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ}[ذاريات : 8] للكفار فقط، وهذا وجه حسن لا يخم لُّ به، إلا أن عمرْفَ الاستعمال في( أمف كَ ) إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدها أبدا في المصروفين المذمومين ®(1). الدراسةوالترجيح : اختلف المفسرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن الضمير في { ﭛ} عائد على الإيمان بالله، أو رسول ه ، أو كتابه ، أو شرعه ، أو اليوم الآخر، أو عليهم جميعا، والمعنى: يصرف عن الإيمان ب الله، ورسوله ، وبما جاء به من الحق من صرف ممن كتب له الشقاء في الدارين . وهذا القول منسوب إلى الحسن البصري، وقتادة. وقــال بــه جمــع مـن المـفســريـ ـن، منهـم: مـقــاتــل(2)،والــفــراء (3)، والـطــبري(4)، والـسمرقنــدي (5)، (1) المحرر الوجيز 9 /174 .) (2) ينظر: تفسير مقاتل4 /127- 128.) (3) ينظرمعاني القرآ ن للفراء ( 3 /83 .) (4) ينظر: جامع البيان للطبري21 /491 .) (5) ينظر: بحر العلوم3 /276 .)
عدد الصفحات ١٩١183 والثعل(1)، والبغوي(2)، والزمخشري (3)،والرازي (4)، والقرط (5)، والبيضاوي(6)، وأبــو حيان(7)، وابــن كثير (8)، وأبـو السعود(9)، وابــن عجيبة(10)، والشــوكاني (11)، والألوسي(12)، و نسبه الشنقيطي إلى أكثر المفسرين (13). وهو ظاهر التجيح عند ابن عطية(14)، وابن جزي (15)، والثعال(16). قال البيضاوي© يصرف عنه ، والضمير: للرسول ، أو القرآن ، أو الإيمان ®(17). وقال الألوسي© يؤفكعن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك ®(18). وقال الشنقيطي: © وأكثر المفسرين على أن الضمير في قوله : {ﭚ ﭛ } راجع إلى النبي ،أو القرآن ، أي: يصرف عن الإيمان بالنبي ، أو القرآن من أفك، أي: صرف عن الحق ، وحم ر م الهدى لشدة ظهور الحق في صدق النبي ، وأن القرآن منزل من ا ®(19). (1) ينظر: الكشف والبيان7 /110- 111 .) (2) ينظر: معالم التنزيل 7 /372 .) (3) ينظر: الكشاف5 /610 .) (4) ينظر: مفاتيح الغيب28 /198 .) (5) الجامعحكام القرآن ( 19 /474 .) (6) ينظر: أنوار التنزيل 3 /321 .) (7) ينظر: البحر المحيط8 /134 ). (8) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كث 7 /415 .) (9) ينظر: تفسير أبي السعود 8 /137 .) (10) ينظر: البحر المديد5 /465 .) (11) ينظر: فتح القدير2 /157 .) (12) ينظر: روح البيان 27 /5 .) (13) ينظر: أضواء البيان7 /706 .) (14) ينظر: المحرر الوجيز 9 /174 .) (15) ينظر: التسهيل2 /370 .) (16) ينظر: الجواهر الحسان5 /297 .) (17) أنوار التنزيل 3 /321 .) (18) روح البيان 27 /5 .) (19) أضواء البيان( 7 /706 .)
