جهــــــودالعلماء في الإعجاز 37 وآ ما التلاؤم ف يلتقي عند الرماني مع الفواصل و التجانس ل ن الثلاثة تنظر اإلَ البناء الصوي في آ سلو القرآ ن الكريم . وهو عنده نقيض التنافر و تعديل الحروف في التأ ليف ، والقرآ ن الكريم هو المتلائم في الطبقة العليا التي جعلها الرمّاني الوجه الثالث من آ وجه التأ ليف اإلَ جانب المتلائم في الطبقة الوسطى و المتنافر. وبلاغة التلاؤم عند الرمّاني تكمن في حسن الكلام سمعا ، وسهولته لفظا ، وتقبل معناه في النفس. فالبناء الصوي في التلاؤم يوجب حسن الإفهام ، ل ن الكلام في جوهره تجس يد صوي لما في عقول الناس و قلوبهم . لقد آ درك الرمّ اني آ ن الصوت الذي سمُع من القرآ ن في تمازجه شيء خارق، لم تأ لفه ال ذان العربية ،وهنا بيان لإعجاز القرآ ن الكريم ، ل نّ ك حتىّ واإ ن آ غفلت معاني الكلمات و آ صغيت اإلَ القرآ ن لوجدت فيه ما لم تجده في كلام البشر. كما ذكر آ ن الفرق بين تلاؤم القرآ ن وبين ما آ بدعه المتكلمون ،كالفرق ما بين قّ ة اإبداعهم والمتنافر،ل ننا ل نجد في كلامهم ما نجده في سور القرآ ن الكريم الذي صرف العر عن معارضته. فالحرف ال ول من الكلمة يتمازج مع الحرف ال خير من الكلمة قبلها ، و الحرف ال خير من الكلمة يتمازج مع الحرف ال ول من الكلمة بعدها. كما نظر اإلَ آ صوات الحروف المتجاورة في الكلمتين وليس اإلَ آ صوات حركات الحروف، فصوت القرآ ن اإذن معجز. وآ مّا السّ جع فقد عدّ ه عيبا، فليس منه شيء في القرآ ن الكريم ، و الذي فيه هو الفواصل التي عدّ ها من بلاغة القرآ ن المعجزة ، من حيث آ حوالها الصوتية وتلاؤمها لموقع المعنى .
عدد الصفحات ٤٩جهــــــودالعلماء في الإعجاز 38 والفواصل دائما تكون تابعة للمعنى الذي يقتضيها ، فهيي تؤدّ ي الوظيفة التعبيرية وهذا سرّ بلاغتها . وقد ذهب الرماني اإلَ نفي السجع وتسمية ما فيه من ذلك فواصل ، ل نّ ال سجاع عيب والفواصل بلاغة .87 الخـــطّا بـــــي (488ه هو آ بو سليمان آ حمد بن محمد بن اإبراهيم الخطابي . كان فقيها محدثا و آ ديبا وشاعراً، لغويا آ خذ اللغة عن آ بي علي اإسماعيل الصفار. من آ شهر تصانيفه ( آ علام السّ نن في شرح صحيح البخاري )، و(معالم السنن في شرح سنن آ بي داوود)، و(غريب الحديث ) ،و (البيان في اإعجاز القرآ ن). فأ مّ ا كتا البيان فقد خصه الخطّ ابي لبيان اإعجاز القرآ ن الكريم، وآ نكر من خلاله المذاهب المعروفة التي ذهب اإليها بعض العلماء،كالنظام الذي قال بالصرفة والجاحظ الذي قال بالنّ ظم. و ل ن با الإعجاز غامض و في غاية الإلباس، لم يقتنع الخطابي بجهود سابقيه و لو آ نهم لم يقصرّ وا، فعرض ل بي عبيدة بن معمر المثنى وابن قتيبة وجهودهما في الإعجاز. ورغم آ ن الجيل الذي نزل فيه القرآ ن قد آ حك البيان، فقد عُدّ موقفه من القرآ ن الكريم وجها من وجوه اإعجازه ،كما آ ن القرآ ن معجز بما فيه من اإخبار بأ مو ر غيبية ، و هو ما ليس في مقدور البشر88 كاإخبار في قوله تعالَ:﴿الم﴾،﴿غُليبَتي الرُّومُ ﴾،﴿فيي آَدْنىَ الَْرْضي وَهمُ مّين بَعْدي غَلَبهييمْ س َيَغْليبُونَ ﴾89 87 آ بو بكر الباقلاّني ، اإعجاز القرآ ن ،ص 94 . 88 الرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني ، ثلاث رسائل في اإعجاز القرآ ن ، ص 44 . 89 سورة الروم9 /4 /4 ]
