الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 51 .(الآخِرَةِ فالعِبْرةُ إذاً بِكَثْرةِ الفَضَائلِ، ومَنْ غَلَبَ خَيْرُهُ عَلَى شَرِّه غُفِرَ لَهُ شَرُّه، وإنْ غَلَبَ شَرُّه عَلَى خَيْرهِ دَلَّ عَلَى فَسَادِ نِيَّتهِ، وسُوءِ طَوِّيتهِ، قالَ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ: (نَسْأَلُ اللهََّ العَفْوَ والـمَغْفِرَةَ لأَهْلِ التَّوْحِيدِ، ونَبرأُ إلى اللهَِّ مِنْ الهَوَى والبِدَعِ، ونُحِبُّ السُّنَّةَ وأَهْلَها، ونُحِبُّ العَالِمَ عَلَى مَا فِيه مِن الإتِّبَاعِ والصِّفَاتِ الحَمِيدةِ، ولاَ نُحِبُّ مَا (.ابْتُدِعَ فيه بِتَأْويِلٍ سَائِغٍ، وإنَّما العِبْرَةُ بِكَثْرَةِ الـمَحَاسِنِ وقالَ في تَرْجَمَةِ التَّابِعيِّ الجَلِيلِ قَتَادةَ بنِ دِعَامةَ السَّدُوسِيِّ: (وَكَانَ يَرَى القَدَرَ -نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ- وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبدعَةٍ يُرِيْدُ بِهَا تَعْظِيْمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وِسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيْفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه، يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلْهُ وَنَطرْحُهُ وَنَنسَى مَحَاسِنَه، نَعَم، وَلاَ نَقتَدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، (.وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ ونَقَلَ كَذَلِكَ في تَرْجَمةِ الفَقِيهِ الشَّافِعيِّ أَبي بَكْرٍ القَفَّالِ الشَّاشِيِّ عَن الفَقِيه أَبي سَهْلٍ الصُّعْلُوكيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ القَفَّالِ، .69/ السِّيْرةُ النَّبَويِّةُ عَلَى ضَوْءِ القُرآنِ والسُّنَّةِ لأُسْتَاذِنا أَبي شَهْبَةَ رَحِمهُ اللهُ ((( .46/ سِيرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ للذَّهَبِي (2( .27(/ سِيرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ (3(
عدد الصفحات ٥٢52 فَقَالَ: قَدَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ، ودَنَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ، أَي: دَنَّسَهُ مِنْ جِهَةِ نَصْرِه للاعْتِزالِ، ثُمَّ قالَ الذَّهَبِيُّ: (الكَمَالُ عَزِيزٌ، وإنَّما يُمْدَحُ العَالِمُ بِكَثْرَةِ مَا لَهُ مِن الفَضَائلِ، فلاَ تُدْفَنُ الـمَحَاسِنُ لِوَرْطَةٍ، ولَعَلَّه رَجَع عَنْهَا، وقدْ يُغْفَرُ له باسْتِفْرَاغهِ الوِسْعَ في طَلَبِ الحَقِّ، ولاَ (.قُوَّةَ إلاَّ بالله)(( وقالَ تِلْمِيذُهُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: (الصَّوابُ عِنْدَنا أَنَّ مَنْ ثَبَتتْ إمَامَتُهُ وعَدَالَتُهُ، وكَثُرَ مَادِحُوهُ ومُزكُّوهُ، ونَدَرَ جَارِحُوهُ، وكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينةٌ دَالَّةٌ عَلَى سَبَبِ جَرْحهِ، مِنْ تَعَصُّبٍ مَذْهَبِيٍّ أَو غَيْرِهِ، فإنَّا لاَ نَلْتَفِتُ إلى الجَرْحِ فيهِ، ونَعْمَلُ فيهِ بالعَدَالةِ، وإلاَّ فَلَو فَتَحْنَا هَذا البَابَ، أَو أَخَذْنا تَقْدِيمَ الجَرْحِ عَلَى إطْلاَقهِ، لَمَا سَلِمَ لَنَا أَحَدٌ مِن الأَئمَّةِ، إذْ مَا (.مِنْ إمَامٍ إلاَّ وقَدْ طَعَنَ فيهِ طَاعِنُونَ، وهَلَكَ فيهِ هَالِكُونَ وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّم الجوزيِّة: (ومَنْ لَهُ عِلْمٌ بالشَّرْعِ والوَاقِعِ يَعْلَمُ قَطْعاً أَنَّ الرَّجُلَ الجَلِيلَ الذي لَهُ في الإسْلاَمِ قَدَمٌ صَالِحٌ وآثارٌ حَسَنةٌ، وَهُو مِن الإسْلاَمِ وأَهْلهِ بمكَانٍ، قَدْ تَكُونُ منهُ الهَفْوَةُ والزَّلةُ، هُو فيها مَعْذُورٌ، بلْ مَأْجُورٌ، لاجْتِهادِه، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبعَ ( فيها، ولا يَجُوزُ أنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ وإمَامَتُهُ في قُلُوبِ الـمُسْلِمينَ لاَ بُدَّ مِنَ التَّثَبُّتِ في تَلَقِّي الأَخْبَارِ، قالَ التَّابِعيُّ الجَلِيلُ الحَسَنُ القَاعِدةُ السَّادِسةُ: .285/ سِيرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ ((( قَالَهُ السُّبْكِيُّ في فَصْلٍ مِنْ طَبَقَاتِ الشَّافِعيِّة الكُبْرَى، وأَفْرَدَهُ شَيْخُنَا العَلاَّمةُ عَبْدُ الفَتَّاحِ (2( .أَبو غُدَّةَ رَحِمَهُ اللهُ في رِسَالةٍ سَمَّاها: (قَاعِدَة في الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ) ص .282/ إعْلاَمُ الـمُوَقِّعينَ عَنْ رَبِّ العَالَمِينَ لابنِ القَيِّمِ (3(
