56 وهناك ألفاظ أخرى تصيبها ال خِ سَّ ة بعد الرفعة ، وتفقد الاحترام الذي كان لها في المجتمع ، وأكثر ما يكون هذا في الألقاب الدنيوية كلفظ (أفندي) حين تقارن حالها في أواخر القرن التاسع عشر بحالها في منتصف القرن العشرين. وقد كان الحاجب (الحاجب) في الدولة الأندلسية بمثابة رئيس الوزراء، ورأينا آنفا ما أصاب كلمة (الوزير) العربية حين أصبحت في الإسبانية لا تعني سوى شرطي. كما رأينا أن (طول اليد) قد وردت في الح ديث الشريف بمعنى السخ اء والجود حين قالت للنبي نساؤه: أَيَّتنَا بِكَ أَسْرَع لح وقًا ف َقَالَ : أَطْوَل ك نَّ يَدًا، والكلمة كما هو معروف لن ا جميعا تستعمل الآن على الألسنة، وفي لهجات الخطاب بمعنى السرقة. ) . (1) المشتــــــــــرك اللفظـــــــي: (هو اللفظ الواحد الذي يخرج إلى دلالات متنوعة تختلف باختلاف السياق ). (2) والألفاظ الكثيرة قد تدل على معنى واحد، وكذلك المعاني المتعددة تدل على لفظ واحد، فيطلق اللفظ و ير اد به المعاني الكثيرة، ويحدث نتيجة لهذا اللفظ المشترك. و مما يؤكد ذلك عبارة الفارابي (ت 312ه حين قال: (يتبين لنا شبه الألفاظ بالمعاني، ونحاكي بالألفاظ المعاني التي لا تكون بها العبارة، فيتطلب أن يجعل في الألفاظ ألفاظ ا تعم أشياء كثيرة من حيث هي ألفاظ، كما أن في المعاني معاني تعم الأشياء كثرة المعاني، فتحدث الألفاظ المشتركة، وتكون هذه الألفاظ المشتركة من غير أن يدل كل واحد منها على معنى مشترك ). (3) وعرفه محمد نور الدين المنجد بقوله (كل لفظ مفرد يدل بترتيب حروفه، وحركاته على معنيين فصاعدا دلالة خاصة، في بيئة واحدة، وزمان واحد. (1)دلالة الألفاظ،إبراهيم أنيس، ص 161. (2) أثر القرآن الكريم في اللغة العربية ، أحمد حسن الباقوري، دار المعارف، 6919، مصر، ص19. (3) كتاب الحروف، الفارابي ، ت: محسن مهدي، دار المشرق، 6981، بيروت-لبنان، ص612.
عدد الصفحات ٦٥57 ولا يربط بين تلك المعاني رابط معنوي، أو بلاغي، فَبِاشْترِاطنا اللفظ المفرد يخرج التركيب الإسنادي والإضافي، وبترتيب حروفه يخرج القلب المكاني، وبالدلالة الخاصة تخرج العلاقة بين العام والخاص، وبالبيئة الواحدة يخرج اختلاف اللغات ، وبالزمان ال واحد يخرج التطور الدلالي الصوتي، وبانتقاء الرابط المعنوي يخرج الاشتقاق من أصل واحد ، وبانتقاء الرابط البلاغي يخرج المجاز والاستعارة والتورية ، وما شاكل ذلك من الدلالات البلاغية).(1) وللمشترك اللفظي شروط لابد من توفرها و هي: (2) أ. يكون اللفظ مفردا. ب. اتفاقه من الناحية الصرفية والصوتية. ج. تنوع دلالاته. د. اتحاد الدلالات في العصر والمكان، فالمصادر قد ذ كرت لن ا أن لبعض الألفاظ في كل عصر دلالة خاصة تتطور بتطوره، ولكل مكان دلالة تتغير بتغيره. بينما لوقوع المشترك اللفظي في اللغة العربية أسباب كثيرة تذكر المصادر أهمها: (3) 6- كثرة القبائل حيث أن لكل قبيلة لهجة معينة تستعمل مجموعة من الألفاظ تدل على معان معينة، والقبيلة الأخرى قد تستعمل نفس اللفظ وت ر د به معنى آخر، فيؤدي هذا إلى نشوء الاشتراك. 0-الاقتراض من اللغات المجاورة، كأن تتشابه في نطق الأ لفاظ، إلا أن معاني الكلمات مختلفة فلكل لغة معنى يختلف عن اللغة الأخرى . 3-تطور الكلمات من الناحية الصوتية يؤدي إلى نشأة الاشتر اك اللفظي، فهذا يؤدي إلى تشابه في الألفاظ. (1) الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم، محمد نورالدين المنجد ، دار الفكر، ط6 ،6999، دمشق – سوريا، ص37. (2) المشترك اللفظي في اللغة العربية، عبد الكريم شديد محمد، كلية الآداب، 6979، بغداد– العراق، ص 631. (3) فقه اللغة، على عبد الواحد وافي، دار النهضة، ط7 ،6970، مصر، ص 690.