عدد الصفحات ٥٠جهــــــودالعلماء في الإعجاز 39 ثّ تساءل الخطّ ابي عن اإجماع العلماء حول بلاغة القرآ ن التي ل توجد في غيره .كان آ ول من آ دار درس الإعجاز البلاغي.لم يتكلم في التشبيه والاس تعارة و ل البديع ، بل حاول الوقو ف على البلاغة القرآ نية من خلال حقائق قائمة على آ ركان من ال دلة، رغم آ نه تعذر عليه معرفة وجه الإ عجاز في القرآ ن الكريم . فقال آ ن آ جناس الكلام مختلفة و متفاوتة المراتب والدرجات في البلاغة ، فحازت بلاغات القرآ ن على كل صنف منها ، وجمع القرآ ن بين العذوبة والجزالة والمتانة. يقول: «آ جناس الكلام مختلفة ، ومراتبها في نس بة التبيان متفاوتة ، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية . فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل. وهذه آ قسام الكلام الفاضل المحمود دون الهجين المذموم الذي ل يوجد في القرآ ن شيء منه البتة »90 وقارن بين كلام الناس وبين القرآ ن، فوصل اإلَ آ ن بلاغات القرآ ن المختلفة هي نتاج آ حوال نفس ية مختلفة ، وبالتالي فاإن اجتماع الجزالة والعذوبة من ال مور الخارقة التي خص بها القرآ ن ، وهنا مكمن الغرابة . ففي قوله تعالَ: ﴿ قَالُواْ ياَ آَباَنَّ اِنَّّ ذَهَبْنَا نَسْتَبيقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عيندَ مَتَاعينَا فَأَكلََهُ الذّيئْبُ وَمَا آَنتَ بيمُؤْمينٍ لّينَا وَلَ وْ كُنَّا صَاديقيينَ ﴾91،ادّعى القوم وهم اإخوة يو سف عليه السلام على الذّ ئب آ نّه آ كله آ كلا وآ تى على جميع آ جزائه، خوفا من مطالبة آ بيهم اإياهم بأ ثر يشهد بصحة ما ذكروه .92 واستشهد في المقابل من الشعر . 90 الرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني ، ثلاث رسائل في اإعجاز القرآ ن ، ص 43 . 91 سورة يوسف97 ] 92 الرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني ، ثلاث رسائل في اإعجاز القرآ ن ، ص 39 .
عدد الصفحات ٥١جهــــــودالعلماء في الإعجاز 40 قال الفرزدق : فتىً ليْ سَ لبْ ني العَ مّي كالذّي ئْ بي اإنْ رَ آَ ى بي صَ احي بي هي يَ وْ ماً دَ ماً فَ هُوَ آ كليُ هُ 93 وقال العباس بن مرداس : آ باَ خُ راشَ ــــــة آ مَّ ــــــا آ نْ تَ ذَ ا نَ فــَ ـر فَ اِ نَّ قوْ مي ي لم تَ أْ كلُُ هُم الضَّ بْ عُ 94 ويرى الخطابي آ ن عناصر الكلام ثلاثة ، لفظ حامل ومعنى به قائم و رباط لهما نّظم95. فمقدرةال ديب تكون بمقدار تمكنه من المعاني، وما يتولد في خاطره من ال فكار،وفي قلبه من المشاعر. وهناك عنصر آ خر من عناصر البيان ، وهو اإقامة الكلام على هي ئة من الصياغة تحفظ دقائق الكلام . والقرآ ن جمع العناصر الثلاثة، فلا ترى في ال لفاظ آ فصح وآ جزل وآ عذ من آ لفاظه ،ول في التأ ليف والتلاؤم آ شد من نظمه . فوجه الإعجاز اإذن في النظم وصحة المعاني و فصاحة ال لفاظ. و بذلك يكون الخطابي قد س بق الكثير من البيانيين المتخصصين بذكره ل صول الكلام من لفظ حامل و معنى محمول و رباط جامع. و تكلّ م الخطابي عن ال لفاظ وقال آ نها عمود البلاغة ، والعلم بها هو علم بدقائق معانيها التي تظهرفي الاس تعمال البليغ . فالفروق بين ال لفاظ تلتبس على كثير من ال دباء ل نها واإن تشابهت تتمايز آ دق تمايز، وهذه الفروق قد توفرت في القرآ ن كثيرا . كما رد على الكثيرمن الطاعنين في القرآ ن الكريم والذين زعموا بأ ن بعض الكلمات القرآ نية ليست واقعة في مواقعها،مبينا خطأ ها ومبرزا صوابها وجمال البلاغة فيها.96 93 وقيل في بعض المراجع لزينب بنت الطثرية ، انظرالرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني ، ثلاث رسائل في اإعجاز القرآ ن ، ص 39 . 94 انظرالرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني ، ثلاث رسائل في اإعجاز القرآ ن ، ص 39 . 95 المصدر السابق ،ص 43 . 96 البلاغة العربية ، علي عشري زايد ، ص23 .