عدد الصفحات ٥٣الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 53 ، وهَذا أَصْلٌ أَكَّدهُ رَبُنَّا (البَصْرِيُّ: (الـمُؤْمِنُ وَقَّافٌ حَتَّى يَتَبَيَّن)(( ﱫﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ تَعَالَى، فَقَالَ: ، وقالَ شَيْخُ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﱪ بَعْضِ مَشَايِخنا العَلاَّمَةُ الـمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ الأَمِين الشَّنْقِيطيُّ في تَفْسِير هَذِه الآيةِ: (وقَدْ دَلَّت هَذِه الآيةُ مِنْ سُورَةِ الحُجُرَاتِ عَلَى أَمْرِينِ: الأَوَّلُ مِنْهُما: أَنَّ الفَاسِقَ إنْ جَاءَ بِنَبأ مُمْكِنُ مَعْرِفةُ حَقِيقَتهِ، وهَلْ ما قَالَهُ فيه الفَاسِقُ حَقٌّ أَو كَذِبٌ - فإنَّهُ يَجِبُ فيه التَّثَبُّتُ. والــثَّانـــي: هُو مَا اسْتَدلَّ عَلَيْهِ بِها أَهْلُ الأُصُولِ مِنْ قَبُولِ ﱫﭢ ﭣ ﭤ خَبَرِ العَدْلِ لأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَدُلُّ بِدَلِيل خِطَابهِ - أَعْنِي مَفْهُومَ ﭥ ﭦﱪ مُخَالَفتهِ- أَنَّ الجَائِي بِنَبأ إنْ كَانَ غَيْرَ فَاسِقٍ، بلْ ، }فَتَبَيَّنُوا{عَدْلاً، لا يَلْزَمُ التَّبَيُّنَ في نَبَئِه عَلَى قِرَاءةِ (.، وَهُو كَذَلِكَ }فَتَثَبَّتُوا{ولا التَّثَبُتَ عَلَى قِرَاءةِ وقالَ الأُسْتَاذُ سَيِّدُ قُطْب: (التَّثَبُّتُ مِنْ كُلِّ خَبَرٍ، ومِنْ كُلِّ ظَاهِرةٍ، ومِنْ كُلِّ حَركَةٍ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْهَا، هُو دَعْوَةُ القُرآنِ الكَرِيمِ، ومَنْهَجُ الإسْلاَمِ الدَّقِيقِ، ومَتى اسْتَقَامَ القَلْبُ والعَقْلُ عَلَى هَذا الـمَنْهَجِ لم يَبْقَ مَجَالٌ للوَهَمِ والخُرَافةِ في عَالَمِ العَقِيدَةِ، ولم .382/ نَقَلهُ شَيْخُ الإسْلاَمِ ابنُ تَيمِيَّة في الفَتَاوَى ((( .4((/ أَضْوَاءُ البَيَانِ في إيْضَاحِ القُرْآنِ بالقُرْآنِ للشَّنْقِيطي (2(
عدد الصفحات ٥٤54 يَبْقَ مَجَالٌ للظَنِّ والشُّبْهَةِ في عَالَمِ الحُكْمِ والقَضَاءِ والتَّعَامُلِ، ولم يَبْقَ مَجَالٌ للأَحْكامِ السَّطْحِيَّةِ، والفُرُوضِ الوَهْمِيَّةِ في عَالَم (.البُحُوثِ والتَّجَاربِ والعُلُومِ...)(( الـمُسْلِمُ مُطَالِبٌ بأنْ يَسْتُرَ عُيُوبَ الـمُسْلِمينَ، ويُخْفِي القَاعِدةُ السَّابِعةُ: مَعَاصِيهم، وقَدْ تَوافَرتِ الأَحَادِيثُ عَلَى ضَرُورةِ السَّتْرِ عَلَى النَّاسِ، وعدم الخَوْضِ في أَعْرَاضِهِم، فَمِنْ ذَلِكَ قَولُهُ ﷺ: (وَمَنْ ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ: (سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهَُّ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وقولُهُ ((لاَ يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا، إِلاَّ سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (. ﷺ: (إِنَّ اللهََّ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ وقَالَ الحافظُ أَبو العبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ عُمَرَ القُرطُبيُّ الأَنْدَلُسِيُّ: (هَذا حَضٌّ عَلَى سِتْرِ مَنْ سَتَرَ نفسَه، ولم تَدْعُ الحاجةُ الدِّينيَّةُ إلى (. كشفِه يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُكْشَفَ ذُنُوبُ أَهْلِ الشَّرفِ والجَاهِ والـمُرُوءةِ بينَ القَاعِدَةُ الثَّامِنةُ: النَّاسِ، ومَنْ كَانَ شَرُّهُم مُنْكَراً مَسْتُوراً، ولم يَلْقُوا جِلبابَ الحَياءِ، ويَدْخُلُ مَعَهُم العُلَمَاءُ، وأَهْلُ الدِّينِ والفَضْلِ، وذُو الشَّيْبَةِ، وكَرِيمُ .2227/ في ظِلاَلِ القُرْآنِ لِسَيِّد قُطْب ((( رَوَاهُ البُخَارِي (2( رَوَاهُ مُسْلِمٌ (3( رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ في السُّنَنِ (4( يَعْلَى بنِ أُميَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وإسْنَادهُ صَحِيحٌ .558 / الـمُفْهِمُ لِمَا أُشْكِلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ للقُرْطُبي (5(