عدد الصفحات ٦٦58 1-(التشابه في الصيغ الصرفية كأن يتشابه اللفظ مع آخر تشابها كبيرا في الصيغة ، فيكون على صيغة اسم فاعل أو مفعول، ويؤدي إلى تشابه اللفظين، ومنه يكون اللفظ الواحد والمعنى مختلف باختلاف السياق. 1-ومن أسب اب نشوء المشترك اللفظي كما تذكر بعض المصادر -كذلك- المجاز، وبعضهم ينكر هذا ويقول: إن المشترك اللفظي يختلف اختلافا كبيرا عن المجاز ، ذلك أن المشترك متصل بعلوم اللغة والمجاز متصل بعلوم البلاغة، وذاك المشترك يشمل الصرف والصوت والنحو، أما المجاز ف إنه يدخل ضمن الاستعارة و الكناية. وقد اختلف علماء العربية في وقوع المشترك اللفظي في اللغة العربية فبعضم رفض أو ضيق وجوده لكثرة وقوعه، وبعض المعاني قد أطلقت من غير تركيز أو تدقيق، و منهم الدكتو ر عالم سبيط النيلي حيث يقول :( (يجب التقيد بمعنى اللفظ، ويجوز تغيره عند تغير موقعه في التر اكيب التي يرد فيها ذلك اللفظ ، أي نكران وقوع المشترك اللفظي في اللغة العربية ، و عليه فيبقى اللفظ واحدا مهما تعددت الظروف، ومن العلماء الذين اتجهوا هذا الاتجاه ابن درستويه (ت017ه ) أي رفضه للمشترك، وأكد بعضهم وجوده كالخليل (ت 671ه ) وسيبويه (ت682ه)، والمبرد (ت081ه) ). (1) والمشك اللفظي يقابله الوجوه والنظائر ، و يكاد يتفقان من ناحية التعريف ، فهما يدلان على كثرة المعاني للفظ الواحد، وهذه ظاهرة مهمة في العربية تدل على مرونتها وسرعة تقلبها للمفردات ، والذي يستنبط من كتب الوجوه والنظائر والمشترك اللفظي أن الوجوه والنظائر تختص بمفر دات القرآن، والمشترك اللفظي يختص ببعض مفردات القرآن ، ومفردات اللغة العربية المستعملة في الحياة العامة. أما عبد الرحمن مطلك الجبوري فقد ميز في رسالته بين المشترك اللفظي والوجوه قال: (أن ألفاظ المشترك اللفظي لا ترتبط بين معانيها علاقات وثيقة، أما الوجوه فتربط بينهما علاقات وثيقة ).(2) (1) النظام القرآ ، عالم سبيط النيلي، دار أسامة، ط6 ،6999، عمان– الأردن ، ص10. (2) الوجوه والنظائر في القرآن الكريم ، عبد الرحمن مطلك، كلية الآداب، 6981، بغداد – العراق ، ص620.
عدد الصفحات ٦٧59 الأضــــــــــــــــــــداد : (تعد الأضداد من سنن العرب المشهو رة، وذلك بأن يطلق اللفظ الواحد على المعنى وضد ه، نحو لفظ (الجون) الذي يطلق على الأبيض والأسود). (1) وصنفه البعض بأنهنوع من المشترك لدى أغلب علماء اللغة من قدماء، ومحدثين، باستثناء البعض. فأم ا اللغوي ون القدماء (فمنهم من استوقفته هذه الظاهرة معر فا بها ومبي نا لها، كأبي الطي ب اللغوي ( ت 316ه) ال ذي قال: أن الأضداد جمع ضد ، وضد كل شيء ما نافاه، نحو البياض والسواد، والسخاء والبخل، والشجاعة والجبن، وليس كل ما خالف الشيء ضد ا له، ألا ترى أن القو ة والجهل مختلفان وليسا ضد ين، وإنم ا ضد القو ة الضعف، وضد الجهل العلم، فالاختلاف أعم من التضاد ، إذ كان كل متضاد ين مختلفين، وليس كل مختلفين ضد ين). (2) وتجدر الإشارة إلى أن ه( قد يقع نوع من الخلط بين مصطلح التضاد وما يسم ى ب (التقابل بالضد ) فالبياض والسواد، والسخاء والبخل، والشجاعة والجبن ، والجهل والعلم هي ألفاظ متقابلة بالتضاد وليس من قبيل ما يسم ى بظاهرة ( التضاد )، فالتضاد يت سم بوحدة اللفظ وتعد د المعنى، وقد اختلف اللغوي ون القدماء في وجود التضاد كما اختلفوا في أمر المشترك اللفظي ، فذهب أكثرهم إلى وجود هذه الظاهرة في لغة العرب ، منهم الخليل بن أحمد، وسيبويه، وقطرب (ت023ه)، وأبي عبيدة (ت063ه )، وابن السك يت، وابن الأنباري (ت308ه )، وأبو الطي ب اللغوي ( ت316ه)، وغيرهم ، وذهب اب ن درس تويه إلى إلغائه ووضع كتابا سم اه (إبطال الأضداد )، فضلاً على أن له نصوصاً قولي ة في كتاب (تصحيح الفصيح) تشير إلى إنكاره وجود التضاد في أصل الوضع. وقد رأى طائفة من الباحثين إمكاني ة وضع ابن درستويه في مصاف المعترفين بالتضاد مستندين في ذلك إلى مقولته بإقراره بورود الشيء القليل من الأضداد لعلل لغوية وأسباب استعمالي ة).(3) ومما يؤي د ذلك: (أن أحد الباحثين رأى أن نظرة ابن درستويه إلى التضاد نظرة تأريخي ة قامت على أساس البحث في أصول الألفاظ في أصل الوضع، وليس فيما آلت إليه نتيجةً لعوامل طارئة عليها، وذهب إلى أن ابن درستويه لم يكن منكراً للتضاد من حيث المنهج الوصفي ال ذي يقوم على البحث في واقع اللغة وحاضرها، وإنم ا كان يقر بوجود النادر منها، وأن هذا أمر أجمع عليه أغلب (1) فقه اللغة و أسرار العربية ، الثعالبي، ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العراقي ، ط6،0220، العراق ، ص089. (2) الأضداد في كلام العرب ، أبو الطيب اللغوي، ج6 ص6. (3) تصحيح الفصيح، ابن درستويه ، تحقيق: عبد الله الجبوري، مطبعة الإرشاد، ط 6،6971، بغداد، ج6ص617.
