جهــــــودالعلماء في الإعجاز 69 *القرآ ن والنقد(الفرق الإسلامية : لقد آ ثرت الفرق الإسلامية النقد في القرآ ن، وساعد آ صحابها في ذلك ب بلاغتهم وبراعتهم في توليد المعاني وفي الجدل وفي التمرس بأ ساليب القول وطرقه للتمكن من شرح عقائدهم الكلامية واإيصالها اإلَ الناس ، وللدفاع عنها ضد الخصوم مما اقتضى منهم مهارات بلاغية . كما آ ن علم الكلام وموضوعه من آ هم العلوم التي ساعدت على نشأ ة البلاغة والذي جعلها كذلك قضية الإعجاز القرآ ني . و هو« النظرفي آ فعال الله تعالَ وما يصدرعن قدرته من المكونّت كلها والمصنوعات فيحصل له العلم بذاته.»147. هذه القضية التي آ فرد لها علماء الكلام من معتزلة وآ شاعرة وآ هل الس نة الكثير من المؤلفات الكلامية . ومن هؤلء العلماء نذكر الجاحظ في(نظم القرآ ن) ،و الرماني في (النكت في اإعجاز القرآ ن)،و الخطابي في (بيان اإعجاز القرآ ن) ،والباقلاني في (اإعجاز القرآ ن) . لقد نشأ ت قضية الإعجاز نشأ ة بلاغية ،لنبهار العر ببلاغة القرآ ن ونظمه البديع ، والذي تحدّ وا بأ ن يأ توا بمثله لكنهم عجزوا، وبعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية ،ظهرت الحاجة اإلَ الاهتمام بالجانب البلاغي للقرآ ن . فانتد علماء الكلام آ نفسهم للتصدي لهذا الاهتمام فطرحوا في مؤلفاتهم حول الإعجاز بعض الملاحظات البيانية وال فكار البلاغية التي كانت تتطور شيئا فشيئا، اإلَ آ ن آ صبحت كتبا بلاغية . كما آ سهموا في النقد اللفظي والإثراء الفلسفي الذي جعل القرآ ن آ كثر اإعجازا. ولعل آ هم كتا يثبت اهتمام علماء الكلام بالقضايا البلاغية هوكتا (البيان والتبيين) للجاحظ (422هوهو من كبار علماء المعتزلة . وهي مدرسة قامت للدفاع عن الدين ضد ال فكار الدخيلة على الإسلام ممن يعتنقه من آ بناء ال مم ال خرى .تسربت من اليهود ،والنصارى ،والمجاوس ،والفكر الإغريقي 147 يحي بن حمزة العلوي ، الطّراز ، ص94 .
عدد الصفحات ٨١جهــــــودالعلماء في الإعجاز 70 والفارسي ع الترجمة التي شجع ع ليها الخلف اء العباس يون . رآ س هذه الفرقة هو واصل بن عطاء (949ه ، وهو من تلاميذ الحسن البصري وله مؤلفه (معاني القرآ ن). لقد آ قبل المتكلمون وخاصة المعتزلة على دراسة كل ما خلفه العر حتى عصرهم من ملاحظات بيانية مختلفة لوضع آ صول دقيقة للبيان العربي ،معتمدين على حسن الكلام وروعة البيان. كما اتخذوا من العقلية الجديدة التي كونتها فلسفة اليونّن آ ساسا لمجاادلتهم في التوحيد والفقه . ول نّ القرآ ن الكريم كان على قدر من البلاغة والفصاحة، فكان لبدّ للعلماء من اإدراك هذا العلم لمعرفة حقائق الإعجاز. يقول يحي بن حمزة العلوي: « البيانآ ن يقال فيه هو العلم الذي يمكن معه الوقوف على آ حوال الإعجاز ، ل ن الإجماع منعقد من جهة آ هل التحقيق على آ نه ل سبيل اإلَ الاطلاع على معرفة حقائق الإعجاز وتقرير قواعده من الفصاحة والبلاغة ،اإل باإدراك هذا العلم واإحكام آ ساسه ».148 *آ ثـرالم ـ ف ـ سريـن: لقد حظي علم الحديث بالنصيب ال ول في عصر التدوين الذي بدآ في آ واخر عهد بني آ مية وآ وائل عهد العباس يين ،والتفسير با من آ بوا الحديث .وعلم التفسير آ س بق صلة بعلم البلاغة من علم الكلام . و لقد بدآ ت المحاولت ال ولَ بمؤلفات اش تملت على ملاحظات بلاغية قيمة مثل كتا (مجاز القر آ ن) ل بي عبيدة معمر بن المثنىّ (490ه ، وهو من المحاولت ال ولَ في تفسير القرآ ن الكريم. ث توالت المحاولت مع ابن ماجه (473ه،ابن جرير الطبري (490ه ال نيسابوري (498ه ابن مردويه (390ه وغيرهم . و بعدما اتّ سعت العلوم ، وآ ثيرت مسائل الكلام ، وحرصت الفرق الإسلامية على الدفاع عن مذهبها ،اتجّه المفسرون اتجاهات ، متعددة فحمّل كل مفسر آ يات القرآ ن الكريم ما ينتصر به لمذهبه . 148 يحي بن حمزة العلوي ، الطّراز ، ص 99 .
