المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 2

باحثون

صفحة ١٠ من ٣١

- 145 - أصناف العذاب، فبعضهم حُبس، والآخر عُذب بالضرب تَرة، وبرمضاء مكة عند شدة الحر وقت الظهيرة، تَرة أخرى، وبالْوع والعطش، وبالهجر، والإخراج من وطنه وترك ماله وأهله وعلى الرغم من كل ما أصابهم من الابتلاء إذا بهذا الْيل ثابت الإيمان ثبوت الْبال الراسيات، راسخ اليقين، فهذا ابن مسعود –  – أوذي في تبليغ دين الله أشد البلاء فلم يزده ذل ك إلا ثباتًَ على دينه وتفانيا فيه، أوذي فصبر حتّ كاد أن يُقتل، ثم يقول لأصحابه: ولو شئتم أن أعود إليهم مرة أخرى فأبلغ دين الله لعدت حتّ وإن قُتلت في ذلك، فعن عروة بن الزبير – – قال: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله  بمكة عبد الله بن مسعود–  – قال(اجتمع يوماً أصحاب رسول الله  فقالوا: والله ما سْعت قريش بهذا القرآن يجُهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إذا أرادوا، فقال: دعوني فإن الله سيمنعن، قال: فغدا ابن مسعود حتّ أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتّ قام عند المقام ثم قال: بسم الله الرحْن الرحيم رافعاً بها صوته ﴿ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾ قال: ثم استقبلها يقرأ فيها، قال: وتأملوا وجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتّ بلغ منها ما شاء أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا بوجهه فقالوا: هذا الذي خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، لئن شئتم لاغادينهم غداً بمثلها؟ قالوا: لا حسبك فقد أسْعتهم ما يكرهون) (1)، وأما خباب وبلال وصهيب وعمار وياسر وسْية وزنيرة فحدث و (1) تَريخ الأمم والملوك للطبري1 /549.)

عدد الصفحات ١٤٦

- 146 - حرج من شدة ما ذاقوه من العذاب وصبروا، ألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم الشمس حتّ بلغ منهم الْهد ما شاء أن يبلغ من حر الحديد والشمس فما زادهم ذلك إلا إيماناً وتثبيتاً، فكانت النتيجة لتربية الرسول  بأسلوب الترغيب والترهيب أن أخرج جيلاً يُضحي بالنفس والمال، أما عن تضحية الشباب بأنفسهم فحدث ولا حرج، فعلي بن أبّ طالب –  – يُفدي رسول بنفسه ويبيت في فراشه وهو ابن ثلاث وعشرين عاماً، على الرغم من علمه أن قريشاً جمعت من كل قبيلة شاباً جلداً نسيباً وسيطاً وأعطوا كل واحدا سيفاً صارماً ليضربوا رسول الله  ضربة رجل واحد، ومع ذلك ينام –  – وكأنه يقول بحاله قبل مقاله روحي فداك رسول الله  أفديك بنفسي وأهلي بل وكل ما أملك (1)، وصهيب الرومي–  – يُضحي بماله كله على الرغم من كثرته، حيث خرج مهاجراً نحو المدينة واتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وأخذ كنانته، ثم قال: (يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيم الله لا تصلون إلي حتّ أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، ففعل، فلم قدم على النبي  قال: ربح البيع أبا يحيى ربح البيع)(2)، وطلحة بن عبيد–  – يُفدي الن يوم أحد بنفسه، ويقيه ويتر س عليه ليرد عنه السهام ، فقاتل حتّ ضُربت يده فقُط عت أصابعه... فقال رسول الله  : (لو قلت بسم الله لرفعتك الملائ كة والناس ينظرون)(3) وغيرهم كثير وكثير، كل هذه التضحيات بسبب تربي ة الرسول  بأسلوب الترغيب والترهيب (1) السيرة النبوية لابن هشام1 /482- 483.) (2) الطبقات الكبرى لابن سعد3 /228)، البداية والنهاية لابن كث 3 /173.) (3) النسائي كتاب الْهاد – باب من يطعنه العدو رقم ( 4357) وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم (3149) وقال حسن من قوله فقُط عت أصابعه وهو على شرط مسلم

