جهــــــودالعلماء في الإعجاز 53 لقد تتلمذ الزمخشري عالجرجاني في كتابيه (دلئل الإعجاز) و(آ سرار البلاغة) ، وتعمق في فهمهما حتى آ درك ربورة علم البلاغة للكشف عن وجوه الإعجاز البلاغي في القرآ ن وعن خفايا معانيه وآ سراره . وآ شار في مقدمة الكشاف اإلَ ربورة آ ن يكون المفسر للقرآ ن بارعا في علمين هما : علم المعاني و علم البيان . فقال الإمام : « علم التفس الذي ل يتم لتعاطيه واإجالة النظر فيه كل ذي علم ، كما ذكر الجاحظ في كتا نظم القرآ ن ... اإلّ رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآ ن وهما علم المعاني وعلم البيان »124 . تمكن الزمخشري في الكشاف من اس تعا كل ما كتبه عبد القاهر الجرجاني قبل آ ن يشرع في تفسيره ، كما آ نّ هذا الكتا هو خير تطبيق لقواعد المعانى والبيان اللذين اهتدى اإليهما عبد القاهر الجرجاني ، وكانت ال مثلة والشواهد من آ ي الذكر الحكيم. لقد جعل الزمخشري ال بلاغة القرآ نية المدخل لفهم معجزة الرسو ل ، وهي القرآ ن الكريم ، و احتج على الطاعنين بما يثبت الوحدانية ويحققها، ويبطل الإشراك ويَدمه ، وعلم الطريق اإلَ اإثبات ذلك وتصحيحه . وعرفهم آ نّ من آ شرك فقد كابر عقله ، وغطى على ما آ نعم عليه من معرفته وتمييزه ، و عطف على ذلك ما هو الحجة على اإثبات نبوة محمد ،وما يدحض الش بهة في كون القرآ ن معجزة، و آ راهم كيف يتعرفون آ هو من عند الله كما يدعي ، آ م هو من عند نفسه كما يدعون. » 125 وتحدث عن عجز العر عن المجايء بمثل القرآ ن عند آ ول آ ية من سورة البقرة ، حيث اتخّذ من عجزهم دليلا على اإعجاز القرآ ن ، عندما س ئل عن معنى تسمية السور بتلك ال لفاظ، فقال : « آ ن يكون ورود هذه ال سماء هكذا مسرودة على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا ، لمن تحدى بالقرآ ن 124 جار الله الزمخشري ، من مقدمة الكشاف ، ص 14 . 125 المصدر السابق ، ص13 .
عدد الصفحات ٦٥جهــــــودالعلماء في الإعجاز 54 وبغرابة نظمه ... وقد عجزوا عنه عن آ خرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ... ولم تظهر معجزتهم على آ ن يأ توا بمثله بعد المراجعات المتطاولة ، وهم آ مراء الكلام و زعماء الحوار ». 126 126 جار الله الزمخشري ، الكشاف ، ص 47 .
عدد الصفحات ٦٦جهــــــودالعلماء في الإعجاز 55 جــهود عــلــماء الفـــكر العــــربي الحــد يـــث مـحـمـد عـبـــده (9444 ه) : هو الإمام الش يخ محمد بن عبده بن حسن خيرالله المصري ، آ حد آ ركان النهضة العربية ومؤسس الحركة الفكرية ، مفتي الديار المصرية س نة 9497 .ولد بقرية محلة نصر، درس بال زهر وتقلب في مناصب عديدة ، نفي اإلَ سوريا في الثورة العرابية ث عاد اإلَ مصر. دعا اإلَ حاجة الإسلام اإلَ الإصلاح فأ لّف الكثير من الكتب آ همها ( الإسلام والرد على منتقديه )، و(تفسير القرآ ن الكريم)، و( العروة الوثقى لانفصام لها) و آ لفه مع جمال الدين ال فغاني ،و(رسالة التوحيد)، و(وشرح مقامات الهمذاني) ، و(نهج البلاغة) . كما ترآ س الحز الذي يَدف اإلَ الإصلاح ، فخلف جماعة من تلامذته من كتّ ا المسلمين في هذا العصر. 127 و هو آ حد المفسرين المعاصرين الذين تناولوا قضية الإعجاز في تأ ويل آ يات التّحدّي والمعاجزة ، فأ قرّ باإعجاز القرآ ن بأ سلوبه ونظمه ، لش تماله على النّظم الغريب و الوزن العجيب وال سلو المخالف في فواصله ومقاطعه ،رغم تفاوت آ ياته في الطّول والقصر. كما ردّ على الطّاعنين على القرآ ن ، و آ وعز ذلك اإلَ جهلهم للغة الفصحى، التي يكسب ذوقها بمدارسة الكلام البليغ . لقد آ ضاف الش يخ محمّد عبده اإلَ دلئل الإعجاز ربورة التّصال باللغة بالفصحى التي بها تدرك بلاغة النّظم المعجز، كما تحدّث عن ال ثر النّفسي للقرآ ن وجعل لتأ ثير التّلاوة مكانّ في قضية الإعجاز البلاغي . وظهر تأ ثّره بمذهب الش يخ عبد القاهر الجرجاني في الإعجاز و بمنهجه في الاحتجاج له. 127 معجم المطبوعات والمعرّبة، جمع وترتيب يوسف اليان سركيس ، ص 937 .