عدد الصفحات ٨٢جهــــــودالعلماء في الإعجاز 71 ول ن من شروط المف آ ن يكون عالما باللغة ليشرح مفردات ال لفاظ وعارفا بالنحول ن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعرا ،وبالصرف الذي به تعرف ال بنية والصيغ ،وبعلوم البلاغة من معاني وبيان وبديع لمعرفة خواص تراكيب الكلام من حيث الإفادة بالمعنى ووضوح الدللة ووجوه تحسين الكلام، والتي بها يدرك الإعجاز ، توجّ ب على المفسرين الخوض في هذه العلوم المختلفة حتى يتمكنوا من تفسير وتأ ويل آ ي القرآ ن الكريم. تولَّ المفسرّ ون بيان مزايا ال سلو القرآ ني ، واتجّهوا اتجاها بلاغيا قصد بيان اإعجاز القرآ ن للناس وتفسير آ يات التحدي في سورة البقرة ، و يونس، وهود لبيان وجه البلاغة والفصاحة ، وبالتالي اإبراز الإعجاز البياني للقرآ ن . ول تكاد التفاسير تخلو من الاعتناء بالناحية البلاغية وآ همها : جامع البيان في تفسير القرآ ن لبن جرير الطبري(490 ه)، والذي آ جمع العلماء المعتبرون على آ نه لم يؤلف في التفسير مثله .149 ث تفس الكشاف للزمخشري (248ه، وتفسير ( آ نوار التنزيل وآ سرار التأ ويل) للقاضي البيضاوي (382ه و ( مفاتيح الغيب ) لفخرالدين الرازي (303ه .150 *آ ثـر اللغـويين والنـحـاة وال دباء لقد كان للنحويين واللغويين فضل كبير في نشأ ة البلاغة لما وصلوا اإليه في مجال النحو والصرف، بحسهم اللغوي الدقيق الذي جعلهم يفقهون آ سرار العربية ودقائقها في ال لفاظ والعبارات . كما قاموا بدور هام في طرح القضايا البلاغية ال ولَ من خلال اس تنباطهم لقواعدهم و مبادئهم اللغوية من النثر والشعر، هذه المبادئ التي اس تلزم اس تخلاصها تحليل الجوانب ال سلوبية في النصوص . ثّ يصبح علم المعاني من علوم البلاغة الثلاثة ، فهو جزء من النحو، وذاك ما تنبّه له عبد القاهر الجرجاني( 379ه 149 جلال الدين الس يوطي، الإتقان في علوم القرآ ن، ص 214 . 150 علي عشري زايد ، البلاغة العربية ، ص97 .
عدد الصفحات ٨٣جهــــــودالعلماء في الإعجاز 72 في كتابه (دلئل الإعجاز) حين بحث في النظم و عرّ فه بأ نه مراعاة لمعاني النحو. يقول : « واعلم آ نك تجد هؤلء الذين يشكون فيما قلناه ، تجري على آ لسنتهم آ لفاظا وعبارات ل يصحّ لها معنى سوى توخّّ معاني النّحو وآ حكامه فيما بين معاني الكلم ، ث تراهم ل يعلمون ذلك .»151 وآ وّ ل كتا لغوي احتوى على آ فكار بلاغية هو كتا (مجازالقرآ ن) ل بي عبيدة معمر بن المثنى (490ه، ولو آ نّ المفسرين يعدونه من كتب التفسير.ث كتا (تأ ويل مشكل القرآ ن) لبن قتيبة (473ه) . و من آ هم اللّ غويين الذين آ ثروا الدّ رس البلاغي بجهودهم القيّ مة : الكسائي (981ه، قطر بن المس تنير (403ه، الفرّ اء(407ه ،المبرّ د (483ه، ثعلب( 419ه، الزجّ اج (499ه، ولو آ نّ ه مفسر آ يضا، ابن ال نباري(448ه وغيرهم كثير. كما ل ننسى كتا (البيان والتبيين) للجاحظ (422ه، الذي كان نّقدا وآ ديبا ومتكلما معتزليا. هذا الكتا الموسوعة ال دبية التي حوت الكثير من الفنون ال دبية وال فكار البلاغية وال راء النقدية ، ث كتابه (الحيوان) الذي لم يخل آ يضا من نفس ال فكار البلاغية . *آ ثـر الفـلسـفة: في آ واسط القرن الثالث الهجري، ظهرت فئة المتفلسفة الذين اتخذوا من فلسفة اليونّن ومعاييرهم في البلاغة آ ساسا يحتكمون اإليه . وجمع منهجهم بين الثقافة العربية واليونّنية ، لكنهم اعتمدوا قواعد البلاغة اليونّنية عن طريق التلخيص والترجمة . فتأ ثر قدامة بن جعفر(447هوآ لف كتابه (نقد الشعر) وحاول وضع علم للشعر،يصدر فيه عن منطق شكلي مجرد. ولم يلق كتابه نجاحا كبيرا.152 151 عبد القاهر الجرجاني ، دلئل الإعجاز ، ص302 . 152 محمد مندور ، النقد المنهجي عند العر و منهج البحث في ال د و اللغة ، ص 493 .
