الوجه الثاني :- ان الروايات الثابتة والصريحة الواردة في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء تؤكد أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يصافح النساء في البيعة فمن ذلك ما سبق من حديث عاكشة حيث قالت " لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط ؛ غير أنه بايعهن بالكلام " وكذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يصافح النساء في البيعه » وما ورد في حديث أميمه بنت رقيقه حيث قالت : هلم نبايعك ٠ قال سفيان - أحد رواة الحديث - تعني صافحنا . فقال رسول الله : « إني لا أصافح النساء » فقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا قاله في البيعه ء فتأويل حديث ام عطيه يتناقض مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ٠ وقوله عليه الصلاة والسلام مقدم على قول غيره في جميع الاحوال . وكذلك ما ورد في احدى روايات حديث أميمه السابق " قالت : ولم يصافح رسول الله منا امرأه" ش فهذه الادلة الصحيحة الصريحة تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح أحداً من النسوة في البيعة , فلا ينبغي لمسلم أن يترك هذه الادلة ويتمسك بتأويل فاسد لحديث أم عطيه ء وخاصة أن المصافحة لم تذكر في ذلك الحديث أصلاً » ويزعم أن النصوص متعارضه . قال الشيخ الالباني " وجملة القول أنه لم يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صافح امرأة قط . حتى ولا في المبايعة » فضلاً عن المصافحة عند الملاقاة . فاحتجاج البعض لجوازها بحديث ام عطيه الذي ذكرته مع أن المصافحة لم تذكر فيه واعراضه عن الاحاديث الصريحة في تنزهه صلى الله عليه وسلم عن المصافحة لأمر لا يصدر عن مؤمن مخلص )١(' )١( سلسلة الاحاديث الصحيحه ؟/0ه شرن 5
عدد الصفحات ٣٣الوجه الثالث :- إن دعواكم بأن حديث ام عطيه ( نص في المصافحة ) دعوى لا ينقضي منها العجب ٠ وهي دعوى عريضه ينقصها الدليل ويعوزها وكيف يكون نصاً في المصافحة في البيعة كما زعمتم ٠ وعائشة وعبد الله بن عمرو وأميمه بنت رقيقه - التي حضرت البيعة - يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم بايع النساء بدون مصافحة ؟ . وكيف يكون نصاً في المصافحة في البيعة والرسول عليه الصلاة والسلام يقول : « إني لا أصافح النساء » ؟ . وكيف يكون نصاً في المصافحة في البيعة وأنتم تقولون ان امتناع الرسول عليه الصلاة والسلام عن المصافحة امتناعٌ منه عن مباح ٠ فأنتم قد أثبتم أنه عليه الصلاة والسلام لم يصافح النساء في البيعة » وتقولون هنا أن حديث ام عطيه نص في المصافحة , فما هذا التناقض ؟ تند تنا الشبهة الثانيه :- قال النبهاني عن حديث ام عطيه ” فهذا حديث يدل على أن الرسول جابع النساء بالمصافحة بدليل قوله : 1 فقبضت امرأة منها يدها | فان معناها أن : النساء الاخريات اللواتي معها لم يقبضن أيديهن » ؛ يعني أنهن بايعن بأيديهن , أي بالمصافحة . وحديث اميمة يقول : > اني لا أصافح النساء * » وعائشة تقول : “ ما مست يده يد امرأة ” وفي هذا تعارض » فيكون حديث البيعة بالمصافحة يتعارض مع حديث أنه لم يصافح النساء " )١( ٠١8 - ٠١1/5 الشخصية الاسلامية )١( عل