عدد الصفحات ١٤٧

- 147 - المبحث السادس:التربية بأسلوب الرد على الشبهات، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الشبهات في اللغة والاصطلاح: الشبهة لغة: الالتباس، وجمع الشبهة شُبه، وهو اسم من الاشتباه، وأمور مشتبهة ومشبهة مشكلة يشبه بعضها بعضاً، ومنه ما روي عن عمر –  – أنه قال: (الل يُش بُه عليه) (1)، ومعناه: أن المرضعة إذا رضعت غلاماً فإنه ينزع إلى أخلاقها فيشبهها(2)، وشب ه عليه الأمر: أبهمه عليه حتّ اشتبه بغيره، واشتبه الشيء بالشيء مث له وأقامه مقامه بصفة مشتركة بينهما(3). الشبهة في الاصطلاحما التبس أمره فلا يدري أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل(4)، وقيل: هي الأمور المزخرفة ظاهراً، والفاسدة باطناً(5). وسْيت الشبهة بذلك لمشابهتها للحق في الظاهر، وهي في الواقع من الضلالات، أو لأنها توقع السامع في اشتباه، أي: في التباس(6)، فلا يدري أحلال هو أم حرام وحق هو أم باطل (7). (1) أسد الغابة2 /98.) (2) البيهقي في السنن الكبرى– باب ما ورد في اللبن تُشب ه عليه (7 /464) رقم 15457)، وعبد الرزاق في مصنفه (7 /476) رقم 13953.) (3) لسان العرب 13 /514- 515)، مختار الصحاح1 /138.) (4) المعجم الوسيط1 /471)، التعريفات 1 /156.) (5) معالم الدعوة في قصص القرآن 1 /323.) (6) انظر المصدر السابق (7) المعجم الوسيط2 /471.)

عدد الصفحات ١٤٨

- 148 - المطلب الثاني: أثر تربية الرسول  بأسلوب الرد على الشبهات إن من الأساليب التربوية التي استخدمها الرسول  أسلوب التربية بالرد على الشبهات، متمسكاً بقوله – تعالى –: ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ  [54- 55] – تعا– أرشده إلى كيفية التعامل مع مشركي وكفار قريش الذين أثاروا العديد من الشبه لصد الناس عن الإيمان به، فما بالك مع المسلمين المؤمنين؟ فقد فر ع الله – تعالى – على أمره بالتولي عنهم، إخباره بأنه لا ل وم عليه في إعراضهم عنه، وعطف (ذك ر) على (فتولى عنهم) احتراساً كي لا يتوهم أحد أن الإعراض إبطال للتذكير بل التذكير باق، فإن النبي  ذك ر الناس، فآمن بعض من لم يكن آمن من قبل، وأتى بالكلام على صيغة الْملة الإسْية: (فما أنت بملوم) ليكون الاستمرار على التذكير ، وزيادة في إقامة الحجة على المعرضين، ولئلا يزدادوا طغياناً فيقولون: ها نحن أولاء قد أقحمناه فكف عما يقول، والأمر في (وذك ر) مراد به الدوام على التذكير وتجديده(1) والاعتبار بذلك للمسلمين عامة والدعاة بخاصة بأنه لابد من دعوة الناس إلى الدين وإلى الحق والاستمرار على ذلك، حتّ وإن وقع منهم صدُ أو إعراض أو إثارة الشبه على الإسلام ونبيه  فمن رد عليهم غبر ملوم، طالما أنه لم يحدث منهم تقصير في الدعوة، ولكن اللوم يأتي عند التقاعس عن دعوة الناس إلى الهدى والتعريف بالحق، ومن الأمثلة على ذلك عن عائشة – رضي الله عن ها– أنها قالت: في هذه الآية: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ  [61] (1) التحرير والتنوير27 /21- 24.)

