البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 165
عدد الصفحات ١٧٧البلاغة الإعجازية في آ يات الخوف في سورة التوبة 166
عدد الصفحات ١٧٨البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 163 تمهيـــــــــــــــد : لقد تنوعت المباحث البلاغية في آ يات الرجاء في سورة التوبة بنفس التنوع الذي كان في آ يات الخوف ، ولو آأن الخوف قد نال الحظ الأوفر منه في آ يات الرجاء . ويرجع السبب في ذلك حسب ما رآأيت من خلال الدراسة ، اإلى طبيعة السورة في حدّ ذاتها ، كونها نزلت في حق المنافقين المتخلفين عن الجهاد ، والمظهرين للاإيمان في حين آأنه لم يقع منهم في حقيقة الأمر. و لأن الله تعالى الأعلم بعلمه الواسع بما يجوب في نفس الإنسان ، فاإنه يعلم ما تخفيه الصدور والأنفس ، فكشف نفاق المنافقين ، وتبرّآأ منهم في الدنيا وال خرة ، ووعدهم بسوء الدار ، دار جهنم . كما اس تعمل من الأساليب ما يبعث في النفس الترهيب آأكثر من التر غ يب ، عندما فضح هم وكشف آأسرارهم ، وما يجعل المؤمن يس تبشر خيرا و يتوب اإلى الله ، ويتوخى المنزلة الحس نة عنده ، عندما تاب تعالى على المؤمنين ، وجعل الجنة مأأواهم في ال خرة برضوانه جلّ وعلا و برح ته التي وسعت كل شيء . وسأأتناول بإذن الله تعالى المباحث البلاغية ل يات الرجاء ، بنفس المنهجية التي قد تناولت بها المباحث البلاغية ل يات الخوف ، لأكشف عن آأسرارها البيانية ، وآأس تجلي معانيها القوية التي آأعجزت كل من وقف آأمامها متدبرا خاشعا . كما سأأكتفي بلجانب التطبيقي فقط لجميع المباحث ، لأنني اعتمدت التنظير في الفصل الثاني. وسأأنظّر للمباحث التي لم آأتناولها ، حسب ما اقتضته طبيعة البحث ، و س ياق ال يات .
عدد الصفحات ١٧٩البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 164 المبحث الأول : علم المعا وآأسراره البلاغية تمهيــــــــد : اإنك لتقف عاجزا آأمام روعة المعاني في آ يات الرجاء ، فترى من النظم ما يكاد يكون نسقا واحدا في ترتيب للمعاني وفق ترتيب للألفاظ . ولهذه الألفاظ مزايا ظهرت في نظم القرآ ن ، و خصائص في س ياق لفظه ، و بدائع في آ يه ومقاطعها ومواقعها ، و في مساق كلّ خبر ، وصورة كلّ تن بيه ، وتذكير، وترغيب ، وترهيب ، مع الحجّة و البرهان. فلا ترى فيه لفظة غيرها آأصلح ، فالكلم متّسق و ملتئم و متقن و محكم. فكان فيها من نظم يقتضي اقتفاء آ ثار المعاني وترتيبها على حسب ترتّب المعاني في النّفس. و الغرض بنظم الكلم تناسق دللتها على الوجه الذي يقت ضيه العقل، و اإن كان موجودا في الألفاظ على كلّ حال .يقول عبد القاهر الجرجانيّ : «اعلم آأن ليس النّظم اإلّ آأن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو، وتعمل على قوانينه وآأصوله ، و تعرف مناهجه التي نههجت فلا تهزيغ عنها، وتحفظ الرّسوم التي رهسمت لك ، فلا تخهلّ بشيء منها . فت نظر في الحروف وفي الجمل ، وت تصرّف في التّعريف والتّنكير ، والتّقديم والتّأأخير، وفي الحذف والتّكرار والإضمار والإظهار.»575 575 عبد القاهر الجرجاني ،دلئل الإعجاز ، ص 18 .