عدد الصفحات ٦٨61 علماء اللغة قدماءومحدثين، فلم يكن ابن درستويه منكراً لكل ما ورد في اللغة من ألفاظ متضاد ة، إنم ا أقر بوجود القليل منها كما هو عليه في المشترك اللفظي، وحاول رد معاني أغلب ما ورد منها من أمثلة إلى أصل دلالي واحد، عاد اً إي اها من باب المجاز، وربم ا دفعه إلى ذلك إسراف القدماء وتكل فهم في عد ما ورد من ألفاظ ناتجة عن اختلاف اللهجات من ضمن الأضداد). (1) أم ا المحدثون فقداختلفوا في التضاد كاختلاف القدماء فيه، و انقسموا بين مؤي د ومنكر له، فأم ا المؤي دون، فقد عدوه نوعاً من الاشتراك فالدكتور محم د حسين آل ياسين، نفى وجود علاقة تشابه بين المشترك والتضاد إلا من حيث تعد د المعنى، مستنداً إلى اختلاف أسباب نشأة كل منهما، قال: (ليس بين المشترك والأضداد من التشابه سوى انصرا ف اللفظة فيهما إلى أكثر من معنى، وبينهما فيما عدا ذلك من عدم التشابه ما بين كل منهما وأي من الظواهر اللغوي ة الأخرى، وذلك أن أسباب نشأة الأضداد تختلف تماماً عما هي عليه في المشترك ، ولا تت فق إلا في مسائل قليلة ). (2) أم ا موقف علماء اللغة والمفس رين من وجود التضاد في القرآنالكريم، فقد كانوا بين مقرٍّ به ورافض له، إلا أن أغلب ا لذين أقر وه هم من اعترفوا بوجوده في اللغة العربي ة، وما جاء في (تأويل مشكل القرآن) من عدم تجو يز ابن قتيبة وقوع التضاد في القرآن حين قال: (إن الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضاد . فاختلاف التضاد لا يجوز، ولست بواجده بحمد الله في شيء من القرآن، غلا في الأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ، و ليس المراد به من التضاد المعروف بوحدة اللفظ وتعد د المعنى، إنم ا أراد بذلك عدم تناقض ألفاظ القرآن أو تضاربه ، ذلك لأن ه تعر ض لظاهرة التضاد في الألفاظ القرآني ة ودرسها في عد ة مواضع من كتابه). (3) حــــــــروف المعاني : عني علماء اللغة والنحو والأصول بمعاني الحروف ودلالتها، فبي نوا القيمة الدلالي ة لهذه الحرو ف، وأن وقوعها في الكلام يدل على معان ، إذ قال سيبويه: (وأم ا ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل، نحو: ثم ، وسوف، ولام الإضافة، ونحو ذلك) .(4) (1) التضاد في القرآن الكريم، محم د نور الدين المنج د، دار الفكر، ط6،6999، دمشق، ص 31. (2) الأضداداللغة، محمد حسين آل ياسين، دار المعارف، ط 6،6971، بغداد، ص 626. (3) تأويل مشكلالقرآن، ابن قتيبة، شرح: السيد أحمد الصقر، دار الكتب العلمية، ط 3،6986، بيروت، ص 12. (4) الكتاب، سيبويه، ج6 ص60.
عدد الصفحات ٦٩61 وقديوض ح ذلك بما قاله الزج اجي : (وحروف المعاني ال تي تجيء مع الأسماء والأفعال لمعان . " أي إن الحرف ما دل على معنى في غيره، وأن معناه يتوق ف على ذكر متعل قاته. ف الحرف وحده لا معنى له أصلا). (1) وكانت هذه الحروف (موضع خلاف بين النحوي ين من حيث التزامها معانيها الأصلي ة، وخروجها إلى معان أخر ، فذهب الكوفي ون إلى أن الحرف الواحد وضع لأكثر من معنى ، وجو ز وا نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، على حين لم يجز البصري ون ذلك، وعندهم أن حرف الجر باق على معناه الأصلي ، وأن ما خالف الأصل يؤول تأويلاً يقبله اللفظ، وعلى تضمين حدث معنى حدث آخر، أي إن وضع الحرف مو ضع حرف آخر ، إنم ا هو بسبب تضمين فعل معنى فعل آخر يتعد ى بذلك الحرف ، وليست من باب التناوب بين الحروف، فقال سيبويه: اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أ حدهما يتعد ى بحرف، والآخر بآخر، فإن العرب قد تت سع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذاناً بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المضاد مع ما هو في معناه ). (2) وتتبين لنا معاني الحروف فيما يأتي بدءا ببعض معاني حروف الجر ثم معاني حروف العطف: أولا: دلالة حرف الجر لها معان أصلي ة ودلالات، ويجوز تناوبها بعضها عن بعض. ومن حروف الجر ال تي نتوق ف عندها: أ (من): (3) وتفيد معنى ابتداءالغاية، ولها معان أخرى منها : أن ه بمعنى (بعض)، ومعنى البدل كما في قوله تعالى:﴿ وَلا أَوْلاد ه مْ مِنَ اللهِ شَيْئاً. ﴾(آل عمران: 62) وغيرها ب (على): (1) الإيضاح في عللالنحو، الزَّجَّاجي، تعليق: مازن المبارك، دار النفائس، ط 1، 6980، بوت – لبنان، ص 11. (2) الأصول في النحو، ابن السراج، تح قيق: الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، ط 3،6988، بيروت، ج 6 ص198. (3) شرح اللمحة البدرية، ابن هشام، ت: هادي نهر، مطبوعات جامعة بغداد، ط0،6977، بغداد، ج0 ص688.
