- 113 - كهر(1) ولا ضربن ولا شتمن، وإنما قال: يا معاوية (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن) (2)، فارتَحت نفسه وأطمأن قلبه وذلك لطريقة الرسول وتربيته بالموعظة الحسنة مع أنه فعل أمراً شوش فيه على المصلين وقطع عليهم خشوعهم، ومع ذلك يسر له الطاعة ووضح له أن الصلاة لا يصح فيها أبداً شيء من ذلك، ولو استخدم أسلوباً آخر فيه الشدة والغلظة – وحاشاه أن يفعل ذلك – لأدى ذلك إلى كره الطاعة والعبادة، ومن الأمثلة التي تدل على حلم النبي واستعمال التربية بالموعظة الحسنة مع ااور الخشن في أسلوبه، يقول أنس بن مالك – –: (جاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتَنا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: (صدق)، قال: فمن خلق السماء؟ قال: (الله)، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: (الله)، قال: فمن نصب هذه الْبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: ( الله)، قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الْبال آلله أرسلك؟ قال: (اللهم نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا: قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: (صدق)، ثم ولى وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد ع ليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي : (لئن (1) كهرني: الكهر: الزجر والنهر، وكهره يكهره، إذا زجره ونهره. انظر جامع الأصول لابن الأث 5 /88.) (2) مسلم كتاب المساجد – باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان م ن إباحته رقم ( 537.)
عدد الصفحات ١١٤- 114 - صدق ليدخلن الْنة(1)، فلقد استوعب الرسول بدائية البدوي التي ظهرت أسلوب طرحه للأسئلة، فتلطف معه وخاطبه على قدر تفكيره وجفائه ولم يعنفه، وكانت إجابته وجيزة لا تحمل مؤكدات وتتجلى البلاغة النبوية في الإجابة المتن قلة بين نعم واللهم نعم، إنها الدقة المنشودة والموعظة الحسنة في إدارة الحوار فلا ثرثرة غير مجدية، ولا اختصارا مخلاً، وكانت محصلة الموعظة الحسنة أن انصرف الرجل إلى قومه، وما أمسى من الحي من ذلك اليوم رجل أو امرأة إلا مسلماً (2). وفي النص الآتي نجد أن بعض الناس تأبّ قلوبهم ونفوسهم قبول الحق والخير إن كان مرغماً عليه، ولكن يأسرهم المعروف والموعظة الحسنة ويقدرونها حق تقديرها، وهنا تظهر مراعاة النبي لتلك الشخصيات فيراعي حرية الطرف الآخر مع حرصه على إسلامها جلياً، فيختار الإسلام المحتمل للطرف الآخر، بدلاً من أن يختار العوض المالي المضمون، أما قتل الكافر فلم يكن يوماً من الأيام هدفاً للإسلام، وإنما هو إجراء اضطراري، وهذا ما يوضحه الحوار الآتي،يقول أبو هريرة –-: (بعث الن خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بن حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلن تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسئل منه ما شئت، فتركه حتّ كان الغد ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة؟) قال: قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتّ كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي ما قلت لك، فقال: اطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد (1) البخاري كتاب العلم – باب ما جاء في العلم ح رقم ( 63)، ومسلم كتاب الإيمان – باب أركان الإسلام ( 1 / 171- 171.) (2) السيرة النبوية لابن هشام4 /2429.)