عدد الصفحات ١٩٢184 القول الثاني: إن الضمير هنا راجع إلى القول الذي يصرف بسببه من أراد الإسلام عنه، بأن يقال له: هذا سحر، وكهانة، ونحوها . وهذا القول مروي عن مجاهد، والزهراوي . و ذكره بعض المفسرين منهم: مكي بن أبي طالب(1)، والسمعاني(2)، والبغوي(3)، والخازن (4)، والسمين الحلبي(5). قال مكي بن أبي طالب© وقيل: معناه: يصرف عن ا لإيمان ناس إذا أرادوه بقولهم وك ذبهم من صرف ؛ لأنهم يقولون لمن أراد الإيمان هو سحر ، وكها نة، فيصرف عن الإيمان ®(6). القول الثالث: إن الضمير يعود إلى القول الذي ينصرف عنه إلى الإسلام من غلبت سعادته ، وهذا على أن يكون قوله تعالى: {ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ} للكفار فقط. وهذا القول ذكره بعض المفسرين منهم: ابن عادل(7)، والشربيني(8)، والشوكا (9). قال الشربي © وقيل: إنه مدح للمؤمنين، ومعناه: يصرف عن القول المختلف من يصرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي ®(10). والقول الراجح: هو القول الأول، القائل إن الضمير عائد على الإيمان بالله أو رسول ه ، أو كتابه، أو شرعه، أو اليوم الآخر، أو عليهم جميعا، والمعنى: يصرف عن ذلك كله من صرف (1) ينظر: الهداية إلى بلوغ النهاية 11 /7074 .) (2) ينظر: تفسير القرآن للسمعا 5 /252 .) (3) ينظر: معالم التنزيل 7 /372 .) (4) ينظر: لباب التأويل4 /192 .) (5) ينظر: الدر المصون10 /42 .) (6) الهداية إلى بلوغ النهاية 11 /7074 .) (7) ينظر: اللباب في علوم الكتاب18 /63 .) (8) ينظر السراج المنير ( 4 /95 .) (9) ينظرفتح القدير ( 2 /715 .) (10) السراج المن 4 /95 .)
عدد الصفحات ١٩٣185 ممن كتب له الشقاء في الدارين . وهذا القول هو ما رجحه ابن عطية ، ومن وافقه، وهو قول أكثر المفسرين ، والمتوافق مع عم رف الاستعمال في ( أم ف ك ) (1). كمايندرج تحته القول الثاني. أما القول الثالث ف الظاهر ضعفه كما وضحه المفسرو ن؛ وذلك لأن كلمة ( أفك ) ، و ( يؤفك ) تستعمل في العمرف للصرف من الخير إلى الشر، وليس العكس كما في هذا القول ، ولذلك نجدها في المصروفين المذمومين. وترجيح ذلك هو الموافق للقاعدة التجيحية الق ائلة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والح قيقة اللغوية في تفسير كلام الله قدمت العرفية (2)، كما تحمل الآية على المعنى الذي استفاض النقل فيه عن أهل العلم، وإن كان غيره محتملا (3). (1) تستعمل ( أمف ك ) في اللغة لصرف الشخص عن الشيء خيرا كان أو شرا ، أو قلب رأيه عنه، أما في العرف فهي تختص بصرفه من الخير إلى الشر، دون العكس . ينظر: تاج العروس ( 27 /44 .) (2) ينظر: قواعد التجيح 2 /64 .) (3) ينظر: قواعد التفس2 /374 .)
عدد الصفحات ١٩٤186 المسألة الخامسةالمعنى المراد في قوله: ( قُت ل ): وذلك في قوله تعالى: {ﭟ ﭠ ﭡ}(1). قالابن عطية: © وقوله تعا : {ﭟ ﭠ } دعاء عليهم، كما تقول: قاتل ه الله، أو قتله الله، وعَ قْ رَ ى حَ لْ قَ ى(2)،وقال بعض المفسرين : معناه: لم عن الخراصون، وهذا تفسير لا تعطيه اللفظة ®(3). الدراسةوالترجيح : اختلف المفسرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنها دعاء عليهم، كما يقال: قاتله الله، أو قتله الله، أو عَقْ رَ ى حَ لْ قَ ى، ونحوها. وهذا القول قال به بعض المفسرين كالزمخشري (4)، وابن عطية(5)، وابن جزي (6)، والثعال(7). قال الزمخشري © دعاء عليهم، كقوله تعا : {ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ}[ 17]،وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، م جرى مجرى : لعن وقبح ®(8). القول الثاني: إنها بمعنى: اللعن، أي: لعن الكذابون الذين افتوا على الرسول بقولهم: إنه (1) الخَرَّاصمونجمع خَرَّاص: وهو الكذاب المتكهن القائل بظنه كذبا وبهتانا ، يقال: خَرَص فلان كلامه: أي افت اه وقدره بالظن والتخمين، ومنه قوله تعالى: { ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ }[الأنعام 148]. ينظر: المعجم الوسيط ( 1 /227 )، والمحرر الوجيز 9 /175 .) (2) عَقْرَى حَلْقَى أصلها من العَقر والحَلق، وهو دعاء يقال للمرأة، ومعناه : عقر الله جسدها، وأصابها بوجع في حلقها. ينظر: مجمع الأمثال للميداني ( 2 /38 )، والمستقصى في أمثال العرب للزمخشري 2 /164 )، ولسان العرب 10 /60 .) (3) المحرر الوجيز 9 /174- 175 .) (4) ينظر الكشاف ( 5 /611 .) (5) ينظرالمحرر الوجيز ( 9 /174 .) (6) ينظرالتسهيل ( 2 /370 .) (7) ينظر الجواهر الحسان ( 5 /297 .) (8) الكشاف5 /611 .)