عدد الصفحات ٧٠62 وهو للاستعلاء،وتأتي بمعنى (من) في الآية:﴿إِذَا اكْتَال وا عَلَى النَّاسِ يَسْت َوْف ونَ ﴾(المطففين:0) ج(في): (1) وتفيدالظرفي ة، كما في الآية:﴿ وَلأَ صَلِّب َ نَّك مْ فيِ ج ذ وعِ النَّخْلِ ﴾ (ط ه: 70)، فهي هنا بمعنى (على) -ما يجيزه جمع - وتأخذ معنى (إلى) كما في الآية:﴿إِن َّه مْ كَان وا ي سَارِع ونَ فيِ الخَْي ْرَاتِ﴾ (الأنبياء: 92.) د (إلى): وهو يفيد انتهاء الغاية مطلقاً، كما في قوله تعالى:﴿ عَسَى رَب ُّنَا أَنْ ي بْدِلَنَا خَيرْاً مِن ْهَا إِنَّا إِلىَ رَب ِّنَا رَاغِب ونَ. ﴾(القلم:30) إذقال: إن " (إلى) لانتهاء الرغبة. (2) وقد تأ(إلى) بمعنى (مع) في مثل الآية:﴿فَ اغْسِل وا و ج وهَك مْ وَأَ يْدِيَك مْ إِلىَ الْمَرَافِ قِ ﴾ (المائدة: 1.) هـ (الباء): و تفيد الإلصاق، و تر د بمعنى (على) كما في الآية:﴿ فَإِنمََّ ا يَسَّرْنَاه بِلِسَانِكَ ﴾ ( مريم: 97 )بمع " بأن أنزلناه على لغتك" وقد قال بذلك طائفة، و حملها آخرون على أصل معناها، وهو الإلصاق (3)، وقد يرد (الباء) بمعنيين هما: السببي ة، والملابسة. ثانياً: دلالة حروف العطف: من هذه الحروف ال تي تستوقفنا ما يلي: (4) 6- الواو: و يفيد التشريك، أي: " إشراك الثاني فيما دخل فيه الأو ل. " 0 -أو: ويفيد معاني متعد دة منها: الشك ، والتخيير، والتقسيم، وغير ذلك. (1) تفسير الكش اف، أبو القاسم بن جارالله الزمخشري، دار الكتاب العربي، ط 3،6981، بيروت، ج0 ص111 (2) الأصول في النحو، ابن السراج، ج 6 ص126. (3) إعراب القرآن، أبو جعفر النح اس، تحقيق: زهير غازي زاهد، عالم الكتب، ط6،6988، بيروت، ج3 ص06. (4) الأصولالنحو، ج 0 ص11.
عدد الصفحات ٧١63 3 -الفاء: ويفيد ثلاثة أمور: أو لها الترتيب نحو (قام زيد فعمرو). ثانيها: التعقيب نحو (دخلت البصرة فبغداد). ثالثها: السببي ة نحو قوله تعالى:﴿ فَاسْت َغَاثَه الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَد وِّهِ ف َوَكَزَه م وسَى ف َقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّه عَد وٌّ م ضِلٌّ م بِينٌ. ﴾(القصص: 61 ) 1 -ثم: للتراخي، وتستعمل للتراخي في الرتبة وكذ ا التراخي الزماني كما في الآية :﴿ثم َّ ق َبَضْنَاه ﴾ (الفرقان: 11)،وقد تدل على المبالغة في سياق التوكيد اللفظي ، كما في الآية:﴿ف َق تِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثم َّ ق تِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ (المدثر: 69 02 ) الفــــــــــروق اللغويــاــة : (لا شك أن إظهار الفروق اللغوية بين الألفاظ المتقاربة والمتشابهة في الدلالة، ليس من السهولة بمكان إذ يتطلب موازنة دقيقة بين الاستعمالات اللغوية والمعجمية، ومراعاة السياق والآثار الاجتماعية، وكانت نظرة العرب القدامى إلى هذه الفروق تتسم بالدقة المتناهية في اختيار الألفاظ ذات التشابه في الدلالات والتقارب في المعاني. وإن اللغة العربية، وهي لغة القرآن الكريم التي ح باها الله بمزايا كثيرة ، فهي خصبة الألفاظ، ثرية المعاني، مواكبة للتطور، صالحة للنماء، قابلة للاتساع، ولهذا وزعت بحسب المقامات، فلا يقوم مرادفها، فيما استعمل فيه مقام الآخر، فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات، والقطع بعدم الترادف ما أمكن، فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد ).(1) (1) البرهان في علومالقرآن، الزركشي، ج3 ص93.