عدد الصفحات ٦٧جهــــــودالعلماء في الإعجاز 56 مصطـــفى صــادق الرّافـــعي9432ه : شاعر وكاتب آ صله من الشام، ولد بمصر وتوفي بها . له الكثير من المصنفات آ همها : (تحت راية القرآ ن)، و( آ وراق الورد) ،و( ومن وحي القلم) . وهو آ ول من آ خرج كتابا مس تقلا في الإعجاز القرآ ني من المعاصرين بعد الإمام جلال الدين الس يوطي (رحمه الله). وكتب(آ دا القرآ ن) ليبينّ آ نّ ال خلاق والمسائل التشريع ية هي اإحدى وجوه الإعجاز، فكان هذا موضوعا جديدا لعلم السلوك الإنساني بأ سلو بياني ملفت. فأ مّا كتابه (اإعجاز القرآ ن) فعرض فيه ل راء السابقين في الإعجاز، فحمل على المتكلمين وعا عليهم ماعا دون آ ن ينكر ويدفع من ينكر ومن يدفع . فاإمّا آ ن تتعارض الحجج الكلامية فتسقط بعضها بعضا، واإمّا آ ن تقوى واحدة منهنّ فتسقط الباقيات وتبقى هي كلاما من الكلام ل تصلح لنفي ول اإثبات . 128 رفض القول بالصرّفة ونعت النظّام بش يطان المتكلم ، وانتصر لبن حزم الظّاهري في كتابه (الفيصل في سبب الإعجاز) ، الذي سلمّ بأ نّ كون القرآ ن كلام الله تعالَ ، و قد آ صاره معجزًا ومنع من مماثلته برهان كاف على اإعجازه 129 .غ آ نّه آ نكر آ ن يكون آ حد قد قال اإنّ كلام البشر معجز.130 كما تحدّث عن الإعجاز ال سلوبي فقال بنظم القرآ ن و تركيبه و نسق حروف ال لفاظ و الكلمات و الجمل ، فكان اإحساس العر بالعجز. 128 مصطفى صادق الرافعي ، اإعجاز القرآ ن والبلاغة النبوية ، ص 11 . 129 المصدر السابق ،ص 904 . 130 المصدر السابق ،ص 909 .
