الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 35 ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا (وقال حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: (لَقِيَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَمَعَهُ مَدَرَةٌ(( بِسْطَامٍ، أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: إِلَى أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ أَدْعُوهُ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يَكْذِبُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ عَبْدَ الْقَيْسِ، قَالَ: فَكَلَّمْتُهُ فَانْصَرَفَ، قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ لَقِيَنِي شُعْبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ إِنِّي نَظَرْتُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَسَعْنِي (.السُّكُوتُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (لوْلاَ شُعْبَةُ مَا عُرِفَ الحَدِيْثُ بِالعِرَاقِ، فَكَانَ يَجِيءُ إِلى (.الرَّجُلِ فَيَقُولُ: لاَ تُحَدِّثْ، وَإِلاَّ اسْتَعْدَيْتُ عَلَيْكَ الْسُّلْطَانَ وهَكَذا كَانُوا لاَ يُحَابُونَ أَحَداً ولو كَانُوا شُيُوخَهم أو أَقْرَانَهُم، فَقَد قَالَ الإمَامُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِيٍّ:اخْتَلَفُوا يَوْماً عِنْدَ شُعْبةَ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَماً فَقالَ: قَدْ رَضِيتُ بالأَحْوَلِ -يَعْنِي يَحْيى بنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ- فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى جَاءَ يَحْيى، فَتَحَاكَمُوا إليه، فَقَضَى عَلَى شُعْبةَ، وَهُو شَيْخُهُ، ومِنْهُ تَعَلَّم، وبهِ تَخَرَّجَ، فَقَالَ لَهُ شُعْبَةُ: ومَنْ يُطِيقُ نَقْدَكَ، أَو مَنْ لَهُ مِثْلَ نَقْدِكَ يا أَحْولُ؟!)، وعَقَّبَ ابنُ أَبي حَاتِمٍ عَلَى هَذِه الحَادِثةِ فَقَالَ: (هَذه غَايَةُ المَنْزِلةِ، إذ اخْتَارهُ شُعْبَةُ مِنْ بَيْنِ (.أَهْلِ العِلْمِ، ثُمَّ بَلَغَ مِنْ دَالَّتهِ بِنَفْسِه، وصَلاَبتهِ في دِينهِ أنْ قَضَى عَلَى شُعْبَةَ وتَتَجلَّى أَمَانةُ الأئمَّةِ في أَنَّ الوَاحِدَ مِنْهُم كَانَ إذا سُئِلَ عَنْ بَعْضِ الرُّواةِ قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ مَدَرَةٌ) المَدَرَةُ: الطِّيْنَةُ. ((( .50/ رَوَاهُ أَبو نُعَيْمٍ في حِلْيةِ الأَوْلِياءِ (2( 27/ رَوَاهُ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (3( 46/5(/ص .70/وَالْخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ فِي الجَامِعِ لأَخْلاَقِ الرَّاوِيِّ وَآدَابِ السَّامِعِ .50 /232/ مُقَدِّمةُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ (4(
عدد الصفحات ٣٦36 الذينَ لا مَعْرِفةَ بِهم صَرَّحَ بِعَدمِ مَعْرِفتهِ مِنْ غَيْرِ مُوَاربةٍ، ولاَ تَحَفُّظٍ، والأَمْثِلَةُ في ذَلِكَ كَثِيرةٌ جِدًّا، فَقَدْ سُئِلَ يَحْيى بنُ مَعِينٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، فَقَالَ: (لاَ ، وقالَ عَلِيُّ بنُ الـمَدِينيِّ: (عُبَيْدُ اللهِ بنُ سَلمَةَ بنِ وَهْرَامٍ، لاَ أَعْرِفُ (أَعْرِفُه)(( ، وسأَلَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ أَباهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ مَيْسُورٍ، فقَالَ: (لاَ (عُبَيْدَ اللهِ هَذَا يَعْني البُخَارِيَّ- عَنْ هَذَا –، وقالَ التِّرْمِذيُّ: (سَأَلْتُ مُحَمَّدًا (أَعْرِفُ مَيْسُوراً الْحَدِيثِ قُلْتُ: أَبُو شُرَيْحٍ مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: لاَ أَدْرِي لاَ أَعْرِفُ اسْمَهُ، وَلاَ أَعْرِفُ ، (اسْمَ أَبِي مُسْلِمٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، وَلاَ أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وسأَلَ (وسأَل الآجُرِّيُّ أَبا دَاوُدَ عَن مُعْتَمِر بْن نَافِعٍ البَاهِليِّ فَقَالَ: (لا أَعْرِفُهُ ، (ابنُ أَبي حَاتِمٍ أَباهُ وأَبا زُرْعَةَ عَنْ بَعْضِ الرُّواةِ، فكانَ رَدُّهُما: (لا أَعْرِفُهُ وسأَلَ حَمْزةُ السَّهْمِيُّ الإمامَ أَبا الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيَّ عَنْ أَبي حَبِيبٍ مُحَمَّدِ بنِ (.