عدد الصفحات ٨٤جهــــــودالعلماء في الإعجاز 73 لقد آ دى نشاط حركة الترجمة في العصر العباسي اإلَ انقسام علماء المسلمين اإلَ فريق معارض رآ ي تعارض الكتب المترجمة لكتب الفلسفة مع القرآ ن الكريم ، مثل آ بو حامد الغزالي(202هوالفخر الرازي (303ه) . وفريق معجب بهذه الكتب رآ ى آ نه يمكن التوفيق بين القرآ ن والفلسفة ، بتأ ويل النص القرآ ني آ وبشرح ا لنصوص القرآ نية وكلاهما بما يساير الفلسفة . ومن آ هم المؤلفات في التف سير الفلسفي: فصوص الحك ل بي نصر الفارابي (441ه آ كبر فلاسفة المسلمين . *ال ثـرال جـنـبي: ترجم حنين ابن اإسحاق(413هكتا الخطابة ل رسطو، مما يدل على آ ن العر قد عرفوا هذا الكتا ، الذي يتحدث فيه آ رسطو عن الاس تعارة ، وقال آ نها تشبيه ، وعن الطباق آ نّه رد ال عجاز على ما تقدمها . وهي ما ميزّ بها ابن المعتز مذهب المحدثين ، وآ ما المذهب الكلامي فقد آ خذه عن الجاحظ. فهم العر تعاريف آ رسطو لكنهم اختلفوا في ترجمة الاصطلاحات .فابن المعتز مثلا قد آ خذ عن آ رسطو طريقة تحليل الظواهر وطبقها على اللغة العربية ، وبحث عن ال مثلة في القرآ ن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر، ورآ ى في ذلك مميزات لمذهب البديع ، فاعتمد على التعريف والتقس يم والنقد. غير آ ن مرحلة النشأ ة عرفت افتقار المؤلفات البلاغية اإلَ المنهج العلمي، وآ هم سماتها هي: غيا التبويب العلمي الدقيق الذي يمثل آ هم خصائص المنهج العلمي ،و اس تخدام المصطلحات البلاغية من دون معرفة مدلولتها التي تعارف عليها البلاغيون فيما بعد ، و امتزاج القضايا ال بلاغية بقضايا العلوم ال خرى، وهي القرآ نية واللغوية وال دبية .
عدد الصفحات ٨٥جهــــــودالعلماء في الإعجاز 74 وآ خيرا عدم تميز علو م البلاغة الثلاثة : البيان،البديع والمعاني. وآ هم كتا في هذه المرحلة هو(مجاز القرآ ن) ل بي عبيدة معمر بن المثنىّ( 490ه . حيث كان يعرض لل ساليب الدقيقة في القرآ ن الكريم، ويحللها تحليلا لغويا عند تفسيرها، فيصل اإلَ الملاحظات البلاغية.153 * تكامـلال فـكارالبلاغـية واستـقـرارالبـلاغة: في هذه المرحلة عرفت البلاغة نضجا مهمّ ا بالرغم من بقاء امتزاجها بنفس العلوم ال خرى، وآ صبحت ال فكار المتناثرة في المؤلفات آ بوابا وفصول متكاملة . والكتب الكلامية آ صبحت كتبا بلاغية يطغى عليها الجانب البلاغي آ كثر من الجانب الكلامي . ومن آ و ائل كتب هذه المرحلة كتا (تأ ويل مشكل القرآ ن) لبن قتيبة(473ه . وفي آ واخر القرن الثالث الهجري، آ صبحت البلاغة علما مس تقا له آ صوله وقواعده العلمية ومباحثه وقضاياه، وآ ول كتا في هذه المرحلة هوك تا (البديع) لبن المعتز ( 413ه ،ث كتا الصناعتين ل بي هلال العسكري(412ه ، وهو نقطة تحول النقد اإلَ بلاغة .154 *ازدهـار البحـث البـلاغـي: ازدهرت البلاغة في هذه المرح لة على يد البلاغي الجليل عبد القاهر الجرجاني (379ه كتابيه (دلئل الإعجاز) و(آ سرارالبلاغة) . مع آ نه ل آ حد ينكر آ ن مباحث علم البيان وبعض مباحث علم المعاني قد كانت معروفة قبل عبد القاهر، ولكنه آ نشأ معظم مباحث المعاني ولم يَتم كثيرا بعلم البديع. لقد وضع الجرجاني آ سس نظرية جديدة ليعالج فروع علم المعاني و«هي نظرية النظم» 153 علي عشري زايد ، البلاغة العربية ، ص 44 . 154 محمد مندور، النقد المنهجي عند العر و منهج البحث في ال د و اللغة ،ص 492 .
