المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 2

باحثون

صفحة ٦ من ٣١

- 81 - وتعرض لنماذج متعددة من تربية الرسول  بأسلوب الْدال بالحسنى مع بيان بعض الأثار والنتائج لتلك التربية، أما المبحث الرابع ففيه التربية بأسلوب القدوة الحس نة وتعريفها والمراد بها: الأسلوب العام الذي يشمل كل من عمل عملاً صالحاً حسناً، وتناول أيضاً نماذج متعددة من تربية الرسول  بأسلوب القدوة الحسنة، ثم تناول الأثار والنتائج لهذا الأسلوب، أما ا لمبحث الخامس ففيه التربية بأسلوب الترغي ب والترهيب، وبين المراد من الترغيب: وهو كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق والثبات عليه، والترهيب: وهو عبارة عن وعيد وتهديد بعقوبة تترتب على اقتراف إثم أو ذنب مما نهى الله عنه، ثم تعرض لذكر نماذج متعددة من ت ربية الرس ول  بأسلوب الترغيب والترهيب، وعرض عدد من الأثار والنتائج لهذا الأسلوب، أما المبحث السادس ففيه التربية بأسلوب الرد على الشبهات وتناول تعريفها: وهو ما التبس أمره فلا يُدرى أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل، وتعرض لذكر نماذج من تربية الرسول  بهذا اسلوب مع تعداد بعض الأثار والنتائج المترتبة على ذلك، والمبحث السابع ففيه تربية الرسول  بأسلوب الامتثال لأوامر– تعالى – و عُرف فيه الامتثال: وهو عبارة عن قصد إيقاع المأمور به على وجه الطاعة، وذكر فيه نماذج لتربية الرسول  بهذا الأسلوب ثم بين الأثار والنتائج لهذه التربية، ومن ثم الخاتمة وتشتمل على أهم النتائج والتوصيات، ثم ختم البحث بفهرس.

عدد الصفحات ٨٢

- 82 - بسم الله الرحْن الرحيم المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد ورسوله  . أما بعد: فمما لا شك فيه أن قضية التربية والتعليم من أهم وأبرز القضايا التي تحفظ للأمم أصالتها، وتحدد هويتها، وترسم معالم مستقبلها، لا سيما وأن لها دوراً فاعلاً في تربية وتعليم أبناء الأمة وتشكيل عقلياتهم و توجيه فكرهم وثقافاتهم، ومن ثم بناء حضارتهم والترقي بها إلى موقعها الريا دي. حيث إن هذه القضية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بواحد من أهم المجالات العلمية المتمثلة في مجال (العلوم التربوية) التي تندرج تحت مظلة العلوم الاجتماعية، والتابعة بدورها لفرع العلوم الإن سانية، فنحن في أمس الحاجة لتصحيح مسار هذه العلوم، وإعادة النظر في منهجيتها، والعمل على توجيهها توجيهاً إسلامياً يتناسب ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف وتعاليمه، ويُساير معطيات الحياة المعاصرة دونما تعارض أو تصادم مع ثوابت الدين ومرتكزاته لما لذلك من أثر كبير في الحفاظ على شخصية الأمة المستقلة وتأكيد هويتها المتميزة. وهنا ملاحظة جديرة بالاهتمام والتأمل، وتتمثل في أنه إذا كانت قد جرت العادة بتصنيف العلوم التربوية بمختلف فروعها وميادينها ضمن العلوم الإنسانية، فإن ذلك لا ينطبق تماماً على العلوم التربوية في مجتمعنا المسلم، لأن تسمية العلوم الإنسانية بهذا الاسم جاءت ترجمة لكلمة Humanities المستخدمة في الغرب، ومعلوم أن