أَحْمَدَ الشَّهِيديِّ، قَالَ: (لاَ أَعْرِفُ وهَكَذا يَكُونُ أَداءُ الأَمَانةِ، وهَكَذا يَكُونُ الحِرْصُ والحَدَبُ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وبِذَلِكَ اسْتَحقَّ السَّلَفُ أَنْ يَكُونُوا أَمَناءَ اللهِ في أَرْضِه، وَحُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَكَهْفًا لِمَنْ يَأْوِي إلَيْهِمْ، وَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهِمْ، وبِذَلِكَ شَمِلَهُم قَوْلُ رَسُولِ اللهِ .228/ التَّارِيخُ الكَبِيرُ لابنِ أَبي خَيْثَمةَ ((( . العِلَلُ لابنِ الـمَدِينيِّ ص (2( .484/ العِلَلُ ومَعْرِفةُ الرِّجَالِ لأَحْمَدَ، رِوَايةُ وَلَدهِ عَبْدِ اللهِ (3( .56/ العِلَلُ الكَبِيرُ للتِرْمِذي (4( .( سُؤَالاَتُ الآجُرِّيِّ لأَبي دَاوُدَ (5( .(56/ ذَكَرَ ذََلِكَ كَثِيْراً فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ، وَمِنْه (6( .( سُؤَالاَتُ السَّهْمِيِّ للدَّارقُطْنِي (7(
عدد الصفحات ٣٧الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 37 ، ونُقِلَ(ﷺ: (لا يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ في هَذا الدِّينِ غَرْساً، يَسْتَعمِلُهُم في طَاعَتهِ)(( (.عَن الإمَامِ أَحْمَدَ قَوْلُهُ: (هُم أَصْحَابُ الحَدِيثِ ومَا ذَلِكَ إلاَّ أَمْثلِةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ عَشَراتٍ بلْ مِئَاتٍ لِبَعْضِ الجَوَانِبِ الخَيِّرَةِ في تَحَرِّي الدِّقَةِ والأَمَانَةِ، فإذَا شِئْتَ أَنْ تَقِفَ عَلَيْها أَو عَلَى بَعْضِهَا فَما عَلَيْكَ إلاَّ أَنْ تَدْنُو مِنْ سِيرِ القَوْمِ، وتَنْظُر فِيها، وَهِي مُدَوَّنةٌ -وللهِ الحَمْدِ- في كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ التَّرَاجِم والعِلَلِ والـمُتُونِ التِّي حَفِلتْ بِهم، لِتَرى العَجَبَ العُجَابَ مِن الصَّبْرِ والِجدِّ والـمُثَابرةِ في حِفْظِ سُنَّةِ نَبِيِّهم ﷺ مِنَ الضَّيَاعِ وعَبَثِ العَابِثِينَ، مِمَّا يَبْعَثُ عَلَى الاعْتِزَازِ والفَخْرِ، والاقْتِدَاءِ بِهم، فَجَزاهُم اللهُ عَن الإسْلاَمِ والـمُسْلِمينَ خَيْرَ الجَزَاءِ وأَكْمَلِه وأَفْضَلهِ، وجَمَعنا بِهم في مُسْتَقرِّ رَحْمَتهِ. المَبْحَثُ التَّاسِعُ أَهمُّ المُؤَلَّفاتِ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ أَكْثَرُ المُحَدِّثونَ في التَّأْلِيفِ في هَذا العِلْمِ الجَلِيلِ، ولَهُم في ذَلِكَ مَنَاهِجُ مُخْتَلِفَةٌ، وطُرُقٌ مُنَوَّعةٌ، فَمِنْهُم مَنْ أَفْرَدَ الرُّواةَ الضُّعَفَاءَ، ومِنْهُم مَنْ أَفْرَدَ الثِّقَاتِ، ومِنْهُم مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الثِّقَاتِ والضُّعَفاءِ، وهَذِه الكُتُبُ مِنْهَا الـمُطَوَّلُ الَّذي يَشْتَمِلُ عَلَى اسْمِ الرَّاوِي، ونَسَبهِ، وكُنْيتهِ، وبَلَدِه، ووُلاَدتِه، ووَفَاتهِ، ونَشْأَتهِ، ورِحْلاَتهِ، وشُيُوخهِ، وتَلاَميذِه، وأَقْوَالِ بَعْضِ أَئمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ فِيه، وقَدْ يُضِيفُونَ إلى ذَلِكَ بَعْضَ مَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مِن الحَدِيثِ، ومِنْهَا الـمُخْتَصَرُ الذِي يَذْكُرُ اسمَ الرَّاوِي، ونَسَبهِ، ومَا قِيلَ فيه مِنْ تَعْدِيلٍ أَو تَجْرِيحٍ بألْخَصِ عِبَارةٍ، وقدْ يُضِيفُونَ 36/ رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ ((( .034/بَيَانِ العِلْمِ وفَضْلِهِ نَقَلهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في جَامِعِ بَيَانِ العِلْمِ وفَضْلِهِ، في الـمَوْضِعِ السَّابِقِ. (2(