عدد الصفحات ١٨٠البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 165 بلاغــــــة الخبر : في قوله تعالى :﴿ اِنَّ اللَّّ اشْترََى مِنَ الْمهؤْمِنِينَ آَنفهسَههمْ وَآَمْوَالَههم بِأَنَّ لَههمه الجَنَّةَ يهقَاتِلهونَ فيِ سَبِيلِ اللِّّ فَيَقْتهلهونَ وَيهقْتَلهونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فيِ التَّوْرَاةِ وَالِنجِيلِ وَالْقهرْآ نِ وَمَنْ آَوْفََ بِعَهْدِ هِ مِنَ اللِّّ فَاس ْتَبْشرِهواْ بِبَيْعِكمهه الذَِّي بَيَعْتُه بِهِ وَذَلكَِ ههوَ الْفَوْ زه الْعَظِيه ﴾ 576،تمهيد لذكر التّوبة على الذين تخلّفوا عن الغزوة و كانوا صادقين في آأيمانهم ، بلس تئناف الابتدائي، و اإنباء الذين آأضمروا الكفر نفاقا ، بأأنهّم ل يتوب الله عليهم.و افتهتحت الجملة بحرف التّوكيد للاهتمام بلخبر ، وجيء بلمس ند جملة فعلية لإفادتها معى المضي، اإشارة اإلى آأنّ ذلك آأمر اس تقرّ من قبل، و آأنّ الوعد متكرّر و معروف في الكتب السّماويّة .577 وقوله تعالى : ﴿ خَالدِِينَ فِيهَا آَبَدًا اِنَّ اللَّّ عِندَهه آَجْرٌ عَظِيٌ ﴾578 ،التّبشير هو الإخبار بخير يحصل للمخبرَ لم يكن عالما به . واإس ناد التبشير اإلى اسم الجلالة بصيغة المضارع المفيد للتجدد ، يدل على تعاقب الخيرات عليهم ، وتجدد اإدخال السرور لهم، لأنّ تجدد التبشير يدل على آأن المبشرَ به شيء لم يكن معلوما للمبشرَ. فالمس ند اإليه هو لفظ الرب الخالق س بحانه و تعالى ، الرحي الرفيق اللطيف بخلقه .و الرضوان الرضا الكامل الشديد صيغة تشعر بلمبالغة مثل الغفران ، والشكران ، والعصيان . و آأما الجنات فقد جمعت بعتبار مراتبها و آأنواعها و آأنواع النعي فيها .579 576 سورة التوبة888 ] 577 محي الدين درويش ، اإعراب القرآ ن و بيانه ، ص472 . 578 سورة التوبة44 ] 579 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، ج81 ، ص821 .
عدد الصفحات ١٨١البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 166 بلاغـــــة الإنشاء : بلاغــــــة الأمر : الأمر في قوله تعالى : ﴿ قهل لَّن يهصِيبَنَا اِلَّ مَا كَتَبَ اللّّه لَنَا ههوَ مَوْلَناَ وَعَلىَ اللِّّ فَلْيَتَوَكلَِّ الْمهؤْمِنهونَ ﴾580،تلقين جواب بإثبات عدم اكتراث المسلمين بلمصيبة ، وانتفاء حزنهم عليها ، لأنهم يعلمون آأنّ ما آأصابهم ما كان اإلّ بتقدير الله لمصلحة المسلمين في ذلك ، و آأن ل يحزنوا لما يصيبهم لئلاّ يهنو و تذهب قوتهم ، و آأن يرضوا بما قدر الله لهم ، و يرجوا رضى ربهم لأنهّم واثقون بأأنّ الله يريد نصر دينه. وجملة ﴿ ههوَ مَوْلَناَ ﴾ فيها الرجاء بأأن ل يكتب لنا اإلّ ما فيه خيرنا آ جلا آأو عاجلا .581 بلاغـــــة الاس تفهام : في قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ آَوْفََ بِعَهْدِهِ مِنَ اللِّّ فَاس ْتَبْشرِهواْ بِبَيْعِكمهه الذَِّي بَيَعْتُه بِهِ وَذَلكَِ ههوَ الْفَوْزه الْعَظِيه ﴾582 الاس تفهام اإنكاري ،بتنزيل السّامع منزلة من يجعل هذا الوعد محتملا الوفاء و عدمه . و﴿ مَنْ ﴾ تفضيلية للابتداء المجازي ، و ذكر اسم الجلالة عوضا عن الضّمير لإحضار المعى الجامع لصفات الكمال .583 وفي قوله تعالى :﴿ آَلَمْ يَعْلَمهواْ آَنَّ اللَّّ ههوَ يَقْبَله التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخهذه الصَّدَقَاتِ وَآَنَّ اللَّّ ههوَ التَّوَّابه الرَّحِيه ﴾584، الاس تفهام تقريري ،للتذكير بأأمر معلوم جرى نس يانه .585 580 سورة التوبة18 ] 581 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، ج81 ، ص442 . 582 سورة التوبة888 ] 583 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، ج88 ، ص27 . 584 سورة التوبة812 ] 585 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، الجزء88 ، ص42 .
عدد الصفحات ١٨٢البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 167 بلاغـــــة المس ند و المس ند اإليه : ومن آأحوالهما الذكر ، والحذف ، والتعريف ، والتنكير ، والتقديم ، والتأأخير . ويأأتي المس ند بعد المس ند اإليه ، لأن المس ند محكوم به ، والمس ند اإليه محكوم عليه .586 المجاز يقول عبد القاهر الجرجاني : «وآأمّا المجاز ، فكل كلمة آأريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهيي مجاز . واإن شئت قلت : كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع اإلى ما لم توضع له ، من غير آأن تس تأأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز بها اإ ليه وبين آأصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهيي مجاز ».587 اإنّ الكلام الذي يوصف بلبلاغة هو الذي يدلّ على معناه اللّغوي ، ثمّ تجد لذلك المعى دل ثانية يريد من خلالها المتكلّم اإثبات آأو نفي المعى المقصود . وبلتّالي هناك معان آُوَل هي آأصل المعى في علم النّحو، وهي مدلولت الألفاظ ، وهناك معان ثوان هي الأغراض البلاغية التي يساق لها الكلام بمعى مقتضى الحال . وآأهمّ دليل قضية الإس ناد . ويتركّب الكلام من نثر و نظم ، من مس ند وهو المحكوم به ، ومس ند اإليه وهو المحكوم عليه، والنّس بة بينهما هي الإس ناد. والإس ناد هو انضمام كلمة اإلى آأخرى للحكم على ثهبوتها آأو نفيها ، وهو قسمان : حقيقة عقلية تتمثّل في اإس ناد الفعل آأو ما في معناه اإلى ما وضع له ، ومجاز عقليّ آأو الإس ناد المجازي ، وهو اإس ناد الفعل آأو ما في معناه اإلى غير ما وهضع له لقرينة مانعة من اإرادة الإس ناد اإلى ما هو له.588 586 الس يد آأحد الهاشمي ، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع ، ص 11 /828 . 587 عبد القاهر الجرجاني ، آأسرار البلاغة ، ص 461 . 588 عبد القاهر الجرجاني ،دلئل الإعجاز ، ص 12 .
عدد الصفحات ١٨٣البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 168 فقو مثلا : ما نام ليلي، فيه اإثبات للنّفي ل نفي للاإثبات ، وهنا الإس ناد، وهنا آأيضا المجاز العقليّ، لأنّك آأس ندت الفعل لغير ما وهضع له، و ل بهدّ في ذلك من قرينة مانعة لإرادة المعى . وتكون اإمّا لفظية آأو معنويّة ، يس تحيل فيها قيام المس ند بلمس ند اإليه عقلا. ول بهدّ للمجاز العقليّ من من فاعل يعرف الإس ناد اإليه حقيقة .589 والمس ند اإمّا خبر للمبتدآأ ، آأو فعل تامّ ، آأو اسم فعل ، آأو ناسخ ، آأو مفعول ثان لظنّ وآأخواتها آأو مصدر نائب عن فعل الأمر. آأمّا المس ند اإليه فهو فاعل لفعل تامّ ، آأو اسم لناسخ ، آأو مبتدآأ له خبر ، آأو المفعو ل الأوّل لظنّ وآأخواتها ، آأو نائب فاعل . يقول الجرجانيّ : «آأو تتوخىّ كلام هو لإثبات معى آأن يصير نفيا آأو اس تفهاما آأو تمنّيا فتهدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك ».590 فالخبر آأصل في معاني الكلام في النّفي والإثبات ، فلا خبر دون مهخبرَ به ومخبرَ عنه ، وهو ينقسم اإلى اإثبات ونفي ، والإثبات يقتضي مثبتا به ومثبتا له، والنّفي يقتضى منفيّا ومنفيّا عنه. لذلك آأن يكون القصد اإلى فعل من غير اإس ناده اإلى مقدّر معينّ وظاهر. واإذا كان الخبر وجميع الكلام معان يهنش ئها الإنسان بين النّفس والعقل ، فهيي مقاصد وآأغراض . وفي قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ آَنهَّهمْ رَضهوْاْ مَا آ تاَهمهه اللّّه وَرَسهولههه وَقَالهواْ حَسْبهنَا اللّّه س َيهؤْتِينَا اللّّه مِن فَضْلِِِ وَرَسهولههه اِناَّ اِلىَ اللِّّ رَاغِبهونَ ﴾ 591 ، الإيتاء الإعطاء ، وحقيقته اإعطاء الذوات ، ويطلق مجازا على تعيين المواهب . 589 عبد القاهر الجرجاني ،دلئل الإعجاز ، ص 11. 590 عبد القاهر الجرجاني ،دلئل الإعجاز ، ص 11. 591 سورة التوبة11 ]