عدد الصفحات ٣٤والجواب :- أن دعوى التعارض التي رسمها النبهاني غير صحيحه ٠ فان التعارض لا يكون بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم وبين فهم خاطيء فهمه احد الناس من نص شرعي ء وانما التعارض المعتبر عند الأصوليين هو الذي يقع بين دليلين شرعيين متساويين على سبيل التمانع . )١( فهل هذا متحقق في دعواكم التعارض المزعوم ء وإذا اعدنا النظر في هذه الدعوى فماذا نجد ؟ نجد قول الرسول عليه الصلاة والسلام : « لا أصافح النساء » » وقول عائشة : " ما مست يده يد امرأه " » ثم نجد تأويل النبهاني لقبضت يدها : أي لم تصافح ٠ فهل يصح أن نقول أن تأويل النبهاني لحديث ام عطيه يعارض قول الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ . وهل تأويل النبهاني دليل شرعيٌ حتى يعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم . والغريب العجيب أن النبهاني يجزم بوقوع مصافحة النساء في البيعة لمجرد تأويله الباطل لقبضت امرأة يدها وكأنه كان حاضراً للبيعة » ويرد حديث عائشة رضي الله عنها ثم يقولون ان ذلك مبلغ علمها ٠ ولا يأخذون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم « إني لا أصافح النساء » مع أنه قاله في البيعة كما في حديث اميمه . فدعوى التعارض ساقطه . ولا تعارض بين النصوص في هذه المسألة إلا في خيالكم » فحديث ام عطية لا مصافحة فيه أبداً وهو منسجم مع بقية الاحاديث في هذه المسألة » وتأويلكم الباطل وتحميلكم للنص ما لا يحتمل جعله في زعمكم متعارضاً مع حديثي عائشة واميمه وفي الحقيقة والواقع لا تعارض . )١( انظر ارشاد الفحول صفحه 5177 , اصول السرخسي ؟/؟7 , التعارض والترجيح عند الاصوليين صفحه 55 , أدلة التشريع المتعارضه صفحه 35-7٠١ . © -
عدد الصفحات ٣٥الشبهة الثالثه :- قال النبهاني " ان يد المرأة ليست بعورة ولا يحرم النظر اليها بغير شهوة » فلا تحرم مصافحتها " ١( والجواب : ان كون يد المرأة ليست عوره كما تقول طائفة من أهل العلم لا يعني جواز لمسها ومصافحتها , بل إن العلماء أجمعوا على تحريم مس وجه المرأه وكفيها من غير ضرورة ولو كانا غير عورة عند من يقول بذلك . قال المرغيناني الحنفي " ولا يحل له أن يمس وجهها ولا كفيها وإن كا بأمن الشهوه" 5 وقال الحصفكي الحنفي صاحب الدر المختا ' فلا بحل مس وحهها وكفيها وإن ن أمن الشهوه ” 0" وقال النووي الشافعي " وقد قال أصحابنا : كل من حتوم النظير الية حرم مسه » بل المس أشد ٠ فانه يحل النظر الى الاجنبية اذا أراد أن يتزوجها وفي حال 9ت وانشراء والاخذ والعطاء ونحو ذلكء ولا يجوز مسها في شيء من ذلك " وكال الساطظا تعر اقل " قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أنه يحرم مس الاجنبية ولو في غير عورتها ء كالوجه وإن اختلفوا في جواز النظر حيث لا شهوة ولا خوف ولا فتنه » فتحريم المس آكد من تحريم النظر "© فالذي يظهر لنا من خلال أقوال العلماء السابقه أن لا تلازم بين كون كفي المرأه ليسا بعورة وبين مصافحتها , فاذا جاز النظر اليهما فلا يجوز مسهما ولا تجوز المصافحه . )١( النظام الاجتماعي في الاسلام صفحه 5؟ )١( الهداية مع تكملة شرح القدير 47١/4 (؟)حاشية ابن عابدين 5717/7 (:) الاذكار صفحه 554 (5) طرح التثريب 0/1 دوع
عدد الصفحات ٣٦الشبهة الرابعه :- زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم صافح النساء بحاكل وذكروا بعض الروايات في ذلك منها:- -١ عن عامر الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أتي ببرد قطري فوضعه على يده وقال « لا اصافح النساء » رواه أبو داود في المراسيل وابن كثير في التفسير )١( والجواب عن هذه الروايه : ان هذا الخبر مرسل لا يصح الاحتجاج به . قال الحافظ أبو بكر الحازمي " وحديث الشعبي ... منقطع فلا يقاوم هذه الاحاديث الصحاح " () ؟