عدد الصفحات ٥٢جهــــــودالعلماء في الإعجاز 41 كما آ نّ جمع جملة من ال غراض الدينية والدنيوية كالقصص ،والشرائع، والمواعظ ، وآ حوال ال خرة وغيرها في السورة الواحدة ، فيه عموم النفع ، ويتيح للقارئ آ ن يتعرف عليها من قراءة سورة واحدة دون آ ن يقرآ القرآ ن كله، بل اعتبر هذا التعدّد مظهرا من مظاهر الإعجاز البلاغي وبا من آ بوا التحدّي. وقال الخطّ ابي آ ن حذف ال جزاء التي يدل عليها المذكور من بلاغة الكلام. آ ما آ ساليب التكرار، فقسمها اإلَ مذموم وآ خر محمود فيه شيء من الإضافة ومنه الكثير في القرآ ن. وعَ دّ الخطابي التكرار فيه آ حد عناصر بلاغته. وآ خر وجه من وجوه الإعجاز لم يدخله الخطابي في الوجه البلاغي ، و هو الروعة التي للقرآ ن في قلو المسلمين وآ سماعهم سواء آ قروا آ و جحدوا. جهود البـــاقـــلاّ ني (304 ه : هو القاضي آ بو بكر محمد بن الطيب بن القاسم المعروف بالباقلاّ ني البصري المتكلم المشهور، كان على مذهب الش يخ آ بي الحسن ال شعري. صنف الكثير من التصانيف في علم الكلام وغيره. له مؤلفه الكبير (اإعجاز القرآ ن) الذي نبّ ه من خلاله اإلَ آ همية دراسة مسأ لة الإعجاز ،ل نها آ صل الدين وقاعدة التوحيد . كانت قضية الإعجاز عند الباقلاني، من علم الشعر وال د ، ولم يداخلها مع علم الكلام وعلم آ صول الدين، فعالجها في حدو د طرائق الكلام فظلت آ دبية خالصة. يقول محمد مندور:«حيث يتناول المؤلف الشعر بالنقد ليجرحه ، فيظهر بذلك آ نّ القرآ ن آ بلغ وآ فصح وآ بدع منه ، وتلك هي الخطة العامة للباقلاّني الذي ل يدلل على اإعجاز القرآ ن في ذاته ، قدر تدليله على ذلك بتسخيف ما عداه من قول.»97. غ آ نه آ قرّ بنفى الشعر عن القرآ ن الكريم وعن النبي الكريم. 97 محمد مندور، النقد المنهجي عند العرو منهج البحث في ال د و اللغة ، ص 477 .
عدد الصفحات ٥٣جهــــــودالعلماء في الإعجاز 42 يقول الباقلاّني : « قد علمنا آ نّ الله تعالَ نفى الشعر عن القرآ ن وعن النبي، فقال تعالَ: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّيعْرَ وَمَا يَنبَغيي لهَُ اِنْ هُوَ اِلَّ ذيكْرٌ وَقُرْآ نٌ مُّبيينٌ ﴾98 . وقال في ذمّ الشعراء :﴿ وَالشُّعَرَاء يَتَّبيعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾99﴿ آَلَمْ تَرَ آَنهَُّمْ فيي كلُّي وَادٍ يََييمُونَ ﴾100 ، اإلَ آ خر ما وصفهم به في هذه ال يات. وقال تعالَ : ﴿ وَمَا هُوَ بيقَوْلي شَاعيرٍ قَلييلاً مَا تُؤْمينُونَ ﴾101 »102 ك آ شار الباقلاّني اإلَ ربورة الحفاظ على سليقة العربية التي نزل بها القرآ ن الكريم ل نه ربورة لبقاء الوعي به و باإعجازه ، ث ربورة صقل ال جيال بهذه اللغة وهذا ال د . ول ن الباقلاني قد عاش في القرن الرّابع الهجري ، فقد نظر فيما اس تخرجه العلماء حول القرآ ن الكريم من معارف ، وقاسه بما اس تخرجوه حول قضية الإعجاز، والقليل بالمقارنة فهو طريق آ غمض من طريق النحو و الكلام . فأ مّا كتابه (اإعجاز القرآ ن) فقد بينّ فيه شرف القرآ ن وشرف البحث فيه ، ثّ تقصير المؤلفين في بيان وجه اإعجازه ،و تقصير الجاحظ في كتابه (نظم القرآ ن)، ثّ تناول الكثير من قضايا الإعجاز في القرآ ن بالتحليل والاستشهاد بال يات القرآ نية .كما رفض القول بالصرفة فقال : « وممّا يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة ، آ نّه لو كانت المعارضة ممكنة لم يكن الكلام معجزا »103 وذكر الباقلاّني وجوه اإعجاز القرآ ن ، ونقل عن ال شاعرة الإخبار عن الغيب ، وعن ال مور الماضية و عن بديع النظم .ثّ ذكر عشرة معاني اش تمل عليها نظم القرآ ن ، و عارض بعض ال شاعرة في قولهم آ نّ ال حكام الشرّعية معللة بعلل موافقة لمقتضى العقل وجه من وجوه الإعجاز . 98 سورة يس31 ] 99 سورة الشعراء443 ] 100 سورة الشعراء 442 ] 101 سورة الحاقة39 ] 102 آ بو بكر الباقلاّني ، اإعجاز القرآ ن ، ص73. 103 المصدر السابق ،ص 34 .