عدد الصفحات ٦٨جهــــــودالعلماء في الإعجاز 57 و قال عن التّكرار في البيان القرآ ني آ نّه كان مأ لوفا عند العر ، و لكنّ القرآ ن كان يأ ي بمعنى في سورة ثّ بنفس المعنى في سورة آ خرى ، فيدهش السامعون لهذا التّكرار. كما كتب في الحروف وآ صواتها وفي الكلمات وحروفها وفي الجمل وكلماتها، وتحدّث عن غرابة آ وضاع القرآ ن التركيب ية وعدّه من اإعجاز القرآ ن . وراح يقارن تأ ليف كلمات القرآ ن بكلام العر من شعر، و رجز ، وخطب ، وحك ، وسجع . و لكنّه لم ينف آ نّ هذه ال لفاظ مع غرابتها فهيي مؤتلفة ومأ لوفة .131 كحصر في تحليله لل سلو القرآ ني جهات النّظم في القرآ ن الكريم في الحروف والكلمات والجمل، فقال : « فالحرف الواحد منالقرآ ن معجز في موضعه ل نّه يمسك الكلمة التي هو فيها ، ليمسك بها ال ية وال يات الكثيرة ، وهذا هوالسر في اإعجاز جملته اإعجازاً آ بديا»132 وتحدث عن خصائص ال سلو القرآ ني ولخصها في الغرابة والسهولة ، و الرهبة ،و غزارة المعاني و المطاوعة . و قال عن البلاغة آ نها ليست وضعا لغويا ل علاقة له بالنفس بل التأ ثير النفسي قاعدة البلاغة .133 يرىمصطفى صادق الرّافعي آ نّ النّشأ ة اللغوية ال تي عرفها العر قبل مولد ال نبي هي اإعجاز للقرآ ن الكريم ،كما آ نّ نهضة ال مّة العربية بعد طول عصر عرف جاهلية كبيرة ، هو مظهر من مظاهر الإعجاز القرآ ني في تربية النفوس وتهذيبها بأ سلو بياني محك النّظم ، اتّفق فيه مع عالمنا الجليل عبد القاهر الجرجاني . 131 مصطفى صادق الرافعي ، اإعجازالقرآ ن والبلاغة النبوية ، ص942 . 132 المصدر السابق ،ص 904 . 133 مصطفى صادق الرافعي ، اإعجازالقرآ ن والبلاغة النبوية ، ص 977 .
عدد الصفحات ٦٩جهــــــودالعلماء في الإعجاز 58 مـحـمــد فــــريــد وجـــدي (9872 م) : هو فريد بك بن مصطفى وجدي بك بن علي رشاد . يعدّ علما من آ علام الفكر الإسلامي المعاصر، آ لف دائرة معارف القرن العشرين و كتب آ خرى آ همها: ( كنز العلوم واللغة)و(صفوة العرفان في علم التفسير)و( الحديقة الفكرية في اإ ثبات وجود الله بالبراهين) . لقد قرآ جهود السابقين ووفّ اهم حقّ هم من المدح وال ثناء ، و رآ ى آ ن للقرآ ن حلاوة تأ ثير انفرد بها رغم تكرار القراءة والترديد حين الحفظ ، فسماه التأ ثير القرآ ني غير المملول، آ و الإعجــــــــاز النفسي. و آ رجعه اإلَ آ مر واحد ، هو آ نه روح من عند الله ، ل يمكن آ ن تماثلها روح مقال آ خر. و نقد حصر المتكلمين القدامى في اإعجاز القرآ ن عنايتهم فقط ببيان الإعجاز البلاغي. هو يقول بفصاحة القرآ ن الكريم من نّحية اللفظ والمعنى ، كما يقول بروحانيته الإلهية وهي سر اإعجاز ه،و يرى آ ن لل ساليب البلاغية المعروفة من تقديم وتأ خير واإيجاز واإطنا وحذف وغيرها، التأ ثير الخارق في النفوس . و يرى بأ ن معرفة آ سرار التركيب البياني للقرآ ن، لتعني القدرة على محاكاته . ويضر مثل الناقد و هو ينقد القصيدة الشعرية معجبا بنظمها عاجزا عن محاكاتها . وحدّ د مواطن ظهور الإعجاز الروحاني في : اإدراك القرآ ن بمجرد سماعه واإن كان بغير صوت حسن ، وتمييزه مكتوبا من بين سائر الكلام .134 مــحــمّــد عــبد الله دراز (9128م : فقيه و متأ د مصري آ زهري، من هيئة كبار العلماء بمصر.سافر في بعثة آ زهرية عام9143، فكتب رسالتين عن (التعريف بالقرآ ن) و(ال خلاق في القرآ ن) ، نّل بهما ش هادة دكتوراة الدولة من السربون ، بمرتبة الشرف الممتازة عام9137 م . 134 بلقاسم محمد الغالي ، ملامح الإعجاز النفسي في القرآ ن الكريم ، ص 94 .