عدد الصفحات ٨٣

- 83 - (العلوم الإنسانية) مصطلح علمي غربّ يشير إلى مجموعة العلوم التي تستمد مصادرها، ومناهجها، ومفاهيمها، وأهدافها، ومبادئها، وقيمها، وأساليبها، ومضامينها، من فكر الإنسان، وتجاربه، وخبراته، ومجريات حياته في مكان وزمان معين، فهي بذلك علوم تنطلق من الفكر الإنساني البحت، ولذلك سُْيت العلوم الإنسانية التي تشتمل على عدد من الفروع كعلم التربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وعلم التاريخ... إلخ. وبذلك يمكن القول: إن الدعوة إلى توجيه التربية توجيهاً إسلامياً، ليست إلا دعوة لتصحيح مسار المعرفة البشرية كلها في إطار الفكر التربوي الإسلامي الصحيح، الذي ينطلق من المنطلقات والمصادر الإسلامية الرئيسية، وهي المصادر الربانية الثابتة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ومن أولها القران الكريم، والم تأمل في سيرة النبي  يجد أنه قد اعتنى بالتربية عناية فائقة، وذلك لأهميتها في بناء المجتمعات، ولحاجة الدعاة إلى إبرازها في دعوتهم، ومن هنا كان من الأهمية بمكان أن ننظر نظرة تأمل وتدبر في الأساليب التي سلكها النبي  في التربية بالقرآن الكر ليستفيد الدعاة والمربون، ولأجل ذلك جاءت هذه الدراسة بعنوان (التربية بالقرآن في ضوء السيرة النبوية-الآثار والنتائج) وبالله التوفيق. أسباب اختيار الموضوع : 1. لما كان لأهل الأهواء والمعاصي انتشار واسع تحتم على الباحثين دراسة أفضل الأساليب القرآنية لمناصحتهم تجلية للحق. 2. بيان خطورة بعض الوسائل التي يستخدمها بعض التربوي 3. اختلاط المنهج الحق بالمناهج الباطلة لدى بعض الدعاة 4. بيان تعدد الوسائل والأساليب للتربية وفقاً للزمان والمكان والأفراد

عدد الصفحات ٨٤

- 84 - الهدف من البحث : بيان أقوم المناهج وأحكم الأساليب، وأفضل الوسائل في عملية التربية في ضوء السيرة النبوية. منهج البحث : اتبعت في إعداد هذا البحث المنهج الاستقرائي الاستنباطي. إجراءات البحث : 1. جمع المادة العلمية وصياغتها الصياغة الصحيحة 2. ترتيب عناصر الخطة ترتيباً موضوعياً 3. إذا كان الحديث في الصحيح أو في أحدهما اكتفيت بتخريجه منهما، إذ المقصود معرفة صحته، أما إذا كان في غيرهما فقد أذكر أكثر من مصدر. 4. عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها 5. عزو الحديث يكون بالكتاب والباب والْزء والصفحة، أو رقم الحديث على حسب المصدر المنقول منه. 6. شرح الألفاظ الغريبة 7. عند تغيالطبعة المعتمدة أشير إلى ذلك في الحاشية. 8. ذكر بيانات المصدر أو المرجع كاملة في فهرس المصادر والمراجع (اسم الكتاب – اسم المحقق أو المصحح أو المعلق أو المقدم إن وجد – دار النشر- بلد النشر- رقم الطبعة- تَريخ الطبعة) وإذا لم توجد جميع هذه المعلومات فالاكتفاء بم ا وجد. 9. تذييل البحث بفهرس المصادر والمراجع والموضوعات خطة البحث : يحتوي البحث على مقدمة وأسباب اختيار الموضوع وأهميته والهدف منه ومنهج البحث وإجراءاته وتمهيد وسبعة مباحث.

عدد الصفحات ٨٥

- 85 - التمهيد ويشتمل على تعريف التربية وتعريف القرآن المبحث الأول: التربية بأسلوب الحكمة وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الحكمة في اللغة والاصطلاح. المطلب الثاني: أثر تربية الرسول  بأسلوب الحكمة المبحث الثاني: التربية بأسلوب الموعظة الحسنة وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الموعظة الحسنة في اللغة والاصطلاح. المطلب الثاني: أثر تربية الرسو ل  بأسلوب الموعظة الحسنة المبحث الثالث: التربية بأسلوب المجادلة وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المجادلة في اللغة والاصطلاح. المطلب الثاني: أثر تربية الرسول  بأسلوب المجادلة المبحث الرابع: التربية بأسلوب القدوة الحسنة وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف القدوة الحسنة في اللغة والاصطلاح. المطلب الثاني: أثر تربية الرسول  بالقدوة الحسنة المبحث الخامس: التربية بأسلوب الترغيب والترهيب وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الترغيب والترهيب في اللغة والاصطلاح. المطلب الثاني: أثر تربية الرسول  بأسلوب الترغيب والترهيب. المبحث السادس: التربية بأسلوب الرد على الشبهات وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الشبهات في اللغة والاصطلاح. المطلب الثاني: أثر تربية الرسول  بأسلوب الرد على الشبهات المبحث السابع: التربية بأسلوب الامتثال لأمر الله تعالى وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الامتثال في اللغة والاصطلاح. المطلب الثاني: أثر تربية الرسول  بأسلوب الامتثال لأمر الله تعا الخاتمة وتشتمل على أهم النتائج والتوصيات ومن ثم الفهرس.