عدد الصفحات ٥٤جهــــــودالعلماء في الإعجاز 43 وختم بوصف القرآ ن الكر وسرد آ نواع البلاغة والبديع فيه ،ثّ وصف الشّ عر والفرق بينهما. كما آ تى بأ يات من القرآ ن الكريم لمن زعم آ نهّ ا شعر ا . يقول : «فاإن زعم زاعم آ نّه قد وجد في القرآ ن شعرا كثيرا »104 كقول الله تعالَ : ﴿ قَاتيلُوهمُْ يُعَذّيبهُْمُ اللُّّ بيأَيْدييكُْ وَيخُْزيهميْ وَيَنصرُْكُُْ عَلَيهْيمْ وَيَشْفي صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمينيينَ ﴾105 ، فهو من الوافر كقول امرؤ القيس : 106 لنـــــا غنمٌ نُسوّيقُهَــــــا غي ــــــزَارٌ كــــأ نَّ قُ ـــــــــــــــرُونَ جيلَّتهيَا عيصيي 107 ونحو ذلك في القرآ ن كث ، والجوا عن هذه الدّعوى التي ادّعوها آ نه ما اتفق في ذلك من القرآ ن مختلف الروي ، متى اختلف الروي خرج عن آ ن يكون شعرا. يقول:« ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوق اإلَ معارضته ، ل نّ طريق الشعر غير مس تصعب على آ هل الزمان الواحد، وآ هله يتقاربون فيه آ و يضربون فيه بسهم »108 كما تحدث عن بيان نبوة الرسول والتي معجزتها القرآ ن الكريم ، ث بيان وجه الدللة على آ نّ القرآ ن معجز. فهو لم يعجز الإنسان في طور من آ طوار حضارته فحسب، بل آ عجزه آ بدا ، ومهما اتسع علم الناس به فسوف يظل معجزا لهم ، ل نه مشحون بالدللت الصريحة على آ نه آ ية نبي نا الكريم. 104 آ بو بكر الباقلاّني ، اإعجاز القرآ ن، ص 78 . 105 سورة التوبة93 ] 106 انظر آ بو بكر الباقلاّني ، اإعجاز القرآ ن، ص78 .و البيت من ديوان امرؤ القيس 107 انظر آ بو بكر الباقلاّني ، اإعجاز القرآ ن ،ص 78 . نسوّقها : نسوقها. غزار: كثيرة. جلتها : جمع جليل ، وهي الغنم الكبيرة المس نّة . 108 آ بو بكر الباقلاّني ، اإعجاز القرآ ن ، ص84 /83 .
عدد الصفحات ٥٥جهــــــودالعلماء في الإعجاز 44 والمراد ببيان وجه الدللة على آ ن القرآ ن معجز ، هو ما يثبت آ ن العر قد عجزوا عن طريق الرواية والخبر، عن آ ن يأ توا بمثل القرآ ن الكريم، فالعجز عن الإتيان بمثل قوله تعالَ في آ ية واحدة كالعجز عن القرآ ن كله، لذلك يس توي في المعجوز عنه القليل والكثير. يقول : « وممّا يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة ، آ نّه لو كانت المعارضة ممكنة لم يكن الكلام معجزا »109 ث يثبت الباقلاني آ ن ما في المصحف الشريف هو ما نزل به جبريل عليه السلام، ل نه ما حفظه المسلمون وتواتر نقله بينهم اإمّ ا حفظا للفقه والتفسير، آ و قصدا للفصاحة ،آ و نظرا في عجيب آ مره. يقول مصطفى صادق الرّافعي عن كتا الباقلاني (اإعجاز القرآ ن) : « على آ نّ كتابه قد استبدّ بهذا الفرع من التصنيف في الإعجاز، واحتمل المؤنة فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد ووفى بكثير مما قصد اإليه من آ مّهات المسائل وال صول التي آ وقع الكلام عليها ، حتى عدّوه الكتا وحده ، ل يشرك العلماء معه كتابا آ خرا في خطره ومنزلته ».110 يقول الباقلاني آ نّ اإدراك اإعجاز نظم القرآ ن ، هو التناهي في معرفة فنون الكلام كل ها، فالحجة القائمة هي العلم بعجز الكافة على عن يأ توا بمثله ، وتلك هي حكمة التحدي.كما آ ن عجز العر ظهر من غير مطالبة ، آ ي قبل نزول آ يات التحدي . وبالرغم من آ ن الجيل الذي نزل فيه القرآ ن كان متناهيا في معرفة صنوف الكلام مما يقتض الإيمان به ، اإل آ ن اختلاف آ حوالهم بين الإيمان و الكفر حال دون ذلك . 109 آ بو بكر الباقلاّني ، اإعجاز القرآ ن ، ص 34 . 110 مصطفى صادق الرافعي ، اإعجاز القرآ ن والبلاغة النبوية ، ص 907 .