عدد الصفحات ١١٥- 115 - فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الو جوه إلي، والله ما كان من دين ابغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتن وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا، و لكن أسلمت مع محمد رسول الله ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتّ يأذن فيها الن )(1) فلقد طرح الرسول الأمر على ثمامة وعاوده مرات متعاقبة مع أيام ثلاثة مكرراً السؤال نفسه ما عندك يا ثمامة؟ فأمهله فرصة التفكير، حيث يسمح الزمن، ولكنه ليس الطرح الممتد، فلا مجال عند رسول الله لترك الفكرة مطروحة لوقت طويل ولا لزمن مفتوح حتّ لا تفقد قيمتها أو تُستغل فيتلاعب بها، فقد أكرم الأسير وأمر بالإحسان إليه بقوله: أحسنوا إساره، ورجع رسول الله إلى أهله فقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه، وأمر بلقحته أن يُغدى عليه بها ويُراح، فكان لإكرام رسول الله له بما في بيته وتلطفه معه في الطرح وعدم التنكيل به في أسره ثم إطلاق سراحه بلا قيد أو شرط موقع طيب في نفسه دفعه لأن يكون توجههه بعد الإطلاق إلى حيث التطهر لإعلان الإسلام. ويتضح من هذه الحوارات التي ت تميز بالموعظة الحسنة الآثار الحميدة التي يجدها المربّ، ومن أمثلة ذلك حديث الأعرابّ الذي بال في المسجد، فعندما وعظه الرسول (1) البخاري كتاب الخصومات والمغازي – باب وفد بن حنيفة - ح (4372)، ومسلم كتاب الْهاد – باب ربط الأسير وحبسه - ح (1764)
عدد الصفحات ١١٦- 116 - بالموعظة الحسنة رق قلبه وقال: (اللهم ارحْن ومحمداً ولا تشرك في رحْتنا أحداً(1)، ومن أثارها أنها طريق موصل إلى الْنة، وتُنير العقول، وتُصلح القلوب، وتحفظ الإنسان من كيد الشيطان، وتوصل إلى الحقيقة وتُنمي المعلومات، وتُصلح الأخطاء والناس، وتُظهر الحق وتنشر الأفكار والقيم والتوجيهات، وتحُس ن العلاقات الإنسانية والأخوية بين الناس، وتبطل الباطل وتزيل الأفكار الخاطئة، وتحقق المصالح العامة على مستوى الأفراد والْماعات، وتزيل المنازعات والصراعات والظلم، وتدرب الأجيال على الالتزام بآداب المناقشة والمحاورة والنصح والتربية في كافة المجالات (2). أما نتائج التربية بالموعظة الحسنة فهي كثيرة ونذكر منها على سبيل المثال الحصر: 1. أنها تكو ن الشخصية ال ثابتة القوية على الحق لا تؤثر فيها النزوات والفتن والمشكلات، ولا تتأثر بالأفكار الضالة والسلوكيات المنحرفة، ولعل من أهم الشخصيات التي برزت فيها هذه الْوانب مصعب بن عمير – – حيث كان قبل دخوله الإسلام مترفاً مدللاً، وبعد ظهور الحق لم يلتفت إلى الدنيا وما فيها. 2. إنها تربّ الأجيال على الحوار والمناقشة وتبادل الآراء، والتعبير عن وجهات نظرهم، وتشجيعهم على المشاركة الاجتماعية التي تربيهم على تحمل المسئولية الفردية والاجتماعية، ولعل موقفه مع أمة من إماء المسلمين يوضح هذا الأمر فعن أنس بن مالك – – قال: (كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت(3). (1) سبق تخريجه (2) ثقافة الحوار لريم البا47.) (3) البخاري كتاب الأنبياء – باب علامات النبوة في الإسلام (6 /451- 451.)
عدد الصفحات ١١٧- 117 - 3. إنها ترعى المشاعر والانفعال والعواطف، والاهتمام بالآخرين ولعل من أكبر الأدلة على ذلك موقف الرسول مع ثمامة بن أثال(1). 4. إنها تساعد الآخرين على المحاورة وتوفير الأمور المناسبة لميولهم وقد ر اتهم واستعداداتهم، والعمل المناسب لهم، ولعل من أفضل الأمثلة على ذلك موقفه مع معاذ عندما أرسله لليمن (2). 5. إنها تساعد على الاحترام والتقدير للآخرين مما يجعلهم يشعرون بمكانتهم والاهتمام بهم وتشجيعهم على المشاركة والتفاعل، ولعل موقفه مع الحسن – – يوضح هذا الأمر، فبينما رسول الله ذات يوم يخطب إذ جاء الحسن بن علي فصعد إليه المن فضم ه إليه ومسح على رأسه وقال: (ابن هذا سيد، ولعل الله أن يصلح على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين)(3). (1) سبق تخريجه (2) سبق تخريجه (3) أحْد في المسند5 /49) رقم 21517) وقال شعيب الأرنؤوط إسناده صح يح.