عدد الصفحات ١٤٩

- 149 - ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟ قال: لا يا بنت أبّ بكر، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عزوجل) (1)، فعائشة اشتبه عليها الأمر فظنت أن المراد من الآية أ صحاب المعاصي، فرد عليها  وبين لها المراد منها، ومن الأمثلة موقفه من حفصة – رضي الله عنها – عندما ردت على الرسول  قوله: بأنه يدخل النار أحد ممن بايع بيعة الرضوان وفهمت المعنى المراد من الآية بمعنى مخالف فرد عليها الشبهة(2)، ومن الأمثلة: عن عائشة– رضي الله عنها– قالت: (دُعي رسول الله  إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبّ لهذا عصفور من عصاف الْنة! لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أوغير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم الله لها وهم في أصلاب آبائهم)(3)، ومن الأمثلة: عن أبّ هريرة –  –: (أن رجلاً أتى الن فقال: يا رسول الله وُلد لي غلام أسود، فقال: (هل لك من إبل؟) قال: نعم، قال (ما ألوانها؟)، قال: حُْر، قال: (هل فيها من أورق؟) الذي في لونه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الغبرة، قال: نعم، قال: (فأنى ذلك؟) قال: لعله نزعه عرق، قال: (فلعل ابنك هذا نزعه) (4)، فهنا لقد اشتبه الأمر على الرجل فظن أن الغلام ليس منه ومن صلبه فجاء يسأل الرسول  فوض ح له أن ما به سوى ظن وشبهة لا دليل عليها، ومن الأمثلة أيضاً: عن عطاء بن يسار –  –: (أن رسول  سأله رجل فقال: يا رسول الله استأذن على أمي فقال: (نعم)، قال الرجل: إني معها في البيت، (1) أحْد في مسنده مسند الأنصار رقم ( 24663)، والترمذي في سننه كتاب الذبائح وأبواب تفسير القرآن – باب ومن سورة المؤمنون برقم ( 2216.) (2) سبق تخريجه (3) مسلم كتاب القدر – باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت الأطفال من الكفار – رقم ( 4938.) (4) البخاري كتاب الطلاق – باب إذا عًّرض بنفي الولد – رقم ( 5114.)

عدد الصفحات ١٥٠

- 151 - فقال رسول  (استأذن عليها)، فقال الرجل: إني خادمها فقال له: (استأذن عليها أتحب أن تراها عريانة) قال: لا، قال: (فاستأذن عليها) (1) فالرجل هنا اشتبه عليه الأمر في مسألة الاستئذان فظن أنه لا يجب عليه ذلك فوضح له  العلة من الاستئذان، ومن الأمثلة: عن أبّ هريرة –  –: (أن رسول  قال: (لا عدوى)، فقام رجل أعرابّ فقال: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء، فيأتها البعير الأجرب فتجرب؟ فقال النبي  : (فمن أعدى الأول(2) فالرجل اشتبه الأمر عليه فظن بأن هناك عدوى، فوض ح له الرسول  الأمر وأزال الشبهة، ومن الأمثلة: عن المقداد بن الأسود – –: (أنه قال لرسول  أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ من بشجرة فقال: أسلمت لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله  (لا تقتله) فقال: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ فقال رسول الله : (لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) (3) فالمقداد بن الأسود اشتبه الأمر عليه فوضح له الصحيح من المسألة، ومن الأمثلة: يقول أبو هريرة –  –: (بينما يهودي يعرض سلعته أعُطي بها شيئاً كرهه فقال لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي  بين أظهرنا؟ فذهب اليهود ي إلى النبي  فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهداً فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال لمه لطمت وجهه؟ فذكره (بين سبب لطمه لليهودي) فغضب النبي  حتّ رُئي (1) مالك في الموطأ كتاب الاستئذان – باب الاستئذان رقم ( 1751. ) (2) البخاري كتاب الطب – باب لا عدوى رقم ( 5459.) (3) البخاري كتاب المغازي – باب شهود الملائكة بدراً – رقم ( 3821.)

