41 أما تعريف الأصوليين للمجاز فقد عرفه الجوي (بأنه كل لفظ تعدى وتجوز به عن موضوعه إلى غيره بضرب من الشبه). (1) كما عرفه الشوكا بأنه: (اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينه ).(2) ومن يتأمل في هذه التعريفات يجد أن اللفظ لا يكون مجازاً إلا وفق اعتبارات معينة استخلصها العلماء من أمثلة المجاز الواردة في كلام العرب أي من طريقتهم في استعمال اللفظ وهي: (3) 6-أن يكون منقولاً عن معنى وضع اللفظ بإزائه أولا يسمى الحقيقة، وتشكل الحقيقة الأصل الذي نقلت منه اللفظة إلى المعنى المجازي. 0-أن يكون النقل لعلاقة بين المعنى الأول والمعنى الثاني، وهذه العلاقة هي التي تجوز الاستعمال، ويرى بعض العلماء أن هذه العلاقة مقتصرة على المشابهة، بينما يتسع آخرون فيرون أنها علاقة اتصال، وهي اتصال للمعنى المستعمل فيه بالموضوع له، والاتصال بين الشيئيين يكون صورة أو معنى كما يصح الاتصال سبباً، فإنه نظير للاتصال صورة في المحسوسات. 3-وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي حتى يصار إلى المجاز. ووفقا لهذه الاعتبارات التي أشار اليها البلاغيون والأص وليون ( إذا كان المجاز بناءً على الاعتبار الأول يمثل خروجاً على النمط التقليدي في المواضعة، فإن الاعتبارين الآخرين يشك لان مسالك لابد من الالتزام بها ، لتبرير هذا الخروج ، حتى يتمكن المتلقي في النهاية من الامساك بالفكرة المتمثلة في نظم الكلام دون الدخول في دائرة الإ حالة، حيث إن العلاقة بين المعنيين وكذ لك القرينة المانعة للمعنى الاول، يمثلان أمارات على المعنى الجديد بما يوفرانه من وسائل ربط بين المعنى الأول والجزء المختار منه (1) الكافيةالجدل، الجويني، ت: توفيق حسن، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ط3،6979، مصر، ص 13. (2) إرشاد الفحول، الشوكاني، تعليق: أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، ط 6،6999، دمشق-سوريا ، ج6، ص 91. (3) نهايةالايجاز، رفاعة الطهطاوي، دار الذخائر، ط 6،6998، القاهرة -مصر، ص 17.
عدد الصفحات ٤٩41 للتعبير عن المعنى الثاني ، وهذه العلاقة والقرينة يتضح وجودهما من خلال السياق ، ومن هنا تبدو أهمية السياق في تحديد المعنى المجازي ) .(1) واختلف العلماء في اشتمال اللغة على المجاز، و كذلك اختلفوا في وقوعه في كتاب الله تعالى فأنكره قوم وأثبته آخرون. يقول إبراهيم أنيس (إن الإشارة إلى شيوع المجاز وغلبته للحقيقة لكثرة الاستعمال دليل على أن المجاز ظهر نتيجة للضرورات التعبيرية للإنسان باللغة، واستجابة لرغباته في التعبير عن المعاني باستعمال جديد لثروته اللفظية، فغايته دلالية وجمالية في نفس الوقت، وقد يكون لحاجة أو لتوخي الدقة في التعبير، أو للخروج عن المألوف). (2) وقد دل وقوعه(في الخطب والأشعار على سلامة وصحة المجاز، كاستجابة لضرورات التعبير ، ومنه نستدل على أن هذا الو جود لا يشكل إخلالا بالتفاهم بين الناس، بمعنى أن وجوده يمثل وظيفة دلالية في اللغة، فقد وجد + الناس في الاستعمال المجازي بما يوفره من خرق لبنود المواضعة سبيلاً إلى توسعة اللغة، من خلال منحها قدرات تعبيرية جديدة بالألفاظ نفسها تطبيقا لفكرة الاقتصاد في الاستعمال اللغوي).(3) إلى جانب آخر يعتالاتساع واحدا من مبررات الاستخدام المجازي ، والذي يجعل للمجاز دوراً مهماً يساهم من خلاله في استكمال اللغة لقدرتها على أداء وظيفتها الأساسية وهي الإبانة، فإن من متطلبات الإبانة الوضوح والدقة، وهما كان ا سبباً في استحسان الناس للمجاز، وبه حسن مخاطبات الناس بينهم. فالتعبير بالحقيقة يفيد العلم، والتعبير بلوازم الشيء الذي هو المجاز لا يفيد العلم بالتمام، فيحصل دغدغة نفسانية، حيث إن الاسم مثلا علامة على الشيء، ولكننا حيث ننقله ليعبر به عن (1) البحث الد كتاب أصول السرخسي، نواس الخفاجي، الجامعة المستنصرية، 0226، مصر،ص11. (2) دلالةالالفاظ، إبراهيم أنيس، مكتبة الإنجلو مصرية، ط 3،6970، مصر، ص632. (3) الأصول،تمام حسان، دار الشؤون الثقافية العامة، 6988، بغداد، ص330.