عدد الصفحات ١١٨- 118 - المبحث الثالث: التربية بأسلوب المجادلة وفيه مطلبان المطلب الأول : تعريف المجادلة في اللغة والاصطلاح: الجدال في اللغة: مصدر قولهم: جادله يجادله جدالاً ومجادلة وهو مأخوذ من مادة (ج-د-ل)التي تدل على استخدام الشيء في استرسال يكون فيه امتداد الخصومة ومراجعة الكلام (1) يقال: جادله أي: ناظره وخاصمه، والاسم من ذلك الْدل، وهو شدة الخصومة، وجدل الحبل: إحكام فتله، يقول الراغب: الْدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة وكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه، وقيل الأصل في الْدال: الصرع وإسقاط الإنسان صاحبه على الْدالة وهي الأرض الصلبة، والْدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها (2)، ك ما يأتي منه المصدر على جدال ومجادلة ومعناه: المناظرة والمخاصمة، والْدال أيضاً المخاصمة بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، يقول الفيومي: هذا هو الأصل ثم استعمل على لسان حْلة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، فالْدال في اللغة يدور حول: المفاوضة، والمطالب ة، والمغالبة، والإحكام، والصرع، والإسقاط، واللدد في الخصومة والقدرة على الخصومة، والمناظرة، والمخاصمة. والاسترسال، والاستحكام، ومقابلة الحجة بالحجة(3). (1) معجم مقاييس اللغة1 /433 ) (2) مقاييس اللغة1 /433)، والمفردات 87)، ولسان العرب 1 /571)، والصحاح4/1653)، والمصباح المن (1/93) (3) انظر المصادر السابقة
عدد الصفحات ١١٩- 119 - الجدل في الاصطلاح هو دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه، وهو الخصومة في الحقيقة(1). فالذي يظهر من المعاني السابقة أن الْدل هو: الخصومة والمنازعة في البيان والكلام، لإلزام الخصم بإبطال مدعاه وإثبات دعوى المتكلم (2). المطلب الثاني: أثر تربية الرسول بأسلوب المجادلة قد يكون الْدال محموداً إذا تعلق بإظهار الحق واليقين، وقد أُمر بذلك الرسول في قوله– سبحانه وتعالى –: ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ [125] ومن هنا قسم العلماء الْدال إلى ممدوح ومذموم وذلك بحسب الغاية منه، وبحسب أسلوبه، وبحسب ما يؤدي إليه، فالْدل الذي يهدف إلى إحقاق الحق ونصرته، ويكون بأسلوب صحيح مناسب ويؤدي إلى خير فهو الْدل الممدوح، يقول الله –تعالى– : ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ [46] يؤدي إلى خير فهو (الْدل المذموم)، ولذا جاء الأمر به في القرآن مقيداً(3) بالتي هي أحسن، يقول الرسول : (إن أبغض الرجال إ الألد الخصم)(4) أي شديد الخصومة، يقول الإمام الذهبي – يرحْه الله –: "إن كان الْدال للوقوف على الحق (1) التعريفات74-75 ) (2) مناهج الْدل في القرآن 21) (3) الفقيه والمتفقه1 /233- 235)، الرد على المنطقي 647- 648)، مجموع الفتاوى 2 /45.) (4) البخاري كتاب التفس – باب قول الله – تعالى –: وهو ألدُ الخصام (8 /81.)