عدد الصفحات ٧٠جهــــــودالعلماء في الإعجاز 59 حاول آ نيأ ي بالجديد في الدراسات القرآ نية ، وكتب في قضية الإعجاز ليثبت اإعجاز القرآ ن الكريم ،فأ لف كتا النبأ العظيم س نة 9144م ، وحدد فيه معنى القرآ ن ومصدر القرآ ن. و ضمنه حقائق جديدة آ همها الخصائص القرآ نية لل سلو البياني في كتا الله ، فجعلها في آ ربعة آ مور هي سر الإعجاز، و توسّ ع في الحديث عن جوهر القرآ ن الدال على مصدره الرباني .135 آ ولَ هذه الخصائصهي البيان والإجمال معاً ، فلا يكاد يجتمع هاذان الطرفان في كلام واحد من كلام البشر اإل و كان فيه النقصان ، آ ما آ لفاظ القرآ ن و آ غراضها فهيي حقائق و صور ماثلة. ثانية هذه الخصائص اإقناع العقل واإمتاع العاطفة ، ل ن العقل والعاطفة ل يجتمعان في آ سلو واحد ، اإل و يكون قصورا في جانب ، و غلوا في جانب آ خر، غير آ ن القرآ ن ل ينسى حق العقل و هو يسرد القصص وال خبار، ول ينسى حظ القلب من ترغيب و ترهيب ومن تشويق و تحذير و هو يقرّ بال حكام و البراهين . وثالثة الخصائص هي خطا العامة والخاصة ، ما ل نجده اإل في كتا الله ، فقد خاطب الله العامة والخاصة بأ سلو بياني فهمه كلاهما . وآ خر الخصائص هي القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى ، واس توفاها بالستشهاد بأ يات القرآ ن مثبتا سر الإعجاز فيها . كما يرى الإعجاز في جمال توزيع الحركات والسكنات والمد، و رصف الحروف و تأ ليفها ، و في اللّ بّ الداخلي لتصوير المعاني . 135 محمد رفعت آ حمد زنجير، مباحث في البلاغة و اإعجاز القرآ ن الكريم ،ص 3302 .
عدد الصفحات ٧١جهــــــودالعلماء في الإعجاز 60 ســـيـــّد قــــطـــب ( 9487ه : آ حد آ علام العصر الحديث ، بلغت مؤلفاته العشرين و آ همها: موسوعة (في ظلال القرآ ن) ، التي يقول اإنه لم يقدم فيها تفسيرا يتجاوز الظلال اإلَ ال عماق ، وكتا ( التصوير الفني في القرآ ن ) ، اعتمد فيه على التنظير القاعدي لجهات الإعجاز كما تصوره ،كما اعتمد فيه على ذهنه و روحه و اإحساسه قبل آ ن يعتمد على جهود السابقين القدامى . وله (مشاهد القيامة)في القرآ ن . تحدث ال س تاذ س يد قطب عن تأ ثره بالقرآ ن و بما احتواه من فنون الإعجاز ، وهو التصوير الفني للقرآ ن . يقو ل : « التصوير هو ال داة المفضلة في آ سلو القرآ ن ، فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفس ية و عن الحدث المحسوس و المش هد المنظور و عن النموذج الإنساني و الطبيعة البشرية ، ث يرتقي بالصورة التي يرسمها ، فيمنحها الحياة الشاخصة آ و الحركة المتجددة . » 136 كما اعت ال داء الوجداني سرّ الإبداع في الإعجاز، فعارضه بعض معاصريه بحجة آ ن المنطق العقلي جناح آ خر في الإعجاز، فأ كدّ آ نه لم يغفل هذا الجانب وتناوله باإسها في كتابه (في ظلال القرآ ن) ، ليكشف عن آ داتين مهمتين : الإقناع والإمتاع في القرآ ن الكريم . يقول : « وقد لحظنا من قبل آ ن التعب القرآ ني يؤلف بين الغرض الديني و الغرض الفني ، فيما يعرضه من الصور والمشاهد ،بل لحظنا آ نه يجعل الجمال الفني آ داة مقصودة للتأ ثير الوجداني، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية . »137 136 س يد قطب، مشاهد القيامة في القرآ ن ، ص 84 . 137 المصدر السابق ،ص 431 .
