- 97 - ومن مظاهر الحكمة في جانب الأساليب التربوية ما 0. اختيار المنهج المناسب لتطبيقه في الموقف المناسب والحالة المناسبة: فقد يصلح لحالة من الأحوال أو لمعالْة موقف من المواقف منهج لا يصلح لغيره، فلا بد من اختيار المنهج العاطفي للمنهج العاطفي(1)، والمنهج العقلي(2) للموقف الْدلي، والمنهج والمنهج الحسي(3) للموقف التجريبي وهكذا، وهذا ما قام به الرسول فقد استخدم اللين والعاطفة عند الحاجة، يقول الله –تعالى–: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ [ 159]– تعا–: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ (1) المنهج العاطفي: هو النظام الدعوي الذي يرتكز على القلب ورك الشعور، والوجدان، أو هو مجموعة الأساليب الدعوية التي ترتكز على القلب وتحرك الشعور والوجدان، ومن أبرز أساليبه: الموعظة الحسنة بأشكالها الكثيرة ومنها: الخطابة، التذكير بنعم الله، مدح الداعي للمدعو، الترغيب بالنصر والتمكين، والقصص وغير ذلك من الأساليب المؤ ثرة. انظر تفسير المراغي ( 1 /337)، التوقيف على مهمات التعاريف1 /511) ، والكليات147)، والتحرير والتنوير (13 /71)، والمرأة في القصص القرا 1 /25.) (2) المنهج العقلي: هو النظام الدعوي الذي يرتكز على العقل ويدعو إلى الفكر والتدبر والاعتبار، ومن أبرز أساليبه: المحاكمات العقلية والأقيسة بجميع أشكالها والْدل، والمناظرة، والحوار، وضرب الأمثلة بأنواعها والقصص التي يغلب عليها الْانب العقلي. انظر المصادر السابقة. (3) المنهج الحسي أو التجريبي: هو النظام الدعوي الذي يرتكز على الحواس ويعتمد على المشاهدات والتجارب، أ و مجموعة الأساليب الدعوية التي ترتكز على الحواس وتعتمد على المشاهدات والتجارب، ومن أبرز أساليبه: لفت النظر إلى التعرف على المحسوسات، والتعليم التطبيقي، والندوة العلمية، وتغير المنكر باليد، والتمثيل المسرحي، انظر سيكلوجية القصة في القرآن ( 461). وعيوب النفس(1/27)، والتوقيف على أمهات التعاريف1/511-513) والكليات (147)
عدد الصفحات ٩٨- 98 - ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ [73]طفة من السيرة النبوية الشريفة، أن الرسول لما فتح حنيناً قسم الغنائم فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس، فقام فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بّ؟ وعالة فأغناكم الله بّ؟ ومتفرقين فجمعكم الله بّ؟ ويجيبون ويقولون: الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال لهم: لو شئتم أن تقولوا: قد كان كذا وكذا ولصدقتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآزرناك، وعائلاً فآسيناك، أوجدت يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون أنتم بالنبي إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، اللهم أرحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، فبكى الأنصار حتّ أخضلوا لحاهم وقالو: رضينا برسول الله حظاً وقسماً ونصيباً(1)، فهنا خاطب قلوب الأنصار ومشاعرهم قبل أن يخاطب آذانهم، إن هذا الأسلوب في التربية فيه موازنة فعلية التي ضاءلت في عيونهم ما رآه بعضهم كثيراً من عرض الدنيا، وقد استخدم لفظ لعاعة ويقصد بها البقلة الخضراء الناعمة، شبه بها الدنيا ونعيمها ويُقصد بها التقليل من الأمر، وفي المقابل ذكر هم بما بقي في أيديهم، لقد عادوا برسول الله وبما يحمله لهم من إعزاز وبركات ودعوات، (1) البخاري كتاب المغازي – باب قول الله – تعالى –: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم (8 /21.)