عدد الصفحات ٧٢64 وهذه الظاهرة لها علاقة وطيدة بالترادف، وإن كان هناك من أنكر الترادف إلا أن بعض اللغويين والمفسرين بينوا الفروق اللغوية بين الألفاظ التي يظن أنها من المترادفات عند الرجوع إلى استعمالات العرب لها، نجد أن لكل لفظة دلالة مستقلة. وقد ألَّ ف أبو هلال العسكري كتابه (الفروق اللغوية) لإبطال التقارب والتشابه، ولإثبات الفروق بين الألفاظ التي يدعى ترادفها. وقد بدأ كتابه بعنوان : (باب الإبانة عن كون اختلاف العبارات والأسماء موجبا لاختلاف المعاني في كل لغة ، قال فيه: الشاهد على أن اختلاف العبار ات والأسماء يوجب اختلا ف المعاني، أن الاسم كلمة تدل على معنى دلالة الإشارة ، وإذا أشير إلى الشيء مرة واحدة فعرف ، فالإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة ، وواضع اللغة حكيم ، لا يأتي فيها بما لا يفيد، فإن أشير منه في الثاني والثالث إلى خلاف ما أشير إليه في الأول كان ذلك صوابا ، فهذا يدل على أن كل اسمين يجريان على معنى من المعاني وعين من العيان في لغة واحدة ، فإن كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر ، وإلا لكان الثاني فضلا لا يحتاج إليه . وكما لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على معنيين فكذلك لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد، لأن في ذلك تكثيرا للغة بما لا فائدة فيه). (1) وعلى هذا(أخذ أهل اللغة يلتمسون فروقا بين الألفاظ التي تبدو مترادفة، ومن ذلك تفريق أبي هلال العسكري بين المدح والثناء، وبين القديم والعتيق، وبين الخلود والبقاء، وبين الحب والود، وبين الإرادة والمشيئة، وبين الغضب والغيظ ...). (2) وكذلك (تفريق ابن فارس بين الألفاظ بين القعود والجلوس، وبين الرقاد والنوم والهجوع، وبين المضي والذهاب والانطلاق، وبين المائدة والخوان، وبين الكأس والكوب والقدح، وبين الكوب والكوز.... وغيرها). (3) (1) الفروقاللغوية، أبو هلال العسكري، دار الآفاق الجديدة، ط 6،6973، بيروت– لبنان، ص 62-66. (2) علمالدلالة، فايز الداية، ص 069 . (3) الصاحبي في فقهاللغة، ابن فارس، ص 91.
عدد الصفحات ٧٣65 وخلص أب و هلال إلى أن الفروق الدلالية ت عر ف بطرق كثيرة، منها: (1) 6- اختلافما يستعمل عليه اللفظان اللذان يراد الفرق بين معنييهما، (كالفرق بين العلم والمعرفة، الأول يتعدى إلى مفعولين والأخير إلى مفعول واحد). 0- اعتبار صفات اعْ نَيين اللذين ي طلب الفرق بينهما (كالفرق بين الحلم والإمهال، فالحلم لا يكون إلا حسنا، والإمهال يكون حسنا وقبيحا). 3- اعتبار ما يؤول إليه المعنَيان (كالفرق بين المزاح والاستهزاء، فالمزاح لا تحقير فيه، والاستهزاء يقتضي الاحتقار). 1- اعتبار الحروف التي ت عَدَّى بها الأفعال(كالفرق بين العفو والغفران) . 1- اعتبار النقيض(الفرق بين الحفظ والرعاية، فنقيض الحفظ الإضاعة، ونقيض الرعاية الإهمال). 1- اعتبار الاشتقاق(كالفرق بين التلاوة والقراءة، أي أن التلاوة لا تكون في الكلمة الواحدة بينما القراءة تكون فيها). 7- ما توجبه صيغة اللفظ من الفروق بينه وبين ما ي قارب ه (كالفرق بين الاستفهام والسؤال، فالاستفهام لا يكون إلا لما يجهله المستقيم، والسؤال يكون عما ع لِم ولم ي عْلَم). 8- اعتبار حقيقة اللفظين أو أحدهما في أصلاللغة، كالفرق بين الحنين والاشتياق. (1) الفروقاللغوية، أبو هلال العسكري، ص 01.