عدد الصفحات ٥٦جهــــــودالعلماء في الإعجاز 45 ك آ بان عن اإعجاز بلاغة القرآ ن الذي يعرف متى سمع، وتصور تناهيها وانتفاع ذا الطبع بها، وتوصل اإلَ آ ن العناصر البلاغية الخاصة بالقرآ ن ، هي البحث عن الشيء فيه و الذي ليس له صورة في كلام الناس ، بمعنى البحث عما ل يوجد اإل في القرآ ن ، الذي فاجأ البيان المعروف عند القوم بهذه الهيأ ة العامة. والقرآ ن ينقسم اإلَ سور طوال وقصار ، والسور اإلَ آ يات متوزعة في المصحف على النسق المعروف ، وهو مغاير تماما ل صناف الكلام من موزون ومسجوع و موزون غير مقفى، فهو ليس شعرا و ل سجعا . ونفى الباقلاّ ني السّ جع عن القرآ ن و وقوعه فيه ، باعتبار آ ن المعنى يتبع اللفظ في السجع ، وهذا ليس في القرآ ن منه شيء. وهو يتفق مع السجع الذي يخدم المعنى و يؤديه ويسمّ يه فاصلة، ل ن الفواصل تابعة للمعاني التي تتبع ال سجاع . فمذهبه ك شعري لم يخرج عن مذهب الرماني المعتزلي في قضية السجع في القرآ ن الكريم. لم يكن السجع ممتنعا على العر ، بل صوره في القرآ ن هي التي امتنعت عليهم وذلك هو الإعجاز، و لو آ ن القرآ ن لم يعجزهم بهذه الفنون البديعية ل نهم تمكنوا منها . يقول : « ومن ادّعى ذلك لم يكن له بدّ من آ ن يصحح آ نّه ليس من قبيل ال شعر ول السجع ول الكلام الموزون غير المقفّى »111 ومن وجوه الإعجاز جملة القرآ ن من حيث رفيع البلاغة و بديع المعاني رغم كثرة ال غراض و تنوعها ، ممّ ا يظهر عجز النفس البشرية و وقوعها في الاختلاف. تأ مّ ل الباقلاني كلام الناس المعبرّ عن نفوسهم فوجده محدودا، ث وجد القرآ ن قد تناول المعاني المختلفة والمتنوعة من صياغة الموعظة وسوق الحجة . 111 آ بو بكر الباقلاّني ، اإعجاز القرآ ن ، ص 78 .
عدد الصفحات ٥٧جهــــــودالعلماء في الإعجاز 46 ولفت اإلَ آ يات ،فو جدها قد تناولت وصف ال رض و السماء ووصف الجنة والنار والقصص القرآ ني تناول في درجة واحدة من الحكمة والدقة واإن تكررت ، وهذا ما يكشف عن براعة النظم. واختلاف المعاني ل يقصد منه الباقلاني الانتقال من الوعد اإلَ الوعيد آ و من الحديث عن آ يات الله اإلَ القصص آ والقيامة ، واإنما يقصد منه العلاقات بين المعاني الجزئية في الجملة والجم لتين.كنظم الكلام على وجه ال مر ث النهيي عن طريق العطف ، وفيه من الدقة والإحكام سواء تباعدت المعاني آ و تقاربت ، فبلاغة الخلوص من غرض اإلَ غرض تظهر بصورة واضحة في تناول السورة كاملة . كما آ ن الباقلاني لم يحصر وجوه البلاغة في عشر ة كما فعل الرماني بل جعلها غير محدودة ، ونفى آ ن يكون اإعجاز القرآ ن راجعا اإلَ وجوه البديع بل بلغت فيه الغاية فقط واعتبره جنسا من آ جناس البلاغة و الإعجاز ليس وقفا عليه .112 جهــود القـــاضي عــــبد الجبّــــار(392ه ) : القاضي عبد الجبّار بن آ حمد بن عبد الجبار الهمذاني،كنيته آ بو الحسن البغدادي قاض آ صولي وش يخ المعتزلة في عصره، لقبوه بقاضي القضاة، انتهت اإليه رياسة المعتزلة ومات بالري. له مؤلفه المعروف (تنزيه القرآ ن عن المطاعن) الذي آ بطل فيه القول بالصرّفة ، وقال آ نّ المتقدّمين قالوا بها لعجزهم عن معارضة القرآ ن.وله كتا (المغني في آ بوا التوحيد والعدل) ، الذي خصص جزءًا منه للاإعجاز القرآ ني . لم يتناول القاضي قضية الإعجاز تناول البلاغيين ، واإنّما جهد للاس تدلل لإعجاز القرآ ن من جهة الفصاحة وصحة التحدّي . 112 علي عشري زايد، البلاغة العربية ، ص 42 .