عدد الصفحات ٥٥الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 55 القَوْمِ سَوَاءً كَانَ مُسْلِماً أَو كَافِراً، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَقِيلُوا ، وهَذا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ (ذَوِي الهيئاتِ عَثَراتِهم إلاَّ الحُدُودَ)(( السَّتْرِ عَلَى ذَوِي الهَيْئَاتِ ونَحْوِهم مِمَّنْ لَيْسَ مَعْرُوفاً بالأَذَى والفَسَادِ، وعَدمِ الكَشْفِ عَنْ أَخْطَائهِ، وأَنْ نَحْمِلَ قَصْدَهُ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ، ولاَ نَعجَلَ في الحُكْمِ عَلَيْهِ، قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ: (وَذَوُوُ الْهَيْئَاتِ الَّذِينَ يُقَالُونَ عَثَرَاتُهمُ الَّذِينَ لَيْسُوا يُعْرَفُونَ ، وقالَ الإمَامُ العَلاَّمَةُ أَبو الوَفَاءِ (بِالشَّرِّ، فَيَزِلُّ أَحَدُهُمُ الزَّلَّةَ وَهُو يُبَيِّنُ أَهْلَ الهَيْئَاتِ: (الـمُرَادُ بِهم الَّذِينَ –ابنُ عَقِيلٍ الحَنْبَلِيُّ دَامَتْ طَاعَاتُهُم وعَدَالَتُهُم، فَزلَّتْ في بَعْضِ الأَحَايِينِ أَقْدَامُهُم (بِوَرْطَةٍ ولاَ بُدَّ لِكَي يُقَالُوا مِنْ عَثَراتِهم أَنْ يُحَقِّقُوا أَرْبَعةَ شروطٍ: الأوَّلُ: أَنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوي الهَيْئَاتِ ونَحْوِهم مِمَّنْ لَيْسُوا مَعْرُوفِينَ بالأَذَى والفَسَادِ. الثَّانـي: أَنْ يُشْتهرَ بينَ النَّاسِ خَيْرُهم وصَلاَحُهُم. الثَّالثُ: ألاَّ يَكُونُوا مِن المـُجَاهِرينَ بِمعَاصِيهم. الرَّابعُ: ألاَّ يكونَ ذنبُهم في حدٍّ من حُدُودِ الله ما لم تُرفع للسُّلطان. أَي أَهْلُ الهَيْئَاتِ- ذَوُو –وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ: (والظَّاهِرُ أَنَّهُم 300/ رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ في السُّنَنِ ((( الـمُؤْمِنينَ عَائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وإسْنَادهُ صَحِيحٌ. .334/ رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى (2( .(39/ نَقَلهُ ابنُ القَيِّمِ في كِتَابِ بَدَائِعِ الفَوَائِدِ (3(
عدد الصفحات ٥٦56 الأَقْدَارِ بينَ النَّاسِ مِنَ الجَاهِ والشَّرَفِ والسُّؤْدَدِ، فإنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّهُم بِنَوْعٍ مِن التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ عَلَى بَنِي جِنْسِهم، فَمَنْ كَانَ مِنْهُم مَسْتُوراً مَشْهُوراً بالخَيْرِ حَتَّى كَبَا بهِ جَوَادُهُ، ونَبَا عَصَبُ صَبْرِه، وأُدِيلَ عَلَيْهِ شَيْطَانهُ، فلاَ تُسَارِعْ إلى تَأْنِيبه وعُقُوبَتهِ، بلْ تُقَالُ عَثْرَتُهُ، ما لَم يَكُن حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ، فإنَّهُ يَتَعيَّنُ اسْتِيفَاؤُهُ (.مِن الشَّرِيفِ، كَمَا يَتَعيَّنُ أَخْذُهُ مِن الوَضِيعِ)(( الْتِمَاسُ العُذْرِ للمُسْلِمينَ، إنَّ الوَاجِبَ عَلَى الـمُسْلِم إحْسَانُ القَاعِدةُ التَّاسِعةُ: الظَّنِّ بإخْوَانهِ مِنْ أَهْلِ الإيْمانِ، والخَيْرِ، والدِّينِ، والصَّلاَحِ، ﱫﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ وقَدْ قالَ اللهُ تَعَالَى في قِصَّةِ الإفْكِ: ، قالَ الأُسْتَاذُ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﱪ سَيِّدُ قُطْب: (نَعَم كَانَ هَذا هُو الأَوْلَى، أَنْ يَظُنَّ الـمُؤْمِنُونَ والـمُؤْمِناتُ بأَنْفُسِهم خَيْراً، وأَنْ يَسْتَبْعِدُوا سُقُوطَ أَنْفُسِهم في مِثْلِ هَذِه الحَمْأَةِ، وامْرأَةُ نَبِيِّهم الطَّاهِرةِ، وأَخُوهُم الصَّحَابيُّ الـمُجَاهِدُ هُما مِنْ أَنْفُسِهم، فَظَنُّ الخَيْرِ بِهما أَوْلَى، فإنَّ مَا لاَ يَلِيقُ بِهم لاَ يَلِيقُ بِزَوْجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولاَ يَلِيقُ بِصَاحِبه الَّذِي ، فإحْسَانُ الظَّنِّ، والْتِمَاسُ العُذْرِ (لَمْ يُعْلَمْ عَنْهُ إلاَّ خَيْراً للمُؤْمِنينَ خُلُقٌ نَبِيلٌ، وسُلُوكٌ سَوِيٌّ قَوِيمٌ، دَعَا إليه الإسْلاَمُ، وحَثَّ عَلَيْهِ، قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهَُّ عَنْهُ: (لاَ تَظُنَنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِي امْرِىءٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وأَنْ تَجِدَ لَهَا 39/ بَدَائِعُ الفَوَائِدِ لابنِ القَيِّمِ ((( .4(/شَيْطَانُهُ، يُنْظَرُ: النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيْثِ وَالأَثَرِ .250(/ في ظِلاَلِ القُرْآنِ لِسَيِّد قُطْب (2(
عدد الصفحات ٥٧الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 57 ، وقالَ الإمامُ الزَّاهِدُ أبو عَبْدِ اللهِ جَعْفَرُ بنُ (فِي الْخَيْرِ مَحْمَلاً)(( مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ: (إذا بَلَغكَ عَنْ أَخِيكَ الشَّيءَ تُنْكِرهُ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْراً وَاحِداً إلى سَبْعِينَ عُذْرا، فإنْ أَصَبْتَهُ وإلاَّ قُلْ: لَعَلَّ لَهُ عُذْراً (. لا أَعْرِفهُ وقالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: (يَنْبَغِي لَكَ أَيُّها المُسْتَرْشِدُ أَنْ تَسْلُكَ سَبِيلَ الأَدَبِ مَعَ الأَئمَّةِ المَاضِينَ، وأَنْ لاَ تَنْظُرَ إلى كَلاَمِ بَعْضِهِم في بَعْضٍ، إلاَّ إذا أَتَى بِبُرْهَانٍ وَاضِحٍ، ثُمَّ إنْ قَدَرْتَ عَلَى التَّأْوِيلِ، وتَحْسِينِ الظَّنِّ فَدُونَكَ، وإلاَّ فَاضْرِبْ صَفْحًا عَمَّا جَرَى بَيْنَهُم، (.فإنَّكَ لَمْ تُخْلَقْ لِهَذا، فَاشْتَغِلْ بِمَا يَعْنِيكَ، ودَعْ مَا لاَ يَعْنِيكَ مَنْ جَاهَر بِمَعَاصِيه بينَ النَّاسِ، ومَنْ كَانَ يَشُنُّ الغَارةَ على القَاعِدةُ العَاشِرَةُ: الإسْلاَمِ، ويُشَكِّكُ في ثَوَابتهِ الشَّرْعيَّةِ، ويَتَطاوَلُ عَلَى الأَخْيَارِ مِنْ هَذه الأُمَّةِ بِدْءاً مِنَ الصَّحَابةِ الكِرَامِ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ - فَلَيْسَ لَنا إلاَّ أَنْ نَكْشِفَ أَمْرَهُ، ونُظْهِرَ حَقِيقَتهُ، عُقُوبةً لَهُ، وزَجْراً لِغَيْرهِ، ولِذَلِكَ تَرْجَمَ الإمَامُ البُخَارِيُّ في الصَّحِيحِ عُنْواناً فَقَالَ: (بَابُ مَا ، وقالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ (يَجُوزُ مِنَ اغْتِيَابِ أَهْلِ الفَسَادِ وَالرِّيَبِ العَسْقَلاَنيُّ: (ويُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الـمُجَاهِرَ بالفِسْقِ والشَّرِّ لاَ يَكُونُ مَا يُذْكَرُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مِن الغِيْبَةِ الـمَذْمُومةِ)... ثُمَّ قالَ: (قالَ العُلَمَاءُ: رَوَاهُ أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ في كِتَابِ مَنَاقِبِ أَمِير الـمُؤْمِنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ ((( .عَنْهُ بِتَحْقِيقِنا ص .559/ رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في شُعُبِ الإيْمَانِ (2( 278 / طَبَقَاتُ الشَّافِعيِّةِ الكُبْرَى للسُّبْكِي (3( .(7/ صَحِيحُ البُخَارِي (4(
عدد الصفحات ٥٨58 تُبَاحُ الغِيْبَةُ في كُلِّ غَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعاً... كالظُلْمِ، والاسْتِعَانةِ عَلَى تَغْيِيرِ الـمُنْكَرِ، والاسْتِفْتَاءِ، والـمُحَاكَمةِ، والتَّحْذِيرِ مِن الشَّرِّ، ويَدْخُلُ فيه تَجْرِيحُ الرُّواةِ، والشُّهُودِ، وإعْلاَمُ مَنْ له وِلاَيةٌ عَامَّةٌ بِسيرَةِ مَنْ هُو تَحْتَ يَدِه، وجَوَابُ الاسْتِشَارَةِ في نِكَاحٍ أَو (.عَقْدٍ مِن العُقُودِ، وكَذَا مَنْ رأَى مُتَفقِّهاً يَتَردَّدُ إلى مُبْتَدِعٍ...)