عدد الصفحات ١٨٤البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 169 واإيتاءالرسول الكريم اإعطاؤه المال لمن يرى آأن يعطيه مما جعل الله له التصرف فيه ، مثل النفل في المغانم ، والسلَب ، والجوائز ، والصلات ، ومنه اإعطاؤه من جعل الله لهم الحقّ في الصدقات .592 وقوله تعالى : ﴿ وَمِنَ الَعْرَابِ مَن يهؤْمِنه بِللِّّ وَالْيَوْمِ ال خِرِ وَيَ تَّخِذه مَا يهنفِقه قهرهبَتٍ عِندَ اللِّّ وَصَلَوَاتِ الرَّسهولِ آَل اِنهََّا قهرْبَةٌ لَّههمْ س َيهدْخِلهههمه اللّّه فيِ رَحَْتِهِ اِنَّ اللَّّ غَفهورٌ رَّحِيٌ ﴾ 593 ، المراد قربة ، وجمعت بعتبار تعدّ د الإنفاق ، فكل اإنفاق هو قربة عند الله تعالى لأنه يوجب زيادة القرب . وهي مس تعملة مجاز في رضى الله و رفع الدرجات في الجنة . ولأنّ الجنة تش به بدار الكرامة عند الله ، ف ﴿ عِندَ ﴾ مجاز في التشريف والعناية .594 بلاغـــــة المجاز العقلي : تعريف المجاز العقلي : المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه ، لضرب من التأأويل ، اإفادة للخلاف ل بوساطة وضع . و يسمى مجازا لتعدي الحكم فيه ع ن مكانه الأصلي عند العقلاء .و يسمى عقليا ل لغويا ، لعدم رجوعه اإلى الوضع ، و كثيرا ما يسمى حكميا لتعلقه بلحكم، ومجازا في الإثبات آأيضا لتعلقه بلإثبات . و ليس من واجبات هذا المجاز آأن يكون مكان الحكم الأصلي فيه معلوما بنفس العقل ، بل اإن اس تعان في علمه بذلك بأأمر غير الوضع ، لكن الأليق اإطلاق اسم العقلي على الأول ، واسم الحكمي والإثباتي على الثاني .595 592 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، ج81 ، ص422 . 593 سورة التوبة11 ] 594 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، ج 88 ، ص81 . 595 آأبو يعقوب السكاكي ، مفتاح العلوم ، ص 116 .
عدد الصفحات ١٨٥البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 170 ومن صور المجاز العق، آأن يكون المحكوم به حقيقة وض عية ، والمحكوم له مجازا وض عيا كقوله تعالى : ﴿ ذَا مَا آُنزِلَتْ سهورَةٌ فَمِنهْهم مَّن يَقهوله آَيُّكمهْ زَادَتْهه هَذِهِ اِيمَاناً فَأَمَّا الذَِّينَ آ مَنهواْ فَزَادَ ِ وَاتهْهمْ اِيمَاناً وَهمهْ يَس ْتَبْشرِهونَ ﴾ 596،فاإس ناد الفعل اإلى غير ما هو له عند العقل زائل الحكم العقلي فيه عن مكانه الأصلي ، اإذ المكان الأصلي اإس ناد زيادة الإيمان اإلى العلم بل يات . و هذا المجاز الحكمي كثير الوقوع في كلام ربّ العزّة . 597 وآأما الحقيقة العقلية ، وتسمى حكمية آأيضا و اإثباتية ، فهيي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه .598 بلاغـــــة التعريف و التنكير : اهتُ القدماء من النحاة العرب بلعرض للقضايا اللغوية المتصلة بلنكرة و المعرفة، و من آأشهرها ما يسمى ب ( الأصل و الفرع ) و انتهوا اإلى آأن النكرة آأصل و المعرفة فرع . واهتُ علماء البلاغة بهما في ضوء النظر في الأداء اللغوي مع الربط بلجمال داخل النص نفسه ، لأن التعبير بلنكرة قد يكون آأبلغ من التعبير بلمعرفة و ربما العكس . وقد وضح يحيى بن حزة العلوي الفرق بين المعرفة والنكرة ، فقال « : المعرفة مادلت على شيء بعينه، والنكرة مادلت على شيء ل بعينه »599 . فكلاه عكس ال خر. 596 سورة التوبة842 ] 597 آأبو يعقوب السكاكي ، مفتاح العلوم ، ص 111 . 598 آأبو يعقوب السكاكي ، مفتاح العلوم ، ص 181 . 599 يحيى بن حزة العلوي ، الطراز ، ص 411 .