عدد الصفحات ٨٦جهــــــودالعلماء في الإعجاز 75 والنظم عنده التأ ليف آ و البناء اللغوي للجملة وفق ما يقتضيه المع. يقول : « واإذا قد عرفت آ نّ مدار آ مر النظم على معاني النحو ، وعلى الوجوه والفروق التي من شأ نها آ ن تكون فيه، فاعلم آ نّ الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها ، ث اعلم آ ن ليست المزية بواجبة لها في آ نفسها، ومن حيث هي علىا لإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني وال غراض التي يوضع لها الكلام .»155 آ ما ع البيان فرصد له كتا (آ سرارالبلاغة) ، فتتبع فروع علم البيان بتعمق وفق المنهج التحليلي الفني. *السـكـاكي وجـمود البـلاغـة: في بداية القرن السابع الهجري، جمدت المحاولت البلاغية بعد آ ن بلغت قتها مع عبد القاهر الجرجاني، فحاول آ بو يعقو السكاكي (343ه في كتابه (مفتاح العلوم) ، آ ن يخضع البلاغة العربية للتقنين والت قعيد ، لكنه حولها اإلَ قوانين جافة تش به اإلَ حد بعيد قواعد النحو والصرف . وقد رتّ ب السكاكي علوم البلاغة الثلاثة بداية بعلم المعاني ث البيان ث المحس نات البديعية . يقول السكاكي : « وقد ضمّنت هذا من آ نواع ال د دون نوع اللغة ، ما رآ يته لبد منه ، وهي عدة آ نواع متأ خذة ، فأ ودعته علم الصرف بتمامه ، وآ نه ل يتم اإل بعلم الاش تقاق ... وآ وردت علم النحو بتمامه ، وتمامه بعلمي المعاني والبيان .»156 155 عبد القاهر الجرجاني ، دلئل الإعجاز ، ص87 . 156 آ بو يعقو السكاكي ، مفتاح العلوم ، ص47 .
عدد الصفحات ٨٧جهــــــودالعلماء في الإعجاز 76
عدد الصفحات ٨٨البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 77 تمهيـــــــــــــد: لشك آ ن البلاغيين والمفسرين قد عالجوا بلاغة القرآ ن قصد اإظهار خفايا الإعجاز البلاغي في القرآ ن الكريم ، فالجاحظ (522ﻫ، و الرماني ( 836ﻫ) ، والباقلاني(308ﻫ، و الجرجانى (374ﻫ رحمهم الله وآ مثالهم رحمهم الله تعالى، قد ك تبوا فى البلاغة والإعجاز في كل الوجوه ، و قد منحوا المفاتيح للباحثين للوصول اإلى الدقائق وال سرار . و الزمخشرى (283ﻫ ، وابن عاشور (4838ھ ) وآ مثالهم رحمهم الله تعالى قد ك شفوا عن ال سرار الكامنة فى ال ساليب القرآ نية المتعلقة بهذا المجال . مفهوم البلاغـــــــة وعلاقتها بنظرية الإعجاز: البلاغة من العلوم العربية التي لم يطرآ عليها تطور منذ اس تقرت على يد آ بي يعقوب السكاكي (656ﻫفي آ وائل القرن السابع الهجري ، بعلومها الثلاثة : المعاني والبيان والبديع . على آ نّها قبل آ ن تصل اإلى ﻫذه الصيغة كانت قد مرت بعدة مراحل منذ نشأ ت في بداية القرن الثالث الهجري. لقد كانت مجرد ملاحظات متناثرة وآ فكار مبعثرة ، على ﻫامش العلوم التي س بقتها اإلى النشأ ة . ومن بين ﻫذه العلوم العلوم القرآ نية التي اﻫتمت بالنص القرآ ني من ناحية شرحه وتفسيره علم التفسير، آ و من ناحية بيان وجوه اإعجازه علم الكلام . 157 والبلاغة هي معرفة الفصل من الوصل ، وهي آ ن تصيب فلا تخطئ وتسرع فلا تبطئ ، وهي اختيار الكلام وتصحيح ال قسام . وما آ حسن ما قاله اإبراﻫيم بن محمد المعروف بال مام « :يكفي من حظ البلاغة آ له يؤتى السامع من سوء اإفهام الناطق ، ول الناطق من سوء فهم السامع » ، وقال سهل بن ﻫار ون الكاتب : « العقل رائد الروح ، والعلم رائد العقل ، والبيان ترجمان العلم »158 157 علي عشري زايد ، البلاغة العربية ، ص48. 158 ابن س نان الخفاجي ،سر الفصاحة ، ص64 .
عدد الصفحات ٨٩البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 78 والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأ دية المعا حدها له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها ، واإيراد آ نواع التشب يه والمجاز والكناية على وجهها . ول لبلاغة طرفان آ على وآ سفل ... فمن ال سفل ت بتدئ البلاغة ، ثم تأ خذ في التزايد متصاعدة اإلى آ ن تبلغ حد الإعجاز ، وﻫو الطرف ال على وما يقرب منه . واعلم آ ن شأ ن الإعجاز يدرك ول يمكن وصفه كاس تقامة الوزن و الملاحة . ومدرك الإعجاز الذوق ليس اإله ، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة ﻫذين العلمين .159 يقولالخطيب القز ويني : « وللبلاغة طرفان : آ على اإليه تنتهيي، وﻫو حد الإعجاز وما يقرب منه، وآ سفل منه تبتدئ ، وﻫو ما اإذا غيره الكلام عنه اإلى ما ﻫو دونه التحق عند البلغاء بأ صوات الحيوانات واإن كان صحيح الإعراب ».160 ويعرفهايحيى بن حمزة العلوي ، فيقول : «هي الوصول اإلى الشيء ونتهاء اإليه ، وسمي الكلام بليغا، ل نه قد بلغ به جميع المحاسن كلها في آ لفاظه ومعانيه . وهي في مصطلح النظار من علماء البيان عبارة عن الوصول اإلى المعاني البديعة بال لفاظ الحس نة ، و عبارة عن حسن الس بك مع جودة المعاني ، والمقصود من البلاغة ، وصول الإنسان بعبارته كنه ما في قلبه مع الاحتراز عن الإيجاز المخل بالمعاني ، وعن الإطالة المملة للخواطر . »161 واإن كانت بلاغة القرآ ن آ على فهيي في مرتبة الإعجاز . و البلاغة شاملة لل لفاظ والمعاني، ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آ خر ﻫو آ نّا ل تكون اإل في اللفظ والمعنى ، بشرط الترك يب .162 159 آ بو يعقوب السكاكي ، مفتاح العلوم ، ص 256 . 160 الخطيب القزويني ، الإيضاح في علو م البلاغة ، ص 42 . 161 يحيى بن حمزة العلوي ، الطراز ، ص 65 . 162 يحيى بن حمزة العلوي ، الطراز ، ص 33 .