عدد الصفحات ٥٠42 شيء آخر لمشابهة بينهما في المعنى، فإننا لا ننقله على أنه علامة، بل ننقله لنؤكد به وجه المشابهة مدحاً أو ذماً، فحين نقول (محمد أسد) يكون المراد تأكيد صفة واحدة هي الشجاعة ، ونسبتها إلى محمد دون الصفات الأخرى ).(1) إن هذا التوكيد الذ ي يتسم به المعنى المجازي هو ( سبب استحسان الناس له، لأن الاستعمال المجازي للأ لفاظ، يعطينا علاقات جديدة تتجاوز الدلالة المباشرة ، فالكلمة تتغير قيمتها الدلالية عندما تستخدم بصورة مجازية، وتتحول من مجال إلى مجال آخر، فتكتسب في موقعها الجديد درجة أعلى من الوضو ح لأنها تسترعي الانتباه في سياقها الجديد ، والحقيقة أن غلبة المجاز للحقيقة في الاستعمال واتساع اللسان به ، واستحسان الناس له يشكل تأكيداً لما أشار إليه ابن جني من أن المجاز لا يقع في الكلام ويعدل به عن الحقيقة لمعان ثلاث هي: الاتساع والتوكيد والتشبيه ). (2) وهذه المعاني هي مبررات الاستعمال المجازي للألفاظ، ( والتي تمثل سبيلاً يتصل المجاز من خلالها اتصالاً مباشراً بالطاقة التعبيرية في اللغة، وهو موضوع ذو بعدين أ حدهما نفعي أخباري ، تمََثَّل في الاتساع والتوكيد ، والثاني إ بداعي جمالي تمثل في التشبيه ، والبعدي ن كل يهما يرتبطان بالحاجة للمجاز، تلك الحاجة التي مهدت إلى قبول المجتمع له، إذ أنها تمثل السبب نفسه الذي كان وراء نشأة اللغة وظهورها ، وهي تفاهم أفراد المجتمع فيما بينهم ، وبسبب هذه الحاجة، وبالإضافة إلى الاعتبارات التي أشار إليها البلاغيون والأصوليون للاستخدام المجازي، فيمكن أن يعد المجاز نوعا من الإضافة أو الاتساع في عملية المواضعة، إذ أن وظيفة المجاز هي وظيفة اللغة الأولى في الإيصال والإبانة ). (3) ومعه فإن القول بعموم المجاز يشكل إثباتاً لسمة دلالية أخرى للمجاز، هي استيفاؤ ه لجميع صيغ التعبير، والتي من خلالها نصل إلى أن عمل المجاز في مفهومه كعمل مواضعه جديدة بما يمنحه سلطة المواضعة الأولى في استيفاء جميع صيغ الألفاظ. (1) الاتجاه العقليالتفسير، نصر حامد أبو زيد، دار التنوير، ط 6،6980، بيروت، ص 663. (2) الخصائص، ابن جني، ج6، ص110. (3) الاتجاه العقلي في التفس، نصر حامد أبو زيد، ص 601.
عدد الصفحات ٥١43 (ولذلك فإن الاستخدام المجازي يشمل جميع أ قسام الكلام اسماً ، أو فعلاً ، أو حرفاً ، فكل ملفوظ صغيراً كان أو كبيراً صالح للممارسة المجازية، وذلك ناتج من صلاحيته للتدخل في توجيه المعنى، كالاستعارات بين حروف العطف وكذلك حروف الجر وحروف القسم وغيرها فيما بينها ).(1) أي أن المجاز ذا قدرات تعبيرية على المعنى لا تقل شأناً عما تؤديه الصياغة بالدلالات اللغوية للألفاظ. فإذا كانت المواضعة ( نوعا من العرف الاجتماعي في دلالة اللغة، أي ربط الدال بالمدلول ، فلها دور في التحول المجازي للأ لفاظ، حيث إن انتقال اللفظ من معنى إلى معنى تكون كذلك إلى جانب علاقة المشابهة، أو الاتصال، ولابد أ ن يكون مقيساً على صنع الجماعة، أو مرهوناً بقبولهم إن كان من صنع الفرد، فالعلاقات المجازية تنشأ عموماً على أساس اعتماد خاصية معينة يشخصها أناس في مجتمع كلامي خاص ، بوصفها تشبيهات سائدة كالافتراس خلسة في الذئب والانسلال والمكر في الثعلب ، ويبقى العرف هو الموثق للجديد فيما يخص اللفظ ابتداءً ، أو تغييراً ، وبتعبير آخر المجتمع هو المسموح له بالتجوز، وهو المالك لهذا الامر المبيح له والمانع منه ).(2) وعليه يمكن القول: إن عملية الإبداع في التعبير ا لمجازي قضية مفتوحة على مر الزمن ، ليتمكن المجاز من خلالها أ ن يكون سبباً في ديمومة اللغة، من حيث م واكبتها لمتطلبات التطور الحضاري ، وكذلك غايات التعبير الجمالية. (1) أصولالسرخسي، أبو بكر ال سرخسي، ت: أبو الوفا الأفغاني، دار المعرفة، 6973، بيروت-لبنان، ص 021. (2) علم الدلالةالعربي، فايز الداية، ص 388.