(( وقالَ الحَافِظُ أَبو العبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ عُمَرَ القُرطُبيُّ ( فأمَّا مَن اشتُهِرَ بالـمَعَاصِي، ولم يُبالِ بِفِعْلِها، ولم يَنْتَهِ عمَّا نُهِي عَنْهُ، فَوَاجِبٌ رَفْعُه للإمامِ، وتَنْكِيلُهُ، وإشْهارُهُ للأَنَامِ لِيَرْتَدِعَ بِذَلِكَ أَمْثَالُهُ، وكَذَلِكَ مَنْ تَدْعُو الحَاجَةُ إلى كَشْفِ حَالِهم مِنَ الشُّهودِ المَجْرُوحِينَ، فَيَجِبُ أَنْ يُكْشَفَ مِنْهُم مَا يَقْتَضِي تَجْرِيحَهُم، (.ويَحرُمُ سَتْرُهُم مَخَافةَ تَغْيِيرِ الشَّرعِ، وإبْطَالِ الحُقُوقِ وقالَ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ في تَرْجَمَةِ الحجَّاجِ بنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ الأَمِيرِ: (كَانَ ظَلُوْماً، جَبَّاراً، نَاصِبِيّاً، خَبِيْثاً، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ... وَلَهُ حَسَنَاتٌ مَغْمُوْرَةٌ فِي بَحْرِ ذُنُوْبِهِ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، وَلَهُ تَوْحِيْدٌ فِي الجُمْلَةِ، (.وَنُظَرَاءُ مِنْ ظَلَمَةِ الجَبَابِرَةِ وَالأُمَرَاءِ إذا جَازَ أَنْ يُتَكَلَّمَ عَلَى شَخْصٍ فإنَّهُ يَلْزَمُ تَحرِّي الـمَنْهَجِ القَاعِدةُ الحَادِيةَ عَشرَةَ: السَّلِيمِ في إصْدَارِ الأَحْكَامِ، وأَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى قَوَاعِدَ يَحْكُمُها عِلْمٌ، ووَرَعٌ، وعَدْلٌ، وإنْصَافٌ، ولا يُصْدِرُ الحُكْمَ إلاَّ بَعْدَ تَرَوٍّ، 472/ فَتْحُ البَارِيِّ لابنِ حَجَرٍ ((( .558 / الـمُفْهِمُ لِمَا أُشْكِلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ للقُرْطُبِي (2( .343/ سِيرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ للذَّهَبِي (3(
عدد الصفحات ٥٩الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 59 ونَظَرٍ، وأَنَاةٍ، وكَانَت الحَاجَةُ دَاعِيةً إليهِ، قالَ شَيْخُ الإسْلاَمِ ابنُ تَيْميَّةَ: (لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الإِْنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ يَرُدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، ثُمَّ يَعْرِفُ الْجُزَيْئَاتِ كَيْفَ وَقَعَتْ، وَإِلاَّ فَيَبْقَى فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ فَيَتَوَلَّدُ (. فَسَادٌ عَظِيمٌ)(( فَصَّلَ الإمَامُ النَّوويُّ الكَلاَمَ في غِيْبةِ النَّاسِ فَقَالَ: (اعْلَمْ القَاعِدةُ الثَّانِيةَ عَشَرَةَ: أنَّ الغِيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحيحٍ شَرْعِيٍّ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِهَا، وَهُوَ سِتَّةُ أسْبَابٍ: الأَوَّلُ: التَّظَلُّمُ، فَيَجُوزُ لِلمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ والقَاضِي وغَيرِهِما مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ، أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ، فيقول: ظَلَمَنِي فُلاَنٌ بكذا. الثَّاني: الاسْتِعانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوابِ، فيقولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتهُ عَلَى إزالَةِ المُنْكَرِ: فُلانٌ يَعْمَلُ كَذا، فازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ويكونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلُ إِلَى إزالَةِ المُنْكَرِ، فَإنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا. الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ، فيقُولُ لِلمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبي، أَوْ أخي، أَوْ زوجي، أَوْ فُلانٌ بكَذَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَمَا طَريقي في الخَلاَصِ مِنْهُ، وتَحْصيلِ حَقِّي، وَدَفْعِ الظُّلْمِ؟ وَنَحْو ذَلِكَ، فهذا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، ولكِنَّ الأحْوطَ والأفضَلَ أَنْ يقول: مَا تقولُ في رَجُلٍ أَوْ شَخْصٍ، أَوْ زَوْجٍ، كَانَ مِنْ .83/ مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ لابنِ تَيْميَّةِ (((