عدد الصفحات ٩٩- 99 - ومن سيرته العطرة موقفه مع الشاب الذي استأذنه بالزنا (1) فاستعمل معه عدد من الأساليب التربوية، فتقريبه للشاب منه، ووضع يده عليه، ودعائه له كل ذلك من أساليب المنهج العاطفي الذي يحرك الشعور والوجدان، ويأسر القلوب، ومناقشته للشاب باستخدام القياس المساوي، ومجادلته له بالحسنى من أساليب المنهج العقلي، فاستخدام هذين المنهجين معاً في هذا الموقف مظهر من مظاهر حكمته البالغة ذلك لأن الشاب المسلم جاء مستئذناً بالزنا، مما يدل على أنه شاب ضعيف، اختل توازنه، واضطربت شخصيته، ودفعته غريزته إلى الزنا، فكان إيمانه حاجزاً له، ودافعاً له من الاستئذان بالزنا، والاستئذان بالزنا دليل ناطق بالحالة المرضية فيه من جهة، وبجانب الخير في الشاب من جهة أخرى، وإلا لذهب وزنى كما يزني غيره، فاقتضى هذا التشخيص الدقيق منه لحالته النفسية استيعابه كل الاستيعاب، واستخدام ك المنهجين معه، حتّ انقذه الله مما هو فيه، وأعاده إلى الصواب والتوازن، فليت يتبع المربون هذه الأساليب النبوية الرائعة. 2. اختيار الشكل المناسب من أشكال أساليب المنهج المختار إن أشكال الأساليب التربوية للمنهج الواحد متعددة، والحكمة تقتضي اختيار الشكل المناسب لكل موقف، فما يقُال في الأفراح يختلف عما يُقال في الأتراح، وما يقُال في الشدة غير ما يقُال في الرخاء، وللترغيب موطن يغاير موطن الترهيب، فمن غلب عليه الخوف مثلاً لا يستخدم معه أسلوب التحذير(2) بل اسلوب الترغيب والرجاء، ومن غلب (1) أحْد في مسنده5 /256) وإسناده صحيح (2) المدخل إلى علم الدعوة395.)
عدد الصفحات ١٠٠- 111 - عليه الرجاء والأمل، يستخدم معه أسلوب الترهيب، وهكذا، وقد استخدم الرس و ل تلك الأساليب على حسب الموقف، كما أنه استخدم أسلوب التعريض وهو خلاف التصريح من القول وهو التورية، فعندما فُرض الْهاد على المسلمين شق على البعض منهم، وقالوا: لماذا فرض الله القتال؟(1)، فعاتبهم– سبحانه وتعالى –: ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ [77] كان من حكمته في التربية أن نو ع بين السر والعلانية، فابتدأ دعوته السرية في دار الأرقم، ثم بعد ذلك بدأ بالدعوة جهاراً، يقول الله – تعالى –: ﭿ ﮀ ﮁ [ 214] وكذلك نجد أن الرسول قد اختلف أسلوبه مع الأعرابّ الذي جاء مسترخصاً سائلاً عن الواجبات والفرائض، ثم قال: (والله لا أزيد على هذا ولا أنقص)(2) عن موقفه مع فقراء المسلمين الذين جاءوا يستزيدون من الخير فقالوا: (ذهب أهل الدثور (1) الذين قالوا هذا القول همالمنافقون أو الذين لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، ولم ينشرح صدورهم بالإسلام، ومن نسب هذا القول إلى الصحابة – رضي الله عنهم – فقد ابتعد عن الصواب، حيث إنهم يعلمون حق العلم بأن الأوامر من الله – تعالى – ولا يصح لأحد أن يعارضها. انظر جامع البيان ( 5 /171)، تفسير القرآن العظيم ( 1 /265.) (2) البخاري كتاب الإيمان – باب الزكاة من الإسلام ( 1 /87- 88.)