عدد الصفحات ١٨٦البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 171 بلاغـــــة التعريف : في قوله تعالى : ﴿ الذَِّينَ آ مَنهواْ وَهَاجَرهواْ وَجَاهَدهواْ فيِ سَبِيلِ اللِّّ بِأَمْوَالِهِمْ وَآَنفهسِهِمْ آَعْظَمه دَرَجَةً عِندَ اللِّّ وَآُوْلَئِكَ همهه الْفَائِزهونَ ﴾ 600،﴿ دَرَجَةً ﴾ لرفع المقدار، ف رفعة مقدارهم رفعة رضا من الله ، و لأن آأصل ﴿ عِندَ ﴾ آأنها ظرف للقرب . و تعريف المس ند و هو ﴿ الْفَائِزهونَ ﴾ بللام يفيد القصر و المبالغة في عظم الفوز .601 بلاغـــــة التنكير : آأما الأغراض التي تس تفاد من التنكير، فاإنما تس تفاد من الس ياق ل من التنكير، وحده الس ياق هو الذي يدل على المراد من هذا التنكير، فهو الذي يرشد اإلى الأغراض الكثيرة حين التأأمل فيه . و هذا ل ينطبق فقط على النكرة ، بل يتخطاه اإلى كل علوم العربية ، فالس ياق هو الذي يحدد الغرض و المطلوب . و للتنكير آأس باب ، منها اإرادة الوحدة ، والنوع ،و التعظي، والتكثير ، و التحقير و التقليل . ومثال التقليل و التعظي والتهويل بلتنكير في المس ند اإليه ، قوله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللّّه الْمهؤْمِنِينَ وَالْمهؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تجَْرِي مِن تحَْتهَِا الَنهَْاره خَالدِِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فيِ جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْ وَانٌ مِّنَ اللِّّ آَكْبرَه ذَلكَِ ههوَ الْ فَوْزه الْعَظِيه ﴾ 602، فجملة ﴿ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللِّّ آَكْبرَه ﴾ ، آأي رضوان قليل من بحار رضوان الله الذي ل يتناهى ، آأكبر من الجنات ، لأن رضا المولى رآأس كل سعادة 603 . 600 سورة التوبة41 ] 601 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، ج81 ، ص821/821. 602 سورة التوبة74 ] 603 بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، البرهان في علومالقرآ ن ، ج2 ، ص12 .