عدد الصفحات ٥٢44 *الفصل الثاني : التغير الدلالي للكلمات تعريف الدلالة وأثرها في فهم النصوص : *تعريف الدلالة: لغة: (جاء في لسان العرب: دلَّه على الشيء، يدله دلاًّ ودِلالة، فَاندَلَّ : سدده إليه، ودللته فَاندَلَّ قال الشاعر: مالك يا أحمق لا تندلُّ *** وكيف يندلُّ امر ؤ عِث ْوَل ؟ قال أبو منصور: سمعت أعرابيا يقول لآخر: أما تندلُّ على الطريق ؟).(1) كما جاء في معجم الوسيط:( الدلالة هي الإرشاد وما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه).(2) والدلالة(مصدر الفعل دلَّ وتعني الإرشاد و التعريف ، وهي الوسيلة الموصلة لمعرفة كنه الشيء ، و الخارجة به من حيز الإشكال والغموض والإبهام، إلى ميدان المعرفة والإدراك والإفهام ، والدلالة هي اسم على وزن كتابة وسحابة).(3) ويعرف الراغب الأصفها :( الدلالة من دلَّ ، والدلالة ما يتوصل به إلى معرفة الشيء، كدلالة الألفاظ على المعنى، ودلالة الإشارات وال رموز والكتابة وال عقود في الحساب، وسواء أكان ذلك بقصد ممن يجعله دلالة، أم لم يكن يقصد، كمن يرى حركة إنسان فيعلم أنه حي ، قال تعالى: ف َلَمَّا قَضَي ْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلهَّ مْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّة الأَْرْضِ تَأْك ل مِنْسَأتَه (سبأ: 67).)(4) (1) لسان العرب، ابن منظو ر، مادة دلل. (2) المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس ورفاقه ، دار الدعوة، 6989، إستانبول– تركيا ، ج6 ص910. (3) القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص 090. (4) المفردات في غريب القرآن ، الأصفهاني، ت: صفوان عدنان، دار القلم، ط6،6996، دمشق-سوريا ، ص 676.
عدد الصفحات ٥٣45 اصطــــــــحا: عرفه ا السيد الشريف الجرجاني حيث قال :( الدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والأول هو الدال والثاني هو المدلول، وهي إما دلالة مطابقة أو دلالة تضمن، أو دلالة التزام، وكل ذلك يدخل في الدلالة الوضعية، لأن اللفظ الدال بالوضع يدل على تم ام ما وضع له بالمطابقة، وعلى جزئه بالتضمن، وعلى ما يلزمه في الذهن بالالتزام، كالإنسان فإنه يدل على تمام الحيوان الناطق بالمطابقة، وعلى جزئه بالتضمن، وعلى قابل العلم بالالتزام ).(1) وذكر أحمد مختار عمر تعريفا آخرا فقال: (يعرفه بعضهم بأنه دراسة المعنى، أو العلم الذي يدرس المعنى، أو ذلك الفرع من علم اللغة الذي يتناول نظرية المعنى، أو ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادرا على حمل المعنى). (2) وللدكتور هادي نهر تعريف آخر للدلالة وهي :( ما يتوصل به إلى معرفة الشيء كدلالة اللفاظ على المعنى، الذي توحي به الكلمة المعينة، أو تحمله، أو تدل عليه، سواء أكان المعنى عينا قائما بنفسه أو عرضا ... والمعنى مطلقا هوما يقصد بشيء، وأما ما يتعلق به باللفظ فهو معنى اللفظ، ولا يطلقون المعنى على شيء إلا إذا كان مقصودا، وأما إذا فهم من الشيء على سبيل التبع ية فهو معنى بالعرض لا بالذات).(3) عموما فموضوع علم الدلالة يدور حول المعا علاقة اللفظ بالمعنى: اهتم الكثير من الدارسين اللغ ويين وغيرهم بقضية اللفظ والمعنى، وتناولوا فكرة أهمية اللفظ ودو ره في العملية التواصلية السريعة ، و أهمية المعنى في كونه الأصل الذي ت كونت من أجله الألفاظ. (1) التعريفات ، علي بن محمد الجرجاني، ص 11. (2) علمالدلالة، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، ط 1، 6988، القاهرة – مصر، ص 66. (3) علم الدلة التطبيقي، هادي نهر، دار الأمل للنشر والتوزيع، ط6، 0227، إربد – الأردن ، ص 01.