عدد الصفحات ٥٨جهــــــودالعلماء في الإعجاز 47 وتتلخص جهوده في الإعجاز في آ ن النظم آ ي الطريقة ، ل يتعلق به الإعجاز اإل اإذا انضافت اإليه الفصاحة التي ترتبط بحسن المعنى وجزالة اللفظ. والنظم عنده هوالنسق والطريقة، وهو ل يكفي فيه الس ّبق ليكون وجها للاإعجاز، فاختصاص القرآ ن بالفصاحة والنظم وانفراده بهما يوجب كونه معجزا. هذه ال راء مهّ دت الطريق آ مام عبد القاهر ليضع نظرية النظم. عقد القاضي فصلا في اختص اص القرآ ن بمزية في رتية الفصاحة. واستشهد بأ يات قرآ نية مختلفة. ثّ انشغل بالردّ على مطاعن المخالفين في القرآ ن، فعرض قول الباطنية بأ نّ للتنزيل في القرآ ن تأ ويل باطن غير ظاهر، وآ نّ فيه اخ تلافا و تناقضا في اللّفظ والمعنى وفيه آ يضا التكرار والتطويل. وكان منهجه في الاس تدلل الاحتجاج على طريقة ا لكلاميين ل االبلاغيين، تقول عائشة بنت الشّاطئ : « وحسبنا على كلّ حال آ نّه آ كّد نصره لوجه اإعجاز القرآ ن بفصاحته وآ عطانّ مفهوما محرر المعنى النّظم، ليراد به مجرّد طريقة مبتدعة في صياغة الكلام تباين ما عرف العر من منظوم ومنثور. واإنّما انفرد معها برتبة في الفصاحة عرفها آ هل التقدّم منهم بمجرّد سماعه، دون آ ن يظنّوا آ نّ مثل القرآ ن يواتى من رامه . »113 الشـــريف المـــرتـــض 343ه ) : هو آ بو القاسم علي بن الطاهر بن آ حمد الحسين بن موسى، آ حد ال ئمة في علم الكلام وال د والشعر، ولد و توفي في بغداد، آ خو الشريف الرضي ، آ بوه النقيب آ بو آ حمد في دولة بني العباس. قرآ مع آ خيه على ابن نباتة، ث على ابن النعمان . له تصانيف على مذهب الش يعة و مقالة في آ صول الدين، نهج البلاغة و مشرع الفصاحة، آ مالي المرتض والمسائل الناصرية و غيرها. 113 عائشة عبد الرحمن بنت الشّاطئ ، الإعجاز البياني للقرآ ن ، ص 990 .
عدد الصفحات ٥٩جهــــــودالعلماء في الإعجاز 48 قال بالصرّ فة ،ومفهومها عنده آ ن الله تعالَ قد سلب العر العلوم التي يحتاج اإليها في معارضة القرآ ن والإتيان بمثله، آ ي آ نهم آ وتوا القدرة على المعارضة بما كانوا عليه من بيان و بلاغة وفصاحة، فهم قادرون على النظم و لكنهم عاجزون عن الإتيان بمثل القرآ ن، بسبب آ نهم سلبوا العلم الذي يس تطيعون به محاكاة القرآ ن في معناه .114 ابن حــزم ال نــد لـسي الظـاهــري323ه فقيه وعالم ال ندلس في عصره ، ولد بقرطبة آ ين كانت له و ل بيه من قبله رياسة الوزراء. انصرف اإلَ العلم والتأ ليف وانتقده العلماء والفقهاء لقوله بالصرفة . له (الفيصَل في الملل ال هواء )، و(المحلى في الفقه ال ظاهري)، و(جمهرة ال نسا الإحكام في آ صول ال حكام ) و كتابه في الإعجاز (الفصل في سبب الإعجاز ). لم يتهم كما اتهم النظام و المرتض لقوله بالصرفة، وفسر ذلك بعدم جواز تعليل كتا الله تعالَ وشرعه، وآ خذ بظاهر النصوص من غير تأ ويل . قال عنه مصطفى صادق الرافعي: « لمنر آ حدا فسرّ هذه الكلمة (الصرفة) كابن حزم الظاهري، فاإنه قال في كتابه الفصل: (لم يقل آ حد اإن كلام غير الله تعالَ معجز، لكن لما قاله الله تعالَ وجعله كلاما له، آ صاره معجزا و منع من مماثلته . قال: وهذا برهان كاف ليحتاج اإلَ غيره) نقول : بل هو فوق الكفاية وآ كثر من آ ن يكون كافيا آ يضا، ل نه لما قاله ابن حزم وجعله رآ يا له آ صاره كافيا ل يحتاج اإلَ غيره . و هل يراد من اإثبات الإعجاز اإل اإثبات آ نه كلام الله تعالَ؟ » 115 114 مصطفى مسلم ،مباحث في اإعجاز القرآ ن ، ص34 . 115 مصطفى صادق الرافعي ، اإعجاز القرآ ن والبلاغة النبوية ، ص 904 .