- ما جاء في احدى الروايات عن أسماء بنت يزيد " فقالت له أسماء ألا تحسر لنا عن يدك يا رسول الله فقال : « إني لست أصافح النساء » " رواه أحمد (م وهذه الروايه : تشعر بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصافح النساء وعلى يده ثوب » ولكن هذه الرواية ضعيفة لا تقوم بها حجه » وذلك لأن شهر بن حوشب - احد الرواه - ضعيف . قال الحافظ ابن حجر فيه " صدوق كثير الارسال والاوهام " (؛) » وقال الشيخ الالباني " وشهر ضعيف من قبل حفظه 0)» وقال أيضاً " وشهر بن حوشب ضعيف لا يحتج به لكثرة خطكه " (0 )١( فتح الباري ٠ تفسير ابن كثير 504/4 تفسير الالوسي 8١/98 الكشاف 5/هه () الاعتبار صفحه /ا٠؟ وانظر رسوخ الاخبار صفحه 0١1 (؟) المسند 08/5غ (6) تقريب التهذيب صفحه ١517 (5) السلسلة الصحيحه صفحه ؟© المجلد الثاني (1) سلسلة الاحاديث الضعيفه ١/١4/؟ ال
عدد الصفحات ٣٧وبناء على ما تقدم لا تصح هذه الروايات ٠ والمعول على ما جاء في الصحيح من أنه عليه الصلاة والسلام لم يصافح النساء بحائل ولا بدون حاكل . وقال الحافظ العراقي " وقال بعضهم : صافحهن بحائل وكان على يده ثوب قطري ٠ وقيل كان عمر يصافحهن عنه . ولا يصح شيء من ذلك لا سيما الاخير » وكيف يفعل عمر رضي الله عنه أمرأ لا يفعله صاحب العصمة الواجبه " )١( وقال الشيخ الألباني بعد أن ساق الروايات المذكوره أعلاه : وكلها مراسيل لا تقوم بها الحجة () الشبهة الخامسه :- زعموا انه ليس على المسلمين التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في تركه للمصافحه لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم « اني لا أصافح النساء » ليس فيه الا الامتناع عن الفعل ٠ والتأسي لا يكون إلا بأفعاله وهو لم يفعل شيكاً في هذه الحادثة سوى الامتناع عن الفعل © والجواب :- أن هذا خطأ فاحش فانه ينبغي أن يُعلم أن الترك وهو المعروف عند الاصوليين بالكف يعد فعلاً لقوله تعالى : « كانوا لا يتنامون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون » (؛) فقد زمهم الله تبارك وتعالى على ترك النهي عن المنكر » وسمى تركهم لذلك فعلاً :- « لبكس ما كانوا يفعلون » 4/1 طرح التثريب )١( ف السلسلة الصحيحه صفحه 6ه المجلد الثاني (؟) الخلاص صفحه ٠ (5) المائده آيه (9/ا) خخ" -
عدد الصفحات ٣٨قال حجة الاسلام الغزالي " والكف فعل يثاب عليه " )١( وقال الشوكاني " ... لأن الكف فعل " () فاذا ثبت أن الترك فعل فعلينا التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ٠ فهو قدوتنا « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر » ”) قال الآمدي " أما التأسي بالغير فقد يكون بالفعل والترك " )2 وقال أيضاً " وأما التأسي في الترك فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الاخر في الافعال على وجهه » وصفته من أجل أنه ترك " ) فعلينا أن نترك مثلما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم » فقد قال الشوكاني " تركه صلى الله عليه وسلم للشيء كفعله له في التأسي به " وقال ابن السمعاني : " اذا ترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا وجب علينا متابعته فيه ء ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك عنه الصحابه وتركوه الى أن قال لهم انه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه وأذن لهم في أكله " () وقال العلامه ابن القيم تحت عنوان " فصل : نقل الصحابة ما تركه صلى الله عليه وسلم وأما نقلهم لتركه صلى الله عليه وسلم فهو نوعان وكلاهما سنة ") ثم قال " ... فان تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما ان فعله سنة ".(م) 60/١ المستصفى )١( (؟) ارشاد الفحول صفحه ١7 (١؟) الاحزاب أيه "5١ 9ع الاحكام للآمدي لتكت )ع( المصدر السابق . (1) ارشاد الفحول صفحه ؟5 (/7) اعلام الموقعين ؟/459؟ (4) المصدر السابق ؟1/ +59 2”