عدد الصفحات ١٠١- 111 - بالأجور(1)، كما اختلف أسلو به في الْهر بالتربية عن أسلوبه حال الاختفاء، وموقفه مع غزواته عن موقفه يوم صلح الحديبية، والذي يوضح قبوله للرأي المخالف عندما قال الرسول : (اكتب بسم الله الرحْن الرحيم، قال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا ولكن أكتب باسْك اللهم، فقال رسول الله : اكتب باسْك اللهم فكتبها، ثم قال: أكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسْك واسم ابيك، قال رسول الله أكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو(2)، فلقد تفهم الرسول الموقف وأدرك أن الْهل ه و الذي دفعه إلى ذلك القول ولو علم لقالها وفعل بها، فتجاوز عما كان دافعه الْهل في حرص منه على إيجاد محاور التقاء فحقق غاية ذلك الحوار في تربيته للآخرين، وقبول الرأي المخالف، بتنازله لرأي المخالف رغم ما أثُير حوله من الْدل والخلاف، وت عقد الصلح بما حْل من فائدة مستقبلية للإسلام والمسلمين، فكان فتحاً عظيماً. 3. اعتماد مراتب الاحتساب وهي التعريف ثم الوعظ، ثم التعنيف ثم باستعمال ا ليد ثم التهديد بالضرب (3)، حيث إن من الأمور التي ينبغي أن يراعيها المربّ عند ابتدائه، أن يكون على يقين بأن ما يقوم به سيأتي بنتيجة مثمرة وطيبة يتحق ق فيها بإذن الله مع الآخرين ما يريده المربّ، وهذا ما حدث مع الرسول مع وفد ثقيف، إذ أنهم (1) البخاري كتاب الصلاة – باب الذكر بعد الصلاة ( 2 /271)، ومسلم كتاب المساجد – باب الذكر بعد الصلاة رقم ( 5959.) (2) مسلم كتاب الْهاد والس – باب صلح الحديبية (12 /135- 136.) (3) فقه الدعوة في إنكار المنكر67- 74)، إحياء علوم الدين7 /1226- 1233 .)
عدد الصفحات ١٠٢- 112 - قدموا عليه في السنة التاسعة من الهجرة، ودعاهم أول ما دعاهم إلى التوحيد فأعلنوا إسلامهم، ثم اشترطوا عليه أن يدع لهم اللات ثلاث سنين، فأبّ عليهم أن يدعها، وأبّ إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة ليهدماها، مطبقاً لقول الله – تعالى–:﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾ [48] (أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خ في دين لا صلاة فيه، فقالوا: سنؤتيكها)(1)، ثم قال لأصحابه: (سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا)(2)، فاتباع الرسول لهذا الأسلوب الحكيم معهم تحقق وعد الله الذي جاء على لسان رسوله حين كان على يقين به وقال لأصحابه: (سيتصدقون ويجاهدون فتكليف الأخرين بكل ما يري ده الله – تعالى – دفعة واحدة قد يكون أمر فو ق الطاقة، وهذا ما فعله مع هذا الوفد، فلابد للمربّ أن يعدد الوسائل والأساليب وهذا ما وضحه الرسول بقوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)(3)، فقد صرح ا لحديث الشريف بدرجات تغيير المنكر تبدأ بأقوى الدرجات ثم بالأدنى، فلا تعارض بين ملاحظة درجات التغيير، وبين اعتماد مراتبه رتبة رتبة، فعلى المربّ عند قيامه بدرجة من درجات التغيير أن (1) الطبقات الكبرى1 /313- 314.) (2) أبو داود كتاب الخراج والإمارة – باب ما جاء في خبر الطائف (343) رقم 3125)، وقال الألباني صحيح صحيح وضعيف سنن أبّ داود (7/25.) (3) مسلم ك تاب الإيمان–باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان( 2 /12.)
عدد الصفحات ١٠٣- 113 - يلاحظ ترتيب المراتب، وإن تجاوز هذه المراتب يُعد خروجاً عن الحكمة في التربية، و لذلك فإن استخدام الشدة في التربية في بعض الأحوال يكون بعد النظر والتدبر فيما يترتب عليه، فإن تأكد لدى المربّ حدوث منكر أكبر وأعظم من المنكر الذي أراد إزالته، أو ترك معروف أهم منه بسبب التربية بالشدة فليس له أن يلجأ إليها (1)، وليس معنى ذك تخلي المربّ عن الشدة أن يكون مداهناً، حيث يلقى الفاسق المعلن بفسقه فلا ينكر عليه ولو بقلبه، أو يرى منكراً ويقدر على دفعه فلا يدفعه حفظاً لْانب مرتكبه، أو جانب غيره، أو لقلة مبالاة في الدين، أو نفاق ورياء منه، أو يترك بعض ما هو عليه من أمر الدين مما لا يرضاه مصانعة لهم، بل ا لمقصود من الرفق واللين أن تكون دعوته خالية من العنف والخشونة، والقسوة، والشدة، والْفاء، وإذا اضطر إلى استخدام الغلظة والشدة فبحكمة وفي موضعها. 4. البحث عن الدوافع والأسباب لملاحظتها في اختيار أسلوب المعالجة إن أسلوب معالْة الْاهل تختلف عن أسلوب معالْة العدو المتعصب، وهذا الاختلاف يقتضي تشخيص المربّ لكل حالة على حده، وهذا ما فعله الرسول فيعرف ماذا يُقدم وماذا يؤخر(2)، تقول عائشة– رضي الله عنها –: (إن رجلاً استأذن على النبي فلما رآه قال: (بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تط لق الن في وجهه و انبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت (1) من صفات الداعية اللين والرفق 59)، منهج أمهات المؤمنين في الدعوة إ13)، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج (14 /219)، فتح القدير3 /213)، إرشاد العقل السليم 5 /151)، وروح ا عاني (14 /254)، تفسير المنار (3 /77 .) (2) الحكمة في الدعوة إ336- 337.)