عدد الصفحات ٥٤46 غير أن ميدان البحث في هذا الأمر وأرضيته هو علم الدلالة، الذي يعد موضوعه بالدرجة الأو اللفظ والمعنى، من جهة أن اللفظ دال على المعنى، ولا لفظ دون معنى. ومما يذكر في هذا الباب قول الإمام ابن ا لقيم رحمه الله : (وهذا مطَّ رد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى، كما هو مذهب أساطين العربية ، وعقد له أبو الفتح ابن جني بابا في الخصائص وذكره عن سيبويه ، واستدل عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى ، ثم قال: ولقد مكثت برهة يرد عل ي اللفظ لا أعلم موضوعه، وآخذ معناه من قوة لفظه، ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى ثم أكتشف فأجده كما فهمته أو قريبا منه ، فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني فقال: وأنا كثيرا ما يجري لي ذلك ، ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى ، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ ) .(1) و بين ابن جني هذه العلاقة حين قال: (فإن العر ب فيما أخذناه عنها، وعرفناه من تصرف مذاهبها، عنايتها بم عانيها أقوى من عنايتها بألفاظها ، أو لا تعلم أن سبب إصلاحها ألفاظها ، وطردها إياها على المثل و الأحذية التي قنتها وقصرتها عليها، إنما هو للفرق بين الفاعل والمفعول، وهذا الفرق أمر معنوي أصلح اللفظ له، وقيد مقاده للأوفق من أجله، فقد علم بهذا أن زينة الألفاظ ، وحليتها لم يقصد بها إلا تحصين المعاني وحياطتها، فالمعنى إذاً هو المكرم المخدوم و اللفظ هو المبتذل الخادم).(2) وقال أيضا:) ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات، وسائر ما يجري مجراها ، مما ي فرد فيه اللفظ بالنعت والصفة، وي نسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى ، غير وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة ، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين وآنق وأعج ب وأحق بأن تستولي على عوى النفس، وتنال الحظ الوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق لسان الحامد، و تطيل لسان الحاسد، و لا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن تأتي المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته، و تختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ويظهر فيه مزي ة . (1) جلاء الأفهام، ابن القيم الجوزية ، ت: شعيب الأرناؤوط ، دار العروبة، ط0 ،6987، الكويت، ص 76. (2) الخصائص، أبو الفتح عثمان ابن جني، ج6 ص612.
عدد الصفحات ٥٥47 إ أن قال: فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا ، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها ، في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ). (1) ولابد من (التلازم بين الكلمة ودلالتها أو بين اللفظ والمعنى في اللغة ليتم التفاهم بين الناس).(2) وقد أدرك اللغويون القدامى مكانة العلاقة بين اللفظ والمعنى، فقال أبو هلال العسكري في تناوله للعلاقة بين اللفظ والمعنى، وهو يؤكد ضرورة التلاحم والت لازم والترابط بين اللفظ والمعنى ، فأعطى اللفظ أهمية عظيمة، وأولى المعاني عناية كبيرة :( أن الكلام ألفاظ تشتمل على معان، تدل عليها، ويعبر عنها، فيحتا ج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى، كحاجته إلى تحسين اللفظ، لأن المدار أبعد على إصابة المعنى، ولأن المعاني تحل من الكلام محل الأبدان).(3) تبين هذا الكلام أن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقةتلازم ، باعتبارهما ركنين أساسيين من أ ركان الدلالة (إذ لا يمكن الاستغناء عن أحدهما أو التقليل من أهمية واحد منهما دون الآخر، فاللفظ يكون دالا والمعنى مدلولا ، ومن هنا يتضح في مباحث اللغويين القدامى أنهم كانوا يولون قضايا اللفظ أولوية في مجالات الدراسات اللغوي ة، واللغوي ون الم حدثون كذلك لهم ج ه ودهم الحثيث ة في هذا الم جال من الدراسة ). (4) ولم تكن قضايا اللفظ والمع مقصورة على جهود اللغويين فحسب، (بل تناولها المفسرون ممن عنوا بتفسير كلام الله عزوجل وبيان وجوهه وإعجازه ، وحمل اللفظ على معان كثيرة من خلال النص و السياق).(5) (1) دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص 13. (2) الأضداد في كلام العرب، أبو الطيب اللغوي، ت: عزة حسن ، المجمع اللغوي العربي، 6913، دمشق، ص31. (3) الصناعتين،أبو هلال العسكري، ص 19. (4) تطور الجهود اللغوية في علم اللغةالعام، وليد محمد مراد ، منشورات الرشيد، ط6،6981،دمشق – سوريا ، ص679. (5) التطور اللغوي التاريخي، إبراهيم السامرائي، معهد البحوث والدراسات العربية ، 6911، مصر،ص31.