عدد الصفحات ١٢٠- 121 - وتقريره كان محموداً، وإن كان الْدال في مدافعة الحق، أو كان بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل تُنز ل النصوص الواردة في إباحته وذمه"(1)، لذا فإن الرسول قد اتبع أسلوب المجادلة في التربية بالتي هي أحسن كما امر – تعالى – بذلك، فكانت طريقته أحسن الطرق في المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف (2)، وكان يستخدم الْدال الحسن في تقرير الحق والوصول إلى فهم الحقائق، الذي هو أعظم ما يتقرب به المتقربون في الدعوة إلى الله – تعالى – لبيان الحق(3)، ومن أمثلة جداله بالحسنى ما يرويه جابر بن عبد– – بقوله: (أخبرتن أم مبشر أنها سْعت النبي يقول عند حفصة: (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها، قالت: بلى يا رسول الله، ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ فقال الن قد قال– عزوجل –: ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ [72)](4)، فهنا حفصة– رضي الله عنها – تجادله وتراجعه فوضح لها أن فهمها للآيه فيه خلل حيث إن المراد من الآية المرور على الصراط يوم القيامة، أما النار فلا يدخلها أحد بايع ب يعة الرضو ان، ولكن مع ذلك يمرون على الصراط، فالرسول يعلم حق اليقين كيفية مجادلة الآخرين فيستخدم لكل واحد منهم المنهج الصحيح الذي يلائمه، فانظر إلى مدى حكمته وعفوه ورده بالحسنى، مع أنه نزل القرآن الكريم عليه، وهو أعلم الناس به وبمعناه ومع (1) الكبائر221.) (2) الكشاف2 /611)، تفسير القرآن العظيم 2/592)، إرشاد العقل السليم 5 /151.) (3) فتح القدير3 /213.) (4) مسلم كتاب فضائل الصحابة – باب فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان – رضي الله عنهم – حديث رقم (4675.)
عدد الصفحات ١٢١- 121 - ذلك لم يغضب ولم يسخر من زوجته بل وضح لها الصواب والحق، ومن أمثلة جداله بالحسنى يقول ابن عباس– رضي الله عنهما –: (إن ضماداً قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يُرقي من هذه الريح فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يد ي فلقيهُ فقال: يا محمد إني أُرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله : (إن الحمد له نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل ف هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله أما بعد، فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهن عليه رسول الله ثلاث مرات، فقال: قد سْعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سْعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر (1) هات يدك أبايعك على الإسلام فبايعه فقال رسول الله وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي(2)، ويتضح من ادال الذي استخدمه الرسول مع الكافر أنه تميز بالصبر والحلم على تهمة يوجهها إليه، وهو يعبر عنها بصيغة المتأكد منها، ويبدو أن الأسلوب الذي اختاره الرسول كان نابعاً من معرفته لشخصية محاوره، ومعرفته باهتمام أمثاله بالعبارات والألفاظ الْذابة، ولهذا بادره بعبارات قوية لفظاً ومعنى، وتؤكد أن الحمد وأن الهداية بيده – سبحانه وتعالى – وأنه لا إله إلا هو وأن محمداً رسوله، فلم يملك الطرف الآخر إلا أن يعلن إسلامه، وإسلام قومه معه، فانظر إلى أثر جداله بالحسنى واختياره الْمل والعبارات الموافقة والمناسبة(3) للمحاور الآخر فلا يستطيع إلا الإذعان والخضوع لما كان يتجمل به النبي (1) ناعوس البحر: أي وسطه ولُْته. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر5 /181.) (2) مسلم كتاب الْمعة – باب تخفيف الصلاة والخطبة رقم ( 1491.) (3) دور الحوار في وقاية الشباب (2 /62.)