عدد الصفحات ٧٢جهــــــودالعلماء في الإعجاز 61 وقسّم ال س تاذ الش يخ مراحل تذوق الجمال القرآ ني اإلَ مرحلة التذوق الفطري للعر عند سماعهم القرآ ن ، و مرح لة اإدراك مواضع الجمال138. و تبدآ من القرن الثاني الهجري عند اإقبال العلماء على القرآ ن من مفسرين ، و آ دباء ، ومتكلمين . و آ خيرا مرحلة اإدراك الخصائص العامة. ير ى الإعجاز آ يضا في آ ساليب النظم و البيان،ث في الهداية والتوجيه والإرشاد وفي المشاهد القرآ نية الحية النابضة . فأ برز المشاهد التي رآ ى فيها الإعجاز من سورة (ق) و(الصافات) و(الملك) . وعن التكرار في آ كثر قصص القرآ ن يقول الش يخ آ نه تكرار لبعض حلقات القصة ، و فيه اإشارات لموضع العبرة فيها ، مع اختلاف في كل تكرار من سورة اإلَ آ خرى . محــمــد متــولي الشــعراوي : آ حد علماء القرن الرابع عشر الهجري ، درس بال زهر ث جامعة آ م القرى بمكة ، عمل لفتر ة وزيرا لل وقاف ث تفرّ غ للتّ دريس والدعوة . يرى الش يخ الإعجاز في كونه مزّق حاجز الماضي في اإخباره عن ال مور الماضية ، وحاجز المكان في اإخباره عن آ سرار النفس الإنسانية حين الخطا ، وحاجز المس تقبل في اإخباره عما يمكن آ ن يحدث في المس تقبل القريب والبعيد. كما يرى آ ن للقرآ ن ثلاث مزايا : القرآ ن معجزة عقلية خالدة ، المعجزة القرآ نية منهج ودس تور، آ ي آ ن معجزة الرسول دون سائر ال نبياء هي ذاتها القرآ ن و المنهج معا. و آ خيرا المعجزة القرآ نية صفة من صفات الله ، و هي صفة الكلام و هي صفة باقية بقاء الله عز و جل المنزّ ه عن كل وصف. و مظاهر الإعجاز عند الش يخ الشعراوي تتلخص في مطابقته لما توصل اإليه العلم في العصرالحديث ، وللحقائق الكونية التي لم تكن معروفة ، و اعتمد على التفسير لإبراز جوانب الإعجاز في القرآ ن الكريم . 138 س يد قطب، التصوير الفني في القرآ ن ، ص 93 .
عدد الصفحات ٧٣جهــــــودالعلماء في الإعجاز 62 عــبـد العـظــيـم الزرقــا: من مواليد اإحدى القرى بمحافظة الغربية بمصر .آ حد علماء ال زهر البارزين امتاز بالنشاط العلمي و الاجتماعي في المجاال الإسلامي. كان رئيسا لجماعة التربية الإسلامية وعضوا بجماعة جبهة علماء ال زهر، و آ س تاذا للدراسات العليا بكلية آ صول الدين . من آ هم مؤلفاته : (مناهل العرفان في علوم القرآ ن ). يرى الش يخ الإعجاز في آ لفاظ القرآ ن وتأ ليفه ،وفي ظهوره منجما عبر عشرين س نة. اع تبر اإعجاز القرآ ن في جانب العبادات والعقائد اإعجازا للاإسلام في التربية و التهذيب والس ياسة ودقة الس بك وقوة التصال ، وفي تنوع القراءات والحروف ال وائل للسور وهي حروف الهجاء ، وفي نزوله على رجل آ ميّ ، وفي اإخباره بالغيبيات وهي كثيرة ، ويعتبره من آ برز شواهد الإعجاز. كما يراه في حديثه عن الكونيات الدقيقة المحيطة بالإنسان ، التي تحتاج اإلَ علوم كونية لفهمها ، و نزولها على آ ميّ هو الإعجاز ذاته . 139 و يراه آ يضا في آ نّ ه جاء بهدايات تفي حاجات البشر، وفي عجز الرسول الكريم عن الإتيان ببدل القرآ ن ل نّه ليس كلامه ، وفي ال يات التي تجرده من نسبته اإليه ، و في تأ ثيره ونجاحه. و قد ردّ الش يخ على الش بهات الواردة في الإعجاز، ومنها ش بهة من قالوا بأ نّ اإعجاز القرآ ن ل يدلّ على آ نّه كلام الله تعالَ . يقو ل : « والخلاصة آ نّ القرآ ن من آ يّة نّحية آ تيته ، ل ترى فيه اإلّ آ نوارا متبلّجة وآ دلةّ ساطعة على آ نّه كلام الله. ول يمكن آ ن تجد فيه نكتة من كذ ، ول وصمة من زور، ول لطخة من جهل. واإنيّ ل قض العجب من هؤلء الذين آ غمضوا آ عينهم عن هذه ال نوار، 139 محمد عبد العظيم الزّرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآ ن ، 443 .