عدد الصفحات ٦٠جهــــــودالعلماء في الإعجاز 49 ابــن ســنـان الخـــفا333ه : عبد الله بن محمد بن سعيد آ بو محمد الخفاجي الحلبي، الشاعر وال ديب.كان يرى رآ ي الش يعة. وله : (ديوان الخفاجي ) و(سر الفصاحة) . ممن قالوا بالصرفة ، مع آ ن فصاحة القرآ ن كانت في مقدور العر لول الصرف . تحدث في (كتابه سر الفصاحة) عن الفصاحة والبلاغة، فعرفهما ومثل لهما وفرق بينهما ، واشترط للفصاحة ولتأ ليف الكلام شروطا. وقد صرح باعتقاده بمذهب الصرفة في الإعجاز ل نه لم يكتف بفصاحة القرآ ن دليلا على اإعجازه . يقول في الكتا «واإذاعدنّ اإلَ التحقيق وجدنّ وجه اإعجاز القرآ ن صرف العر عن معارضته ، بأ ن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة. »116 . و يرى الإعجاز في ال تلاؤم في الحروف، فيكون القرآ ن في الطبقة العليا لما ضامّ تأ ليف حروفه من شروط الفصاحة التي التأ ليف جزء يسير منها 117. و التأ ليف على رببين: متلائم ومتنافر، وتأ ليف القرآ ن و فصيح كلام العر من المتلائم .118 جـــهود عــــبد القاهـــر الجرجـــــا379ه : هو الإمام آ بو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ، آ حد علماء الكلام ، من آ كابر النحويين واإمام النحاة كما سماه الحافظ الذهبي. ولد وعاش بجرجان حتى توفي بها. كان شافعي المذهب آ شعري ال صول، آ خذ عن آ بي الحسن محمد ابن علي الفارسي ، واس تغلّ ثقافته الكلامية المنطقية في وضع نظريته البلاغية ، كما اطّلع على طرف من الثقافة اليونّنية عن طريق بعض ترجمات كتابي آ رسطو(فن الشعر)و(الخطابة).صنّف الكثير من المؤلفات منها (المغني في شرح الإيضاح) ، و(المقتصد 116 ابن س نان الخفاجي ، سرّ الفصاحة ، ص 900 . 117 المصدر السابق ، ص900 . 118 المصدر السابق ، ص909 .
عدد الصفحات ٦١جهــــــودالعلماء في الإعجاز 50 في شرح الإيضاح)، و(المعتضد) و(المقتضب) في شرح كتا الواسطي في الإعجاز، و(العوامل المائة) و(الجمل وشرحها) ،و(الرسالةالشافية) ، و(آ سرارالبلاغة في علم البيان) و(دلئل الإعجاز). لم يقتصر دور الجرجاني على جمع ما تبعثر من جهود السابقين في علوم البلاغة الثلاثة وهي البيان والبديع المعاني، بل تجاوز ذلك اإ لَ تعميق النظرات المكتشفة والمدروسة، وال بوا والفصول لهذه العلوم ورصد لدراس تها كتابيه (دلئل الإعجاز) و(آ سرار البلاغة) . وآ راد من خلالهما تحديد ال صول التي يؤسّس عليها الحك والخلوص لبيان وجه الإعجاز الذي يكون بمعرفة طبقات الكلام وآ سس الحك في تفاضل ال قوال بتوافر بعض العناصر التي تتجاوز حدود الطاقات البشرية . لقد خّص كتا (الدلئل) لنظرية النظم التي قال بها، والتي عدّها ال وجه الوحيد لإعجاز القرآ ن الكريم. و انتهيى اإلَ آ نّ سرّ الجمال الفني المعجز ليس مردّ ه اإلَ ال لفاظ من حيث هي كلمات ،119 واإنّ اإلَ الطريقة التي صيغت بها هذه ال لفاظ وال سلو الذي نظمت به ال ية . و يشرح كيف آ ن اإعجاز ال ية اإنما مرده اإلَ الاتّساق الغريب بين ال لفاظ والتلاؤم البارع بينها.120 استبعد الجرجاني س تة احتمالت حول الإعجاز، فليس في الكلمات من حيث الحروف، آ و في معاني كلمات القرآ ن، آ و تركيب الحركات والسكنات على كلمات القرآ ن آ و المقاطع والفواصل في جمل القرآ ن، آ و خفة الحروف على اللسان، آ و في ال يات التي فيها اس تعارة ، اإنّما الإعجاز في نظم القرآ ن. يقول : « فاإذا بطل آ ن يكون الوصف الذي آ عجزهم من القرآ ن في شيء مما عددنّه ، لم يبق اإل آ ن يكون في النظم ... و ل يمكن آ ن تجعل الاس تعارة ال صل في الإعجاز وآ ن يقصر عليها ، ل ن ذلك 119 عبد القاهر الجرجاني ، دلئل الإعجاز ، ص 47 . 120 المصدرالسابق ، ص 41.