عدد الصفحات ١٩٥187 مجنون، وساحر، وشاعر، ونحوها، واللعن هنا بمعنى: الطرد والإ بعاد عن رحمة الله . وهذا القول روي عن ابن عباس ، ومجاهد، والحسن البصري . و قال به جمع من المفسرين منهم: مقاتل(1)، والفراء (2)، والطبري (3)، والماتريدي (4)، والسمرقندي (5)، وابن أبي الزمن (6)، والثعل (7)، ومكي بن أبي طالب (8)،والماوردي (9)، والواحدي(10)، والسمعا(11)، والبغوي(12)، والقرطبي (13)، والنسفي(14). قال الماتريدي © قمت لَأي لمعن، واللعن هو الطرد، أي: طردوا عن رحمة الله . وإنما سُي اللعن قتلا: لأن القتل سبب التّبعيد عن منافع الحياة، وبالقتل خرج عن أن يكون منتفعا بها ، واللعن هو الطرد عن رحمة الله التي بها تقع، وتتحقّق المنافع في الآخرة ®(15). القول الثالث: إن المراد به حقيقة القتل. وهذا القول ذكره الماتريدي (16)، والقاسُي(17). (1) ينظر تفسير مقاتل ( 4 /128 .) (2) ينظر معاني القرآن ( 3 /83 .) (3) ينظر جامع البيان للطبري ( 21 /492 .) (4) ينظر تفسير القرآن العظيم للماتريدي ( 4 /576 .) (5) ينظر بحر العلوم ( 3 /762 .) (6) ينظر تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ( 4 /283 .) (7) ينظر الكشف والبيان ( 9 /111 .) (8) ينظر الهداية إلى بلوغ النهاية ( 11 /7074 .) (9) ينظر النكت والعيون ( 5 /363 .) (10) ينظر: التفسير البسيط20 /431 .) (11) ينظر تفسير القرآن للسم عاني ( 5 /252 .) (12) ينظر معالم التنزيل ( 7 /372 .) (13) ينظر الجامع لأحكام القرآن ( 19 /475 .) (14) ينظر مدارك التنزيل ( 3 /372 .) (15) تفسير القرآن العظيم للماتريدي 4 /576 .) (16) ينظر المصدر السابق. (17) ينظر محاسن التأويل ( 6 /341 .)
