- 129 - ب. قدوة حسنة (مقيدة) أي بما شرعه الله – عز وجل - لأنها غير معصومة، كم ا في الصالحين والأتقياء من عباد الله من غير الرسل والأنبياء – عليهم الصلاة والسلام- فيقتدى بهم في أمور دون أخرى، وذلك لاحتمال صدور تصرفاتهم عن ضعف بشري، أو خطأ اجتهادي، لذا كان الاقتداء بهم مقيدا بموافقة شرع الله تعالى. القدوة الحسنة في الاصطلاح : أسلوب عام يشمل التأسي بكل من عمل عملاً صالحاً حسناً سواءً كان نبياً رسولاً أو كان تَبعاً للرسل الكرام –عليهم الصلاة والسلام-ناهجاً نهجهم في عمله(1). المطلب الثاني: أثر تربية الرسول بأسلوب القدوة الحسنة من أنجح العوامل في التربية للأجيال أن يكون المربّ قدوة ومثلاً أعلى وأسوة صالحة، وهذه هي الطريقة التي سلكها الرسول في التربية، فقد كان القدوة الدائمة والصورة الكاملة للمنهج الإسلامي، يطبقه في واقع الحياة، تراه عيونهم وتدرك ه عقولهم، وتشاهده حواسهم، ليكون للأجيال المتعاقبة الصورة الحية الخالدة في كمال خلقه وشمول عظمته(2)، ولهذا شهد– تعالى – له بأنه أسوة حسنة في قوله: ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ [21] متصفاً بأعلى الكمالات النفسية والخلقية والعقلية، فإذا دعا أحداً إلى أعظم قمم السمو، فإنه مثل بسلوكه العملي هذه الذروة بشكل رائع عجيب، وهذا من أدلة صدقه، إذ الالتزام بالسمو لا تطيقه النفس البشرية عادة مالم تتهذب هذه النفس بدافع الخضوع لأمر الله – تعالى – بعد الإيمان به و معرفة أمره، (1) الْامع لإحكام القرآن 7 /35)، وفتح القدير2 /137) (2) تربية الأولاد في الإاسلام2 /477.)
عدد الصفحات ١٣٠- 131 - وقد التزم الرسول بتطبيق تعاليم الإسلام في حياته العملية على أعلى ما يخطر بعقل بشري حتّ يكون قدوة للأجيال، ومن الأمثلة على ذلك أن الرسول رغ ب الشباب في قيام الليل فكان قدوة لهم، حيث يقوم الليل حتّ تتورم قدماه، فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: (إن نبي الله كان يقوم منالليل حتّ تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لمه تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً)(1) وعن عبد الله بن مسعود– – قال: (صليت مع الن ليلة فلم يزل قائماً حتّ همم ت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي )(2)، وعن حذيفة– – قال: (صليت مع الن ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يُصلي بها ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقر أ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعو ذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربّ العظيم فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سْع الله لمن حْده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربّ الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه)(3)، فكان بفعله مطبقاً لقول–تعالى–: ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ [2- 4] وتظهر أهمية القدوة الحسنة في التربية والسلوك من قصة ابن عباس– ر ضي الله عنهما (1) البخاري كتاب تفسير القرآن – باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً رقم 4827.) (2) البخاري كتاب التهجد – باب طول القيام في صلاة الليل رقم ( 1135)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها – باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل رقم ( 773.) (3) مسلم كتاب صلاة المسافرين – باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل رقم ( 772.)