عدد الصفحات ٣٨38 بَعْضَ مَنْ رَوَى عَنْهُم، وبَعْضَ مَنْ رَووا عَنْهُ والكَلاَمُ عَلَى هَذِه الكُتُبِ تَفْصِيلاً لاَ يَتَسنَّى في هَذِه العُجَالةِ، وقَدْ فَصَّل القَوْلَ فِيها عَدَدٌ مِن الـمُصَنِّفينَ، مِنْهُم: العَلاَّمةُ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ شَاه وَليِّ اللهِ الدُّهْلَويُّ الـهِنْدِيُّ (ت ابنُ جَعْفَرٍ الكَتَّانيُّ (ت السُّنَّةِ الـمُشَرَّفةِ)، وأُسْتَاذُنا العَلاَّمةُ الدُّكْتُورُ أَكْرَمُ العُمَرِيُّ في كِتَابه: (بُحُوث في تَارِيخِ السُّنَّةِ الـمُشَرَّفةِ)، بالإضَافةِ إلى كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الأَثْبَاتِ والفَهَارِسِ والـمَعَاجِمِ الَّتي صَنَّفَها الـمُحَدِّثُونَ لِجَمْعِ مَرْويَّاتِهم، مِثْلَ: (الفِهْرَسةِ) لابنِ خَيْرٍ ، و(الـمُعْجَمِ ((((الإشْبِيليِّ (ت الـمُفَهرسِ أَو تَجْرِيدِ أَسَانِيد الكُتُبِ الـمَشْهُورةِ والأَجْزَاءِ الـمَنْثُورةِ) لابنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنيِّ (ت فَهُو إذنْ بَابٌ وَاسِعٌ لاَ يَتَّسِعُ الْمَقَامُ لِسَرْدِها كَامِلَةً، ولكنْ أَذْكُر أَشْهَرَ العَنَاوِينَ الَّتي قَصَدَها الـمُحَدِّثُونَ بالتأْلِيفِ، مَعَ ذِكْرِ بَعْضِ الكُتُبِ تَحْتَ كُلِّ عُنْوَانٍ، واقْتَصَرْتُ عَلَى مَا هُو مَطْبُوعٍ ومُتَدَاوَلٍ، لِتَتَّضِحَ الصُّورةُ الـمُشْرِقةُ عَنْ جُهُودِهم في خِدْمَةِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وصِيانَتِها، وحِفْظِها مِن الزِّيادةِ والنُّقْصَانِ، وقَدْ (:رَتَّبْتُها عَلَى الأَنْوَاعِ الآتيةِ كُتُبُ الضُّعَفَاءِ والـمَتْرُوكينَ، مِثْلُ: كِتَابِ الضُّعَفَاءِ الصَّغِيرِ للبُخَارِيِّ النَّوْعُ الأَوَّلُ: (ت والضُّعَفَاءِ لأَبي جَعْفَرٍ العُقَيْلِيِّ (ت طُبِعَ بِتَحْقِيقنا، وصَدَر سَنَةَ ((( ذَكَرتُ الكُتُبَ مُرَتَّبةً عَلَى حَسَبِ وَفيَّاتِ مُؤَلِّفِيها، ولهذا ذَكَرتُ سَنَةَ وَفَاةِ كُلِّ مُصَنِّفٍ. (2(
عدد الصفحات ٣٩الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 39 لابنِ حِبَّانَ (ت (ت لابنِ حَجَرٍ (ت كُتُبُ الثِّقَاتِ، مِثْل: كِتَابِ الثِّقَاتِ لابنِ حِبَّانَ (ت النَّوْعُ الثَّاني: (.لابنِ شَاهِينَ (ت كُتُبٌ جَمَعتْ بَيْنَ الثِّقَاتِ والضُّعَفَاءِ، وَهِي كَثِيرةٌ، مِنْها: كِتَابُ النَّوْعُ الثَّالِثُ: التَّارِيخِ الكَبِيرِ، وكِتَابُ التَّارِيخِ الأَوْسَطِ للبُخَارِيِّ (ت وكِتَابُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ لابنِ أَبي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ (ت ويُلْحَقُ بِهذا النَّوْعِ أيضاً كِتَابُنا هَذا تَمْييزُ الرِّجَالِ للعِجْلِيِّ، وكَذَا كِتَابُ ابنِ البَرْقِيِّ الـمَوْسُومُ: تَمْييزُ ثِقَاتِ المُحَدِّثينَ وضُعَفَائِهم وأَسْمَائِهِمْ وكُنَاهُم. كُتُبٌ عَامَّةٌ غَيْر مُقَيَّدةٍ، تَجْمَعُ مَا بينَ الرُّوَاةِ وغَيْرِهِم، مِثْلُ: الطَّبَقَاتِ النَّوْعُ الرَّابِعُ: الكُبْرَى لِمُحَمَّدِ بنِ سَعْدٍ كَاتِبِ الوَاقِديِّ (ت الطَّبَقَاتِ، وكِتَابِ التَّارِيخِ وكِلاَهُما لِخَلِيفةَ بنِ خَيَّاطٍ العُصْفَرِيِّ (ت الفَسَوِيِّ (ت خَيْثَمةَ زُهَيْرِ بنِ حَرْبٍ (ت النَّاسِ للتَّذْكِرةِ والـمُسْتَطْرفِ مِنْ أَحْوَالِ الرِّجَالِ للمَعْرِفةِ لأَبي ، ((((القَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مَنْدَه (ت طُبِعَ بِتَحْقِيقَنا، وصَدَرَ في أَرْبَعَة مُجَلَّداتٍ في الطَّبَعَةِ الثَّانيَّةِ، عَنْ وزَارةِ العَدْلِ والشُّؤُونِ ((( الإسْلاَميَّةِ والأَوْقَافِ في مَمْلَكَةِ البَحْرِينَ سَنَة
عدد الصفحات ٤٠40 وتَذْكِرةِ الحُفَّاظِ، وسِيرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاءِ، وتَارِيخِ الإسْلاَمِ وكُلُّها للحَافِظِ الذَّهَبِيِّ (ت كُتُبُ السُّؤَالاتِ، وَهِيَ أَنْ يَقُومَ أَحَدُ التَّلاميذِ بِسُؤالِ شَيْخِه عَنْ النَوْعُ الخَامِسُ: مَجْمُوعَةٍ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ، ثُمَّ يُدَوِّنُ أَجْوِبتَهُ في كِتَابٍ، وَهِيَ كَثِيرةٌ، مِنْهَا: السُّؤَالاتُ عَنْ يَحْيى بنِ مَعِينٍ (ت عَبَّاسِ بنِ مُحَمَّدٍ الدُّوْرِيِّ، ورِوَايةِ عُثْمَانَ بنِ سَعِيدٍ الدَّارِميِّ، ورِوَايةِ ابنِ الجُنَيْدِ وغَيْرِهِم، وسُؤَالاتُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ بنِ أَبي شَيْبَةَ لِعَلِيِّ بنِ الـمَدِينيِّ (ت وسُــؤَالاتُ الإمَــامِ أَحْمَدَ (ت ورِوَايةِ الـمَيْمُونيِّ، ورِوَايةِ الـمَرُّوْذِيِّ، ورِوَايةِ صَالِحٍ، ورِوَايةِ ، ورِوَايةِ إسْحَاقَ الكَوْسَجِ، ورِوَايةِ (عَبْدِاللهِ، ورِوَايةِ الأَثْرَمِ(( حَرْبٍ وغَيْرِهِم، ومَسَائِلُ أبي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ بنِ أَبي ، (شَيْبَةَ (ت وسُؤالاَتُ كُلٍّ مِنْ: البَرْقَانِيّ، وحَمْزَةَ السَّهْمِيِّ، والسُّلَمِيّ وغَيْرِهم (.