عدد الصفحات ٩٠البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 79 وبلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته .163والبلاغة من قولهم : بلغت الغاية اإذا انتهيت اإليها وبلغتها غيري،ومبلغ الشيء منتهاه فسميت البلاغة بلاغة ل نّها تنهيي المعنى اإلى قلب السامع فيفهمه.164 لقد قام علم البلاغة خدمة لتفسير كتاب الله ، وبيان اإعجازه ، فالبلاغة قاعدة التفسير والإعجاز165 ، وتاريخها مرتبط بتاريخ التفسير. آ مها الصلة بين البلاغة وعلم الكلام فهيي قضية الإعجاز القرآ ني التي عني بها العلماء وآ فردوا لها كتبا خاصة مثل (النكت في اإعجاز القرآ ن) للرماني ، و(بيان اإعجاز القرآ ن للخطابي ، و(اإعجاز القرآ ن) لل باقلاني . وﻫذه القضية كانت آ يضا قضية بلاغية بمقدار ما كانت قضية كلامية ، ل نه الجانب البلاغي في القرآ ن الكريم ﻫو آ برز وجوه اإعجازه .يقول الباقلاني : « البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة يعرف اإعجاز القرآ ن ، وتكون معرفته حجة عليه ، اإذا تُححدهى اإليه وعجز عن مثله . »166 لقد نزل القرآ ن الكريم على الرسول ، وآ نكر مشركو قريش كون القرآ ن وحيا من الله، فتحداهم القرآ ن آ ن يأ توا بمثله ، فلم يس تطيعوا وعجزوا. مع آ نّم كانوا يعلمون آ نه ثمهة شيء في النظم القرآ ني يخرج عن طوق البشر واس تطاعتهم ، ل نّم كانوا على قدر من نصاعة الفطرة اللغوية ، مكنتهم من اإدراك ﻫذا الجانب من جوانب الإعجاز القرآ ني .167 163 يحيى بن حمزة العلوي ، الطراز ، ص 43. 164 آ بو ﻫلال العسكري ، الصناعتين ، الصناعتين ، الطبعة ال ولى 4843ﻫمطبعة محمود بك ، ص6. 165 محمد رفعت آ حمد زنجير، مباحث في البلاغة واإعجاز القرآ ن الكريم ، ص52 . 166 آ بو بكر الباقلاهني ، اإعجاز القرآ ن، ص83. 167 علي عشري زايد ، البلاغة العربية ، ص42.
عدد الصفحات ٩١البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 80 ومناط البلاغة في النظم القرآ ني عند الخطا(833ﻫ آ نه النظم في مكانه اإذا آ بدل فسد معناه آ و ضاع الرونق الذي يكون منه سقوط البلاغة .168 وبلاغة القرآ ن عند الرما ( 836ﻫ ) اإيصال المعنى اإلى القلب في آ حسن صورة من اللفظ ، فأ علاﻫا طبقة في الحسن بلاغة القرآ ن ،وآ على طبقات البلاغة للقرآ ن خاصة .169 وآ مها الباق(308 ﻫ فيرى البلاغة في القرآ ن الكريم تكمن في النظم ، يقول «:وقد بينا في نظم القرآ ن آ ن الجملة تش تمل على بلاغة منفردة ، وال سلوب يختص بمع آ خر من الشرف »170 . ﻫذا المحور الذي آ دار عليه عبد القاﻫر الجرجا (374 ﻫ مذﻫبه في الإعجاز بالنظم ، يقول : «وآ وضح من ﻫذا كله ﻫو آ نه ﻫذا النظم الذي يتواصفه البلغاء وتتفاضل مراتب البلاغة من آ جله ، صنعة يس تعان عليها بالفكرة ل محالة ».171 واإعجاز القرآ ن يكمن في بلوغه الغاية القصوى مما يمكن آ ن يبلغه الكلام العربي البليغ من حصول كيفيات في نظمه ، مفيدة معاني دقيقة ونكتا من آ غراض الخاصة من بلغاء العرب مما ل يفيده آ صل وضع اللغة . ومرجع ذلك اإلى ما يسمى بالطرف ال على من البلاغة والفصاحة وﻫو المصطلح على تسميته حده الإعجاز .172 168 الرماني والخطابي وعبد القاﻫر الجرجاني ، ثلاث رسائل في اإعجاز القرآ ن ، ص 32 . 169 الرماني والخطابي وعبد القاﻫر الجرجاني ، ثلاث رسائل في اإعجاز القرآ ن ، ص76 . 170 آ بو بكر الباقلاهني ، اإعجاز القرآ ن، ص364 . 171 عبد القاﻫر الجرجاني ، دلئل الإعجاز ، ص24 . 172 محمد الطاﻫر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، الجزء 40 ، ص403.