عدد الصفحات ١٣١- 131 - – لما قام الليل مع الرسول فبمجرد أن رأى ابن عباس الرسول توضأ وقام للصلاة صلى معه، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: (بت عند خال تي ميمونة ليلة فقام النبي فلما كان في بعض الليل قام رسول فتوضأ.. وضوءًا خفيفاً، ثم قام يصلي، فقمت فتوضأت نحواً من مما توضأ فقمت عن يساره، فحولن فجعلن عن يمينه ثم صلى ما شاء الله)(1)، إنها القدوة الحسنة والأسوة الصالحة، يرى شباب الصحابة –– كابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأم المؤمنين عائشة – – مربيهم ومعلمهم قدوة صالحة يفعل ما يحثهم عليه ويرغبهم فيه فاقتدوا به فكان جُلهم من العباد والعلماء وقد رغب الشباب في الصيام فقال لهم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغ ض للبصر وأحصن للفرج، و من لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (2)، فإذا رغب الشباب في الصوم فقد كان قدوة لهم ذا همة عالية في الصيام حتّ في أيام الحر والسفر، فعن أبّ الدرداء – – قال: (خرجنا مع رسول في شهر رمضان في حر شديد حتّ إن كان أحد ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة)(3) فرغم أن الرسول كان مسافراً، ويجوز للمسافر إذا كان سفره في رمضان أن يفطر ويقضي، والْو حار حرارة شديدة، ولم يحتمل الصحابة – حره مع إفطارهم، إلا أن الرسول كان صائماً ليطبق قول – تعالى –:﴿ ﮏ ﮐ (1) البخاري كتاب صفة الصلاة – باب وضوء الصبيان ومتّ يجب عليهم الغسل والطهور وحضورهم الْماعة والعيدين وصفوفهم رقم ( 859.) (2) مسلم كتاب النكاح – باب استحباب النكاح لمن تَقت نفسه إليه ووجد قوته واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم رقم ( 1411.) (3) مسلم كتاب الصيام – باب التخيير في الصوم والفطر في السفر – رقم ( 1122 .)
عدد الصفحات ١٣٢- 132 - ﮑ ﮒ [184] لهذا اليوم كان فيه مشقة بالغة، ومما يؤكد ذلك أن الصحابة – – ما استطاعوا أن يصوموه مع حبهم الشديد لموافقه الرسول في كل أسفاره، وكراهيتهم لمخالفته في أمر كالصيام (1)، وإن كان حث على التحلي بخلق الرحْة والعطف على الأبناء، فإنه ضرب في ذلك أروع الأمثلة، والقدوة الحسنة في الرحْة بالأبناء، فلقد كانت سيرة الرسول مع أبنائه تفيض حناناً ورحْة، والمواقف في ذلك كثيرة، فعن أنس بن مالك– – قال: (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله ، قال: كان إبر اهيم مسترضعاً له في عوالي المدينة فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت... فيأخذه ويقبله ثم يرجع... فلما تُوفي إيراهيم قال رسول الله إنه إبراهيم ابن وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين (2) تكملان رضاعه في الْنة (3)، ومن الأمثلة على تربي ة الرسول بالقدوة الحسنة أن الأقرع بن حابس – – رأى الن يُقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فقال الرسول : (إنه من لا يرحم لا يُرحم(4) وعن أبّ قتادة الأنصاري – – قال: (رأيت الن يؤم الناس وأمامة بنت أبّ العاص وهي ابنة زينب بنت النبي على عاتقه، فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها) (5) فمن شفقته ورحْته بإمامة فعل ذلك، وفي ذلك دليل على عظم قدر رحْة الولد، (1) شمائل الرسول 1 /473.) (2) الظئر: المرضعة غير ولدها ويقع على الذكر والأنثى. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر 5 /221.) (3) مسلم كتاب الفضائل – باب رحْته الصبيان والعيال وتواضعه (2316.) (4) البخاري كتاب الأدب – باب رحْة الولد وتقبيله ومعانقته ( 5997)، ومسلم كتاب الفضائل – باب رحْته الصبيان والعيال وتواضعه (2318.) (5) البخاري كتاب الأدب – باب رحْة الولد وتقبيله ومعانقته ( 5161)، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الص ة – باب جواز حْل الصبيان في الصلاة (543.)