عدد الصفحات ٥٦48 فاللفظ الواحد في منظور الوحي القرآني مثلا: (يتأرجح بين معنى وآخر، ويكتسب أبعادا جديدة، أو ينتقل إلى مواقع لم يألفها من قبل، وهذا الاستعمال في المواقف المختلفة، وهو الذي يقرر نوع الدلالة وبذلك سحر القرآن الكريم العرب منذ اللحظة الأولى ، سواء منهم ذلك من شرح صدره للإسلام، ومن جعل على صدره غشاوة).(1) مظاهر التغيرالدلالي: تبين للدارسين في مجال الدلالة أن الكلمة قد تتطور دلالتها وتتغير من عصر إلى عصر. (وم ن خ لال اس تقراء التغ يرات ال تي تط رأ عل ى مع اني الكلم ات في اللغ ات المختلف ة، اس تطاع علم اء اللغ ة المعاص رون أن يحص روا التط ور ال دلالي في مظ اهر رئيس ة تص دق عل ى اللغ ات جميع ا ، وبحس ب تقسيم منطقي اتبعوه وجدوا أن المعنى الق ديم للكلم ة إم ا أن يك ون أوس ع م ن المع نى الجدي د، أو أض يق منه، أو مساويا له، ولم تكن هناك إمكانية رابعة يدخلونها في حسبانهم).(2) وب ذلك وج دوا أن أه م مظ اهر التط ور ال دلالي ال تي تص ي ب الألف اظ ثلاث ة، ه ي تخص يص دلال ة الكلم ة، أو تعم يم دلالته ا، أو تغي ير مج ال اس تعمالها، إذ يق ول اللغ وي (ج. فن دريس ): (ترج ع أحيان ا التغيرات المختلفة التي تصيب الكلمات من حيث المعنى إلى ثلاثة أنوا ع: التض ييق، والاتس اع والانتق ال فهناك تضييق عند الخ روج م ن مع نى ع ام إلى مع نى خ اص، و هن اك اتس اع في الحال ة العكس ية، أي عن د الخروج من معنى خاص إلى معنى عام ، وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان، أو إذا كانا لا يختلفان م ن جهة العموم والخصوص). (3) ولا ب د م ن الق ول: إن علماءن ا الأوائ ل ق د تنبه وا إلى ه ذه المظ اهر الثلاث ة م ن مظ اهر التط و ر الدلالي، وأغنوها بالبحث والأمثلة الكثيرة، وهي مبينة فيما يلي: (1) مناهج المفسرين ، مساعد مسلم و هلال السرحان، دار المعرفة ، ط6 ،6982، بغداد-العراق ، ص1. (2) دور الكلمةاللغة، ستيفن أولمن، ترجمة: كمال بشر ، مكتبة الشباب، 3697، مصر،ص 610. (3) اللغة، فندريس ، ت: عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص، لجنة البيان العربي، 6912، مصر، ص 011.
عدد الصفحات ٥٧49 أولاًانتقال الدلالة من العام إلى الخاص: (1) ويسمى أيضا تخص يص الع ام أو تض ييق المع نى، وه و: (أن تقتص ر دلال ة اللف ظ الع ام عل ى بع ض ما كانت تدل عليه ، بحيث يصبح مدلول الكلمة مقصورا على أشياء أقل عدد ا مما كانت عليه الكلم ة في الأصل. ومن حالات التخصيص الدلالي إط لاق الاس م الع ام عل ى طائف ة خاص ة تمث ل نوعه ا خ ير تمثي ل في نظ ر الم تكلم، لأن الإنس ان إذا وث ق م ن أن محدث ه ق ادر عل ى فهم ه، أعف ى نفس ه م ن اس تعمال اللف ظ الدقيق المحدد، و اكتفى بالتقريب العام ، فعندما يقال للفتاة في الريف أدخلي البهائم، تفهم أن المقص ود به ا البق ر، لأن البق ر في نظره ا ه ي البه ائم، وك ذلك ل و تكل م الراع ي أو الح وذي ع ن البه ائم ك ان المقص ود في الحال ة الأولى الأغن ام، وفي الثاني ة الخي ل، م ع أن لفظ ة البه ائم عام ة ت دل عل ى جمي ع الحيوانات. وفي ذلك يقول ج. فندريس : الكلمات العامة لا تكاد تس تخدم في الاس تعمال بقيمته ا العام ة، الله م إلا إذا كان ذلك عند الفلاسفة، فكل واحد من المتكلمين يطلقها عل ى ن وع خ اص م ن أن واع النش اط وقد تكلم علماء اللغة عن المعاني المختلفة لكلمة عملية فإن معناها يختلف تبعا لم ا إذا ك ان الك لام في الجرا حة، أم في المالية، أم في الفن الحربي، أم في شؤون الغابات، أم في الرياضة ). وأش ار إب راهيم أن يس إلى أن :( الن اس في تع املهم اللغ وي يميل ون إلى ال دلالات الخاص ة لس هولة التعام ل به ا، ويعم دون أحيان ا إلى الألف اظ ذات الدلال ة العام ة ويس تعملونها اس تعمالا خاص ا، كم ا في كلمة العيال التي أصبحت تدل عل ى الزوج ة ، ولكنه ا أخ ذت تتج ه حالي ا لتتخص ص في الدلال ة عل ى الأولاد أنفسهم، مع أنها كانت تدل في الأصل على كل ما يعال في الأسرة ). (2) (1) المرجع نفسه ، ص017. (2) دلالةالألفاظ، إبراهيم أنيس، ص 613.