لأَبي الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ (ت كُتُبٌ للكُنَى، وَالكُنْيَةُ مَا صُدِّرَتْ بِأَبٍ أَوْ أُمٍّ، مِثْلُ: الأَسْمَاءِ النَّوْعُ السَّادِسُ: والكُنَى لأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ (ت (ت عَبْدِاللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ المُقَدَّمِيِّ (ت طُبِعَ بِتَحْقِيقِنا، وصَدَر سَنَةَ ((( طُبِعَ بِتَحْقِيقِنا، وصَدَر سَنَةَ (2(
عدد الصفحات ٤١الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 41 لأَبي بِشْرٍ الدُّولاَبيِّ (ت زَوْجِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ لأَبِي الحَسَن بنِ حَيُّويه (ت مَنْ يُعْرَفْ بِكُنْيتهِ لأَبي الفَتْحِ الأَزْدِيِّ (ت أَحْمَدَ الحَاكِمِ (ت لابنِ مَنْدَه (ت البَرِّ (ت وغَيْرِها. كُتُبُ الأَلْقَابِ والأَنْسَـابِ، مِثْلُ: كِتَابِ الأَلْقَـابِ لأَبِي الوَلِيدِ بْنِ النَّوْعُ السَّـابِعُ: الفَرَضِـيِّ الأَنْدَلُسِـيِّ (ت الفَضْـلِ مُحَمَّـدِ بـنِ طَاهِـرٍ المَقْدِسِـيِّ (ت لأَبـي سَـعْدٍ السَّـمْعَانيِّ (ت (ت ابنِ الجَوْزِيِّ (ت ابنِ الأَثِيْرِ الجَزَرِيِّ (ت الخَطِّ والنُّقَطِ والشَّـكْلِ لابنِ بَاطِيش (ت في الأَلْقَابِ لابن حَجَرٍ العَسْقَلاني ، (، والـمُتَّفِقِ والـمُفْتَرِقِ ( كُتُبٌ تَتَعَلَّق بِبَيَانِ الـمُؤْتَلِفِ والـمُخْتَلِفِ(( النَّوْعُ الثَّامِنُ: والـمُتَشَابهِ، والـمُلْتَبِس، مِثْلُ: الـمُؤْتَلِفِ والـمُخْتَلِفِ للدَّارَقُطْنِيِّ الـمُؤْتَلِفُ والـمُخْتَلِفُ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِكَ اسْمَانِ فِي سُورَةِ الخَطِّ وَيَخْتَلِفَانِ فِي النُّطْقِ، مِثْلُ ((( سَلاَمٍ وَسَلاَّمٍ. والـمُتَّفِقُ والـمُفْتَرِقُ: هُوَ مَا اتَّفَقَ خَطًّا وَلَفْظاً وَافْتَرَقَ مُسَمَاهُ. (2(
عدد الصفحات ٤٢42 (ت وتَالي التَّلْخِيصِ، وغُنْيَةِ المُلْتَمِس في إيْضَاحِ المُلْتَبِس، وكُلُّها للخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ (ت الـمُؤْتَلِفِ والـمُخْتَلِفِ في الأَسْمَاءِ والكُنَى والأَنْسَابِ، وكتابِ تَهْذِيبِ مُسْتَمِرِّ الأَوْهَــامِ عَلَى ذَوي المَعْرِفةِ وأُولِي الأَفْهَامِ، وكِلاَهُما لأَبي نَصْرِ بنِ مَاكُولا (ت وتَمْيِيزِ المُشْكِلِ لأَبي عَلِيٍّ الغَسَّانِيِّ الجَيَّانِيِّ (ت الأَنْسَابِ الـمُتَّفِقَةِ في الخَطِّ الـمُتَمَاثلةِ في النُّقَطِ لأَبي الفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ المَقْدِسِيِّ (ت (ت والـمُشْتَبهُ للذَّهَبِي الدِّمَشْقيِّ (ت (ت كُتُبُ التَّوَارِيخِ الـمَحَليِّةِ، وَهِي الَّتي اعْتَنَتْ بِذِكْرِ بيانِ وأَحْوَالِ النَّوْعُ التَّاسِعُ: الـمُنْتَسِبينِ إلى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، ومِن الوَارِدينَ عَلَيْهِ، وفِيهم مُحَدِّثُونَ وغَيْرُ مُحَدِّثينَ، وَهِيَ كَثِيرةٌ جدًّا، مِنْهَا: تَارِيخُ وَاسِطَ لأَسْلمَ بنِ سَهْلٍ الوَاسِطيِّ الـمَعُروفِ بِبَحْشَلٍ (ت إفْرِيقيِّةَ وتُونُسَ لأَبي العَرَبِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ القَيْرَوانيِّ (ت 333 وطَبَقَاتُ الـمُحَدّثينَ بأَصْبَهَانَ لأَبي الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ ابنِ حَيَّانَ (ت
عدد الصفحات ٤٣الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 43 ابنِ عَبْدِاللهِ الخَوْلاَنيِّ (ت لأَبي الوَلِيدِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الفَرضِيِّ (ت عُلَمَاءِ أَهْلِ مِصْرَ لابْنِ الطَّحَّانِ (ت لِحَمْزةَ بنِ يُوسُفَ السَّهْمِيِّ (ت أَحْمَدَ بنِ عَلِيٍّ الخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ (ت المِصْرِيِّينَ لأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ الحَبَّالِ (ت عُلَمَاءِ سَمَرْقَندَ لِنَجْمِ الدِّينِ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيِّ (ت وتَارِيخُ مَدينةِ دِمَشْقَ لأَبي القَاسِمِ عَلِيِّ بنِ الحَسَنِ بنِ عَسَاكِرَ (ت 57( (ت كُتُبٌ تَتَعَلَّقُ بِرُواةِ كُتُب مُعَيَّنةٍ، مِثْلُ: أَسَامِي شُيُوخِ البُخَارِيِّ الَّذِينَ النَّوْعُ العَاشِرُ: ، وَأَسَامِي مَشَايِخِ ((((أَخْرَجَ لَهُم في الصَّحِيحِ لابنِ عَدِيٍّ(ت (الإِمَامِ البُخَارِيِّ لأَبي عَبْدِاللهِ ابنِ مَنْدَه الأَصْبَهَانيِّ (ت والتَّعْدِيلِ والتَّجْرِيحِ لِمَنْ خَرَّجَ له البُخَارِيُّ في الجَامِعِ الصَّحِيحِ لأَبي الوَلِيدِ البَاجِيِّ الأَنْدَلُسِيِّ (ت الحجَّاجِ الـمِزيِّ (ت ابنِ قَلِيج (ت وكِلاَهُما لابنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنيِّ (ت رُوَاةِ أَصْحَابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، والإكْمَالِ في ذِكْرِ مَنْ له رِوَايةٌ في مُسْنَدِ الإمَامِ أَحْمَدَ مِن الرِّجَالِ سِوَى مَنْ ذُكِرَ في تَهْذِيبِ الكَمَالِ طُبِعَ بِتَحْقِيقِنا، وصَدَر سَنَةَ ((( وأَنا بِجِوَارِ قَبْرِ الإمَامِ البُخَارِيِّ في خَرْتَنْكَ مِنْ ضَوَاحِي سَمَرقَنْدَ بِجَمْهُوريِّة أُوزْبكِسْتانَ.
عدد الصفحات ٤٤44 لأَبي الـمَحَاسِنِ الحُسَيْنيِّ (ت رِجَالِ الأئمَّةِ الأَرْبَعةِ لابنِ حَجَرٍ، وإسْعَافِ الـمُبَطَّأ بِرِجالِ المُوطَّأ لـِجَلالِ الدِّينِ السُّيوطِيِّ (ت كُتُبٌ تَتَعلَّقُ بالصَّحَابةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وَهِي كَثِيرةٌ، النَّوْعُ الحَادِي عَشَر: مِنْها: مُعْجَمُ الصَّحَابةِ لأَبي القَاسِمِ البَغَوِيِّ (ت الصَّحَابةِ لأَبي الحُسَيْنِ بنِ قَانِعٍ البَغْدَادِيِّ (ت ، ومَعْرِفةُ ((((الصَّحابةِ لأَبي عَبْدِاللهِ بنِ مَنْدَه الأَصْبَهَانيِّ (ت الصَّحَابةِ لأَبي نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيِّ (ت مَعْرِفةِ الأَصْحَابِ لابنِ عَبْدِ البَرِّ القُرْطُبي تَمْيِيزِ الصَّحَابةِ لابنِ حَجَرٍ العَسْقَلاَنيِّ (ت * * * هَذِه بَعْضُ الكُتُبِ الَّتي صَنَّفَها عُلَمَاءُ الحَدِيثِ، وَهِي غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ، ونُقْطَةٌ مِنْ بَحْرٍ، فإنَّ هِمَمَهُم لم تَقِفْ عِنْدَ هَذا الحَدِّ في بَيَانِ تَارِيخِ الرُّوَاةِ وأَحْوَالِهم مِنْ حَيْثُ الجَرْحُ والتَّعْدِيلُ، بلْ لَهم جُهُودٌ أُخْرَى عَظِيمةٌ لاَ تِقلُّ أَهَميَّةً عَنِ الجُهُودِ الـمَذْكُورَةِ آنفاً، بلْ هي مُتَّصِلةٌ بِها لاَ تَنْفَكُّ عَنْها، مِثْل الكُتُبِ الَّتي تَتَعلَّقُ بمَعْرِفةِ الآباءِ والأَبْنَاءِ، والإخْوَةِ والأَخَوَاتِ، والأَقْرَانِ، والوُحْدَانِ، والـمُخَضْرَمِينَ، والـمُخْتَلِطِينَ، والـمُدَلِّسينَ، وَمَعْرِفَةِ الوَفَيَاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ مُرَاجعَةُ الكُتُبِ الَّتي جَمَعتْ جُهُودَ الـمُحَدِّثينَ في هذا العِلْمِ، وقد ذَكَرْنا بَعْضَها في أَوَّلِ هذا الـمَبْحَثِ، واللهُ الموفِّقُ. طُبِعَ بِتَحْقِيقِنا في مُجَلَّدِينِ، وصَدَرَ سَنَة (((
عدد الصفحات ٤٥الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 45 المَبْحَثُ العَاشِرُ قَوَاعِدُ في المَنْهَجِ الشَّرْعِيِّ في الحُكْمِ عَلَى الآخَرِينَ بَعْدَ عَصْرِ الرِّوايةِ ذَكَرنَا سَابِقاً أَنَّ جَرْحَ رُوَاةِ الحَدِيثِ مِنَ النَّصِيحةِ، بلْ مِن الوَاجِباتِ الشَّرْعيَّةِ الَّتي أَلْزَمَ العُلَمَاءُ أَنْفُسَهُم بِها، وأَنَّهُ ضَرُورةٌ مُلِحَّةٌ، وفَرِيضَةٌ شَرْعيَّةٌ، صِيانَةً لِشَرِيعةِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الكَذِبِ، وحِفْظاً لِسُنَّةِ النبيِّ ﷺ مِنْ أَبَاطِيلَ الـمُنْحَرِفينَ، وافْتِرَاءاتِ الـمُضِلِّلينَ، وذَكَرنا آنفاً أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَتَوفَّرَ في الجَارِحِ والـمُعَدِّلِ شُرُوطاً، عَلَى رأْسِها أَنْ يَكُونَ عَالِماً، تَقِيّاً، مَعْرُوفاً بالصِدْقِ والوَرَعِ، بَعِيداً عَن التَّعَصُّبِ والـهَوَى. وعِلْمُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ مُخْتَصٌّ في الأَصْلِ بِرُواةِ الحَدِيثِ دُونَ غَيْرِهم، وأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ في الغَالِبِ في حُدُودِ عَصْرِ الرِّوايةِ الَّتي