عدد الصفحات ١٣٣- 133 - لأنه لا تعارض بين المحافظة على الخشوع والمحافظة على مراعاة خاطر الطفل (1)، ولقد كان الرسول القدوة الحسنة لكل مسلم في التخلق بخلق الصدق وريه المداومة عليه، حتّ عرفه قومه بالصادق الأمين، فلم يؤثر عنه أنه كذب كذبة واحدة، بل قالوا له لما دعاهم إلى الإسلام ما جربنا عليك إلا صدقاً، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: (لما نزلت ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﴾[214] على الصفا فجعل ينادي يا بن فهر، يا بن عدي لبطون قريش حتّ اجت معوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو فجاء ابو لهب وقريش، فقال الرسول : (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقاً)(2) ولما سُئل أبو سفيان– – قبل إسلامه أمام هرقل ملك الروم بواسطة ترجمانه: (فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا، فقال هرقل معلقاً على هذا الكلام... فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله)(3)، وهكذا يتضح أن الن كان القدوة الحسنة في تحليه بالصدق وهذا ما أثبته القرآن الكريم عنه: ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ [11] يدعو أصحابه إلى التحلي بخلق التواضع، وكان القدوة الحسنة في ذلك، فكان سيد المتواضعين على الرغم من علو مكانته ومنصبه، ورفعة منزلته، فقد بلغ من تواضعه كما يقول أنس بن مالك – – : (كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت(4)، (1) فتح الباري 12 /39.) (2) البخاري كتاب التفس – باب وانذر عشيرتك الأقرب رقم 4771.) (3) البخاري كتاب بدء الوحي – باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ح7. ) (4) البخاري كتاب الأدب – باب الكبر (11 /412).
عدد الصفحات ١٣٤- 134 - وأُ برجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه، فقال له: (هون عليك فإني لست بملك، وإنما أنا ابن امرأة تأكل القديد) (1)، ولقد رغب في التحلي بخلق العفو مع القدرة على العقوبة، فكان أول العافين عن الناس، فعلى الرغم مما فعله إعرابّ كان ير يد قتله، لم يؤاخذه بما صنع مع قدرته عليه، فعن جابر بن عبد الله – –: (إنه غزا مع رسول الله قبل نجد، فلما قفل رسول فقفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة(2)، فنزل رسول وتفرق الناس يستظلون بالشجر،فنزل رسول الله تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة فإذا رسول يدعونا، وإذا عنده أعرا فقال: إن هذا اخترط(3)، علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً(4) فقال من يمنعك من؟ فقلت: الله ثلاثاً فسقط السيف منه، ثم أمسك الرسول السيف وقال: من يمنعك من؟ فقال الأعرابّ: كن خير آخذ) (5) فلم يعاقبه وتركه فعاد إ قومه وكان ملكاً فأخبرهم بما فعله فآمنوا جميعاً، فقد كان يقوم بهذه الأمور مطبقاً لقول الله – تعالى –: ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ [133- 134] أصحابه على التحلي بخلق الشجاعة، وكان هو القدوة (1) أبو داود في سننه– كتاب الأطعمة – باب القديد رقم ( 3312)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين و يخرجاه، ووافقه الذهبي - رقم الحديث ( 4366) وصححه الألبا (2) القائلة: وسط النهار وشدة الحر، والعضاة الشجر الذي يعظم وله شوك، وقيل هو العظيم من الشجر مطلقاً. انظر فتح الباري ( 8 /192.) (3) اخترط: أي سله من غمده. انظر النهاية في غريب الحديث 2 /23.) (4) صلتاً: أي مجرداً من غمده. انظر النهاية في غريب الحديث3 /45.) (5) البخاري كتاب الْهاد والس – باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة (8 /192.)
عدد الصفحات ١٣٥- 135 - الحسنة للمسلمين في التخلق بهذا الخلق، يقول أنس بن مالك– –: (كان رسول الله أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس(1) فكان يؤثرالآخرين على نفسه متمثلا بقوله –تعالى–:﴿ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾ [ 9] ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ [175 .] فقد كان لتربية الرسول أثر بالغ في النفوس وتأسي الصحابة– – بالعفو عمن ظلمهم، فهذا صد يق هذه الأمة يضرب المثل في عفوه عمن أحسن إليه، حيث يقع من مد له يد العطاء في عرض الطاهرة المطهرة المبرأة من فوق سبع سْاوات أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – فتحدث مع من تحدث في حادثة الإفك ومع ذلك يعفو عنه واستمر في النفقة عليه، لأن الرسول قد علمهم بالقرآن الكر والسنة النبوية الشريفة، وممن تأسى بالرسول بشجاعته أنس بن النضر– – وكان قد غاب عن قتال بدر فقال: (لئن أشهدني الله قتال ا لمشركين لير ي ن الله ما أصنع فلما كان يوم أحد فأبلى بلاءاً حسناً حيث وجد الصحابة بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم في جسده، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه) (2)، فكانت النتيجة بالتربية بالقدوة الحسنة أن الرسول أنار العقول، وأصلح القلوب، وأرت السعادة للمتربين في الدارين، وحفظت الإنسان من كيد الشيطان، وعظُم آثارها في نفوس المدعوين، مع سرعة الاستجابة لها غالباً، وغرس المحبة والمودة في نفوس المدعوين، ومحاصرة المنكرات والقضاء عليها، حيث يخجل الإنسان إذا لم يستجب لمن يعظه موعظة حسنة فلا يجاهر بمنكر على الأقل. (1) البخاري كتاب الْهاد والسير – باب إذا فزعوا بال ليل رقم ( 3141.) (2) البخاري كتاب الْهاد والس – باب قول الله – عزوجل –: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه رقم الحديث (2815.)