عدد الصفحات ١٩٦188 قال الماتريدي © حقيقة القتل، وذلك يرجع إلى قوم خاص قمت لوا®(1). والقول الراجح هو القول الثاني القائل إ ن المر اد بالقتل هنا: اللعن، وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله . وهذا القول ضعفه ابن عطية، إلا أن اعتباره هو الأصوب، وذلك لما يأتي : 1 /اعتباره لدى جمع من المفسرين، وقولهم به ، لذا ذكر الواحدي نسبته إليهم، و إلى أهل المعاني(2)، كما ذكر السمعاني اتفاق أهل التفسير عليه(3). قال الثعال : © والظاهر ما قاله هذا ا فسر: قال ع يَاض (4) في (الشفا): وقد يقع القتل بمعنى اللعن ، قال اللَّه تعالى: {ﭟ ﭠ }[الذاريات : 10]،و{ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ} [ 30]، أي: لعنهم اللَّه ®(5). 2 /أن أصحاب القول الأول قد حملوا الآية على اعتبار المعنى في اللغة(6)، والمعروف أن لفظة القتل إذا أمخبر بها عن الله انصرف معناها إلى اللعن، قال ابن الأنباري(7) :© والقتل إذاأخبر به عن الله كان بمعنى اللعن ؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك ®(8). (1) تفس القرآن العظيم للماتريدي ( 4 /576 .) (2) ينظر: التفسير البسيط20 /431 .) (3) ينظر تفسير القرآن للسمعاني ( 5 /252 .) (4) ع يَاضهو أبو الفضل، القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي السبتي المالكي، عالم المغرب، وإمام الحديث في وقته، وأع لمهم بكلام العرب وأنسابهم، ولي قضاء سبته، توفي سنة ( 544 هـ ). ينظر: سير أعلام النبلاء ( 20 /213 )، والأعلام5 /99 .) (5) ينظر الجواهر الحسان ( 5 /297 .) (6) قال مكي بن أبي طالب© ولا يعرف أهل اللغة ( قمت لَ ) بمعنى: لعن، ومعناه على قول سيبويه، والخليل، و غيرهما: أن هؤلاء ممن يجب أن يدعا عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين، أو بعذاب من عند الله ®. (7) ابن الأنباري هو أبو بكر، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، عالم زمانه بالأدب، واللغة، وأكثرهم حفظا للشعر والأخبار، وله عدة مصنفات، توفي سنة ( 328 هـ ). ينظر: سير أعلام النبلاء 15 /274 )، والأعلام ( 6 /334 .) (8) ينظر: التفسير البسيط20 /431 .)
عدد الصفحات ١٩٧189 كما يستبعد القول الثالث إذ لم يرد إلا عن نزر يسير من المفسرين . 3/ موافقة هذا التجيح للقاعدة التجيحية القائلة إذا اختلفت الحقيقة العرفية والح قيقة اللغوية في تفسير كلام الله قدمت العرفية، كما أن تفسير جمهور السلف مقدم على غيره(1). (1) ينظر: قواعد التجيح 1 /258 )،2 /64 .)
عدد الصفحات ١٩٨190 المسألة السادسةالمراد بقوله: ( آخ ذ ين ): وذلك في قوله تعالى: {ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ} . قالابن عطية: © قال ابن عباس ƒ المع: آخذين في دنياهم ما آتاهم ربهم من أوامر ه ونواهيه وفرائضه وشرعه ، فالحال على هذا محكية ، وهي متقدمة في الزمان ع لى ك ونهم في جنات وعيون، وقال جماعة من المفسرين : معنى قوله تعالى: {ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ} أيصلين لنعم الله تعالى التي أعطاهم من جنته ورضوانه، وهذه حال متصلة في المعنى لكونهم في الجنات، وهذا التأويل أرجح عندي لاستقامة الكلام به ، وقوله: { ﮈ ﮉ } يريد في الدنيا، { ﮊ } بالطاعة والعمل الصالح ®(1). الدراسة والترجيح : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: المراد بها: آخذين في الدنيا ما آتاهم ربهم من الفرائض والشرائع ، وقوله: { ﮈ ﮉ } أي: قبل أن تفرض عليهم الفرائض محسنين . وهذا القول روي عن ابن عباس ƒ، وسعيد بن جب. وذكره بعض المفسرين عنهم كالطبري(2)، والماتريدي (3)، والثعل(4)، ومكي بن أبي طالب(5)، وضعفه ابن كثير (6)، والألوسي(7). (1) المحرر الوجيز ( 9 /176- 177 .) (2) ينظر جامع البيان للطبري ( 21 /500- 501 .) (3) ينظر تفسير القرآن العظيم للماتريدي ( 4 /577- 578 .) (4) ينظر الكشف والبيان ( 9 /111 .) (5) ينظر الهداية إلى بلوغ النهاية ( 11 /7078 .) (6) ينظر تفسير القرآن العظيم لابن ك ثير ( 7 /416 .) (7) ينظر روح المعاني ( 27 /7 .)
عدد الصفحات ١٩٩