تَمْتَدُّ إلى القَرْنِ الثَّالِثِ الَّذِي كَانَ القَرْنَ الذَّهَبِيَّ للسُّنَّةِ، وفِيها دُوِّنَتْ جُلُّ دَوَاوِينِ الإسْلاَمِ، ولم يَبْقَ مِن الرِّواياتِ الشَّفَهيَّةِ غَيْر الـمُدَوَّنَةِ في الـمُصَنَّفَاتِ - بَعْدَ هَذا القَرْنِ - شَيءٌ يُذْكَرُ، واقْتَصَر دَوْرُ العُلَمَاءِ في القُرُونِ التَّاليةِ عَلَى إتْمَامِ الصَّرْحِ الَّذي شَيَّدهُ أئمَّةُ هذا القَرْنِ وإكْمَالهِ، فَجَاءتْ كُتُبُ هَؤُلاءِ مُرْتَبِطَةً بِمُؤلَّفَاتِ ذَلِكَ القَرْنِ جُزْئيّاً أَو كُليًّا، مِنْ حَيْثُ الجَمْعُ بينَ كُتُبِ السَّابِقِينَ، أَو اخْتِصَارُها، أَو إعَادَةُ تَرْتِيبها ونَحْو ذَلِكَ. وقَدْ يَسأَلُ سَائِلٌ فَيَقُولُ: هَل الجَرْحُ مُنْحَصِرٌ في عَصْرِ الرِّوَايةِ، أَمْ يَتَعَدَّى إلى مَا بَعْدَهُ ؟ والجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يَنْحَصِرُ مِنْ خِلاَلِ القَوَاعِدِ الآتيةِ: إنَّ الأَصْلَ عِظَمِ حُرْمَةِ الـمُؤْمِنِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وأَنَّهُ يَحْرُمُ بَخْسَهُ، القَاعِدَةُ الأُولَى: والتَّعَرُّضُ لَهُ بِغِيْبَةٍ، أَو حَسَدٍ، أَو بَغْضَاءَ، وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ
عدد الصفحات ٤٦46 ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (صَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَنَادَى (حَقٍّ)(( بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهَُّ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهَُّ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ). قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى البَيْتِ أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ فَقَالَ: (مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ (.مِنْكِ تَزْدَادُ حُرْمَةُ الـمُؤْمِنِ، ويَعْظُمُ الذَّنْبُ، ويُغَلَّظُ الإثمُ إذا كَانَ القَدْحُ القَاعِدَةُ الثَّانِيةُ: الجَائِرُ في العُلَمَاءِ، فَهُم سَادَةُ الأُمَّةِ، وقَادَتُها، فلاَ يَجُوزُ سَبُّهُم، ولاَ التَّشْهِيرُ بِهم، ولاَ تَتَبُّعُ عَثَرَاتِهم، ولاَ نَشْرَها بينَ النَّاسِ، لأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى فَسَادٍ كَبِيرٍ، وفِتْنَةٍ عَظِيمَةٍ، قالَ الحافظُ الـمُؤَرِّخُ أبو القَاسِمِ بنُ عَسَاكِرَ: (اعْلَمْ -يَا أَخي، وَفَّقنَا اللهُ وَإِيَّاكَ لِمَرْضَاتهِ مِمَّن يَخْشَاهُ ويَتَّقِيه حَقَّ تُقَاتهِ- إِنَّ لُحُومَ الْعلمَاءِ رَحْمَةُ اللهَّ عَلَيْهِم مَسْمُومَةٌ، وَعَادَةُ اللهَِّ فِي هَتْكِ أَسْتَارِ مُنْتَقِصيهِم مَعْلُومَةٌ، لأَِنَّ الوَقِيعةَ فِيهم بِمَا هُم مِنْهُ برَاءٌ أَمْرُهُ عَظِيمٌ، والتَّنَاولَ لأَعْرَاضِهم بالزُّورِ والافْتِرَاءِ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ، والاخْتِلاَقَ عَلَى مَن اخْتَارَهُ اللهَُّ مِنْهُم رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ ((( والوَقِيعَةُ فِيه، وذِكَرهُ بِما يُؤْذِيه، أَو يَكْرَهُه، كَمَا قالَ الـمُنَاوِيُّ في فَيْضِ القَدِيرِ شَرْحِ .53(/الجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ التِّرْمِذي (2( مَرْفُوعاً،وقَالَ التِّرْمذِيُّ: (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)، وَهُو كَمَا قَالَ
عدد الصفحات ٤٧الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 47 لِنَعْشِ الْعِلْمِ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، والاقتداءَ بِمَا مَدَحَ اللهَُّ بِهِ قَولَ الـمُتَّبِعينَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ لِمَنْ سَبَقَهُمْ وَصْفٌ كَرِيمٌ، إِذْ قَالَ مُثْنِياً عَلَيْهِم ﱫﭑ فِي كِتَابه -وَهُوَ بمَكَارِم الأَْخْلاَقِ وصَدِّها عَلِيمٌ: ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ والارْتِكَابَ لِنَهْي النَّبِيِّ ﷺ عَن الاغتيابِ، وَسَبِّ ﭦ ﭧﱪ ﱫﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ الأَْمْوَاتِ جَسِيمٌ: ،وَقَالَ أَيْضاً: (مَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ (((ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﱪ ، وقالَ (فِي العُلَمَاءِ بَلاَهُ اللهَُّ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمَوْتِ القَلْبِ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: (ثُمَّ إنَّ الكَبِيرَ مِنْ أَئمَّةِ العِلْمِ إذا كَثُرَ صَوَابُهُ، وعُلِمَ تَحَرِّيه للحَقِّ، واتَّسَعَ عِلْمُهُ، وظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وعُرِفَ صَلاَحُهُ ووَرَعُهُ واتِّبَاعُهُ، يُغْفَرُ لَهُ زَلَـلُهُ، ولا نُضَلِّلُهُ، ونَطَّرِحُهُ، ونَنْسَى مَحَاسِنَهُ،نَعَمْ، ولاَ نَقْتَدِي به في بِدْعَتهِ وخَطَئِه، ونَرْجُو له التَّوبةَ (.مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ: ويَدْخُلُ العُلَمَاءُ وأَهْلُ الدِّينِ دُخُولاً أَوَّلياً في قَوْلهِ ﷺ: (أَقِيلُوا ذَوِي الهيئاتِ عَثَراتِهم إلاَّ الحُدُودَ)، وسَيأْتي ذِكْرُهُ في القَاعِدة الثَّامِنةِ. كَانَ السَّلَفُ رَحِمَهُم اللهُ تَعَالى مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بُعْداً عَن الغِيْبَةِ، القَاعِدةُ الثَّالِثةُ: . تَبْيِينُ كَذِبِ الـمُفْتَرِيِّ فِيما نُسِبَ إلى الإمَامِ أَبي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ ص ((( . المَصْدَرُ السَّابِقُ ص (2( .27(/ سِيرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ للذَّهَبِي (3(
عدد الصفحات ٤٨48 وفي الحَذَرِ مِنْها، فَهَذا الإمَامُ الحَافِظُ الحُجَّةُ أَبو عَاصِمٍ النَّبِيلُ شَيْخُ البُخَارِيِّ- يَقُولُ: (مَا اغْتَبْتُ أَحَداً مُنْذُ عَلِمتُ أَنَّ الغِيْبَةَ – ، وقَالَ تِلْمِيْذُهُ الإمامُ أَبو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ: (إنِّي (تَضُرُّ بأهلِهَا)(( ، وعَلَّقَ عَلَيْهِ (أَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ ولاَ يُحَاسِبُني أَنِّي اغْتَبْتُ أَحَداً الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فَقَالَ: (صَدَقَ رَحِمهُ اللهُ، ومَنْ نَظَرَ في كَلاَمهِ في الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ عَلِمَ وَرَعَهُ في الكَلاَمِ في النَّاسِ، وإنْصَافَهُ فِيمنْ يُضَعِّفُهُ، فإنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَقُولُ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، سَكَتُوا عَنْهُ، فِيه نَظَرٌ، ونَحْو هَذا، وقَلَّ أَنْ يَقُولَ: فُلاَنٌ كَذَّابٌ، أَو كَانَ يَضَعُ الحَدِيثَ، حَتَّى إنَّهُ قالَ: إذا قُلْتُ فُلاَنٌ في حَدِيثه نَظَرٌ فَهُو مُتَّهَمٌ، وَاهٍ، وهَذا مَعْنَى قَوْلهِ: لا يُحَاسِبُنِي اللهُ أَنِّي اغْتَبْتُ أَحَداً، وهَذا هُو واللهِ غَايةُ (.الوَرَعِ رَدُّ الغِيبةِ عَلَى الـمُغْتَابِ، وقدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَنْ ذَبَّ عَنْ القاعدة الرابعة: ، وقالَ (لَحْمِ أَخِيه بالغِيبةِ، كانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِن النَّارِ ﷺ: (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلاَّ خَذَلَهُ اللهَُّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ .336/ رَوَاهُ البُخَارِيُّ في التَّارِيخِ الكَبِيرِ ((( 322 / رَوَاهُ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ في تَارِيخِ بَغْدَادَ (2( .276/( .(40/439 / قَالَهُ الذَّهَبِيُّ في سِيرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ (3( رَوَاهُ ابنُ الـمُبَارَكِ في الرَّقَائقِ (4( الحَدِيثُ
عدد الصفحات ٤٩الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 49 ،(وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلاَّ نَصَرَهُ اللهَُّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ)(( وذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ رَجُلاً بِسُوءٍ عِنْدَ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الـمُزَنِيِّ قَاضِي البَصْرةِ، فَنَظَرَ فِي وَجْهِه، ثم قَالَ: (أَغَزَوْتَ الدَّيْلَمَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: غَزَوْتَ السِّنْدَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: غَزَوْتَ الرُّومَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَسَلِمَ مِنْكَ الدَّيْلَمُ، وَالسِّنْدُ، وَالْهِنْدُ، وَالرُّومُ، وَلَيْسَ يَسْلَمُ (.