عدد الصفحات ٥٨51 وتخصص ت(كلم ة (الح ريم) فبع د أن كان ت تع ني: ال ذي ح رم مس ه ف لا ي دني من ه، أص بحت تع ني النساء خاصة). (1) وم ن التخص يص (كلم ة الص حابة و تع ني الص حبة مطلق ا، وق د خصص ت بأص حاب رس ول الله صلى الله عليه وسلم، و التوبة ومعناها في اللغة الرج وع، وخص ت ب الرجوع ع ن ال ذنب ، وكلم ة الفاكه ة كان ت تع ني الثم ار كله ا ، ثم خص ص ه ذا المع نى وأص بحت ت دل عل ى أن واع معين ة م ن الثم ار ، وكلم ة حرام ي هي في الأصل نس بة إلى الح رام، ثم تخصص ت دلالته ا واس تعملت بمع نى الل ص في الق رن الس ابع الهجري ).(2) ويفسر عل م اللغ ة الح ديث(س بب التخص يص بأن ه نتيج ة إض افة بع ض الملام ح التمييزي ة للف ظ، فكلما زادت الملامح لشيء ما قل عدد أفراده ). (3) وق د تنب ه اللغوي ون الع رب الق دامى إ ظ اهرة تخص يص الدلال ة في العربي ة وعرف وا علته ا ك ذلك، وفي ذل ك يق ول أحم د ب ن ف ارس (ت 391 ه ) مش يراً إلى التط ور الاجتم اعي والثق افي ال ذي ي ؤدي إ التط ور اللغ وي (كان ت الع رب في جاهليته ا عل ى إرث م ن إرث آب ائهم في لغ اتهم وآدابه م ونس ائكهم وق رابينهم، فلم ا ج اء الله ج لَّ ثن اؤه بالإس لام حال ت أح وال، ونس خت ديان ات، وأبطل ت أم ور، ونقل ت م ن اللغ ة ألف اظ ع ن مواض ع إلى مواض ع أخ ر بزي ادات زي دت، وش رائع ش رعت ، وش رائط شرطت . ومم ا ج اء في الش رع الص لاة، وأصل ه في لغ تهم: ال دعاء، وك ذلك الص يام ، أصل ه عن دهم الإمس اك، ثم زادت الشريعة الني ة، وحظ رت الأك ل والمباش رة، وغ ير ذل ك م ن ش رائع الص وم ، وك ذلك الح ج ، لم يك ن عندهم فيه غير القصد، وكذلك الزكاة لم تكن العرب تعرفها إلا م ن ناحي ة النم اء، وزاد الش رع م ا زاده فيها). (4) )1( لسانالعرب، ابن منظور، مادة حرم. (2) علماللغة مقدمة للقارئ العربي، محمود السعران ، دار المعارف، 6910، مصر، ص 081. (3) علم الدلالة العربي، فايز الداية، ص 011. (4) الصاحبي في فقهاللغة، أحمد بن فارس، ص 81.
عدد الصفحات ٥٩51 فهذه الألفاظ الإسلامية وغيرها كث ير ، أص ابها التط ور ال دلالي نتيج ة التط ور الاجتم اعي والثق افي ال ذي ط رأ عل ى المجتم ع الع ربي بع د مج يء الإس لام، وق د ك ان اللغوي ون الأوائ ل واع ين له ذا الجان ب م ن جوانب التطور اللغوي عارفين علل ه ومظاهره. و تح دث الس يوطي (ت966ه ) أيض اً ع ن ه ذا المظه ر م ن مظ اهر التط ور ال دلالي أي:تخص يص الدلالة، ضمن باب سماه:( معرفة العام والخاص ) ذكر فيه اللفظ (العام المخصوص) وهو عنده اللف ظ ال ذي : ( وض ع في الأص ل عام ا، ث م خ ص في الاستعم ال ب بعض أف راده ... وق د ذك ر اب ن دري د أن ( الح ج ) أص له: قص دك الش يء وتجري دك ل ه، ثم خ ص بقص د البي ت، ف إن ك ان ه ذا التخص يص م ن اللغ ة ص لح أن يك و ن مث الا في ه ، وإن ك ان م ن الش رع لم يص لح ، لأن الك لام فيم ا خص ته اللغ ة لا الش رع ، ثم ذك ر مث الاً في غاي ة الحس ن، وه و لف ظ ( الس بت )، فإن ه في اللغ ة ( ال دهر )، ثم خ صَّ في الاستعمال لغةً بأحد أيام الأسبوع ، وهو فرد من أفراد الدهر. وكذلك في الجمهرة: رث كل شيء: خسيسه، وأكثر ما يستعمل فيما يلبس أو يفترش، وهذا مثال صحيح).(1) ثانيا: انتقال الدلالة من الخاص إلى العام: ويس مى أيض اً توس يع المع نى (و يحص ل عن د الانتق ال م ن مع نى خ اص إلى مع نى ع ام، ومثلم ا يص يب التخص يص دلال ة بع ض الألف اظ فق ط يص يب التعم يم دلال ة بعض ها الآخ ر، فنج د أن مع نى الكلم ة يص بح م مكن التطبي ق عل ى م دى أوس ع وأش م ل، و يص بح ع دد م ا تش ير إلي ه الكلم ة أكث ر م ن السابق). (2) وقد تطرق إبراهيم أنيس إلى هذا فقال :( ينحصر تعميم الدلالة في إطلاق اسم نوع خاص م ن أنواع الجنس على الجنس كله، وهذه حال الأطفال الذين يسمون جميع الأنهار باسم النهر الذي ير وي البلدة التي يعيشون فيها. (1) المزهر في علوم اللغة، السيوطي، ت: فؤاد منصور، دار الكتب العلمية، ط6،6988، بيروت، ج6 ص107. (2) علم الدلالة، فايز الداية، ص013.