عدد الصفحات ١٨٧البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 172 دون آأن يقول رضوان الله ، قصدًا اإلى اإفادة : وقدر يسير من رضوانه خير من ذلك كله ، لأن رضاه سبب كل سعادة وفلاح .604 وفي قوله تعالى:﴿يهبَشرِّههمهْ رَبهُّهم بِرَحَْةٍ مِّنْهه وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّههمْ فِيهَا نَعِيٌ مُّقِيٌ ﴾ 605 التّنكفي ﴿ بِرَحَْةٍ ﴾، و﴿ رِضْوَانٍ ﴾، و﴿ جَنَّاتٍ ﴾، و﴿ نَعِيٌ ﴾ لتعظي المقام وذلك التّنكير بلمبشرّ به. و الإتيان بسم الإشارة للتّنبيه على آأنهّم اس تحقّوا الفوز لأجل تلك الأوصاف التي ميّّتهم : وهي الإيمان و الهجرة ، و الجهاد بلأموال و الأنفس . وت نكير﴿ رِضْوَانٌ ﴾ في قوله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللّّه الْمهؤْمِنِينَ وَالْمهؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تجَْرِي مِن تحَْتهَِ ا الَنهَْاره خَالدِِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فيِ جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللِّّ آَكْبرَه ذَلكَِ ههوَ الْفَوْ زه الْعَظِيه ﴾606 للتّنويع ، يدلّ على جنس الرّضوان ، و لم يهقرن بلام التّعريف للجنس ، للتوسّل بلتنكير اإلى الإشعار بلتّعظي لأنّ رضوان الله آأعظم . وفي قوله تعالى : ﴿ وَمِنَ الَعْرَابِ مَن يهؤْمِنه بِللِّّ وَالْيَوْمِ ال خِرِ وَيَتَّخِذه مَا يهنفِقه قهرهبَتٍ عِندَ اللِّّ وَصَلَوَاتِ الرَّسهولِ آَل اِنهََّا قهرْبَةٌ لَّههمْ س َيهدْخِلهههمه اللّّه فيِ رَحَْتِهِ اِنَّ اللَّّ غَفهو رٌ رَّحِيٌ ﴾ 607 ، تنك الاسم ﴿ قهرْبَةٌ ﴾ لعدم الداعي للتعريف ، ولأن التنكير قد يفيد التعظي .608 604 آأبو يعقوب السكاكي ، مفتاح العلوم ، ص 411 . 605 سورة التوبة48 ] 606 سورة التوبة74 ] 607 سورة التوبة11 ] 608 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، الجزء 88 ، ص86 .
عدد الصفحات ١٨٨البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 173 بلاغـــــة التقديم والتأأخير : وفي آأنواعه اإمّا آأن يقدّم و المعى عليه ، آأو يقدّم وهو في المعى مؤخر ، آأو بلعكس. ومن مقتضيات ما قدّم والمعى عليه الشرف ،ومنه الشرف بلفضيلة،ومنه تقديم﴿ الْمههَاجِرِينَ ﴾ في قوله تعالى : ﴿ لَقَد تاَّبَ الله عَلىَ النَّبِِّ وَالْمههَاجِرِينَ وَالَنصَارِ الذَِّينَ اتَّبَعهوهه فيِ سَاعَةِ الْعهسرَْةِ مِن بَعْدِ مَا كاَدَ يَزِيغه قهلهوبه فَرِيقٍ مِّنهْهمْ ثمهَّ تاَبَ عَلَيهِْمْ اِنَّهه بهِِمْ رَؤهوفٌ رَّحِيٌ ﴾ 609 . ومنه تقديم الأنفس على الأموال610 ، في قوله تعالى : ﴿ اِنَّ اللَّّ اشْترََى مِنَ الْمهؤْمِنِينَ آَنفهسَههمْ وَآَمْوَالَههم بِأَنَّ لَههمه الجَنَّةَ يهقَاتِلهونَ فيِ سَبِيلِ اللِّّ فَيَقْتهلهونَ وَيهقْتَلهونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فيِ التَّوْرَاةِ وَالِنجِيلِ وَالْقهرْآ نِ وَمَنْ آَوْفََ بِعَهْدِهِ مِنَ اللِّّ فَاس ْتَبْشرِهواْ بِبَيْعِكمهه الذَِّي بَ يَعْتُه بِهِ وَذَلكَِ ههوَ الْفَوْزه الْعَظِيه ﴾ 611 . وفي