عدد الصفحات ١٢٢- 122 - من الأوصاف، وكان بموقفه هذا يترجم القرآن الكريم إلى واقع ملموس فلقد صبر وتحمل الرجل كما أمره الله – تعالى – بقوله: ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ [35]– – قال: (جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعد، فقالا إنا نعطيك ما سألتنا، وأبعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف له أصحابه فقال: قم يا أبا عبيدة بن الْراح، فلما قام، قال رسول الله هذا أمين هذه الأمة(1)، فالرسول صالحهم على: (ألف حلة النصف في صفر والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين...، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتّ يردوها عليهم إن كان باليمين كيد أو غدر، على أن لا تهُدم لهم بيعة ولا يخُرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم، مالم يحدثوا حدثاً أو يأكلوا الربا) (2)، فالْدال يوضح لنا مدى حرص الرسول على إسلام وفد نجران فلذا عرض عليه م الإسلام ودار بينهم جدال تربوي حول خلق عيسى فلما أتى رسول ا من الله – تعالى – عنه، والفصل في القضاء بينهم وبينه، وأمُر بما أمُر من ملاعنتهم عن طريق قول الله – تعالى –: ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ (1) البخاري كتاب المغازي – باب قصة أهل نجران ح (4381)، ومسلم كتاب فضائل الصحابة – باب فضائل أبّ عبيدة ح (3421.) (2) فتح الباري 8 /76.)
عدد الصفحات ١٢٣- 123 - ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ [59-61] دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه فانصرفوا، ثم خلوا إ كبيرهم فاستقروا على صدق نبوته وخطورة الملاعنة عليهم وأرادوا أ ن يبقوا على دينهم فعادوا إليه وقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن أبعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بينا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضى، فقال رسول الله أئتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين، فلم سلم الرسول من صلاة الظهر نظر عن يمينه وعن يساره فلم يزل يلتمس ببصره حتّ رأى أبا عبيدة بن الْراح فدعاه فقال: أخرج معهم فاقضي بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه، ويتضح من خلال هذا الْدال التربوي أمور منها: أن وفد نصارى نجران وفدوا على الرسول ودخلوا عليه في مسجده فلم يمنعهم من الْلوس فيه بل استقبلهم وتناقش معهم(1)، وعندما حانت صلاتهم صلوا به، ثم دعاهم (1) اختلف العلماء على قولين في حكم دخول الكافر المسجد النبوي وغيره من المساجد القول الأول: يجوز للكافر الذمي أو المستأمن أو غيرهما دخول المسجد النبوي وغيره من المساجد وهو قول فقهاء الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، إلا أن الشافعية والحنابلة قيدوا الدخول بالإذن من الإمام أو من يقوم مقامه، واستدل الْمهور القائلون بجواز دخول الكفار المسجد النبوي الشريف وغيره من المساجد بقوله – تعالى-:(إهنم ه ا الْمُشْرهكُونه نجههس فهلاه ي هقْرهبُوا الْمهسْجهده الحْهرهامه 28] غيره، وبحديث ثمامة بن أثال الذي أسره الرسول واذن لهلدخول إلى مسجده . القول الثاني: لا يجوز للكافر دخول المسجد النبوي ولا غيره من المساجد وهو قول المالكية ورواية أخرى للحنابلة. انظر أحكام القران للجصاص ( 3 /88) ، ومغن المحتاج4 /247) ، وروضة الطالب1 /311)، والمغن لابن قدامة8 / 532) ، والمبدع 3 /325) ، وكشاف القناع 3 /137) ، وأحكام أهل الذمة1 /191) ، والمحلى4 /243) ،