عدد الصفحات ١٥١

- 151 - وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه يُنفخ في الصور، فيُصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم يُنفخ فيه أخرى فأكون أول من بُعث، فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بُعث قبلي، ولا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن متّ)(1)، فالرجل قد لطم اليهودي لاعتقاده، فوض ح له الرسول  بعدم جواز التفضيل بين الأنبياء تعصباً، مع أنه أفضلهم، ومن الأمثلة: عن عبد الله– –قال:لما نزلت هذه الآية ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [13] وقالوا أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله  : (ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه، يا بن لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) (2)، ومن الأمثلة: موقفه مع الشباب الذين اشتبه عليهم الأمر فظنوا أن النكاح والفطر والنوم سبب في عدم التقرب إلى الله – تعالى – فوضح لهم  أنه اتقى الناس ومع ذلك يفعل هذه الأمور، بل وأقسم بالله حتّ يوضح لهم الأمر فقال: (أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكن أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس من) (3)، ومن الأمثلة: موقف عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – كان يظن أن الصيام والقيام في كل الأوقات أفضل العبادات، فيقول: (بلغ النبي  أني أصوم أسردُ، وأصلي الليل، ... فقال: (ألم أخُ أنك تصوم ولا تفطر، وت صلي الليل؟ فلا تفعل، فإن لعينك حظاً، ولنفسك حظاً، ولأهلك حظاً، فصم وأفطر، وصل ونم، وصم من كل عشرة أيام يوماً... قال: إني أجدني أقوى من ذلك يا نبي الله، قال: (فصم صيام داود عليه السلام) قال: وكيف (1) البخاري كتاب الأنبياء – باب أحاديث الأنبياء – رقم ( 3162.) (2) البخاري كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم – باب ما جاء في المتأولين – رقم الحديث ( 6937.) (3) سبق تخريجه

عدد الصفحات ١٥٢

- 152 - كان داود يصوم؟ يا نبي الله، قال: (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً(1) فعبد الله بن عمرو– رضي الله عنهما – اشتبه عليه الأمر فوضح له الرسول  الصحيح من الخطأ والحق من الباطل. فكانت ثمرة تربي ة الرسول  بأسلوب الرد على الشبهات أن رس خ الإيمان قلوب الْيل فظهر على جوارحهم، فأخرج شباباً ذاق حلاوة الإيمان فحرص على زيارته وتج ديده، بل والازدياد منه، حتّ كان بعضهم إذا لقي أخاه يقول له: هيا بنا نؤمن ساعة، فكان عبد الله بن رواحة –  – إذا لقي الرجل من أصحابه يقول له هيا بنا نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل، فجاء إلى النبي  فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟ فقا ل النبي  : (يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهي بها الملائكة (2) وغيره من الشباب كثير، ومن ثمرات التربية بأسلوب الرد على الشبهات: شدة الخوف من الله، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف، فكان للفاروق –  - خطين أسودين من كثرة البكاء، وكان ولده عبد الله إذا قرأ:  ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ  [16] – رضي الله عنهما – يصلي شطر الليل ويرتل القرآن حرفاً حرفاً، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب(3)، وكان من الأثار أيضاً إخراج جيل من الشباب كانوا أعلم أهل الأرض وأعبدها لله، وخير خلق الله على وجه الأرض يومها، فكانوا أعلم الناس (1) مسلم كتاب الصيام – باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقاً أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم – رقم الحديث (1159.) (2) أحْد في المسند رقم 13796) وقال شعيب الارنؤوط: إسناده ضعيف (3) سير أعلام النبلاء3 /352.)

عدد الصفحات ١٥٣

- 153 - بكتاب الله، وبسنة نبيه فابن مسعود–  – يقول عن نفسه: (والذي لا إله غيره ما من في كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أُنزلت، ولو أعلمُ أحداً هو أعلم بكتاب الله من، تبلغه الإبل لركبت إليه)(1)، ومن الأثار أيضاً اجتهاد الصحابة –  – في العمل بما عملوا، يقول نافع مولى ابن عمر عن حال ابن عمر في بيته: (الصلاة لكل وضوء والمصحف فيما بينهما)(2)، وكان من حاله إذا دخل الليل يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم، فيقول: اللهم إن النار أذهبت من النوم، فيقوم فيصلي حتّ يصبح)(3)، وكان أبو طلحة –  – أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخلا وكان أحب أمواله إليه حديقة بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله  يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس فلما أنزلت هذه الآية: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ  [92] طلحة إلى رسول  فقال: يا رسول الله إن – تبارك وتعالى – يقول:  ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ  [92] وأنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك ، فقال رسول الله : (بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلح ة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبن عمه)(4) وهناك (1) مسلم كتاب فضائل الصحابة – رضي الله عنهم – باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه - رضي الله عنهما – رقم الحديث ( 2463.) (2) اصابة في تمييز الصحابة (2 /349.) (3) سير أعلام النبلاء3 /215 .) (4) البخاري كتاب الزكاة – باب الزكاة على الأقارب – رقم الحديث ( 1461 .)