عدد الصفحات ١٣٦- 136 - المبحث الخامس: التربية بأسلوب الترغيب والترهيب، و فيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف التر غيب والترهيب في اللغة والاصطلاح الترغيب في اللغة: من رغهب يرغب رغبة، إذا حرص على الشيء وطمع فيه، والر غبة السؤال والطمع، وأرغبن في الشيء ورغ بن بمعنى، و رغب ه أعطاه ما رغب (1). الترغيب في الاصطلاحوعُد يصحبه تحبيب وإغراء بمصلحة، أو لذة أو متعة آجلة، مؤكدة، خيرة، خالصة من الشوائب، مقابل القيام بعمل صالح، أو الامتناع عن لذة ضارة، أو عمل سيء ابتغاء مرضاة الله (2). الترهيب في اللغةمن رههبه بالكسر يرهب رهبةً ورُهباً بالضم، ورهب ا بالتحريك، أي خاف ورهب الشيء رهْباً ورههباً ورهبة خافه(3). الترهيب في الاصطلاح وعيد وتهديد بعقوبة تترتب على اقتراف إثم أو ذنب مما نهى الله عنه، أو على التهاون في أداء فريضة مما أمر الله به (4). المطلب الثاني: أثر تربية الرسول بأسلوب الترغيب والترهيب إن من أهم الأساليب التي استعملها الرسول في التربية وكان لها الأثر الأقوى في النفوس، أسلوب التربية بالترغيب فما أن يعلم المرء بالأجر العظيم والمكانة المرموقة، بالقرب من الله، والدخول في رحْته، ونيل ما عنده من ثواب، إلا ويحرص كل الحرص على نيل هذا الثواب العظيم، فلذا كان يستخدم هذا الأسلوب، ويقصد بالترغيب (1) لسان العرب 1 /422)، تَج العروس2 /518- 519.) (2) أصول التربية الإسلامية وأساليبها (231)، أصول الدعوة437.) (3) لسان العرب 1 /436)، تَج العروس2 /537.) (4) أصول التربية الإسلامية وأساليبها231 .)
عدد الصفحات ١٣٧- 137 - كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق والثبات عليه(1)، وتشويق الناس إ ثواب الله والْنة، وتخويفهم من عذاب الله والنار(2)، فإنه أسلوب من الأساليب النبوية راعى فيها طبيعة النفس البشرية المجبولة على محبة ما فيه نفعها ومصلحتها ف تقبل عليه، فنجد الرسول يرغب الأخرين من خلال الوعد بالخير المترتب على ذلك، ومن أمثلة ذلك من خلال سيرته العطرة : (يقول لمعاذ يوم أن كان رديفاً له على حْار: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم)(3)، وفي لفظ قال معاذ: (كنت ردف رسول على حْار يُقال له عُفير، قال: فقال: (يا معاذ تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله – عزوجل – أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال: قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا) (4)، ومن الأمثلة ترغيب الرسول للآخرين أنه ب لهم أن التوحيد سبب لمغفرة جميع الذنوب، وأن صاحب العقيدة الصحيحة هو أسعد الناس بشفاعته يقول أبو هريرة – – : (قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أ هريرة أن لا يسألن عن هذا الحديث أحدُ أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل (1) أصول الدعوة لزيدان421.) (2) الدعوة إلى الله للواعي199.) (3) البخاري كتاب التوحيد – باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى رقم الحديث ( 7273)، ومسلم كتاب الإيمان – باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الْنة وحُرم على النار رقم الحديث (31) (4) مسلم كتاب الإيمان – باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الْنة وحُرم على النار رقم الحديث (31.)