عدد الصفحات ٣٩وقال الشيخ علي محفوظ " فاعلم أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما تكون بالفعل تكون بالترك ٠ فكما كلفنا الله تعالى باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في فعله الذي يتقرب به اذا لم يكن من باب الخصوصيات كذلك طالبنا باتباعه في تركه فيكون الترك سنه » وكما لا نتقرب الى الله بترك ما فعل لا نتقرب اليه بفعل ما ترك ٠ فلا فرق بين الفاعل لما ترك والتارك لما فعل " ١( وبهذا يتضح لكل ذي عقل بُطلان دعواهم الزائفة أن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون الا بالفعل , » فعلى المسلم ألا يصافح النساء تأسياً واقتداء بقدوتنا واسوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال ابن النجار الحنبلي : " التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فاك كما شعل لأجل أنه فعل , “ وأما التأسي في الترك فهو أن تترك ما تركه لأجل أنه ترك " ( ومما يجدر ذكرء هنا أن ن الجهل بأن السنة النبوية تنقسم الى فعليه وتركيه أوقع كثيراً من الناس في البدع » فالرسول صلى الله عليه وسلم ترك أموراً ولم يفعلها مع توفر الداعي لفعلها . ولم يكن هناك مانع من فعلها ومع ذلك تركها الرسول صلى الله عليه وسلم , قدل ذلك على أنها ليست مشروعه وأن الترك هو المشروع كما ترك النبي عليه الصلاة والسلام القراءة على الاموات وكما ترك الاذان لصلاة العيدين والتراويح وكما ترك صلاة ليلة النصف من شعبان ونحو ذلك . فَمَنْ ترك مثلما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو متأس ومقتد به ومصيب للسنه » ومن فعل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مبتدع مجانب للهدي النبوي . )١( الابداع في مضار الابتداع صفحه غ15-ه؟ (؟) شرح الكوكب المثير ؟/93١ - 4
عدد الصفحات ٤٠الشيهة السادسه :- زعموا أن حديث عائشه موقوف عليه وهي صادقة فيما تقول وكلامها هذا على حد علمها برسول الله صلى الله عليه وسلم » وتحن تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أكثر من أربع نسوه وكانت خديجه قبل عائشه رضي الله عنهن 2 فكيف تكون قد عرفت السابق واللاحق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون إخبارها » ولو اخبرها لقالت أخبرني أو قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولذلك فقولها رضي الله عنها موقوف عليها . )١( والجواب :- ان هذا الكلام فيه مغالطات وأخطاء واضحه ويشم منه سوء الادب مع ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها وبيان ذلك من وجوه : الوجه الاول : أن الزعم بأن حديث عائشة موقوف عليها زعم خاطيء ودعوى باطله » ويعلم ذلك المبتدكون في دراسة علم الحديث ٠ فضلاً عن علماء الحديث . ولنرجع الى أقوال أهل هذا الشأن لنقف على حقيقة الموقوف . قال الامام النووي " الموقوف : وهو المروي عن الصحابه قولاً لهم أو فعلاً أو نحوه " () وقال الباجي " الموقوف : ما وقف به على الراوي ولم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم » ومعنى ذلك أنه وقف على الصحابي رضي الله عنه أو غيره من رواته فجعل من قوله ... الخ " (6). )١( الخلاص صفحه 390-5٠١ (؟) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ١44/١ هه الحدود صفحه 17" 5 05