عدد الصفحات ٦٢جهــــــودالعلماء في الإعجاز 51 يؤدي اإلَ آ ن يكون الإعجاز في آ ي معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة...وكنا قد علمنا آ ن ليس النظم شيئا غير توخّ معاني النحو وآ حكامه فيما بين الكلم . »121 آ مّا كتا (الرّسالة الشافية) فكان حول بيان آ ن القرآ ن قد آ عجز العر فعلاً بأ ن عجزوا عن المعارضة ، فقاتلوا الرّسول فما قدروا على اإبطال حجته ، فعلا و قولً ، لما روي عنهم آ نهم عظموا القرآ ن ل نهّم ما سمعوا بمثله من قبل. لقد آ راد الجرجاني من خلال هذه الرسالة آ ن يبين حقيقة الإعجاز ل آ ن يكشف عن آ سراره . يقول الإمام الش يخ عبد القاهر الجرجاني : « اإنّما المعجز ما عُلم آ نّه فوق قوى البشر و قُدَرهم اإن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة القُدَر، آ و فوق علومهم اإن كان من قبيل ما يتفاضل الناس فيه بالعلم والفهم ».122 ونظمالقرآ ن عند الجرجاني هوسر اإعجازه و ل شيء غيره ، لذلك فالبحث في مسائل النظم و ربطها ببيان وجه الحجة هو معرفة لحجة الله تعالَ. و القول بالصرفة فاسد من كل وجه لسوء الفهم ، وعرض الجرجاني للجاحظ ، و عا عليه الكثير مما قال . والتحدي اإمّ ا آ ن يُعبرّ عن معاني القر آ ن في مثل لفظه ونظمه ، آ و آ ن يُأ تى بمثل نظم القرآ ن في آ يّ معنى مراد . ث اإنّ القول بأ ن نظم القرآ ن كان في مثل مس توى نظومهم ث لم يعارضوه ل نهّم صرفوا عن ذلك ، خطأ منكر ل ن كلامهم من شعر آ و نثر معروف . وهناك دليل آ خر هو آ نّ الكلام في ال ية يقال فيمن كان يقدر ث عاد ل يقدر عليه ، وهذا دليل بطلان القول بالصرفة . 121 عائشة عبد الرحمن بنت الشّاطئ ، الإعجاز البياني للقرآ ن ، ص 990 . 122 عبد القاهر الجرجاني ،الرسالة الشافية في الإعجاز، ص 218 .
عدد الصفحات ٦٣جهــــــودالعلماء في الإعجاز 52 والقول بأ ن نظم القرآ ن كان في مثل مس توى نظومهم ث لم يعارضوه ل نهّم صرفوا عن ذلك، خطأ منكر ل ن كلامهم من شعر آ و نثر معروف. وهناك دليل آ خر ، هو آ نّ الكلام في ال ية يقال فيمن كان يقدر ث عاد ل يقدر عليه ، وهذا دليل بطلان القول بالصرفة. يقول الإمام الش يخ عبد القاهر الجرجاني : « اعلم آ نّ الذي يقع في الظنّ من حديث القول بالصرفة ، آ ن يكون الذي ابتدآ القول بها ابتدآ ه على توهمّ آ نّ التحدي كان اإلَ آ ن يعبرّ عن آ نفس معاني القرآ ن بمثل لفظه ونظمه ، دون آ ن يكون قد آ طلق لهم و خُيرّوا في المعاني كلها » 123 آ مّا القول بأ ن عجزهم هو نقص في فصاحتهم، يعني آ نهم فقدوا القدرة على التمييز بين كلامهم قبل نقص فصاحتهم و بعد ذلك ، و بالتالي نقص في ملكة البيان و تذوّقه ، فلم يدركوا الفرق بين كلامهم و القرآ ن ، و بالتالي فاإنّ القول بأ نّه قد حدث نقص في الفصاحة ولم يشعروا به قاطع ل ن الشعور هو آ ساس الإعجاز . جـهـود الزمـخـشري (248ه : هو محمود بن عمر بن محمد بن عمر آ بو القاسم جار الله الزمخشري المعتزلي من آ ئمة العلم بالتفسير والحديث واللغة والنحو و علم البيان . ولد بزمخشر وتوفي بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة ال تي جاور بها زمانّ فلُقّب بجار الله . آ هم مؤ لفاته : (آ ساس البلاغة) في اللغة، و(ال نموذج) في النحو ، و(المفصل) في صناعة الإعرا ، وله كتا (الكشاف) الذي فرغ من تأ ليفه س نة (248ه . و عني فيه بالبلاغة القرآ نية و مبحث اإعجاز القرآ ن ، وكان يؤوّ ل فيه ال يات بما يوافق مذهب المعتزلة ، وذاك ما عيب عليه في التفسير . 123 عبد القاهر الجرجاني ،الرسالة الشافية في الإعجاز ، ص 399 .
عدد الصفحات ٦٤