عدد الصفحات ١٣٨- 138 - نفسه(1)، ومن الأمثلة على استعماله لهذا الأسلوب المحبب إلى النفس يقول علي بن أبّ طالب– –: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتَنا رسول ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: ما من نف س منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الْنة والنار، وإلا قد كُتبت شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فيُيس رُون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيس رُون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ:﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ [5-6)](2)، ومن الأمثلة: يقول الرسول : (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الْنة وإن الرجل ليصدقُ حتّ يُكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتّ يكتب عند الله كذاباً)(3)، فكان مطبقاً بدعوته هذه قول – تعالى–: ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ [119] فعن ربيعة بن كعب الأسلمي – – قال: (كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: (سل) فقلت: أسالك مرافقتك في الْنة، قال: (أوغير (1) البخاري كتاب الرقاق – باب صفة الْنة والنار رقم الحديث ( 6571.) (2) البخاري كتاب التفس – باب فسنيسره لليسرى رقم الحديث ( 4946)، ومسلم كتاب القدر – باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه رقم الحديث ( 2647.) (3) البخاري كتاب الأدب – باب قول الله – تعالى –: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادق وما يُنهى عن الكذب رقم الحديث ( 6194)، ومسلم كتاب البر والصلة والأدب – باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله رقم الحديث (2617.)
عدد الصفحات ١٣٩- 139 - ذلك) قلت: هو ذاك قال: (فأعن على نفسك بكثرة السجود (1) ومن أمثلة الترغيب تشويق الشباب لطاعة الله والتقرب منه، فيرغب الرسول الْيل على طاعة وملازمة العبادة، ومراقبة الله – تعالى – والخوف منه، ومداومة ذكره، والحب فيه، وب يان ما أعده الله لمن التزم بهذه الأشياء يوم يجمع الله الأولين والأخرين فيقف الناس على أقدامهم خمسين ألف سنة لا يأكلون أكله ولا يشربون شربة، ولا يجلسون فيستريحون ولو دقيقة، تدنوا الشمس من رؤوس الخلائق ويتمنى الناس أن يُصرفوا ولو إلى النار لشدة الهول والكرب، يومها يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه والسبب: ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ [37] كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقوه، ومن الناس من يلجمه العرق إلْاماً، ومن الناس من يُظل في ظل الرحيم الرحْن يوم لا ظل إلا ظله فيرغب الرسول الْيل بعد أن علموا هول الموقف فيقول: (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذ ات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتّ لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)(2)، ويربيهم على حب الْهاد والمرابطة سبيل الله ويرغبهم بقوله: (لروحُة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوسه أحدكم من الْنة أو موضع قيد يعن سوطه خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الْنة اط لعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينها ولملأته ريحاً، (1) مسلم كتاب الصلاة – باب فضل السجود والحث عليه رقم الحديث ( 489.) (2) البخاري كت اب الأذان – باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد رقم الحديث ( 661)، ومسلم كتاب الزكاة – باب فضل إخفاء الصدقة ، رقم الحديث ( 1131.)