عدد الصفحات ٧٤جهــــــودالعلماء في الإعجاز 63 وطوّعت لهم آ نفسهم اتهّام محمّد ص لىّ الله عليه وسلمّ بالكذ ، وزعموا آ نّ القرآ ن من تأ ليفه هو ل من تأ ليف ربّه ».140 هذا واإن البحث في الإعجاز القرآ ني آ عمق بكثير، فقد كتب فيه ال دباء و الم فسر ون و الم تكلمون وال فقهاء، في العصر القديم و الحديث . ومهما تحدثنا عن جهود هؤلء جميعهم ، فلن نتمكن من آ ن نوفيهم حقهم من الجهد الذي بذلوه ل جل خدمة القرآ ن الكريم . 140 المرجع السابق ، ص443.
عدد الصفحات ٧٥جهــــــودالعلماء في الإعجاز 64 نــشـــأ ة وتــطوّر الدّ رس البــلاغي: تمهيـــــــــــــد : اإنّ آ هم ماميزّ العهد الإسلامي هو نزول القرآ ن عربيا معجزا، فأ عجب المسلمون ببلاغته ، ولم يبحثوا في قضية الإعجاز ل نهم كانوا حديثي العهد بالإسلام . ول شك آ ن الملاحظات البلاغية قد بدآ ت تظهر في العهد ال موي بعد النهضة العلمية التي قامت في مدينتي الكوفة والبصرة، لختلافهما في ال راء اللغوية والنحوية، وحتى الفرق الإسلامية آ ثارت المناقشات في كل مايتصل بشؤون المسلمين العامة.141 ث يأالعهد العباسي ابتداء من س نة(944ه)، لتزدهر هذه الملاحظات وتتسع بحك الترجمة وتبادل الثقافات ال جنبية واإتقان الموالي للعربية، مما جعل العلماء يطرحون ملاحظاتهم حول خصائصها البلاغية . وبالمثل فعل كتا الدواوين الشعراء، النحويون و اللغويون . وبدآ الحديث عن الإعجاز في القرآ ن بصورة علمية ،و كثر الكلام في الدين والنبوة . ف تطورت البلاغة شيئا فشيئا اإل آ ن اس تقر ت على يد آ بي يعقو السكاكي(343هفي آ وائل القرن السابع الهجري ، بعلومها الثلاثة : المعاني ، البيان والبديع . 142 141 محمد رفعت آ حمد ز، مباحث في البلاغة و اإعجاز القرآ ن الكريم ، ص 342 . 142 علي عشري زايد ، البلاغة العربية ، ص900 .