عدد الصفحات ٦٠52 وكث يرا م ا يلاح ظ أن الأطف ال يطلق ون اس م الش يء عل ى م ا يش بهه لأدل ملابس ة أو مماثل ة، فق د يطلق ون لف ظ (الأب) عل ى ك ل رج ل، وك ذلك الن اس في حي اتهم العادي ة يكتف ون بأق ل ق در ممك ن م ن دقة الدلالات وتحديدها، ويكتفون بالقدر الذي يحقق هدفهم من الكلام والتخاطب، وه م ل ذلك ق د ينتقلون بالدلالة الخاصة إلى الدلالة العامة التماسا لأيسر السبل في خطابهم. ومن أمثلة التعميم، أن الناس في خطابهم اليوم يطلقون اسم (الورد) عل ى ك ل زه ر، و(البح ر) عل ى النهر والبحر، وكلمة (البأس) التي كان معناها الشدة في الحرب خاص ة ، ع م م ت دلالته ا ح تى أطلق ت عل ى ك ل ش دة ، و عق د اب ن دري د (ت 306ه) في كتاب ه (جمه رة اللغ ة) باب ا له ذا الض رب م ن ض روب التط ور ال دلالي سم اه (ب اب الاس تعارات) ق ال فيه: (النُّ جْعَ ة) أص لها طل ب الغي ث، ثم كث ر فص ار ك ل طلب انتجاعا). (1) وعلى سبيل المثال ما ذكره الجرجاني مبينا هذا العنصر فقال: ((المنيحة): أصلها أن ي عطى الرجل الناقة، فيشرب لبنها أو الشاة، ثم صارت كل عطية منيحة. و(الوغى): اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثر فصارت الحرب وغى ، وكذلك الواغية. و (الغيث): المطر، ثم صار ما نبت بالغيث غيثاً . و(السماء): المعروفة، ثم كثر ح تى سمي المطر سماء. و(الندى): المعروف، ثم كثر حتى صار العشب ندى. وقولهم: ساق إليها مهرها في الدراهم، وكان الأصل أن يتزوجوا على الإبل والغنم فيسوقونها، فكثر ذلك حتى استعمل في الدراهم . و(الراوية ): البعير الذي يستقى عليه، ثم صارت المزادة راوية . و(الدفن) للميت، ثم قيل: دفن سره إذ كتمه. (1) دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس، ص 611.
عدد الصفحات ٦١53 و(العقيقة): الش عر ال ذي يخ رج عل ى الول د م ن بط ن أم ه، ثم ص ار م ا ي ذبح عن د حل ق ذل ك الش عر عقيقة. و(الظمأ): العطش وشهوة الماء، ثم كثر حتى قالوا: ظمئت إلى لقائك. و(المجد): امتلاء بطن الدابة من العلف، ثم قالوا: مجد فلان فهو ماجد ، إذا امتلأ كرماً. و(الأفن) : قلة لبن الناقة، ثم قالوا : أَفِنَ الرجل إذا كان ناقص العقل فهو أفين ومأفون.. و(الصبر): الحبس، ثم قالوا: ق تِلَ فلان صبرا: أي حبس حتى قتل. و(البأس): الحرب ، ثم كثر حتى قيل : لا بأس عليك، أي لا خوف عليك. و(الرائد) : طالب الكلأ، وهو الأصل، ثم صار كل طالب حاجة رائداً. و(الكِ دَّة): الأرض الغليظ ة، لأنه ا تك د الماش ي فيه ا، وكث ر الك د في كلامه م، ح تى ق ا لوا: ك د لس انه بالكلام، وقلبه بالفكر). (1) وك ذلك تن اول اب ن ف ارس ظ اهرة تعم يم الدلال ة وأف رد له ا باب اً بعن وان: ((الق ول في أص ول أسم اء قِيسَ عليه ا وألح ق به ا غيره ا)) ج اء في ه: ( ك ان الأص معي يق ول: أص ل (ال وِرْد): إتي ان الم اء، ثم ص ار إتي ان ك ل ش يء وردا، و (القَ رَب ): طل ب الم اء، ثم ص ار يق ال ذل ك لك ل طل ب، فيق ال ه و يق رب ك ذا أي يطلبه، و(لا تقرب كذا). ويقول ون: (رف ع عقيرت ه) أي : ص وته، وأص ل ذل ك: أن رج لا عق رت رجل ه فرفعه ا و جع ل يص يح ب أعلى صوته، فقيل بعد لكل من رفع صوته : رفع عقيرته. ويقولون: (بينهما مسافة) وأصل ه من (السوف) وهو الشم، ومثل هذا كثير). (2) والذييلاحظ (من خلال أمثلة تعميم الدلالة هذه أن ثمة علاقة معينة بين المع نى الق ديم والمع نى الجديد للكلمة، أحياناً تكون هذه العلاقة علاقة مشابهة أو علاقة مجاورة أو بعض علاقات المجاز. (1) أسرار البلاغة ، الجرجاني ، ص317. (2) الصاح في فقه اللغة، ابن فارس، ص 660.