عدد الصفحات ١٤٠- 141 - ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها (1)، ورغ بهم في اغتنام الصحة والفراغ والتي تت وفر في فترة الشباب مالم تتوفر في غيرها من فترات عمر الإنسان فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال النبي : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) (2) ولم يكتف الرسول بهذه الأمور ولكن تعددت الوسائل ومنها حث الْيل على الاهتمام بالعلم تعلماً وتعليماً، وبيان فضل العمل بالعلم، ورفع الروح المعنوية عندهم حتّ يكونوا أصحاب مواهب عالية وإمكانيات مميزة، والثناء عليهم تشجيعاً لهم وحثاً لغيرهم على سلوك نهجهم، والدعاء للجيل بالعلم لما في ذلك من الأثر في رفع معنوياتهم، وتشجيعه على السؤال عما جهلوا من العلم، و الحث على الاستماع والإنصات، ورفع الصوت وتغير النبرات، وتسهيل العبارات وعدم التشدق في الكلام، وأما استعماله لأسلوب الترهيب، فقد حرص في تربيته على تصحيح الخطأ وسد الخلل، وإكمال النقص، فلم يقف عند التوجيه السديد، والحديث المؤثر، والكلمات العابرة، بل قام بتقويم الأخطاء وإصلاحها بشتّ الأساليب، والمتأمل في سيرة الرسول يجد أنه حرص على تقويم الأخطاء وسلك عدة أساليب في ذلك منها: إشعارهم بعظم ما ارتكبوه فلما بعث سرية وقتل أسامة بن زيد – – رجلاً أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين، فلما أخُبر الرسول بما فعل أسامة على الرغم أنه حبه وابن حبه أغلظ عليه وأنكر عليه فعلته وبين له خطر ما ارتكبه، فعلم أسامة خطر ما وقع فيه حتّ قال: والله لا أقاتل أحداً، قال: لا إله إلا الله، بعد ما سْعت رسول (1) البخاري كتاب الْهاد والس – باب الحور العين وصفتهن رقم الحديث ( 2796)، ومسلم كتاب الإمارة – باب فضل الغدوة والروح ة في سبيل الله رقم الحديث ( 144.) (2) البخاري كتاب الرقاق – باب لا عيش إلا عيش الآخرة – رقم الحديث ( 6412 .)
عدد الصفحات ١٤١- 141 - الله(1)، يقول أسامة بن زيد – –: (بعثنا رسول إلى الحرُقة من جهينة قال: فاصبحنا القوم فهزمناهم، وقال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتّ قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي قال: فقال لي: (يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذاً، قال: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال فما زال يكررها علي ، حتّ تمنيتُ أني لم أكن أسلمت قبل ذلك)(2)، مع بيان السبب الذي دفع أسامة لقتله بعد أن نطق بالشهادتين يُعرف من رواية أخرى حيث تذكر أن رسول الله لما بلغه الخبر،دعا أسامة فسأله فقال: (لم قتلته؟ قال: أوجع في المسلمين؟ وقتل فلاناً وفلاناً، وسْى له نفراً وإني حْلتُ عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، قال رسول الله : (أقتلته؟) قال: نعم، قال: (فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟) قال: يا رسول الله ، استغفر لي، قال: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟) قال: (فجعل لا يزيده على أن يقول: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟)(3)، ومن أمثلة الترهيب عند الرسول النصح بدون تعين للخطأ والتلميح دون التصريح، وهذا أسلوب من الأساليب التي سلكها النبي في تقويم أخطاء الْيل، فربما يخطئ أحدهم فكان تقديم النصح للجميع بدون أن يُعين المخطئ، ومن المعلوم أن لذلك الأثر الأكبر في قبول النصيحة، وأستر للمذنب، وأسلم في ردة الفعل، يقول أبو هريرة – – : (1) الطبقات الكبرى4 /96.) (2) البخاري كتاب الديات – باب قول الله – تعالى –: ومن أحياها رقم الحديث 6872)، ومسلم كتاب الإيمان – باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله – رقم الحديث ( 96.) (3) مسلم كتاب الإيمان – باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله – رقم الحديث ( 79.)
عدد الصفحات ١٤٢- 142 - (رأى رسول نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس، فقال: (ما بال أحدك م يقوم مستقبلاً ربًّه فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يُستقبل فينخع في وجهه؟ فإذا تنخ ع أحدكم فليتنخ ع عن يساره، تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض)(1)، ومن الأمثلة أيضاً: عن أنس بن مالك– – قال (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة الن فلما أخُبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ ولم يعين القائل أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكن أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي (2) فليس من(3) وزاد الإمام مسلم – يرحْه الله – أنه حْد الله وأثعليه، فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكن أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس من) (4) ومن أمثلة الترهيب عند الرسول بيان تعليل ما ارتكبوه من أخطاء، ففي بعض الأحيان في تقويم الرسول للخطأ ومعالْته للجيل كان يعلل لهم سبب إنكار ه عليهم، خاصة إذا كانت الحاجة داعية لذلك، ومن أمثلة ذلك: ما رواه أبو موسى – – قال: كنا مع الن في سفر، فكنا إذا علونا كبر نا، فقال الن : (أيها (1) مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة – باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها – رقم الحديث (551.) (2) رغب ع ن سنتي: مال عن طريقتي وأعرض عنها، قال النووي – يرحْه الله –: (أي إعراضاً عنها غير معتقد لها على ما هي عليه). انظر الديباج على مسلم (4 /9.) (3) البخاري كتاب النكاح – باب الترغيب في النكاح رقم ( 5163.) (4) مسلم كتاب النكاح – باب استحباب النكاح لمن تَقت نفسه إليه رقم ( 1411.)