عدد الصفحات ٦٠60 أمْرِهِ كذا؟ فَإنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ مِنْ غَيرِ تَعْيينٍ، وَمَعَ ذَلِكَ، فالتَّعْيينُ جَائِزٌ. الرَّابعُ: تَحْذِيرُ المُسْلِمينَ مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُمْ، وذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: - (مِنْهَا جَرْحُ المَجْرُوحينَ مِنَ الرُّواةِ والشُّهُودِ وذلكَ جَائِزٌ بإجْمَاعِ المـُسْلِمينَ، بَلْ وَاجِبٌ للْحَاجَةِ. 2 - أَوْ مُعامَلَتِهِ، أَوْ غيرِ ذَلِكَ، أَوْ مُجَاوَرَتِهِ، ويجبُ عَلَى المُشَاوَرِ أَنْ لا يُخْفِيَ حَالَهُ، بَلْ يَذْكُرُ المَسَاوِئَ الَّتي فِيهِ بِنِيَّةِ النَّصيحَةِ. 3 - العِلْمَ، وخَافَ أَنْ يَتَضَرَّرَ المُتَفَقِّهُ بِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ نَصِيحَتَهُ بِبَيانِ حَالِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ النَّصِيحَةَ، وَهَذا مِمَّا يُغلَطُ فِيهِ، وَقَدْ يَحمِلُ المُتَكَلِّمَ بِذلِكَ الحَسَدُ، وَيُلَبِّسُ الشَّيطانُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ويُخَيِّلُ إِلَيْهِ أنَّهُ نَصِيحَةٌ فَليُتَفَطَّنْ لِذلِكَ. 4 - يكونَ صَالِحًا لَهَا، وإمَّا بِأنْ يكونَ فَاسِقًا، أَوْ مُغَفَّلاً، وَنَحو ذَلِكَ فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ ولايةٌ عامَّةٌ لِيُزيلَهُ، وَيُوَلِّيَ مَنْ يُصْلحَ، أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ لِيُعَامِلَهُ بِمُقْتَضَى حالِهِ، وَلاَ يَغْتَرَّ بِهِ، وأنْ يَسْعَى في أَنْ يَحُثَّهُ عَلَى الاسْتِقَامَةِ أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ. الخامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كالمُجَاهِرِ بِشُرْبِ
عدد الصفحات ٦١الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 61 الخَمْرِ، ومُصَادَرَةِ النَّاسِ، وأَخْذِ المَكْسِ، وجِبَايَةِ الأمْوَالِ ظُلْمًا، وَتَوَلِّي الأمُورِ الباطِلَةِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العُيُوبِ، إِلاَّ أَنْ يكونَ لِجَوازِهِ سَبَبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ. السَّادِسُ: التعرِيفُ، فإذا كَانَ الإنْسانُ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ، كالأعْمَشِ، والأعرَجِ، والأَصَمِّ، والأعْمَى، والأحْوَلِ، وغَيْرِهِمْ جاز تَعْرِيفُهُمْ بذلِكَ، وَيَحْرُمُ إطْلاقُهُ عَلَى جِهَةِ التَّنْقِيصِ، ولو أمكَنَ تَعْريفُهُ بِغَيرِ ذَلِكَ كَانَ أوْلَى، فهذه ستَّةُ أسبابٍ ذَكَرَهَا العُلَمَاءُ وأكثَرُها مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، (. وَدَلائِلُهَا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحيحَةِ مشهورَةٌ)(( قُلْتُ: وقَدْ جَمَعَ بَعْضُهم هَذه الأُمُورَ السِّتَّةَ فَقَالَ: الْقَـدْحُ لَيْسَ بِغِيبَـةٍ فِـي سِـتَّـةٍ مُتَظَلِّمٍ، وَمُعَـرِّفٍ، وَمُحَـذِّرِ (وَمُجَاهِرٍ فِسَقًا، وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ طَلَبَ الإِعَانَةَ فِي إزَالَةِ مُنْكَرِ * * * رِيَاضُ الصَّالِحينَ للنَّووِيِّ ص ((( إلى أَنَّ هَذا نَصَّ عَلَيْهِ الغَزَاليُّ في الإحْيَاءِ، وآخَرُونَ مِنَ العُلَمَاءِ. 205/ ذَكَرهُ شِهَابُ الدِّينِ الرَّمَلِيُّ في نِهَايةِ الـمُحْتَاجِ إلى شَرْحِ الـمِنْهَاجِ (2( الشَّوكَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ رِسَالةٌ صَغِيرةٌ، أسْمَاهَا:(رَفْعُ الرِّيبةِ في بَيَانِ مَا يَجُوزُ ومَا لاَ يَجُوزُ مِن الغِيْبَةِ)، وَهِيَ مَطْبُوعةٌ بِدِمَشْقَ.