عدد الصفحات ١٠٤- 114 - الرجل قلت: كذا وكذا، ثم تط لقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال: يا عائشة م عهدتن فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)(1)، فكان يستخدم الحكمة والموعظةالحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن،حتّ ين وع طرق التربية بحسب طبائع الناس، وهذا ما كان يفعله الرسول مطبقاً لقوله–تعالى–: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾[125 ] فعلى المربّ أن يكون حكيماً في تربيته للآخرين، بأن يعرف طبيعة المتربّ، حكنه استخدام الأسلوب الأمثل والطريقة المناسبة له، حتّ تكون تربيته على بصيرة، يقول أنس بن مالك – –: (بينما نحن في المسجد مع رسول إذ جاء أعرا فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله مههْ مههْ(2)، فقال رسول : لا تزرموه (3)، دعوه فتركوه ح بال، ثم إن رسول الله دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله – عزوج ل – والصلاة وقراءة القرآن) (4) فكان الأثر أن الأعرابّ دعا الله أن يرحْه ومحمداً ولا يرحم (1) البخاري كتاب الأدب – باب لم يكن النبي فاحشاً ولا متفحشاً11 /371)، ومسلم كتاب البر والصلة – باب مدارة من يتقي فحشه ( 16 /144.) (2) مههْ: كلمة يراد بها الزجر المصروف إالمستفاد منه. انظر النهاية في غريب الحديث ( 4 /311.) (3) لا تزرموه: بضم أوله، وسكون الزاي وكسر الراء من الإزرام، أي: لا تقطعوا عليه بوله، يقُال: زرم البول: إذا انقطع، وأزرمته: أي قطعته، وكذلك يُقال في الدمع. انظر فتح الباري (11 /449.) (4) البخاري كتاب الأدب – باب الرفق في الأمر كله ( 11 /449)، ومسلم كتاب الطهارة – باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات في المسجد (3 /111.)
عدد الصفحات ١٠٥- 115 - أحداً غيرهما، من شدة تأثره بموقف الرسول الحليم الحكيم، فقد رأى الرسول طبيعة ذلك الرجل بأنه من أهل البادية، وبأنه جاهل بالحكم الشرعي فيما فعله، فاتبع معه أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة التي أراد من خلالها تعليمه مالم يعلمه من دين الله وأحكامه، ولا يفهم من ذلك أن المربّ يجب عليه المداهنة فهناك فرق بين المدا ر ة(1) والمداهنة، فالمربّ والناصح يداري ولا يداهن، يقول الرسول : (مثل المداهن حدود الله والواقع فيها، مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين من أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة فآتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بّ ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم)(2)، فالرسول يستخدم أسلوب المدارة لا أسلوب المداهنة متمثلاً بقول الله – تعالى –: ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ [ 78- 79] (1) المدارة: هي الرفق بالْاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك، أما المداهنة: فهي من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه. انظر فتح الباري ( 11 /544.) (2) البخاري كتاب الشهادات – باب القرعة في ا لمشكلات (5 /323 .)