عدد الصفحات ٤١وقال الجرجاني " الموقوف من الحديث : ما روي عن الصحابة من احوالهم واقوالهم فيتوقف عليهم ولا يتجاوز به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم " .)١( والسؤال الان : هل تنطبق هذه التعريفات للموقوف على حديث عائشه رضي الله عنها ؟ انها تقول " فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك قال لهن رسول الله انطلقن فقد بايعتكن " ثم تقول ” لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط » غير أنه يبايعهن بالكلام " وتقول ايضاً " وكان يقول لهن اذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاماً " فهل حديث عائشة هو قول لها ؟ أو هل هو فعل لها ؟ حتى يكون موقوفاً إنه مرفوع قولي ومرفوع فعلي ومن قال أنه يشترط في الحديث حتى يُعد مرفوعاً الى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الصحابي الذي روى الحديث أخبرني رسول الله أو قال لي رسول الله » ولو قلنا بهذا الاشتراط الوهمي لخرجت جملة كثيرة من الاحاديث النبوية عن كونها مرفوعه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم . واليك بعض الامثلة التي تبطل زعمهم :- هل يُعد من الموقوف حديث ابن عمر " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ” رواه مسلم وهل يعد من الموقوف حديث عائشة رضي الله عنها : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الاواخر من رمضان حتى قبضه الله " رواه البخاري ومسلم . ١؟؟ التعريفات صفحه )١( 15
عدد الصفحات ٤٢وهل يُعد موقوفاً حديث ابن مسعود رضي الله عنه : " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها الا بجمع - مزدلفه - ... " رواه البخاري ومسلم . ولا أدري ما هو الفارق من حيث الروايه بين حديث عائشه [ ما مست يد رسول الله يد امرأة قط ] وبين حديث ابن مسعود [ ما رأيت رسول الله صلى صلاة لغير وقتها ... الخ ] من الواضح أنه لا فرق بينهما ء وبهذا تبطل دعواهم بأن حديث عائشة موقوف عليها . الوجه الثاني : إن زعمهم السابق يحمل في طياته سوء أدب مع أم المرمنين عائشة رضي الله عنها إن لم نقل أنه يحمل تكذيباً لها وجرأة وقحة على ام المؤمنين . انظر الى قول قائلهم [ فكيف تكون عرفت السابق واللاحق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون اخبارها ] . إن هذا الكلام لا يصدر عن مسلم تقي عرف للصحابة حقوقهم . وقد أمرنا الاسلام باحترامهم وتقديرهم واجلالهم ٠ فهم الجيل الاول من المسلمين . وهم أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم » وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده . ونصروا رسوله عليه الصلاة والاسلام » وعلينا ان نتذكر قول الله سبحانه وتعالى فيهم : « والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابداً ذلك الفوز العظيم » )١( ٠٠١( سورة التوبه آيه )١( ع
عدد الصفحات ٤٣وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « لا تسبوا أحداً من أصحابي فان أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما ادرك مُدَ أحدهم ولا نصيفه » رواه البخاري ومسلم(١) وقوله عليه الصلاة والسلام " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " رواه البخاري ومسلم () وغير ذلك من الآيات والاحاديث الواردة في فضل الصحابه . فهل يجوز لأحد بعد ذلك أن يتطاول على ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها ويقول ان ذلك مبلغ علمها أو على حد علمها أو كيف عرفت السابق واللاحق . فمن أعلم من ام المؤمنين عائشة بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وهل عائشة رضي الله عنها تفتي بغير علم ؟ وهل عائشة رضي الله عنها تُقسم بالله وهي غير متيقنه مما تقول ؟ وهل عاكشة تُقسم بالله قائلة [ لا والله ما مست يد رسول الله يد امراة قط وهي تعلم أنه صلى الله عليه وسلم صافح النساء | ؟ وهل تأويلكم الفاسد لحديث ام عطيه أقوى حجة ودلالة من حديث عائشه ؟ وهل من جاء بعد أربعة عشر قرناً من الزمان أعلم بأحوال رسول الله من ام المؤمنين عائشه ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم !!! 45/١7 صحيح البخاري مع الفتح 51/4 , صحيح مسلم مع شرح النووي )١( 8 5/1١ (؟) صحيح البخاري مع الفتح 4/4 » صحيح مسلم مع شرح النووي 4ع
عدد الصفحات ٤٤الشبهة السابعه :- زعم قائلهم أن الرواية عن عائشة رضي الله عنها تبين مدى علم عاكشة ببيعة النساء » لذلك فهي لا تقول : رأيت أو شاهدت أو أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حدثتني فلانه ممن بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم » وعائشة رضي الله عنها لم تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تروي صفة ما بايعت عليه ٠ إنما هي تُخبر وهي بخبرها صادقه ٠ ولكن بحدود علمها أن ذلك لم يحدث لا بحكم الواقع الذي جرى عليه وقوع مصافحة النساء في بيعتهن . )١( والجواب :- إن هذا الكلام ينطوي على مجازفة ومكابره ما بعدها مكابره » ولي لأعناق النصوص وتحميلها ما لا تحتمل » وجزم بلا برهان على وقوع مصافحة النساء في البيعة . وكأن هذا .القاكل وأمثاله قد حضروا البيعة ورأوها رأي العين !! وأما ام المؤمنين عاكشة رضي الله عنها فهذه حدود علمها !؟! وأما الامر الذي وقع في البيعة فعرفه هؤلاء وجهلته عاكشه !!! إن هذا لهو التعصب المقيت للرأي » وهو تحكيم للعقل في النصوص » وهو تأويل فاسد للتصوض . واني لأستغرب كيف يجزم هؤلاء بحصول المصافحه في البيعة مع أن الادلة الدامغة والبراهين الساطعة تثبت خلاف ذلك . فالرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يصافح النساء في البيعة كما في حديث عبد الله بن عمرو ء والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : « اني لا اصافح النساء » ء وعائشة رضي الله عنها تقسم |[ لا والله ما مست يده يد امرأة قط ] وأميمة بنت رقيقه تقول في البيعه " ما صافح منا امرأة قط ". ١١7 قواعد نظام الحكم في الاسلام صفحه )١( ©ج د
عدد الصفحات ٤٥وحديث ام عطيه الذي هو عمدتكم الاولى والاخيره ليس فيه ذكر للمصافحه ٠ والرواية الاخرى لحديث أم عطيه عند مسلم تبين أنها تأخرت عن قبول البيعه حتى تسعد المرأة التي أسعدتها . وبعد كل هذه الادله والحجج القويه الصحيحة والصريحة التي تبين بياناً شافياً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح النساء يأتي النبهاني ومن تابعه بعد أربعة عشر قرناً من الزمان فيقولون أن الرسول عليه الصلاة والسلام صافح النساء في البيعه !! سبحانك هذا بهتان عظيم وافتراء مبين وصم للعيون والقلوب والآذان عن أقوال اولكك الهداة المهتدين . نا فنا الشبهة الثامنه :- وهي من استدلالاتهم العجيبة الغريبه حيث احتجوا بما رواه الترمذي " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر يوماً بجماعة نسوه فأوماً بيده بالتسليم " وما رواه ابو داود عن اسماء بنت يزيد : " من علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلّم علينا . وفي رواية : فألوى بيده بالتسليم " () وقالوا أيضاً " فسلم عليهن بيده " يفيد ان التسليم باليد » والتسليم يعني المصافحه ولا يعني بالايماء أو الاشاره لأن فيه تشبهاً باليهود والنصارى وقد نهى عن ذلك بقوله " لا تشبهوا باليهود والنصارى فان تسليم اليهود اشارة بالاصابع وتسليم النصارى الاشاره بالكف ” اذن فما دام كذلك فلا يخرج الامر عن كونه صلى الله عليه وسلم يسلم بيده مصافحه " )١( )١( الخلاص صفحه وه (1) المصدر السابق صفحه ؟3 45
عدد الصفحات ٤٦والجواب :- ان دعواكم ان التسليم معناه المصافحة صحيح ولكن عند التسليم معناه طرح السلام باللسان أو مع الاشارة باليد » وهكذا فسره أحد رواة الحديث فقد جاء في رواية الترمذي " فأوما بيده بالتسليم وأشار عبد الحميد بيده " (), وعبد الحميد هو احد رواة الحديث فسر معنى ألوى بيده ٠ وأهل اللغة فسروا أومأ بيده أي أشار » قال الجوهري " أومأت اليه : أشرت " ) وكذلك الوى تعنى اشار . قال ابن منظور " ألوى الي بيده إلواء بيده اي اشارةً بيده لا غير " () ومن خلال ما تقدم نعرف أن أومأ بيده وألوى بيده اي أشار ونعلم أن المقصود بالتسليم هو طرح السلام وهذا هو الصحيح وهو المعروف الوارد في السنة كما في الحديث عن ام هانيء قالت :- " ذهبت الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فسلمت عليه ء فقال هذه ام هانيء قلت ام هانيء» قال مرحباً " رواه البخاري ومسلم ونحن نسأل ما معنى سلمت عليه هل تعني أنها صافحته أم تعني أنها طرحت السلام عليه ؟ ومثل ذلك حديث ابي هريره أنه عليه الصلاة والسلام قال :- « يُسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير » رواه البخاري ومسلم ومثل ذلك ما ورد عن ابن عمر أنه قال " إذا سلمت فأسمع " رواه البخاري في الادب المفرد وقال الحافظ سنده صحيح (() 58/0 سئن الترمذي )١( (؟) الصحاح مادة أوماً (؟) لسان العرب مادة لوى (5) فضل الله الصمد شرح الادب المقرد 590/5 ا -
عدد الصفحات ٤٧وأصرح من ذلك كله ما جاء في حديث أبي هريره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خلق الله آدم على صورته ...... قال اذهب فسلم على أولكك النفر من الملاككه جلوس فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك ٠ فقال : السلام عليكم , فقالوا : السلام عليكم ورحمة الله " رواه البخاري »)١( وغير ذلك من الاحاديث الكثيره في هذا الباب . وقولكم ان الروايتين تدلان على المصافحة ولا يصح حملهما على الاشاره لأن النهي ورد في عدم التشبه باليهود والنصارى ٠ فالصحيح أن نحملهما على الاشاره لأن حملهما على المصافحة باطل » وأما النهي عن التشبه باليهود والنصارى في السلام إشاره فالمقصود بذلك هو الاقتصار على الاشاره . وفي حديث أسماء جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين اللفظ والاشاره كما يظهر في رواية أبي داوود فسلم علينا . والتسليم بالاشاره يجوز لمن كان بعيداً بحيث لا يسمع التسليم » فيجوز التسليم عليه بالاشاره ويتلفظ مع ذلك بالسلام . هذا ما أفاده الامام النووي () والحافظ ابن حجر () وقال العلامة الجيلاني " والنهي عن السلام بالاشاره مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً » والا فهي مشروعه لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والاخرس وكذا السلام على الاصم " (؛) ؟1٠-؟54/9؟ صحيح البخاري مع فتح الباري )١( 5١١ الاذكار صفحه )3( (؟) فتح الباري ١55/15 (4) فضل الله الصمد 4/5/5 دمع
عدد الصفحات ٤٨