عدد الصفحات ٨٦

- 86 - التمهيد ويشتمل على تعريف التربية وتعريف القرآن أولا : تعريف التربية في اللغة والاصطلاح: التربية في اللغة: الراء والباء يدل على عدة أصول: إصلاح الشيء والقيام عليه، فالرب هو المالك الخالق ومنه الرب: المصلح للشيء، والله – جل ثناؤه – الرب لأنه مصلح أحوال خلقه، وربيت الصبي أربه، وربيته وأربيه، والربيبة الحاضنة، وربيب الرج ل: ابن امرأته، والأ صل الآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه، وهو مناسب للأصل الأول، ومن المعاني: ضم الشيء للشيء وهو أيضاه مناسب لما قبله، ومنه العهد، يُقال: ال رهبابة لأنه يجمع ويؤلف(1). التربية في الاصطلاحتعددت التعريفات لمفهوم التربية وتنوعت، ولكن يُ عد المنظور الإسلامي للتربية أكثر شمولية وتكاملية، فيعتبرونها أنها: (إعداد الفرد ليحيا حياة كاملة في كل جوانب حياته، وهي تربية تبدأ قبل الميلاد، أي مُنذ اختيار الزوجة ورعايتها في حْلها، وتستمر مع الإنسان بعد مولده وعبر مراحل حياته المختلفة في كل جوانبها الْسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية في تربية شاملة متكاملة متو ازنة) (2)، فالتربية مهمة في حياة الشباب فهي: تنمي جوانب الشخصية الإنسانية تنمية متوازنة متكاملة(3)، وهي عملية واعية موجهة توجيهاً قائماً على بصيرة من أجل إحداث تغيرات مرغوب فيها في سلوك الفرد وبالتالي في سلوك الْماعة التي ي نتمي إليها(4)، فالتربية عملية تخضع من جانب جماعة بشرية معينة، حيث إن هذه الْماعة إنما تربّ (1) معجم مقاييس اللغة398- 399)، لسان العرب 5 /95- 112.) (2) تربية الطفل في الإاسلام النظرية والتطبيقية9.) (3) أصول التربية لمطاوع 63- 65.) (4) التربية والتغير الثقافي لعفيفي163.)

عدد الصفحات ٨٧

- 87 - أبناءها لكي يصبحوا مواطنين عاملين فيها، ولا يمكن أن يتأتى هذا إذا لم تسر العملية التربوية وفقاً لأهداف الْماعة وفلسفتها(1) (2). ثانيا : تعريف القرآن في اللغة والاصطح: القرآن في اللغة: الْمع والضم، لْمعه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض، ولكونه جامعاً لثمرة الكتب، وثمرة جميع العلوم كما قال الله – تعالى –:  ﭲ ﭳ ﭴ  [89](3). القرآن في الاصطلاح ع رفه السيوطي – يرحْه الله – بقوله: "وأما في العُرف فهو الكلام المنزل على محمد  للإعجاز بسورة منه، فخرج بالمنزل على محمد  التوراة والإنجيل وسائر الكتب، وبالإعجاز الأحاديث الربانية القدسية كحديث الصحيحين: (أنا عند ظن عبدي بّ)(4)، وغيره، وقولنا بسورة منه: هو بيان تدخل ما وقع به الإعجاز، وهو قدر أقل سورة كالكوثر، أو ثلاث آيات من غيرها بخلاف ما دونها، ثم قال: وزاد بعض المتأخرين في الحد، المتعبد بتلاوته، ليُخرج المنسوخ من التلاوة"(5). وبعد أن ظهر الخوض في صفات– تعالى – من قبل المبتدعة احتاج أهل السنة والْماعة إلى تعريف القرآن تعريفاً يظهرون فيه معتقدهم مخالفين بذلك أهل (1) الأصول السياسية للتربية22.) (2) المراد بالتربية في هذا البحث: الكيفية التي سلكها الرسول  في التربية بقصد التأثير والإقناع بما يتناسب مع الأحوال، وأهم الأساليب الدعوية التي استخدمها  في التربية، وأثرها في إصلاح الفرد والمجتمع (3) الصحاح1 /65)، لسان العرب 1 /128)، معجم مقاييس اللغة (5 /36)، المفردات 411- 412)، الكليات (721)، التوقيف على مهمات التعاريف578)، تفسير ابن كث 2 /66.) (4) البخاري كتاب التوحيد – باب قول الله – تعالى –: ويحذركم الله نفسه  (13 /329)، ومسلم كتاب التوبة – باب فضل الذكر والدعاء وحسن الظن بالله تعالى ( 17 /11.) (5) التحبير في علم التفسير (39- 41.)