عدد الصفحات ١٠٦- 116 - وهي الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فعلى المربّ الاهتمام بها، وحرصه عليها، ومجاهدة نفسه بها، واختيار الخلق المناسب للموقف المناسب، وذلك بحسب الأحوال والمواقف، فمن رفق ولين إلى شدة وعنف، ومن عفو وصفح إلى قوة وبطش، فليس من الحكمة في شيء وضع الشدة موضع اللين أو العكس، وقد تحلى الرسول بهذه الصفات الكريمة، فكم صبر وقاسى من أجل الدعوة والتربية الإسلامية، ومع ذلك لم يصدر منه خلق ينافي النبوة أو الرسالة، فلذلك كان لتربيته مصداقية وواقعية تح قق بها هدفه التربوي في يسر وسهولة، حيث كان يطبق الأمر على نفسه وأهله أولاً ثم الآخرين منفذاً لأمر الله – تعالى –: ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ [6] يستخدم الوسائل المادية في تربيته للقيام بتربيته ووظيفته، وكان يجتنب كل وسيلة محرمة أو مكروهة، لأن الوسائل له ا حكم الغايات، والوسيلة لا تبرر الغاية في التربية الإسلامية، وهذا ما فعله الرسول مع وسيلة (النذير العريان) فقد كانت عادة العرب في الْاهلية، إذا أرادوا الدعوة إ أمر هام، أو الإنذار بأمر خطير يفعلو ن هذه الأمور الآتية: يصعدون إلى مكان عال كجبل أو أي مكان مرتفع، وينادون بأعلى صوتهم: واصباحاه وما إلى ذلك من ألفاظ النداء، ويتعرون عن ثيابهم ليشعروا الناظر إليهم بخطر الأمر الذي ينادون من أجله، وكأن العدو قد عراهم عن ثيابهم فيسرع الناس إليهم، فلم يترك الرس ول هذه الوسيلة المشوبة بالتعري، وإنما عمل على تعريتها عما شابها واستخدمها فقال عن نفسه: (أنا النذير العريان) معبراً عن خطر الأمر الذي جاء به، وحصل ذلك عندما نزلت آية:
عدد الصفحات ١٠٧- 117 - ﭿ ﮀ ﮁ [214] واصباحاه(1)، دون أن يقوم بمعصية تناالنبوة والرسالة مطبقاً لقوله – تعالى –: ﴿ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ [111] استخدام الرسول للحكمة في التربية أنه أخرج شباباً تخرجوا من مدرسة النبوة، فكانوا طرازاً فريداً وأنموذجاً يحُتذى به، اتصفوا بقوة الإيمان، وحب الإس لام، فتأدبوا بآدابه، والتزموا بأخلاقه وبذلوا جهودهم في الدعوة إليه، فبإيمانهم الذي غرسه الرسول في نفوسهم تبددت ظلمات الباطل، وتهدمت صروح الطغيان، وقُضي على عوامل الفساد، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها، فأخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ولقد كان من أهم نتائج تربية الرسول بالحكمة أن وصل إلى الأهداف من أقرب طريق، وبأكثر النتائج وأقل الخسائر، وق رب القلوب إليه، وأزال الشحناء والبغضا ء، يقول الله –تعالى–: ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥﮦﮧ[34- 35] الفعل، ونفع الله به طلاب العلم ومريدي ا (1) البخاري كتاب تفسير القرآن – باب وانذر عشيرتك الأقرب (8 /416.)