عدد الصفحات ٧٦جهــــــودالعلماء في الإعجاز 65 *النــشــــأ ة لقد نشأ ت البلاغة في بداية القرن الثالث الهجري، على هامش علوم آ خرى كان لها ال ثر الواضح . وهي العلوم القرآ نية ، و العلوم اللغوية ، والعلوم ال دبية . •النــقـــد ال دبــــي : لقد آ سهم النقد ال دبي في تطورالبحث البلاغي ونموه باعتماده على الذوق القائم دراسة ومنهج، فصعُب التفريق آ نذاك بين بين النتاجين النقدي والبلاغي بين المؤلفات النقدية والبلاغية. والوقوف عند تاريخ البلاغة العربية تس توقفه مؤلفات المر حلة النقدية، باعتبارها من مصادر البلاغة ال ولَ، ونفس ال مر بالن س بة لكتب النقد النظري التي تدورحول نظرية ال د ، مثل: ( كتا الصناعتين ) ل بي هلال العسكري،و( نقد الشعر) لقدامة بن جعفر،ث كتب النقد التطبيقي التي تنقد نتاج الشعراء، مثل كتا (الموازنة بين شعر آ بي تمام والبحتري) لل مدي، و(الوساطة بين المتنبي وخصومه ) للقاضي عبد العزيز الجرجاني. وآ ول كتا في النقد وتاريخ ال د هو كتا ( طبقات الشعراء ) لبن سلام الجمحي (444ه في القرن الثالث الهجري، والذي ق سم من خلاله الشعراء تبعا للزمان والمكان والفن ال دبي . ث ظهر ابن قتيبة (473ه) بكتابه (الشعر والشعراء)، وآ خبر فيه عن الشعراء وآ حوالهم في شعرهم ، وعن آ قسام الشعر وطبقاته وعن وجوه اس تحسان الشعر، لكنه لم يتناول النصوص ول الشعر بنقد فني تطبيقي .143 143 محمد مندور، النقد المنهجي عند العر و منهج البحث في ال د و اللغة ، ص49 .
عدد الصفحات ٧٧جهــــــودالعلماء في الإعجاز 66 ث نشأ الــنقــد المـــنهــجي على يدابن المعتز(413ه في كتابه (البديع) ،فاس تخرج كل ما وجده في القرآ ن واللغة والحديث من كلام هو البديع ،و جمع بين الاس تعارة وبين التجنيس، الطباق ورد العجز على الصدر،وبين المذهب الكلامي وهو منهج عقلي مأ خوذ باعتراف ابن المعتز عن الجاحظ آ ي عن المعتزلة وعلماء الكلام. وهو اإيراد حجة المطلو على طريقة آ هل الكلام144. والمذهب الكلامي نوع من الجدل العقلي والقدرة على توليد المعاني والدقة في المفارقات145. ونس تطيع القول آ ن ابن المعتز قد حدد خصائص مذهب البديع ، وفص لها عما عداها من الطرق البلاغية ، كما ردّ على المتفلسفة والشعوبيين الذين كانوا يخاصمون البلاغة العربية . و ركّز ابن المعتز على خصائص النصّ وآ همل طرفي الكلام المتكلم والسامع ، ونظر اإلَ مسأ لة البديع من زاو ية الصراع بين القدماء والمحدثين. لكنه بينّ آ نّ العر قد عرفت فن البديع في كلامها، وآ نه موجود في كتا الله تعالَ وفي الحديث النبوي الشريف ليثبت آ صالة هذا الفن في تراث العر . ث يأ ي قدامة بن جعفر(447ه) وكتابه(نقد الشعر). و هو آ حد آ هم الكتب الهامة في تاريخ النقد العربي و البلاغة العربية ، حيث ظهر فيه تأ ثير الثقافة اليونّنية على النقد والبلاغة ، وخصوصا بعض آ ثار آ رسطو وكتابيه المترجمين اإلَ العربية عن السريانية (فن الشعر) و(الخطابة)، بالرغم من آ ن فكر آ رسطو النقدي، لم يُفهم فهما صحيحا لجهل المترجمين بالمدلولت الفنية لبعض ال جناس ال دبية . وعرض فيه صاحبه لضرورة آ ن يكون اللفظ سهل المخارج فصيحا ، وآ ن يكون الوزن سهل العروض، وآ ن تكون القافية عذبة الحرف، وآ ن يكون المعنى موجها للغرض المقصود.وتحدث عن مفهوم الشعر ث صفات الجودة آ و ما آ سماه النعوت. 144 آ بو هلال العسكري ،الصناعتين ، ص 443 . 145 محمد مندور، النقد المنهجي عند العر و مج البحث في ال د و اللغة ، ص 31 .