عَلَيْكَ أَخُوكَ هَذَا؟!) فَلَمْ يَعُدْ سُفْيَانُ إِلَى ذَلِكَ لاَ بُدَّ مِن النَّظَرِ بأَنَّهُ لاَ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِن الخَطأ، وكَفَى بالمرءِ القَاعِدةُ الخَامِسَةُ: نُبْلاً أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ، ولأَجْلِ ذَلِكَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَدْفِنَ الـمَحَاسِنَ لِخَطأ، ونَنْسَى الفَضَائِلَ الَّتي كَالِجبَالِ، فإنَّ الإنْسَانَ يُوصَفُ بِما غَلَبَ عَلَيْهِ، لاَ بِما نَدَر مِنْ أَحْوَالهِ، كَمَا أنَّ الـمَاءَ إذا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الخَبَثَ، فلاَ بُدَّ مِن الإنْصَافِ، والتَّوَازُنِ، والاعْتِدَالِ، والنَّظَرِ إلى حَالِ المرءِ مِنْ جَمِيعِ الجَوَانِبِ، وعَدَمِ التَّركِيزِ عَلى الخَطأ القَلِيلِ، وتَرْكِ الصَّوَابِ الكَثِيرِ، والإنْسَانُ يُوصَفُ بِما غُلِبَ عَلَيْهِ، لا بِمَا نَدَر مِنْ أَحْوَالهِ، قالَ الشَّاعِرُ: (وَإِذَا الْحَبِيبُ أَتَى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ جَاءَتْ مَحَاسِنُهُ بِأَلْفِ شَفِيعِ وتَجَاوزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ حِيْنَما كَتَبَ إِلَى رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ ((( 288/26 95/ رَوَاهُ يَعْقُوبُ بنُ سُفْيَانَ في الـمَعْرِفةِ والتَّارِيخِ (2( .(8/8/9 هَذا البَيْتُ مَشْهُورٌ، وَهُو للشَّاعِرِ أَبي البَركَاتِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ التِّكْرِيتيِّ ثُمَّ البَغْدَادِي (3( .الـمُتَوفَّى سَنَةَ
عدد الصفحات ٥٠50 أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِغَزْو رَسُولِ اللهَِّ ﷺ لَهُم، فقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهَِّ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، قَالَ: (إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهََّ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ (.عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)(( وقالَ الإمَامُ الـمُجْتَهِدُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: (في حَدِيثِ حَاطِبِ ابنِ أَبي بَلْتَعَةَ مِن الفِقْهِ أَنَّ الإمَامَ إذا ظَهَرَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ السِّتْرِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَاتَبَ عَدُوًّا مِنَ المُشْرِكينَ يُنْذِرُهُم بِبَعْضِ مَا أَسَرَّهُ المُسْلِمُونَ فِيهم مِنْ عَزْمٍ، ولَمْ يَكُن الكَاتِبُ مَعْرُوفًا بالسَّفَهِ والغِشِّ للإسْلاَمِ وأَهْلهِ، وكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهِ هَفْوةً وزَلَّةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَها أَخَواتٌ، فَجَائِزٌ العَفْوُ عَنْهُ كَمَا فَعَلهُ الرَّسُولُ ﷺ (.بِحَاطِبٍ مِنْ عَفْوهِ عَنْ جُرْمهِ بَعْدَما اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلهِ وقَالَ أُسْتَاذُنا العَلاَّمةُ مُحَمَّدُ بِنُ مُحَمَّد أَبو شَهْبةَ رَحِمَهُ اللهُ: (والـمُرَادُ عَدَمُ مُؤَاخَذَتِهم عَمَّا عَسَى أَنْ يَبْدُرَ مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ مِن الزَّلاَّتِ، والتَّجَاوُز عَنْ سَيَّئَاتِهم، كِفَاءً مَا قَدَّمُوا للإسْلاَمِ مِنْ مُخَاطَرةٍ بالنَّفْسِ في هَذِه الغَزْوةِ، وما أَظْهَرُوهُ مِنْ إيْمانٍ وبُطُولَةٍ، ولَيْسَ الـمُرَادُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانهُ أَبَاحَ لهم أَنْ يَفْعَلُوا أَيَّ شَيءٍ أَرَادُوهُ مِنَ الـمَعَاصِي والآثَامِ كَمَا يُتَوهَّمُ ذَلِكَ، وقد كَانَ صَحَابةُ رَسُولِ اللهِ ولاَ سِيِّما أَهْلُ بَدْرٍ أَشَدَّ النَّاسِ تَقْوَى للَّهِ، وخَوْفاً مِنَ اللهَِّ، عَلَى كَثْرَةِ مَا وَعَدَهُم مِن الـمَغْفِرةِ والرُّضْوَانِ والنَّعِيمِ الـمُقِيمِ في (. رَوَاهُ البُخَارِي ((( .62/ نَقَلهُ الإمَامُ ابنُ بَطَّالٍ في شَرْحِ صَحِيحِ البُخَارِي (2(
عدد الصفحات ٥١