عدد الصفحات ١٤٣- 143 - الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، ولكن تدعون سْيعاً بصيراً)(1)، وعن عبد الله بن مسعود – – قال: (كنا نصلي خلف رسول فنقول: السلام على الله، فقال الن : (إن الله هو السلام، ولكن قولوا التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحْة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله الله، وأشهد أن محمداً عبد ورسوله)(2)، ومن أساليب الترهيب عنده معالْة الخطأ بالإشارة ومن أمثلة ذلك ما رواه عبد الله بن العباس – رضي الله عنهما – يقول: (كان الفضل رديف رسول الله فجاءت امرأة من خشعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل الن يصرف وجه الفضل إلى الشق ا لآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده الحج أدركت أبّ شيخاً كبيراً، لا يثبت على الراحلة، أفاحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع) (3) فقد عالج الرسول خطأ الشاب بالنظر إلى المرأة الأجنبية بتحويل الوجه إلى الشق الآخر، ومن أمثلة ذلك معالْته اطأ بالتوبيخ والعقوبة وقد سلك ذلك في خطأ أبّ ذر – – فعنه– – قال: (ساببت رجلاً فع يرته بأمه، فقال لي النبي يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) (4)، وقال لمعاذ بن جبل – – عندما أطال بقومه في الصلاة أفتان أنت، أفتان أنت، أفتان أنت، (1) البخاري كتاب الدعوات – باب الدعاء إذا علا عقبة – رقم الحديث ( 6284.) (2) البخاري كتاب التوحيد – باب قول الله – تعالى –: السلام المؤمن - رقم الحديث 7281.) (3) البخاري كتاب الحج – باب وجوب الحج وفضله رقم الحديث ( 1513.) (4) البخاري كتاب الإيمان – باب المعاصي من أمر الْاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك – رقم الحديث (31.)
عدد الصفحات ١٤٤- 144 - فعن جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل– رضي الله عنهما – كان يصلي مع النبي ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قا ل: فتج وز ر جل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي فقال يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذاً صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي يا معاذ، أفتان أنت؟– ثلاثاً – اقرأوا الشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها) (1)، وقد يحتاج تقويم الخطأ في بعض الأحيان إلى أن يلجأ المربّ إلى اتخاذ عقوبة للمخطئ لانصلاح أحواله واستقامة أخلاقه، وتحذير غيره للمخطئ، لانصلاح أحواله واستقامة أخلاقه، وتحذير غيره أن يقعوا فيما وقع فيه هذا الصنف، ومن أمثلة ذلك لما تخلف كعب بن مالك الشاب وأصحابه الثلاثة عن غزوة تبوك من غير عذر أمر النبي بمقاطعتهم خمس يوماً، فلا يجالسهم أحد ولا يكلمهم أحد حتّ ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، يقول كعب بن مالك – – في قصتهم الطويلة: (ونهى رسول الله المسلمين عن كلامنا، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، وآذن رسول توبة الله علينا(2) وكانت النتيجة أن يُصدق كعب في الحديث طوال ما بقي من حياته، لعلمه بأن الصدق هو الذي أنجاه من أن يلحق بالمنافقين الكاذبين. ولقد كان من أثار تربي ة الرسول بأسلوبالترغيب والترهيب أن استطاع بفضل الله وبحسن منهجه وبراعة أسلوبه أن يخُر ج جيلاً من الشباب رسخ الإيمان في قلوبهم، وتمسكوا بدينه، وعضوا عليه بالنواجذ، مع ما لقي هذا الْيل من أنواع شتّ من (1) البخاري كتاب الأدب – باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً – رقم الحديث ( 6116.) (2) البخاري كتاب الأحكام – باب هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه – رقم الحديث (7225.)
عدد الصفحات ١٤٥