عدد الصفحات ١٢٤- 124 - إلى الإسلام فأبوا وأصروا على ضلالتهم وعاندوا وقد استبان لهم الحق وانجلى لهم الموقف من صورة النبي التي يجدونها في التوراة والإنجيل، ولذلك لما دعاه م إلى المباهلة أبوا وهابوا أن تصيبهم لعنة الله، وتشاور بعضهم في شأن الملاعنة، فقالوا: إذن والله لا نفلح فرضوا بالْزية وقبلوا التسليم، وطلبوا منه أن يرسل معهم أميناً يحكم بينهم، فكل هذه الاختلافات في الرأي لم يفسد للود قضية واختلاف العقيدة لم تنشب بينهم العداوة، فلقد اعترف الوفد بعد جدالهم للرسول بمدى صبره وحلمه وقوة حجته، مع محاولتهم إحراجه في قضية خلق عيسى وقولهم أيضاً له: (إنكم تقرؤون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فقال لهم: إنهم كانوا يُسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم)(1)، وأصروا أن يعودوا بدينهم إلا أنهم لما رأوا في جداله من الحق والصدق أرادوا رجلاً من أصحابه يحكم في عصب حياتهم المال، فلم ينكر عليهم طلبهم ولم يمنعهم إياه، لكونهم لم يدخلوا في الإسلام، وتمسكوا بدينهم، بل قرر اختيار من يقوم بالمهمة بأمانة وعزم من خيرة رجاله، فيختار لهم أبا عبي دة أحد المبشرين بالْنة، فضرب الرسول بجداله الحسن وفعله أروع أصول تبادل المنافع بين المسلم وأصحاب الديانات السماوية الأخرى فلا تصلت ولا انعزالية في الدين الإسلامي، فما أجمله وأروعه من جدال، وكان بعمله مطبقا لكلام– عزوجل – في كل قول وفعل ومن الأمثلة الرائعة موقفه جداله الحسن مع عدي بن حات– – يقول عدي بن حات: (ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول من وكنت على دين النصرانية وكنت ملكاً في قومي لما كان يصُنع بّ، فقلت: والله لو أتيت هذا والأحكام السلطانية لابّ يعلى (195)، أما حديث ثمامة بن أثال فقد رواه البخاري في كتاب العلم – باب ما جاء في العلم (4 /63) (1) مسلم كتاب الأدب – باب بيان ما يستحب من الأسْاء (14 /114- 115. )
عدد الصفحات ١٢٥- 125 - الرجل فإن كان كاذباً لم يضرني، وإن كان صادقاً علمت فقدمت فآتيته، فلما دخلت المدينة جعل الناس يقولون: هذا عدي بن حات، هذا عدي بن حات، فمشيت حتّ أتيت رسول الله في المسجد فقال لي: (عدي بن حات) قلت: عدي بن حات، ففرح النبي بمقدمه واحتفى به، مع أن عدياً محارب للمسلمين، وفار من الحرب، ومبغض للإسلام، ولأجي إلى النصارى، ومع ذلك لقيه بالبشاشة والبشر، وأخذ بيده يسوقه معه إلى بيته وفي الطريق استوقفته امرأة ضعيفة كبيرة فوقف لها، حتّ إذا دخل بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقدمها إلي فقال : أجلس على هذا، فقلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رس ول الله على الأرض، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، وبعد أن أجلسه قال له: (أيه يا عدي بن حات أسلم تسلم أسلم تسلم، قال عدي: إني على دين، فقال : (أنا أعلم بدينك منك) قال: أنت أعلم بدين من؟ قال: (نعم ألست من الركوسية؟) وهي ديانة نصرا نية مشربة بشيء من المجوسية قال: قلت بلى، قال: (ألم تسير في قومك بالمرباع؟) قال: قلت بلى، قال: (فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك !!) والمراد به أنه إذا غزت القبيلة قسم حاكمها الغنيمة أربعة أقسام فأخذ الربع له وهذا الأمر لا يجوز في النصرانية – فتضعضع لها عدي وقال: نعم، فقال (أما أ أعلم الذي يمنعك من الإسلام إنك تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم، وقد رمتهم العرب، يا عدي أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد سْعت عنها، قال: (فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتّ تخرج الظُغينة من الحيرة حتّ تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز) قال: كنوز كسرى بن هرمز؟ قال: (كنوز كسرى بن هرمز ولتنفقن أمواله في سبيل الله، ولئن طالت بك الحياة لترين الرجل يخرج بملُ كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله فلا يجد أحداً