عدد الصفحات ٩٢البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 81 اإنه نظم القرآ ن مبني على وفرة الإفادة وتعدد الدللة ، فجمل القرآ ن لها دللتها الوضعية التركيبية التي يشاركها فيها الكلام العربي كله ، ولها دللتها البلاغية التي يشاركها في مجملها كلام البلغاء ول يصل شيء من كلامهم اإلى مبلغ بلاغتها .173 لقد مرت البلاغة بتاريخ طويل من التطور حتى انتهت اإلى ما انتهت اإليه ، وكانت مباحث علومها مختلطا بعضها ببعض منذ نشأ ة الكلام عنها في كتب السابقين ال ولين . فنلتقي بالفراء (507ھ بكتابه ( معاني القرآ ن ) ، والذي عني فيه بالتأ ويل وتصوير خصائص بعض التراكيب ، والإشارة اإلى ما في آ ي الذكر الحكيم من الصور البيانية. ونلتقي ببشر بن المعتمر (540ھ ) وقد نقل عنه الجاحظ ملاحظات دقيقة في البلاغة ، ونلتقي بالجاحظ ( 522ھالذي آ ولى البلاغة العربية عناية فائقة ، فقد آ لف في البلاغة كتاب (البيان والتبيين ) جمع فيه ما انتهيى اإلى عصره من ملاحظات بلاغية .174 آما علماء الكلام فقد اﻫتموا بالمباحث البلاغية من آ جل تفسير الإعجاز البلاغي للقرآ ن الكريم ، ومنهم الرماني المعتزلي ( 836ھ ) في كتابه ( النكت في اإعجاز القرآ ن ) ، وعبد القاﻫر الجرجا 374ھ ) في كتابه ( آ سرار البلاغة ) الذي وضع فيه نظرية علم البيان وكتابهدلئل الإعجاز ) الذي وضع فيه نظرية علم المعاني . وينظر الجرجاني اإلى المجاز والاس تعارة و التشبيه والكناية على آ نّا عمد الإعجاز وآ ركانه ، يقول : «ولم يتعاط آ حد من الناس القول في الإعجاز اإله ذكرﻫا ، وجعلها العمد وال ركان فيما يوجب الفضل والمزية ، وخصوصا الا س تعارة والمجاز ، فاإنك تراهم يجعلونّما عنوان ما يذكرون ، وآ ول ما يوردون .»175 173 محمد الطاﻫر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، الجزء 40 ، ص440. 174 عبد العزيز عتيق ، علم البيان ، ص7. 175 عبد القاﻫر الجرجاني ، دلئل الإعجاز ، ص 853.
عدد الصفحات ٩٣البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 82 علوم البلاغة منذ آ ن بدآ العلماء من القرن الثالث الهجري اإلى القرن الخامس الهجري يتعرضون لنواحي الإعجاز البلاغي في آ سلوب القرآ ن الكريم ، و الدراسات تتطور وتنتج للبلاغة الشيء الكثير، فتداخلت وامتزجت وآ صبحت دراسة آ سلوب القرآ ن تعتمد على البلاغة . حيث كان البلاغيون يعمدون اإلى الشاﻫد القرآ ني ل ي س تعينوا به في توضيح الاصطلاحات .وتفرعت آ بواب البلاغة بعد الرماني ومعاصريه فقد بلغت عند آ بي ﻫلال العسكري س بعة وثلاثين نوعا... وآ غرق المتأ خرون من البلاغيين في ﻫذه ال سماء والفروع .176 لم يكن من المتوقع آ ن تتميز علوم البلاغة الثلاثة وهي البديع والمعاني والبيان ويس تقل بعضها عن بعض في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ البلاغة ، ل نّا كانت مجرد ملاحظات بلاغية لم تتبلور في نظرية متكاملة ، ولم تدرس من قبل بالعمق والإحاطة والنضج ، ولم تخضع للتصنيف والتبويب والاس تكمال من خلال منهج علمي جديد . 4 ــعلم المعــــــــاني : ال صل في اللفظ آ ن يحمل على ظاﻫر معناه ، والجاﻫل يس تعجل في اإظهار المعاني قبل العناية بتزيين معارضها واس تكمال محاس نها ، فيكون بالذم موصوفا وبالنقص مع روفا ، ويسقط من آ عين السامعين ، ول يدرج في سلك العارفين . فيكون بذلك علم المعاني تلك ال صول التي يعرف بها مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، وﻫو علم تعرف به آ حوال اللفظ . والمعاني جمع معنى وﻫو في اللغة المقصود ، وفي اصطلاح البيانيين التعبير باللفظ عما يتصوره الذﻫن ، آ و ﻫو الصورة الذﻫنية من حيث تقصد من اللفظ . 177 176 انظر الرماني والخطابي وعبد القاﻫر الجرجاني ، ثلاث رسائل في اإعجاز القرآ ن ، ص 468. 177 الس يد آ حمد الهاشمي ، جواﻫر البلاغة في المعاني والبيان والبديع ، ص 33 .