عدد الصفحات ١٠٨- 118 - المبحث الثاني: التربية بأسلوب الموعظة الحسنة وفيه مطلبان المطلب الأول: تعريف الموعظة الحسنة في اللغة والاصطلاح: الموعظة في اللغة: الاسم من الوعظ، وقد وعظه يعظه وعظاً وعظة وموعظة، ذكر ه بما يلين قلبه من الثواب والعقاب، وتأتي بمعنى النصح والتذكير بالعواقب(1) وأمره بالطاعة ووصاه بها(2)، وهي تذكيرك أياه الخير ونحوه مما يرق له قلبه (3) وفي الحديث: (فجعلنك موعظة)(4()5) أي موعظة وعبرة لغيرك(6)، والاتعاظ قبول الموعظة، وقد وعظه فاتعظ، أي قبل الموعظة حين يُذكر الخير ونحوه، وكف نفسه كما جاء في الحديث :(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وُعظ بغيره)(7()8)وتأتي بمعنى الحجة والبصيرة، فهي لا تخرج عن معنى التذكير والنصح بالق ول والفعل بعواقب الأمور. والحسنة: مقابل السيئة، فالموعظة قد تكون حسنة، وقد تكون سيئة وذلك بحسب ما يعظ به الإنسان ويأمر به، يقول الرسول : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده ومن غير أن ينقص من أجورهم شي، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء) (9) ومن هنا جاء الأمر بها مقيداً في القران الكريم يقول (1) تَج العروس21 /289) (2) لسان العرب 7 /466)، ومختار الصحاح1 /313)، والمعجم الوسيط2/1155) (3) مدارج السالك 1 /363) (4) تفسير المراغي 1 /337) (5) مسلم كتاب الآداب – باب الاستئذان رقم ( 2153 ) (6) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 3 /432) (7) معالم التزيل3 /91) (8) مسلم كتاب القدر – باب كيفية خلق الآدامي في بطن أمه وكتابة رزقه ( 16/189 ) (9) مسلم كتاب الزكاة – باب الحث على الصدقة وأنواعها (7 /114 )
عدد الصفحات ١٠٩- 119 - – تعا–: ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ [125 ] فإذا أطلقت الموعظة في مقام الأمر بها انصرفت إلى الحسنة، يقول– تعالى–: ﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ [34] الموعظة الحسنة في الاصطلاح النصح و التذكير بالخير على وجه يرق له القلب، ويحث على العمل والنماء والبركة (1) . وسْيت الموعظة بالموعظة الحسنة لما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، أو لإكرام من قام بدين الله ، وإهانة من لم يقم به، و لما يذكر من إعداد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل، وما أعد الله للعاصين من العقاب العاجل والآجل(2). ومن أشكال الموعظة الحسنة: القول الصريح اللطيف اللين، يقول – تعالى: ﴿ﯦ ﯧ ﯨ [83]التعريض، والكتابة المؤدبة، والتورية، والقصة، والخطابة المؤثرة، والفكاهة، والتذكير بالنعم المستوجبة للشكر، والمدح والذم، والترغيب والترهيب، والوعد بالنصر والتمكين، والتحمل والصبر، وما إلى ذلك من أساليب مباشرة وغير مباشرة تؤثر بالمدعويين وتدفعهم إلى الطاعة و الاستجابة(3). (1) مدارج السالكين ( 1 /363) (2) تيسير الكريم الرحْن 414 ) (3) الدروس الدعوية33 – 41 )
عدد الصفحات ١١٠- 111 - المطلب الثاني: أثر تربية الرسول بأسلوب الموعظة الحسنة على المربّ أن يستخدم أسلوب الموعظة الحسنة في التربية، متأسياً بالأنبياء والرسل – عليهم الصلاة والسلام – حيث إنهم اتبعوا أسلوب الموعظة الحسنة في دعوة أقوامهم، ويدل على ذلك قول قوم هود له بعد أن بين لهم الحق وحذرهم من الباطل كما أخبر الله – تعالى –: عنهم: ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ [136] ومن أمثلة تربيته بالموعظة الحسنة ما رواه أبو هريرة – – قال: (بينما نحن جلوس عند النبي إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: (مالك؟) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله : (هل تجد رقبة تعتقها؟) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟) قال: لا، فمكث النبي فبينما نحن على ذلكأُتي النبي بعرق فيها تمُر والعرق المكتل قال: (أين السائل؟) فقال: أنا، قال: (خذها فتصدق به) فقال الرجل: أعلى أفقر من يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الح رتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي حتّ بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك(1)، فالر جل جاء معترفاً بخطئه فلم يعنفه الرسول ولكن أخبره بما يجب عليه برفق وموعظة حسنة، بل وساعده على أداء الكفارة التي عليه إذ كان عاجزاً، وربما مازحه النبي وضحك من حالته التي أدت به إلى المخالفة مع عجزه عن التكفير عنها، مما يدل على مدى موعظته بالحسنى ، لذا كان دائماً يميل إلى تيسير الطاعات (1) البخاري كتاب الصوم – باب إذا جامع في رمضان ( 4 /131.)