عدد الصفحات ١٢٦- 126 - يقبل منه) ثم بدأ يذكره بالآخرة فقال: (وليلق أحدكم يوم يلقاه ليس ب ينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله فلا يرى إلآ جهنم) (1) فسكت عدي متفكراً ففاجأه قائلاً: (يا عدي فما يضرك أن تقول لا إله إلا الله؟ أو تعلم من إله أعظم من الله؟) قال عدي: فإني حنيف مسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ومن أثار الجدال الحسن : إن أسلوب الرسول في الْدال الحسن أخرج جيلاً من الشباب كانوا أعلم أهل الأرض وأعبدها لله، وخير خلق على وجه الأرض يومها، فكانوا أعلم الناس بكتاب الله وبسنة نبيه فكان عبد الله بن عباس– رضي الله عنهما– حبر الأمة وترجمان القرآن، ومعاذ – – أعلم الناس بالحلال والحرام، وأقرأ الناس لكتاب أبّ بن كعب – –، وأعلم الناس بالفرائض زيد بن ثابت – –، وأقضاهم علي – –، وغيرهم من الصحابة كثير، فقد اكتسبوا هذه العلوم النافعة من خلال الْدال الحسن والمحاو رة معه . ومن نتائج جدال الرسول الحسن نجد أنه : 1. نفع مع منكري العقيدة الإسلامية، وذلك لإقامة الحجة عليهم وهدايتهم للحق، لأن الْدال الحسن في الدين لا يظهر فيه الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل وظهر ذلك واضحاً في موقفه مع ضماد وعدي بن حات. (1) البخاري في الأنبياء – باب علامات النبوة في الإسلام (6 /451 – 451 )
عدد الصفحات ١٢٧- 127 - 2. إنه نافع مع الأشخاص الذين لا ينقادون بمجرد الموعظة الحسنة والدعوة الحكيمة، بل يحتاجون إلى جدال لنزع ما في نفوسهم من الإعجاب بالقديم وتقليد الآباء، والسيرة تنبض بمواقف متعددة توضح مدى نفع الْدال بالحسنى مع الآخرين. 3. مدى حكمة الرسول في استخدامالْدال بالحسنى حيث إن الْدل أمر فطري جُبل عليه الإنسان يصدر من أهل الحق وأهل الباطل، والكبار والصغار، يقول الله – تعالى –: ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ [61] ﴿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ [54]مع وفد نجران وانتصاره عليهم بالحجة والبرهان و غيرها كثير من مواقفه . 4. جداله مع الآخرين وضح مدى علمه ومعرفته، حيث إن – تعالى – أنكر على الذين يجادلون بغير علم: ﴿ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ [ 65- 66] بالعلم كان نتيجته إقناع الآخرين، وإقامة ا لحجة على الخصم وإفحامه، فالأصل في أسلوب الْدل أن تكون الحجة واضحة، ولا يترك للمجادل حجة يتمسك بها، أو شبهة باطلة يستدل بها على باطله.
عدد الصفحات ١٢٨- 128 - المبحث الرابع: التربية بأسلوب القدوة الحسنة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف القدوة الحسنة في اللغة والاصطلاح القدوة في اللغة: الأسوة، يقال: فلان قدوة يقتدى به، والقدوة المثال الذي يتشبه به غيره فيعمل مثل ما يعمل(1) والقدوة: بالكسر والضم : والاقتداء بالغ متابعته والتأسي به(2). وقيدت القدوة بالحسنة(3) لتخرج القدوة السيئة، فقد يكون الشخص أسوة حسنة أو أسوة سيئة، والقدوة الحسنة تنقسم إلى قسمين: أ. قدوة حسنة مطلقة: أي معصومة عن الخطأ والزلل، كما في الأنبياء والرسل – عليهم الصلاة والسلام- يقول الله تعالى: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴾[21]﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﴾ إلى أن قال: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾[ :4-6] ﴿ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ﴾ [91] والمراد بهداهم: طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع فهي مختلفة، وكذلك الاقتداء بهم في جميع الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة الكاملة من الصبر على أذى السفهاء والعفو عنهم(4). (1) لسان العرب 15 /7)، والمعجم الوسيط2 /727)، والمصباح المن595 ) (2) التوقيف على مهمات التعاريف577.) (3) انظر المطلب الأول: تعريف الموعظة الحسنة في اللغة والاصطلاح من المبحث الثاني. (4) التفسير الكب13 /57)، وتفسير القرآن العظيم 2 /156)، وتفسير النسفي1 /334)
عدد الصفحات ١٢٩