عدد الصفحات ٦٢62 خَاتمةٌ إنَّ عِلْمَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ مِنْ أَجَلِّ العُلُومِ وأَهَمِّها، ولم يَقُم بهذا العَمَلِ إلاَّ • الجهَابِذَةُ مِن النُّقَّادِ الـمَهَرةِ، لِصُعُوبةِ الشُّرُوطِ الَّتي تُشْتَرَطُ في الجَارِحِ. إنَّ هَؤُلاَءِ الأَئمَّةَ النُّقَّادَ قَامُوا بهذا العَمَلِ حِسْبةً للهِ تَعَالَى، فَلَمْ يُحَابُوا أَحَداً، • وإنَّما قَدَحُوا فِيمنْ يَسْتَحِقُ القَدْحَ، حَتَّى لَو كَانُوا آباءَهُم، أَو إخْوَانَهُم. لَقَد قَامَ عِلْمُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ عَلَى اجْتِهَادَاتِ النُّقَّادِ بِنَاءً عَلَى عِلْمِهم الوَاسِع، • واطِّلاَعِهِم الكَبِيرِ، مَعَ مُرَاعَاةٍ لِجُمْلَةٍ مِن الضَّوابِطِ والحُدُودِ. نَظَر عُلَمَاءُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ إلى الرَّاوِي مِنْ جَهَتَيْنِ، الأَوَّلُ: في سِيرةِ الرَّاوِي • مِنْ حَيْثُ الالْتِزَامُ الشَّرْعِيُّ وأَمَانَتهُ، وعَبَّرُوا عَنْهُ بالعَدَالةِ، والآخَرُ: إلى اتْقَانهِ وحِفْظهِ، وعَبَّرُوا عَنْهُ بالضَّبْطِ. حُفِظَـتْ أَقْوَالهُـم فـي الرُّواةِ فـي مُصَنَّفَـاتٍ لَهـا مَنَاهِـجُ مُنَوَّعَةٌ، وأَسَـالِيبُ • مُخْتَلِفَةٌ. لا يَجُوزُ الكَلاَمُ عَلَى أَعْرَاضِ الـمُسْلِمينَ بَعْدَ عَصْرِ الرِّوايةِ، وأَنَّها حُفْرَةٌ مِنْ • حُفَرِ النَّارِ، إلاَّ إذا كَانَ لأَسْبَابٍ قَاهِرةٍ، وبِضَوَابِطَ وقُيُودٍ مُحَدَّدةٍ. * * *
عدد الصفحات ٦٣63 الفَصْلُ الثَّاني تَرْجَمَةُ الإمَامِ أَبي الحَسَنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ صَالِحٍ العِجْلِيِّ (وفيه سَبْعَةُ مَبَاحِثَ(( المَبْحَثُ الأَوَّلُ: اسْمُهُ ونَسَبُهُ: المَبْحَثُ الثَّاني: نَشْأَتهُ، ووِلاَدتُهُ، وطَلَبهُ للعِلْمِ: المَبْحَثُ الثَّالِثُ: شُيُوخهُ: المَبْحَثُ الرَّابِعُ: تَلاَمِيذُهُ. المَبْحَثُ الخَامِسُ: مُؤلَّفاتُهُ: المَبْحَثُ السَّادِسُ: مَكَانَتُهُ العِلْميَّةُ، وثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيْهِ. المَبْحَثُ السَّابِعُ: وَفَاتُهُ. * * * 2(5-2(4/ مَصَادِرُ التَّرْجَمَةِ كَثِيرَةٌ، ومنها: تَارِيخُ بَغْدَادَ للخَطِيبِ البَغْدَادِي ((( 9(3/الطَّلَبِ في تَارِيخِ حَلَبَ لابنِ العَدِيمِ 269/25(/الهَادِيِّ الحَنْبَلِيِّ الـمَقْدِسي 374/07/505/(2 5(4/79/الذَّهَبِيِّ، والوَافي بالوَفَياتِ للصَّفَدِي 266/وشَذَراتُ الذَّهَبِ في أَخْبَارِ مَنْ ذَهَبَ لابنِ العِمَادِ الحَنْبَلِي عَبْدُ العَلِيم البَسْتَوِيُّ تَرْجَمَتهُ في تَحْقِيقِه لِكِـَتابِ (مَعْرِفةِ الثِّقَاتِ...) للعِجْلِيِّ.
عدد الصفحات ٦٤64 المَبْحَثُ الأَوَّلُ اسْمُهُ ونَسَبُهُ هُو: الحافظُ أَبو الحَسَنِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ صَالِحِ بنِ مُسْلِمٍ العِجْلِيُّ الكُوْفيُّ الأَطْرَابُلُسِيُّ. والعِجْلِيُّ -بِكَسْرِ العَيْنِ، وسُكُونِ الجِيْمِ -مَنْسُوبٌ إِلى عِجْلِ بنِ لُجَيْمِ بنِ صَعْبِ بنِ عَلِيِّ بنِ بَكْرِ بنِ وَائلِ بنِ قَاسِطِ بنِ هِنْبِ بنِ أَفْصَى بنِ دُعْمِيِّ بن (.جَدِيلةَ بنِ أَسَدِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ نَزَارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدْنَانَ(( والْكُوفِيُّ -بِضَمِّ أَوَّلِهَا، وَسُكُونِ الْوَاو- هَذِه النِّسْبَةُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَهِي مِنْ أُمَّهَاتِ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ بالعِرَاقِ، تَبْعُدُ عَنْ بَغْدادَ بنُ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعْدَ مَعْركةِ القَادِسيَّةِ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشَرَةَ، بأَمْرِ أَمِيرِ الـمُؤْمِنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، واتَّخَذَها أَمِيرُ الـمُؤْمِنينَ عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَاصِمةً للدَوْلةِ، وخَرَجَ مِنْهَا مَنْ لاَ يُحْصَى مِن الْعُلمَاءِ (.2( فِي كُلِّ فَن والأَطْرَابُلُسيُّ -بِفَتْحِ الأَلِفِ،وسُكُونِ الطَّاءِ،وفَتْحِ الرَّاءِ،وضَمِّ البَاءِ وَاللاَّمِ- ويُقَالُ لَها أَيضاً: طَرَابُلس بِغَيْرِ هَمْزٍ، هَذِه النِّسْبةُ إلى أَطْرَابُلُس، أو طَرَابُلسِ الـغَرْبِ، وفُتَحِتْ طَرَابُلُسُ الغَرْبُ في عَهْدِ أَمِير المُؤْمِنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ 753/ يُنْظَرُ: جَامِعُ الأُصُولِ لأَبي السَّعَاداتِ مَجْدِ الدِّينِ ابنِ الأَثِيرِ ((( . 325/تَهْذِيبِ الأَنْسَابِ لأَبي الحَسَنِ عِزِّ الدِّينِ ابنِ الأَثِيرِ 8 / يُنْظَرُ: اللُّبَابُ في تَهْذِيبِ الأَنْسَابِ لابن الأَثِيرِ (2( الإنترنت