عدد الصفحات ١٥٤

- 154 - الكثير والكثير من ا ثار نتجت من جراء تربية الرسول  بأسلوب الرد على الشبهات. وكان من نتائج تربي ة الرسول  بأسلوب الرد على الشبهات أن غرس العقيدة الصحيحة في نفوس أصحابه، فتربوا على التوحيد فضربوا المثل الأعلى في التمسك ب ه والعض عليه بالنواجذ، وتقديمه على ما سواه حتّ ولو كان أحب الأشياء إلى نفوسهم، فهاهو الصحابّ الْليل الشاب سعد ابن مالك –  – يقول: (كنت رجلاً باراً بأمي، فلما أسلمتُ قالت: يا سعد ما هذا الدين الذي أحدثت؟ لتدعن دينك أو لا أكل ولا أشرب حتّ أموت فتُعير بّ، فيقال: يا قاتل أمه، فقال: لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع دين لهذا الشيء، فمكثت يوماً لا تأكل ولا تشرب، وليلة أخرى، فأصحبت وقد جهدت، فلما رأيت قلت: يا أماه تعلمين والله لو كان لك مائة نفس، فخرجت نفسُ نفسُ ما تركت دين، إن شئت فكلي أو لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت)(1)، فالصحابة–  – قد اتصفوا بعقيدة نقية لا بدعة فيها ولا انحراف، مع إدراكهم الواعي لهذه العقيدة، فحولوها إلى حقيقة سلوكية قائمة في عالم الواقع، حتّ أصبحت يقيناً قلبياً أنبنى عليه سلوكهم وواقعهم، فأصبحوا يملكون عقيدة لا يزلزلها الابتلاء والشدة، ولم يؤثر فيها الرخاء والسعة، وكل ذلك وزيادة كان من نتائج التربية بالرد على الشبهات. (1) تَريخ مدينة دمشق21 /331.)

عدد الصفحات ١٥٥

- 155 - المبحث السابعالتربية بأسلوب الامتثال لأمر الله – تعالى– وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الامتثال في اللغة والاصطلاح الامتثال في اللغة: الميم والثاء واللام أصل صحيح يدل على مناظرة الشيء للشيء، وهذا مثل هذا، أي نظيرة، والمهثل والمثال في معنى واحد، ومن هذا المعنى المثل المضروب، ومن قولهم: مُث ل به، إذا نُكل، هو من هذا أيضاً لأن المعن فيه أنه إذا نُكل به جعل ذلك مثالاً لكل من صنع ذلك الصنيع، ومهثْل: كلمة تسوية، يُقال: هذه مثله ومثله: كما يقال: شبهه وشبهه، قال ابن بري: الفرق بين المماثلة والمساواة أن المساواة تكون بين المختلفين في الْنس والمتفقين، لأن التساوي هو التكافؤ في المقدار لا يزيد ولا ينقص، وأما المماثلة فلا تكون إلا في المتفقين، تقول: نحو وكنحوه، وفقهه كفقهه، ولونه كلونه، وطعمه كطعمه، فإذا قيل هو مثله على الإطلاق فمعناه أنه يسد مسده، وإذا قيل هو مثله في كذا هو مساو له في جهة دون جهة، يقال: امتث لت مثال فلان: احتذيت حذوه وسلكت طريقه، وامتثل طريقته: تبعها. الامتثال في الاصطلاح : هو قصد الطاعة بفعل المأمور وترك المنهي تحقيقاً لامتحان المكلف كما قال الله – سبحانه وتعالى–:  ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ  [7](1). (1) مقاييس اللغة974)، لسان العرب 13 /21-25.)