عدد الصفحات ٧٨جهــــــودالعلماء في الإعجاز 67 واعت التشبيه من آ غراض الشعر، والكناية من صفات ائتلاف اللفظ والمعنى. كما ت ناول فنونّ بلاغية من علم البيان والمعاني كالمساواة والإيجاز ، وسمّ اه الإشارة، وحشد قدامة مجموعة من المصطلحات البلاغية والنقدية ، ولكنه لم يتمكن من تحقيق التوازن بين الموضوعية المنطقية والذوق الفني. و كل ما وضعه من نعوت لجودة ال شعر صنفت فيما بعد تحت علم البديع ،كالجناس ،و الطباق ، و التصريع وغيرها. وبذلك قد آ سهم بجهوده في اإثراء المعجم البلاغي بمصطلحات،واإن لم تكن في معناها. وممن احتذوا بقدامة ابن رش يق القيرواني(323ه في كتابه(العمدة في محاسن الشعرونقده)، ابن س نان الخفاجي(333هفي كتابه (سرالفصاحة) و آ بو هلال العسكري (412هفي كتابه ( الصناعتين) . و تأ ي مرحلة النقد التطبيقي في كتابي(الموازنة) لل مدي(470ه) و(الوساطة) للقاضي عبد العزيز الجرجاني (414ه) .والذي ساعد على رواج هذا الإتجاه هو ما دار بين النقاد وال دباء منذ القرن الثالث الهجري حول مذهب بشار بن برد وآ بي نواس ث مذهب آ بو تمام . ومدار هذا المذهب هو الإكثار من الصور البلاغية من تشبيه واس تعارة وجناس وطباق فسمي مذهب البديع . واحتدم الصراع حول ثلاثة شعراء هم : آ بو تمام، البحتري و المتنبي. *كتا الموازنة بين شعر آ بي تمام و البحتري : وفي الكتا موازنة بين آ بي تمام المغالي في الصنعة الشعرية والمكثر من الصورالبلاغية ،وبين البحتري الملتزم بالتقاليد الشعرية الموروثة . والجانب البلاغي في المواز نة قليل مقارنة مع الجانب النقدي. ظل ال مدي محايدا فاختص آ با تمام بالحديث عن عيوبه في البديع ولم يذكر شيئا من عيو البحتري في البديع ما دون السرقات، اإل مثالين في التجنيس القبيح . كما لخص نظريات اليونّن والهند في البلاغة.
عدد الصفحات ٧٩جهــــــودالعلماء في الإعجاز 68 *كتا الوساطة للقاضي الجرجا في منتصف القرن الرابع الهجري، بدآ ت حدة الصراع حول مذهب آ بي تمام تخف ليخلفه المتنبي بحجة آ نه جمع في شعره بين القديم والجديد، فدارت حوله الخصومة في بغدادوفي فارس. عرض القاضي ل خطاء الجاهليين، ث تفاوت شعرالشعراء، تاريخ الشعر العربي وصول اإلَ البديع ليفصّل في آ وجهه، ث دافع عن المتنبي بالتحليل والمناقشة . آ ما الجانب البلاغي في الكتا فكان ضئيلا، فيه اإشارة لبعض صورالبديع عند العر مع التمثيل والاس تعارة. و يظهر آ بو هلال العسكري (412ه بكتابه (الصناعتين)، وهو نقطة تحول النقد اإلَ بلاغة. تأ ثر بابن قتيبة في تمييز الكلام، و آ خذ عن ال مدي و القاضي الجرجاني . نفر من مذهب الكلاميين وفضل ابن المعتز على قدامة . اعتمد في كتابه على التعاريف والتقاس يم فأ بان عن موضوع البلاغة وتكلم عن المعاني ث ال لفاظ وقواعد التأ ليف بينهما وعن كثير من القضايا البلاغية المتنوعة كالإيجاز والإطنا ، و التشبيه، و السجع، و آ وجه البديع ومبادئ الكلام . بعد العسكري يأ ي عبد القاهر الجرجاني(379ه،ويصل اإلَ آ ن اللغة هي مجوعة من العلاقات ل ال لفاظ، فينتقل النقد اإلَ بلاغة تعليمية . ويبحث منهج عبد القاهر الجرجاني المزيج بين النحو والمعاني في العلاقات التي تقيمها اللغة بين ال ش ياء ، فمرد كل نقد هو طريقة نظم الكلام . آ ما من البديع فما ليس فيه تقوية للمعنى آ و اإيضاح ، فيرفضه .146 146 علي عشري زايد ، البلاغة العربية ، ص17 .
عدد الصفحات ٨٠