عدد الصفحات ٧٤66 *الفصل الثالث : دراسة تطبيقية –سورة البقرة نموذجا * *سورة البقرة وسبب تسميتها ونزولها وفضلها : لكل حدث سبب، ولكل واقعة أثر، وكتاب نا العزيز لا يخلو من سبب للنزول ، وسبب للتسمية وهو ما سنجده بين طيَّات كتب علمائنا في مؤلفاتهم. *سبب التسمية: ( أنبأنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، في قول الله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْم ر ك م أَن ت ذْبحَ وا ب َ قَرَةً (البقرة : 17) قال: كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى عليه السلام فقال له: إن قريبي قتل وإني إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدا يبين من قتله غيرك يا نبي الله، قال: فنادى موسى في الناس، فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بيَّ نه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى عليه السلام، فقال له: أنت نبي الله فاسأل لنا ربك أن يبينِّ لنا، فسأل ربه فأوحى الله إليه إِنَّ اللهَ يَأْم ر ك م أَن ت ذْبحَ وا ب َقَرَ ةً فعجبوا من ذلك، فقالواأَت َتَّخِذ نَا ه ز وًا قَالَ أَع وذ بِاللهِ أَنْ أَك ونَ مِنَ الجَْاهِلِينَ قَال وا ا دْع لَنَا رَبَّكَ ي ب َينِّ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إَنَّه ي َق ول إِن َّهَا ب َقَرَةٌ لاَ فَ ارِضٌ ،البقرة: 18) يعني: لا هرمة وَلاَ بِكْرٌ يعني: ولا صغيرة عَوَانٌ ب َينَْ ذَلِكَ أي: نصف بين البكر والهرمة قَال وا ا دْع لَنَا رَبَّكَ ي ب َينِّ لَنَا مَا لَوْن هَا قَالَ إِنَّه ي َق ول إِن َّهَا ب َقَرَةٌ صَفْرَاءٌ فَاقِعٌ لَوْن هَا (البقرة 19) أي: صاف لونها، تَس رُّ النَّاظِرِينَ أي: تعجب الناظرين ، قَال وا ا دْع لَنَا رَبَّكَ ي ب َينِّ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْب َقَرَ تَشَابَهَ عَلَي ْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَم هْتَد ونَ قَالَ إِنَّه ي َق ول إِن َّهَا ب َقَرَةٌ لاَ ذَل ولٌ (البقرة 76) أي لم يذللها العمل ت ثِير الأَْرْضَ يعني: وليست بذلول تثير الأرض وَلاَ تَسْقِي الحَْرْثَ يقول: ولا تعمل الحرث م سَلَّمَةٌ يعني: مسلمة من العيوبلاَ شِيَةَ فِيهَا يقول: لا بياض فيهاقَال وا الآْنَ جِئْتَ بِالحَْقِّ فَذَبحَ وهَا وَمَا كَاد وا ي َفْعَل ونَ ، قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة ، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها، لكانت إياها، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَم هْتَد ونَ لما هدوا إليها أبدا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إ عند عجوز عندها يتامى، وهي القيمة عليهم، فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها، فقال لهم موسى: إن الله قد كان خفَّ ف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها
عدد الصفحات ٧٥67 ففعلوا، واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى عليه السلام أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل ففعلوا، فرجع ت إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتا كما كان ، فأخذ قاتله وهو الذي كان أتى موسى فشكا إليه فقتله الله على أسوأ عمله ) . (1) *الكلام في نزولها وفضلها وما جاءفيها: (وهكذا كل سورة إن وجدن ا لها ذلك، فنقول سورة البقرة مدنية، نزلت في مدد شتى ، وقيل: هي أول سورة نزلت بالمدينة ، إلا قوله تعالى وَات َّق وا يَومًا ت رْجَع ونَفِيهِ إِلىَ اللهِ (البقرة 086) فإنه آخر آية نزلت من السماء، ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى، وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن. وهذه السورة فضلها عظيم وثوابها جسيم ، ويقال لها فسطاط القرآن، قاله خالد بن معدان ، وذلك لعظمها وبهائها، وكثرة أحكامها ومواعظها. وتعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة، وابنه عبد الله في ثماني سنين. قال ابن العربي: سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد وقدم عليهم أحدثهم سنا لحفظه سورة البقرة، وقال له : اِذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِير ه مْ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة. و روى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اِق ْرَء وا س ورَةَ الْب َقَرَة فَإِنَّ أَخْذَهَا ب َرَكَةٌ وت َرْكَهَا حَسْرَةٌ ولاَ يَسْتَطِيع هَا الْبَطَلَة ، قال معاوية: بلغني أن البطلة: السحرة وروي أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لاَ تجَْعَل وا ب ي وتَك م مَقَابِرَ إِن الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْب َيْتِ الَّذِي ت قْرَأ فِيهِ س ورَة الْب َقَرَة . وروى الدارمي عن عبد الله قال: ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط. وقال: إِنَّ لِك لِّ شَيْء سَنَ امًا وَإِنَّ سَنَامَ الْق رْآنِ س ورَة الْب َقَرَةِ ، وَإِنَّ لِك لِّ شَيْء ل بَابًا وَإِنَّ ل بَابَ الْق رْآنِ الْم فَصل. قال أبو محمد الدارمي. اللباب الخالص. وفي صحيح البستي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِك لِّ شَيْء سَ نَامًا وَإِنَّ سَنَامَ الْق رْآنِ س ورَة الْب َقَرَةِ وَمَنْ ق َرَأَهَا فيِ ب َيْتِهِ لَيْلاً لمَْ يَدْخ لِ الشَّيْطَان ب َيْتَه ثَلاَثَ لَيَال وَمَنْ ق َرَأَهَا ن َهَارًا لمَْ يَدْخ لِ الشَّيْطَان ب َيْتَه ثَلاَثَةَ أَيَّام قال أبو حاتم البستي: قوله صلى الله عليه وسلم: لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام، أراد: مردة الشياطين. (1) تفسير القرآ ن العظيم، ابن كثير ، تحقيق: سامي سلامة، دار طيبة، ط 0،6999، الرياض – السعودية، ج 6ص091.