عدد الصفحات ٩٤البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 83 وفائدته اإعجاز القرآ ن من جهة ما خصه الله به من جودة الس بك وحسن الوصف ، وبراعة التراكيب ولطف الإيجاز ، وما اش تمل عليه من سهولة التركيب ، وجزالة الكلمات ، وعذوبة ال لفاظ وسلامتها . وكذا الوقوف على آ سرار البلاغة والفصاحة في منثور كلام العرب ومنظومه . آ ما اس تمداده فمن الكتاب الشريف والحديث النبوي الشريف وكلام العرب . واضعه عبد القاﻫر الجرجاني في كتابه (دلئل الإعجاز) ، فقد رصد لمباحث علم المعاني الذي آ صبح آ ول علوم البلاغة الثلاثة ،كما آ رسى آ سس ﻫذا العلم وبلور كل ملامحه ، وقد جعل مدخله اإلى ذلك نظرية النظم . والنظم عنده يعني ببساطة التأ ليف آ و البناء اللغوي للجملة وفق ما يقتضيه المعنى. كما يعني معرفة الخواص التركيبية للعبارة ، وبالتالي تصبح كل مباحث علم المعاني من تقديم وتأ خير ، وتعريف وتنكير ، وذكر وحذف ، وفصل و وصل وقصر داخلة في اإطار علم النحو. 5 ــعــــلم البيــــــــان : وعلم البيان لتأ ليف النظم والنثر بمنزلة آ صول الفقه لل حكام وآ دلة ال حكام . واإذا عرفت آ ن اإيراد المعنى الواحد على صور مختلفة ل يتأ تىه اإل في الدللت العقلية ، وهي الانتقال من معنى اإلى معنى بسبب علاقة بينهما ، كلزوم آ حدﻫما ال خر بوجه من الوجوه ، ظهر لك آ ن علم البيان مرجعه اعتبار الملازمات بين المعاني .178 وقد آ لهف الناس فيه كتبا ، وجلبوا ذﻫبا وحطبوا حطبا...وعلى ﻫذا فموضوع علم البيان ﻫو الفصاحة والبلاغة ، وصاحبه يسأ ل عن آ حوالهما اللفظية والمعنوية . 179 وعلم البيان علم يعرف به اإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدللة عليه ودللة اللفظ اإما على ما وضع له ، آ و على غيره .180 وتتلخص مباحثه في التشبيه والمجاز والاس تعارة والكناية . 178 آ بو يعقوب السكاكي ، مفتاح العلوم ، ص 383 . 179 ضياء الدينابن ال ثير ، انظر المثل السائر ، ص 87 . 180 الإيضاح في علوم البلاغة ،الخطيب القزويني ، ص 436 .
عدد الصفحات ٩٥البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 84 وعرفه يحيى بن حمزة العلوي فقال : «ﻫو العلم الذي يمكن معه الوقوف على معرفة آ حوال الإعجاز ، ل ن الإجماع منعقد من جهة آ ﻫل التحقيق على آ نه ل سبيل اإلى الاطلاع على معرفة حقائق الإعجاز ، وتقرير قواعده من الفصاحة والبلاغة ، اإل باإدراك ﻫذا العلم واإحكام آ ساسه . »181 وعلى الرغم من آ ن مباحث علم البيان كانت في مجملها قد درست على نحو آ و آ خر قبل آ ن يكتب عبد القاﻫر الجرجاني كتابه (آ سرار البلاغة) ، اإل آ ن ملامح ﻫذا العلم لم تتبلور في نظرية متكاملة اإله في ﻫذا الكتاب . فلم يقتصر فيه الجرجاني على مجرد جمع ما تبعثر من المباحث والتأ ليف بينها ، بل تجاوز ذلك اإلى تعميق النظرات السريعة ،ال مر الذي يمكن معه القول بأ ن الجرجاني ﻫو الذي آ رسى دعائم علم البيان كما آ رسى من قبل دعائم علم المعاني .182 وقد رصد عبد القاﻫر الجرجاني كتابه (آ سرار البلاغة) لدراسة مباحث علم البيان ،كما تناول بعض مباحثه في كتابه (دلئل الإعجاز) . وتتبع فروع البيان بتعمق آ كبر، حيث تناول التش بيه والاس تعارة في (آ سرار البلاغة) وافتنه فيهما ، وعرض للكناية في (دلئل الإعجاز) بهدف التدليل على آ نه نظريته ليست محصورة فحسب في آ بواب علم المعاني . و دور علم البيان فى الإعجاز القرآ ني آ هم ، ل نه من آ سمى علوم اللغة العربية وبه تتفاوت درجات البلاغة مع مطابقة تلك الدرجات مع مقتضى الحال . فليس ال سلوب حسن آ و آ حسن اإذا انقطع من الس ياق و المقام ، بل حسن ال سلوب ومزيته باعتبار المقام . و القرآ ن الكريم قد اس تخدم من آ ساليب البيان ما آ عجز الجن والإنس عن المعارضة ، ول يخفى آ ن لهذه ال ساليب دور مهم في ازدياد حسن الكلام ، ووصوله اإلى آ على مراتب البلاغة . 181 يحيى بن حمزة العلوي ، الطراز ، ص 44 . 182 علي عشري زايد ، البلاغة العربية ، ص 35 .
عدد الصفحات ٩٦