عدد الصفحات ١٥٦

- 156 - المطلب الثا أثر تربية الرسول  بأسلوب الامتثال لأمر الله تعالى الاعتبار من امتثال النبي  لأمر الله حيث إنه ينبغي على المربين الاقتداء به ذلك، لأن في امتثال المربّ الداعي إلى الله – تعالى – بأمره والسير على نه جه، أهمية كبرى في الدعوة إلى الله  وفي إقبال الناس عليه، لما يرون من أن أول المتبعين له هم الدعاة إليه، ولما في الْمع بين القول والعمل في الدعوة والتربية من أثر كبير في نفوس المدعوين. ومن أمثلة تربي ة الرسول  بأسلوب الامتثال لأمر– تعالى –: (أنه لما فرغ من قضية الكتاب في صلح الحديبية قال لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل حتّ قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحدُ دخل على أم سلمة – رضي الله عنها – فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟، أخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتّ تنحر بدُنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتّ فعل ذلك نحر بُدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتّ كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً)(1)، يقول ابن حجر– يرحْه الله –: "وفيه أن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول المجرد "(2)، كما كان في امتثاله  لأمر–تعالى– في الدين والخلق قولاً وعملاً، أثر كبير في نفوس الناس، وفي إقبالهم على دين الله، وإعلان استسلامهم له، ومن ذلك أمره – عزوجل – بالعفو عن الناس، والرضا بما تيسر من أعمالهم، وأن (1) البخاري كتاب الشروط – باب الشروط في الْهاد برقم ( 2731،2732.) (2) فتح الباري 5 /347)، عمدة القارئ 14 /19.)

عدد الصفحات ١٥٧

- 157 - يتسهل معهم من غير كلفة، ولا يطلب منهم ما يشق عليهم وأمره، كذلك بالإعراض عن الْاهلين، وعدم مسافهتهم جزاء لما يصدر منهم حتّ لا ينفروا منه (1)، فقال– تعالى –: ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ [199 ] فكان من امتثاله لأمر– تعالى – له بذلك ما تشهد به أم المؤمنين عائ– رضي الله عنها – له  وهي من أعرف الناس به فتقول: (وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عزوجل)(2) وفي سيرته العطرة شواهد كثيرة تدل على هذا، ومنها أن عائشة – رضي الله عنها – قالت لرسول الله  يا رسول الله هل أتى عليك يومُ كان أشد من يوم أحُد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نف سي على عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبن إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتن فنظرت فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سْع قول قومك لك وما رد وا عليك، وقد بعث إليك ملك الْبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الْبال وسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سْع قول قومك لك، وأنا ملك الْبال، وقد بعثن ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت إن شئت أن اطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله  بل أرجو أن يخُرج (1) فتح القدير2 /279)، البحر المحيط4 /444)، روح المعا 9 /146 .) (2) البخاري كتاب المناقب – باب صفة النبي  برقم 3561)، ومسلم كتاب الفضائل – باب مباعدته  للآثام واختياره من ا لمباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرمته برقم ( 2328.)