عدد الصفحات ٧٦68 وروى الدارمي في مسنده عن الشعبي قال : قال عبد الله: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح، أربعا من أولها وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاثا خو اتيمها، أولها: للهِ مَا فيِ السَّمَاوَاتِ (البقرة 081.) وفي كتاب الاستيعاب بن عبد البر: وكان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر ابن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام، وسأله عمر في خلافته عن شعره و استنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتا من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة. وقد قال كثير من أهل الأخبار: إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم، وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا. وذكر الدارمي في سنن في فضل سورة البقرة قوله : حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير هو ابن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: ت َعَ لَّ م وا س ورَ ةَ الْ ب َ قَ رَ ةَ ، فَ إِ نَّ أَ خْ ذَ هَ ا ب َ رَ كَ ةٌ ، وَ ت َ رْ ك هَ ا حَ سْ رَ ةٌ ، وَ لاَ يَ سْ تَ طِ يع هَ ا الْ بَ طَ لَ ة ثم سكت ساعة، ثم قال: تعلموا سورة البقرة، وآل عمران، فإنهما الزهراوان، وإنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو ف رقان من طير صواف. وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه القبر كالرجل الشاحب فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيم ينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن ، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلا) .(1) (1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ، ت: أحمد البردوني، إبراهيم أطفيش ، دار الكتب المصرية ، ط 0، 6911، القاهرة ، ج6ص611.
عدد الصفحات ٧٧69 *المفســـــــرون البلاغيـــــــــون : ما من شك أن البلاغة في القرآن الكريم وجه من وجوه التَّ حدي، بل هو العلم الملازم والموجود في كل سورة ، والقارئ لهذا الوحي الشريف يلمس فيه كنوزا بيانية بديعة جدًّ ا، لذا عني العلماء بهذا العلم أكثر من غيره، حتى أصبحت جميع المؤلفات منصبة حول هذا الحقل البلاغي الذي تحدى به الله عزوجل الجن والإنس في أن يأتوا بمثل هذا القرآن قال تعالى: ق لْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِْنْس وَالجِْن عَلَى أَنْ يَأْت وا بمِِثْلِ هَذَا الْق رْآنِ لا يَأْت ونَ بمِِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ ب َعْض ه مْ لِب َعْض ظَهِيراً (الإسراء: 88)، وقد شهد بإعجازه أعداؤه ، ثم تحداهم بالإتيان بعشر سور من مثله، قال تعالى: أَمْ ي َق ول ونَ اف ْت َرَاه ق لْ فَأْت واْ بِعَشْرِ س وَر مِّثْلِهِ م فْت َرَيَات وَادْع واْ مَنِ اسْتَطَعْت م مِّن د ونِ الل هِ إِن ك نت مْ صَادِقِينَ (هود: 63)، تحدَّ اهم أن يأتوا بسورة من مثله، قال تعالى : أَمْ ي َق ول ونَ اف ْت َرَاه ق لْ فَأْت وا بِس ورَة مِثْلِهِ وَادْع وا مَنِ اسْتَطَعْت مْ مِنْ د ونِ الله إِنْ ك نْت مْ صَادِقِينَ (يونس38. ) فالقرآن الكر تشعبت فيه الدراسات ، وكانت البلاغة أولها، وكونه فصي حاً بلسان عربي مبين، قال تعالى : ق رْآناً عَرَبِي اً غَي ْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّه مْ ي َت َّق ونَ (الزمر 08)، وقد عجزت العرب رغم فصاحتهم بالإتيان بمثله لما فيه من حسن بلاغة و قوة في المعاني وبراعة الألفاظ ودقة التشبيه وحسن ترابط وتسلسل ورغم ذلك كان بل سان عربي بليغ ومبين، قال تعالى: بِلِسَان عَرَبيٍِّ مُّبِ (الشعراء 691.) وقد أعجزت بلاغته فصحاء قريش وخطباءها ، فاتهموا محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر ثم سرعان ما رأوا أنه ليس بشعر، قال تعالى : وَمَا عَلَّمْنَاه الشِّعْرَ وَمَا ي َنْبَغِي لَه إِنْ ه وَ إِلاَّ ذِ كْرٌ وَق رْآنٌ م بِينٌ (يس19)، ثم قالوا إنه ساحر كما فعل الوليد بن المغيرة، فقال تعالى على لسانه: ف َقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ ي ؤْث َر إِنْ هَذَا إِلاَّ ق َوْل الْبَشَرِ ، (المدثر03-01( ثم قالوا إنه كاهناً تارة ، وتارة اتهموه بالجنون، قال تعالى: فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِن وَلاَ مجَْن ون أَمْ ي َق ول ونَ شَاعِرٌ ن َّت َرَبَّص بِهِ رَيْبَ الْمَن ونِ (الطور09-32)، ومنهم من قال إنه يقول أساطير الأولقال تعالى: إِذَا ت ت ْلَى عَلَيْهِ آيَات نَا قَالَ أَسَاطِير الأَْوَّلِ ينَ (القلم61) ، كل هذا بكفرهم وعنادهم، وقد استيقنت أنفسهم بأنه من عند الله وعرفوا أنه الحق ولكن الكبر وإتباع الآباء والخوف على الجاه والمكان بين الناس منعهم من قبوله .