عدد الصفحات ٦٢54 وم ن ه ذا التعم يم الن اتج ع ن التش بيه تحوي ل بع ض الأع لام المش هورة إلى ص فات فيق ال: (ح اتم) للكريم المضياف، و (عرقوب) لمن عرف بإخلاف الوعود. إلخ. ويرى بعض الباحثين أن تعميم الدلالات أقل شيوعاً في اللغات من تخصيصها، وأقل أثراً في تط ور الدلالات وتغيرها. ويفسر علم اللغة الحديث ظ اهرة التعم يم ه ذه بأنه ا ناتج ة ع ن إس قاط بع ض الملام ح التمييزي ة للف ظ، والذي يبدو أن التشبيه والمجاز المرسل بعلاقاته المعروفة، سببان رئيس ان ك ذلك في نش وء ظ اهرة التعم يم الدلالي، لأن العلاقة بين دلالتي اللفظ قبل التعميم وبعده غالباً ما تكون علاقة مشابهة، أو إحدى علاقات المجاز المرسل ). (1) ثالثارقــــــــــي الدلالــــــــــــــــة إن الألفاظ من تطورها، قد ترتقي فيها المعاني من السفال والابتذال إلى ما هو أقوى وأرفع من شاكلتها، لتسمو حسب الزمان والمكان والملابسات والحال. قال إبراهيم أنيس : (فكما قد تنحط الدلالة في الألفاظ قد تقوى في ألفاظ أخرى ، غير أن ضعف الدلالة أو انحطاطها أكثر ذيوعا في اللغات بوجه عام. فارتفاع الدلالة عما كانت عليه في السابق ، يكون نتيجة وسمها بمدلول يرتفع عن المدلول الذي كانت عليه، ولعل الفيصل في ذلك النظرة الدينية أو الاجتماعية أو ا لسياسية أو الاقتصادية للمتحدثين، فتعبر الدلالة بمفهومها الجديد، عن أمور عظيمة الشأن، بعد أن كانت في الماضي تعني أشياء وضيعة . فكلمتا (رسول وملاك) كانتا تطلقان في الماضي على الشخص ا لمرسل في أي مهمة مهما كان شأنها، وبعد ظهور الإسلام اكتسبتا معنى شريفا مرتفعا، ذا قيمة عالية، وأصبح لهما تلك الدلالة السامية التي نألفها، والملاك: الملك لأنه ي ب َلِّغ عن الله. (1) دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس ، ص 611.
عدد الصفحات ٦٣55 وكلمة (سيارة ) كانت في الماضي تعني مجموعة من الإبل السائرة بالمتاع ، وذاك قوله تعالى: وَجَاءَت سَيَّارَةٌ فَأَرْسَل وا وَارِدَه م (يوسف 69)، وعندما تطورت وسائل النقل والمواصلات، تطورت دلالة هذه الكلمة، فأصبحت تعني المركبة الميكانيكية ، التي تفوق الإبل سرعة وحملا ، وكلمة ( عفش) كانت تعني الشيء الذي لا قيمة له ، أو الإنسان الذي لا خير فيه، فقد جاء في معجم لسان العرب: "عفش: عَفَشَه ي َعْفَش ه عفْشًا: جمعه ، وفي نوادر الأعراب : به ع فَاشَةٌ من الناس ونُ َاعةٌ ول فاظَ ةٌ، يعني من لا خير فيه من الناس، وحاضرا أصبحت تدل على ما يعد للعروس من الأثاث الثمين، ولعل هذا الارتفاع الذي أصاب الدلالة، نتيجة لرقي مدلولها، هو الذي أدى إلى انتقالها تماما عن المدلول الأول وإحلالها المدلول الجديد) (1). رابعاهبـــــــــوط الدلالـــــــــــــــة: مدلول الكلمات يطرأ عليه ما يطرأ على الإنسان من ضعف ثم قوة ، أو قوة ثم ضعف. وكثيرا ( ما يصيب الدلالة بعض الانهيار أو الضعف ، فتراها تفقد شيئا من أثرها في الأذهان ، أو تفقد مكانتها بين الألفاظ التي تنال من المجتمع الاحترام والتقدير، فهناك ألفاظ تبدأ حياتها بأن تعبر في قوة عن أمر شنيع أو فظيع، حتى إذا طرقت الآذان فزع المرء لسماعها ، وأحس أنها أقوى ما يعبر عن تلك الحال، ثم تمر الأيام وتشيع تلك الألفاظ، ويكبر تداولها بين الناس، وهم عادة مشغوفون في كلامهم بالإسراف والمغالاة ، يستعملونها في مجال أضعف من مجالها الأول رغبة منهم في أن يحيطوا معانيهم بحالة من القوة لا مبرر لها في الحقيقة ، وهنا تنهار القوة التي في الدلالة الأولى، ويصبح اللفظ بعد شيوعه مألوفا لا تخيف دلالته ولا تفزع لها النفوس. ويشبه هذا ما نسمعه في بعض لهجات الخطاب حين تستعمل كلمة (القتل والقتال) في الشجار حتى مع ضعف شأنه ونتائجه، وكذلك كلمة (الكرسي) استعملت في القرآن الكريم بمعنى العرش في قوله تعالى: وَسِعَ ك رْسِي ه السَّمَاوَاتِ والأَْرْضِ (البقرة: 011)، غير أن هذه الكلمة أصبحت الآن تطلق على (كرسي) السفرة ، وكرسي المطبخ. (1) دلالة الألفاظ،إبراهيم أنيس، ص 611.
عدد الصفحات ٦٤