قوله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللّّه الْمهؤْمِنِينَ وَالْمهؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تجَْرِي مِن تحَْتهَِا الَنهَْاره خَالدِِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فيِ جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللِّّ آَكْبرَه ذَلكَِ ههوَ الْفَوْزه الْعَظِيه ﴾612 ثلاث آ يات ،في الأولى آأخّر الرضا على الرضوان وآأخبر بلوعد ، و في الثالثة قدّم الرضا على الرضوان وآأخبر بلإعداد.613 وفي قوله تعالى : ﴿وَلَوْ آَنهَّهمْ رَضهوْاْ مَا آ تاَهمهه اللّّه وَرَسهولههه وَقَالهواْ حَسْبهنَا اللّّه س َيهؤْتِينَا اللّّه مِن فَضْلِِِ وَرَسهولههه اِناَّ اِلىَ اللِّّ رَاغِبهونَ ﴾614 ، تقدم المجرور لإفادة الق، آأي اإلى الله راغبون ل اإلى 609 سورة التوبة887 ] 610 بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، البرهان في علومالقرآ ن ، ج2 ، ص416. 611 سورة التوبة888 ] 612 سورة التوبة74 ] 613 بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، البرهان في علومالقرآ ن ، ج2 ، ص462 . 614 سورة التوبة11 ]
عدد الصفحات ١٨٩البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 174 غيره، والكلام على حذف مضاف ، تقديره : اإناّ راغبون اإلى ما عينه الله لنا ل نطلب اإعطاء ما ليس من حقّنا .615 وفي قوله تعالى :﴿ وَالسَّابِقهونَ الَوَّلهونَ مِنَ الْمههَاجِرِينَ وَالَنصَارِ وَالذَِّينَ اتَّبَعهوهمه بِِحْسَانٍ رَّضَِِ اللّّه عَنهْهمْ وَرَضهواْ عَنْهه وَآَعَدَّ لَههمْ جَنَّاتٍ تجَْرِي تحَْتهََا الَنهَْاره خَالدِِينَ فِيهَا آَبَدًا ذَلكَِ الْ فَوْزه الْعَظِيه ﴾616، تقدم المس ند اإليه على خبره الفعلي و قد وقع جملة فعلية ، للتقوية و التأأكيد .617 بلاغـــــة الحذف : ومن آأ قسام الحذف آأيضا الحذف المقابلي. وهو آأن يجتمع في الكلام متقابلان ، فيحذف من واحد منهما مقابلِ ، لدللة ال خر عليه . ومنه في قوله تعالى : ﴿ وَآ خَرهونَ اعْترََفهواْ بِذهنهوبهِِمْ خَلَطهواْ عَََلاً صَالِحًا وَآ خَرَ سَيِّئًا عَسََ اللّّه آَن يَتهوبَ عَلَيهِْمْ اِنَّ اللَّّ غَفهورٌ رَّحِيٌ ﴾ 618، فأأ صل الكلام خلطوا عَلا صالحا بسئّ، وآ خر سيئا بصالح، لأن الخلط يس تدعي مخلوطا ومخلوطا به، آأي تارة آأطاعوا وخلطوا الطاعة بكبيرة ، وتارة عصوا وتداركوا المعصية بلتوبة .619 بلاغـــــة التقييد : تعريف التقييد : التقييد هو وصف للحكم ، فاإذا زيد في الجملة على ذكر المس ند اإليه والمس ند شيء مما يتعلق بهما آأو بأأحدهما ، فالحكم مقيد ، والتقييد يكون حينما يتعلق الغرض بتقييده بوجه مخصوص ، بحيث لو حذف القيد ، لكان الكلام كذب ، آأو غير مقصود . واعلم آأنّ معرفة خواص التراكيب وآأسر ار 615 بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، البرهان في علومالقرآ ن ، ج2، ص422 . 616 سورة التوبة811 ] 617 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، الجزء 88 ، ص81 . 618 سورة التوبة814 ] 619 بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، البرهان في علومالقرآ ن ، ج 2 ، ص828.