عدد الصفحات ٧٨71 ولاستقراء و استخراج عجائب هذا الكلام المنزل ، أصبحت معظم الكتب المؤلفة ذات صبغة بلاغية لا غير، ثم صار البلاغيون يؤلفون مؤلفاتهم البلاغية لتكون وسيلة لفهم كتاب الله الكريم. والمفسرون أنفسهم منذ نشأة التدوين وهم لهم لمسات في هذا الجانب، بل يكاد البعض منهم من يصرف تفسيره للبلاغة فقط. و لعل أهم المفسرين الذين عنوا بالبلاغة في تفسيرهم هم: أبو اجاج مجاهد بن جبير التابعي رضي الله عنه. (تفسير مجاهد) ت 621ه أبو الحسن المجاشعي الملقببالأخفش. (معاني القرآن) ت 061 ه عبد الكر بن هوازن بن عبد الملك القشيري. (لطائف الإشارات) ت 011 ه أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري. (جامع البيان عن تأويل القرآن) ت 362 ه أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي. (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) ت 107ه أبو القاسم برهان الدين الكرما . (غرائب التفسير وعجائب التأويل) ت 121ه أبو محمدالحسين بن الفراء البغوي. (معالم التنزيل في تفسير القرآن) ت 162ه أبو القاسم جار الله محمود بن أحمدالزمخشري . (الكشاف) ت 138 ه أبو محمدعبد الحق بن تمام بن عطية. (المحرر الوجيز) ت111 ه نجم الدين بن أبي الحسن النيسابوري . (إيجاز البيان عن معاني القرآن) ت 112ه أبو الحسن علي بن أحمد بن عليالواحدي. (الوسيط في تفسير القرآن) ت 118ه أبوعبد الله محمد شمس الدين القرطبي . (الجامع لأحكام القرآن) ت 176ه ناصر الدين أبو سعيد الشيرازي البيضاوي. (أنو ار التنزيل وأسرار التأويل) ت 181ه أبو البركات عبد الله حافظ الدين النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) ت 762 ه أبو القاسم محمد بن أحمد ابن جزي الغرناطي. (التسهيل لعلوم التنزيل) ت 716ه أبو حيان محمد بن حيان أثير الدينالأندلسي. (البحر المحيط) ت 711ه محمد بن أبي بكر شمس الدين ابن القيمالجوزية . (التفسير القيم) ت 716ه أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كث القرشي . (تفسير القرآن العظيم) ت 771ه أبو العباس أحمد بن محمدالبسيلي. (التقييد الكبير) ت 832ه أبو السعودالعمادي. (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) ت 980 ه
عدد الصفحات ٧٩71 محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني . (فتح القدير) ت 6012ه محمد جمال الدين بن قاسم القاسمي. (محاسن التأويل) ت 6330ه العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس. (مجالس التذكير) 6316 ه. محمد الأمالشنقيطي. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) ت 6393ه محمد الطاهر بن محمد الطاهر بنعاشور. (التحرير والتنوير) 6393ه فهؤلاء بعض من جملة المفسرين البلاغيين رحمهم الله قد اجتهدوا وبينوا وعنوا بالجانب البلاغي في تفسير كلام الله عز وجل ، إذ يقول ابن جرير الطبري رحمه في تفسيره الجامع: (وإذ كانت واضحة صحة ما قلنا -بما عليه استشهدنا من الشواهد، ودللنا عليه من الدلائل- فالواجب أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لمعاني كلام العرب موافقةً، وظاهر ه لظاهر كلامها ملائمًا، وإن باينه كتاب الله بالفضيلة التي فضَّلَ بها سائرَ الكلام والبيان، بما قد تقد م. فإذا كان ذلك كذلك، فبينِّ -إذ كان موجودا في كلام العرب الإيج از والاختصار، والاجتزاء بالإخفاء من الإظهار، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال، واستعمال الإطالة والإكثار، والترداد والتكرار، وإظهار المعاني بالأسماء دون الكناية عنها، والإسرار في بعض الأوقات، والخبر عن الخاص في المراد بالعام الظاهر، وعن العام في المراد بالخاص الظاهر، وعن الكناية والمراد منه المصرَّح، وعن الصفة والمراد الموصوف، وعن الموصو ف والمراد الصفة، وتقديم ما هو في المعنى مؤخر، وتأخير ما هو في المعنى مقد م، والاكتفاء ببعض من بعض، وبما يظهر عما يحذف، وإظهار ما حظه الحذف- أن يكون ما في كتاب الله ال منزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك، في كل ذلك له نظيرًا ، وله مثلا وشبيها ) . (1) بما أن تطرق ت إلى أهم جوانب البلاغة والدلالة، لا بد و أن أعرض الجانب التطبيقي لهذين العنصرين الهام ين، و أجعل حقل القرآن الكريم أ عظم بستان لاستثمار هذين العلمين، و أخص بالذكر في القرآن الكريم سورة البقرة. (1) جامع البيان، ابن جرير الطبري، ت: أحمد شاكر، مؤ سسة الرسالة، ط 6،0222، بيروت– لبنان، ج 6 ص60.
عدد الصفحات ٨٠