عدد الصفحات ٦٥الفَصْلُ الثَّاني: تَرْجَمَةُ الإمَامِ أَبي الحَسَنِ العِجْلِي 65 .((( اللهُ عَنْهُ، فَتَحَها عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ سَنَة عِشْرِين، وَهِيَ عَاصِمةُ لِيبيا اليومَ المَبْحَثُ الثَّاني نَشْأَتهُ، ووِلاَدتُهُ، وطَلَبهُ للعِلْمِ وُلِدَ أَبو الحَسَنِ بالكُوفةِ، ونَشأَ في بِيْئَةِ عِلْمٍ وفَضْلٍ، قالَ ابنُ العَدِيم: (وَهُو ، فَكَانَ أَبُوهُ مِن الـمُحَدِّثينَ الـمَشْهُورِينَ مِنْ (مِنْ بَيْتِ العِلْمِ والحَدِيثِ أَصْحَابِ شُعْبةَ بنِ الحجَّاجِ، وإسْرَائيلَ بنِ يُونُسَ بنِ أَبي إسْحَاقَ السَّبِيعيِّ،وُلِدَ (.3((سَنَة ويُقَالُ: إنَّ البُخَارِيَّ رَوَى لَهُ فِي صَحِيحهِ فِيما قِيلَ، قالَ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا شَاذَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ المَاجِشُونُ...)، ، واخْتُلِفَ في عَبْدِ اللهِ (ثُمَّ قالَ: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللهَِّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ ، ونَفَى أَبو عَلِيٍّ الجيَّانيُّ ذَلِكَ، (5( بنِ صَالحٍ، فَذَهَبَ الكَلاَباذِيُّ إلى أَنَّهُ العِجْلِي (.فَقَالَ: (وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ بنُ صَالحٍ كَاتبُ اللَّيْثِ ومَوْقِعُ 2(6 /30(/ يُنْظَرُ: الأَنْسَابُ للسَّمْعَانِي ((( وِيكيبيديا عَلَى شَبَكة الإنترنت، وإنَّما قِيلَ لَها الغَرْبُ تَمْييزاً لَها عَنْ طَرَابُلس الشَّامِ الوَاقِعةِ شِمَال لُبْنانَ. .9(3 / بُغْيَةُ الطَّلَبِ في تَارِيخِ حَلَبَ لابنِ العَدِيمِ (2( لَهُ تَرْجَمَةٌ في: الْمُعْلِمِ بِشِيُوخ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لابْنِ خَلَفُونَ ص (3( .30/26(/403/النُّبَلاءِ (. صَحِيحُ البُخَارِي (4( .4(( / الهِدَايةُ والإرْشَادُ في مَعْرِفةِ أَهْلِ الثِّقَةِ والسَّدَادِ لأَبي نَصْرٍ الكَلاَباذِي (5( .394/ تَقْيِيدُ الـمُهْمَلِ وتَمْيِيزُ الـمُشْكِلِ لأَبي عَلِيٍّ الغَسَّانِيِّ الجَيَّاني (6(
عدد الصفحات ٦٦66 أَمَّا جَدُّهُ صَالِحٌ فَهُو مِنْ شُيُوخِ الكُوفةِ الثِّقَاتِ، مِنْ أَقْرانِ سَعِيدِ بنِ مَسْرُوقٍ (.الثَّوْرِيِّ -وَالدِ سُفْيانَ- وكَانتْ وَفَاتهُ سَنَة ووُلِدَ أَبو الحَسَنِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وثَمَانِينَ ومَائةٍ قالَ: (طَلَبْتُ الحَدِيثَ سَنَةَ سَبْعٍ وتِسْعِينَ ومَائةٍ، وَكَانَ مَوْلِدي بالكُوْفَةِ سَنَة (.اثْنَتَيْنِ وثَمَانِينَ ومَائةٍ وطَلَبَ العِلْمَ أَوَّلاً في بَلْدَتهِ الكُوفَةِ، الَّتي كَانَتْ تَعُجُّ بالعُلَمَاءِ، والأَئمَّةِ الأَعْلاَمِ، وكَانَتْ مَقْصِداً لِكَثِيرٍ مِن الأَعْيَانِ والنُّبَلاَءِ، فَبَدأَ بِطَلَبِ الحَدِيثِ سَنَة 97( (ثُمَّ انْتَقَلَ أَبُوهُ عَبْدُ اللهِ بنُ صَالِحٍ إلى بَغْدَادَ، مَا بينَ سَنَتيْ فَسَمِعَ ابنهُ أَحْمَدُ مِنْ عُلَمَائِها. ثُمَّ ابتدأَ رِحْلتَهُ في طَلَبِ العِلْمِ في حُدُودِ سَنَةِ والـمَدِينةَ، وجُدَّةَ، واليَمَنَ، وبِلاَدَ الشَّامِ، ثُمَّ مِصْرَ. وسَمِعَ بأَنْطَاكيَّةَ نَزِيلَها يَعْقُوبَ بنَ كَعْبٍ الحَلَبِيَّ، وبالمِصِّيْصَةِ نَزِيْلَها مُوسَى (.ابنَ أَيُّوبَ النَّصِيبيَّ، وسَمِعَ بِمصْرَ مِنْ أَسَدِ بنِ مُوسَى الـمُلَقَّبِ بأَسَدِ السُّنَّةِ وقالَ: (آخِرُ سَفْرَةٍ سَافَرْتُها إِلى البَصْرَةِ كَتَبْتُ بهَا سَبْعِينَ أَلفَ حَدِيثٍ مُنْتَقًى، 290/ لَهُ تَرْجَمَةٌ في: التَّارِيخِ الكَبِيرِ للبُخَارِي ((( .3(/4(3/4 رَوَاهُ الوَلِيدُ بنُ بَكْرٍ العُمَرِيُّ كَمَا جَاءَ في مُقَدِّمةِ تَرْتِيبِ السُّبْكِيِّ لِكِتَابِ (مَعْرِفةِ الثِّقَاتِ (2( 437/86/( .9(3/2 .9(3/ ذَكَرهُ ابنُ العَدِيمِ في بُغْيَةِ الطَّلَبِ (3(
عدد الصفحات ٦٧