عدد الصفحات ١٩٠البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 175 الأساليب ، وما فيها من دقيق الوضع ، وبهر الصنع ، ولطائف المزايا، يسترعي لبك اإلى آأن التقييد بأأحد الأنواع ال تية ، يكون لزيادة الفائدة ، وتقويتها عند السامع ، فالمعروف آأن الحكم كلما ازدادت قيوده ازداد اإيضاحا وتخصيصا ، وحينئذ تكون فائدته آأتم وآأكمل .620 والتقييد يكون بلتوابع ، وضمير الفصل ، والنواسخ ، وآأدوات الشرط والنفي ، والمفاعيل الخمسة ، والحال والتمييّ . ففي قوله تعالى : ﴿ آَلَمْ يَعْلَمهواْ آَنَّ اللَّّ ههوَ يَقْبَله التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخهذه الصَّدَقَاتِ وَآَنَّ اللَّّ ههوَ التَّوَّابه الرَّحِيه ﴾621، آأ تعالى بضمير الفصل ﴿ ههوَ ﴾ للتخصيص .وفي قوله تعالى : ﴿ اِنَّ اللَّّ ههوَ التَّوَّابه الرَّحِيه ﴾ 622، آأتى بضمير الفصل لتأأكيد التخصيص623 وفي قوله تعالى : ﴿ كَيْفَ يَكهونه لِلْمهشرِْكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللِّّ وَعِندَ رَسهولهِِ اِلَّ الذَِّينَ عَاهَدتمُّْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اس ْتَقَامهواْ لَكمهْ فَاس ْتَقِيمهواْ لَههمْ اِنَّ اللَّّ يحهِبُّ الْمهتَّقِينَ ﴾624 ،التعليل للأمر بلس تقامة، وموقع ﴿ اِنَّ ﴾ آأولها ، للاهتمام وهو مؤذن بلتعليل ، لأن ﴿ اِنَّ ﴾ في مثل هذا تغني غناء فاء ، وقد آأنبأأ ذلك التعليل، آأنّ الا س تقامة لهم من التقوى ، واإلّ لم تكن مناس بة للاإخبار بأأنّ الله يحب المتقين، عقب الأمر بلس تقامة لهم . ولأن في الاس تقامة لهم حفظا للعهد الذي هو من قب يل اليمين .625 620 بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، البرهان في علومالقرآ ن ، ص 828 . 621 سورة التوبة812 ] 622 سورة التوبة881 ] 623 بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، البرهان في علومالقرآ ن ، ص 821 . 624 سورة التوبة7 ] 625 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير ، ج 81 ، ص 842 .
عدد الصفحات ١٩١البلاغة الإعجازية في آ يات الرجاء في سورة التوبة 176 بلاغـــــة الأفعال : تعدية الفعل : في قوله تعالى : ﴿ وَمِنَ الَعْرَابِ مَن يهؤْمِنه بِللِّّ وَالْيَوْمِ ال خِرِ وَيَتَّخِذه مَا يهنفِقه قهرهبَتٍ عِندَ اللِّّ وَصَلَوَاتِ الرَّسهولِ آَل اِنهََّا قهرْبَةٌ لَّههمْ س َيهدْخِلهههمه اللّّه فيِ رَحَْتِهِ اِنَّ اللَّّ غَفهورٌ رَّحِيٌ ﴾626 ،الأعراب هم آأعراب آأسد ، و غطفان ، وتمي . و قربت مفعول به ثان للفعل ليتّخذ والمعى آأنّ ما ينفقه سبب لحصول القربت عند الله ، آأمّا صلوات الرسولفلأنه كان يدعو للمتصدّقين بلخير و البركة و يس تغفر لهم . بلاغـــــة الفعل «ع» يقول آأبو الطيب اللغوي«الفعل (عسَ) من الأضداد ، قال آأبو حاتم وقطرب : ع تكون شكاّ مرة ، ويقينا آأخرى . و(عسَ) في القرآ ن واجبة من الله ، وكل ما في القرآ ن من ذلك فهو واجب من الله عزّ وجلّ »627. قال آأبو عبيدة ، ومنه قول ابن مقبل ظَنيِّ بهِِمْ كَعَسََ وَهمهْ بِتَنُّوفَ ــــــــــــــــــــــــةٍ يَتَنَازَعهون جَوَائِ ــــــــــــزَ الَمْثَالِ 628 آأي ظني بهم كيقين . وكقول هدبة بن خشرم العذريمما جاء في الشك في معى لعلّ : عَسََ الكَرْبه الذِي آَمْسَيْته فِيه يَكهونه وَرَاءَهه فَـــــــــــــــــــــرَجٌ قَرِي ــبه 629 626 سورة التوبة11 ] 627 آأبو الطيب اللغوي ، الأضداد في كلام العرب ، ص 217 .. 628 انظر آأبو الطيب اللغوي ، الأضداد في كلام العرب ، ص 217 . 629 انظرآأبو الطيب اللغوي ، الأضداد في كلام العرب ، ص 217 . والشاعر اإسلامي ، والبيت من قصيدة له قالها في سحنه في المدينة ، وكان آأصاب دم رجل من قومه يقال له زيادة بن زيد . مطلعها : طَرِبتَ وآَنتَ آأحْيَاناً طَرهوبه وكيفَ وقــــــــــــــــــدْ تَعَلاَّكَ المَشِيبه
عدد الصفحات ١٩٢