عدد الصفحات ١٥٨

- 158 - من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئاً)(1)، فما أعظم حلمه وعفوه حين لم ينتقم لنفسه، بل أخذ وامتثل بما أمره الله من العفو والصفح عن الناس رجاء لإسلامهم أو إسلام من يخرج من أصلابهم، وقد كان لهذا الموقف أثره الحسن بإسلام بعض أهل الطائف وامتثالهم لأمر الله – عز وجل – وحتّ بعد وفاته  ارت دت معظم الْزيرة العربية إلا مكة والمدينة والطائف. فعلى المربّ أو المصلح أن يكون هو نفسه مهتدياً بما يقوله، لينفع نفسه وغيره، لأن ذلك النفع لازم ومتعد، وعليه ألا يكون من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأمر بالخير ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق – عز وجل – وهذا أمر عام لكل من دعا إلى خير(2)، كما قال – تعالى –: ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ[ 33] – عليهم الصلاة والسلام– يعلنون لأقوامهم أنهم أول الممتثلين لما كانوا يأمرون ا لناس به، وأول التاركين لما نهوا عنه. فعلى المربّ والداعي إلى الله الاعتبار بذلك بالحرص على عدم مخالفة قوله لعمله، لأن المربّ إذا خالف قوله عمله، وكذ ب فعله قوله كان ممقوتًَ في الأرض والسماء، مُضلاً لمن رام به الاقتداء، و إذا أمر بغير ما يعمل مج ت الأسْاع كلامه، وق لت في (1) البخاري كتاب بدء الخلق – باب إذا قال أحدكم آمين – رقم ( 3231)، ومسلم كتاب الْهاد – باب ما لقي النبي  من أذى المشركين والمنافقين رقم 1795.) (2) تفسير القرآن العظيم 4 /111.)

عدد الصفحات ١٥٩

- 159 - الأعين مهابته، وزالت عن القلوب مكانته (1)، لذا أنكر– عز وجل – على أهل الإيمان قولهم مالا يفعلونه، وبين أن هذا سبب غضبه ومقته الشديد فقال:  ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ  [2-3]فهام في الآية للتقريع والتوبيخ، أي لمه تقولون من الخير مالا تفعلونه(2)، كما بين الن  سوء عاقبة الخطباء والدعاة المخالف بأفعالهم أقوالهم فقال: (لما أسُري بّ مررت برجال تُقرض(3) شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا تعقلون)(4) . ولقد كان من أثر تربي ة الرسول  بأسلوب الامتثال لأمر– تعالى – أن خ رج شباباً كان همه الأكبر، وغايته القصوى، وتفكيره المستمر، القيام بالواجب، وتأدية الأمانة في تبليغ الدعوة إلى الناس، وموقف مصعب بن عمير –  – خير شاهد على ذلك، فعندما بعثه الرسول  إلى المدينة نزل على أسعد بن زرارة –  – فأخذا يتجولان في دور الأنصار –  – يدعونهم إلى دين الإسلام، وبعد فترة وجيزة (1) السلوك وأثره في ال دعوة إلى الله تعالى (53.) (2) فتح القدير5 /219.) (3) تقرض: أي تُقط ع من قرض الشيء إذا قطعه. انظر لسان العرب7 /216)، مختار الصحاح1 /221.) (4) أحْد في مسنده3 /231) برقم 13445)، وأبو يعلى في مسنده7 /72 )– برقم 3996)، والطبرا الأوسط (1 /131 )برقم 411)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (حديث صحيح) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1 /216.)

عدد الصفحات ١٦٠

- 161 - لم تبق دار من دور الأنصار إلا دخلها الإسلام، وصد يق الأمة يسلم وهو في ريعان شبابه، فجعل همه الأكبر أن يدعو إلى دين الإسلام من يثق به من قومه، فأسلم على يديه الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبّ وقاص، وعبد الرحْن بن عوف (1)، وأعلم الأمة بالحلال والحرام معاد بن جبل، ومعه معاذ بن عمرو بن الْموح وفتيان مم ن أسلموا –– جميعاً يتفنون في وصول الدعوة لعمرو بن الْموح –  – سيد من سادات الأنصار، وشريفاً من أشرافهم، ولندع لابن هشام قص ما فعله هؤلاء الفتية –  – في دعوة هذا الصحا –  – بتخطيط سديد وتنفيذ دقيق، حيث يقول – يرحْه الله –: "فلما أسلم فتيان بن سلمة معاذ ابن جبل ومعاذ بن عمرو الْموح في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة كانوا يدلْون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بن سلمة وفيها عذر الناس منكساً على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة؟ قال: ثم يغدو يلتمسه حتّ إذا وجده غسله وطهر ه وطي به، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه، فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك، فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطه ره ويطي به، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه ي وما فغسله وطه ره وطي به، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلباً ميتاً فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار (1) البداية والنهاية3 /29.)

عدد الصفحات ١٦١