عدد الصفحات ١١١- 111 - فيقول : ( يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا )(1) ، ويشجع الآخرين على اتخاذ الرحْة والموعظة الحسنة منهجاً وسبيلاً مع غيرهم لأن رحْتهم والشفقة عليهم لها أثر بالغ، ولهذا تتابعت وصايا الرسول للمسلمين بالرحْة المطلقة التي تشمل المسلمين وغيرهم يقول الرسول : (من لا يرحم الناس لا يرحْه الله عز وجل) (2)، وعندما قيل له ادع على المشركين قال: (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحْة)(3)، يقول ابن حجر – يرحْه الله –: "فيه الحض على استعمال الرحْة لْميع الخلق، فيدخل فيه المؤمن والكافر"(4)، ومن أمثلته في التربية بالموعظة الحسنة ما روته عائشة– رضي الله عنها – (إن اليهود أتوا النبي فقالوا: السأم عليكم أي (عليكم الموت) قال (وعليكم) فقالت: السأم عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله : (مهلاً يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنفوالفحش) قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: (أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيُستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في ))(5) فانظر إلى مدى احترام الآخر إلى درجة العفو عن الإساءة مالم تدع الضرورة إلى الحزم والشدة لإحقاق الحق، فالأصل كما يعلمنا الرسول هو السيطرة على المشاعر في مواقف الغضب، ولذا يستنكر الرد من أم المؤمنين مع وقاحة أولئك اليهود، ويرفق استنكاره عليها بمناداتها باسْها ثم بالكشف لها عن الحقيقة التي غابت عنها (1) البخاري كتاب الْهاد – باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب – ح (3138)، ومسلم كتاب الْهاد – باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير – ح (1733.) (2) البخاري كتاب الأدب – باب رحْة الناس والبهائم – ح (6113)، ومسلم كتاب الفضائل – باب رحْته على الصبيان والعيال – ح (1923.) (3) مسلم كتاب البر والصلة والأدب – باب النهي عن لعن الدواب وغيرها – ح (2599.) (4) فتح الباري 11 /441.) (5) البخاري كتاب الدعوات – باب قول النبي يستجاب لنا في اليهود ولا يستجاب لهم 11 /66.)
عدد الصفحات ١١٢- 112 - بسبب غضبها، فالمطلوب يمكن الوصول إليه بلطف وموعظة حسنة، ولا يحتاج إ مبارزة بالعبارات العنيفة، ليت ش عري يتخذ الدعاة والمربون والمصلحون من هذا الم نهج النبوي الكريم في دعوتهم، وليت يعرف المتشدقون بالحضارة الغربية مدى خلق الرسول حتّ مع الأعداء الحاقدين ومن أجمل موافقه التربوية بالموعظة الحسنة ما حصل مع معاوية بن الحكم– – كان من عامة الصحابة، ولم يكن يسكن المدينة ولم يكن مجالساً للنبي وإنما كان له غنم في الصحراء يتبع بها العشب، أقبل معاوية يوماً إلى المدينة فدخل إلى المسجد، وجلس إلى رسول الله وأصحابه فسمعه يتكلم عن العطاس، وكان مما علم أصحابه إنه إذا سْع المسلم أخاه عطس فحمد الله فإنه يقول له: يرحْك الله ، حفظها معاوية، وبعد أيام جاء إلى المدينة فدخل المسجد فإذا بالنبي يصلي بأصحابه، فدخل معهم الصلاة فبينما هم على ذلك إذ عطس رجل من المصلين، فما كاد يحمد الله حتّ تذكر معاوية أنه تعلم أن المسلم إذا عطس فقال: الحمد لله، فإن أخاه يقول له: يرحْك الله، فبادر معاوية العاطس قائلاً بصوت عالي: يرحْك الله، فاضطرب المصلون، وجعلوا يتلفتون إليه منكرين، فلما رأى دهشتهم اضطرب وقال: وآثكل أمياه!! ما شأنكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربون على أفخاذهم ليسكت، فلما رآهم يصمتونه صمت، فلما انتهت الصلاة التفت إلى الناس وقد سْع جلبتهم وأصواتهم فسألهم من المتكلم؟ فأشاروا إلى معاوية فدعاه النبي إليه فأقبل عليه فزعاً لا يدري بماذا سيستقبله وهو الذي أشغلهم في صلاتهم وقطع عليهم خشوعهم، يقول معاوية – –: (فبأبّ هو وأمي والله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليما منه والله ما
عدد الصفحات ١١٣