عدد الصفحات ٨٨

- 88 - البدع من الْهمية والمعتزلة وغيرهم، فعرفوه بقولهم: (إن القرآن كلام الله منه بدأ ب كيفية قولاً وأنزله على رسوله وحياً وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله – تعالى – بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البريه، فمن سْعه ف ز عم أنه كلام البشر فقد كفر) (1). المبحث الأول: التربية بأسلوب الحكمة وفيه مطلبان المطلب الأول: تعريف الحكمة في اللغة والاصطلاح: الحكمة في اللغة: معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، والحكيم المتقن للأمور،ويقال: لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم (2)، وأحكمت ا لرجل وحكمته عن كذا وكذا، أي منعته عنه، وفي هذا قيل للحاكم بين الناس: حاكم، لأنه يمنع الظلم عن الناس(3)وكل كلمة وعظتك وزجرتك ودعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم، وهو تأويل قوله (4): (إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً)(5) وتطلق على العدل والقضاء والعلم، والحلم، والنبوة، والقران، والإنجيل، والسنة، كما تطلق على العلة: يقال: حكمة التشريع وما الحكمة من ذلك؟ وعلى الكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه، ويقال للرجل حكيم: إذا أحكمته التجارب وأحكم الأمر وأتقنه،(6)فالحكمة في اللغة تطلق على معان عديدة منها:احسان، (1) شرح العقيدة الطحاوية 1 /172.) (2) النهاية في غريب الحديث والأثر 1/379) ، ومختار الصحاح1/63) (3) جمهرة اللغة 1/564) ، والصحاح1/141). (4) جمهرة اللغة 1/564). (5) البخاري كتاب النكاح – باب الخطبة (121) رقم (5146) ، ومسلم كتاب الْمعة – باب تخفيف الصلاة والخطبة (235 – 236) رقم 5146 .) (6) لسان العرب 12 /141 -143) ، والمعجم الوسيط1/189 )

عدد الصفحات ٨٩

- 89 - والإتقان، والمنع، والوعظ، والزجر، والعدل، والقضاء والعلم، والنبوة والقرآن، والإنجيل ، والسنة، والعلة، وجليل الكلام وغير ذلك. الحكمة في الاصطلاح : إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله – تعالى –: معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات (1) . فالحكمة إذاً فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، وأكمل الخلق في هذا: الأنبياء والرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – وأكملهم أولو العزم، ومن أكملهم محمد (2) الذي أمره – عز وجل – بذلك فقال: ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ  [125 ] ومعنى أمره –سبحانه وتعالى – لرسوله الكريم  بالدعوة إليه بالحكمة، أي: دعوة كل أحد على حسب حاله، وفهمه، وقبوله، وانقياده، وبذلك يصبح المراد من الحكمة في التربية: هو الأسلوب الذي يضع الشيء موضعه، فيكون أسلوب الحكمة شاملاً لْميع الأساليب الدعوية التربوية من هذا الوجه. (1) مفردات القران 127). (2) مدارج السالك 2/188)

عدد الصفحات ٩٠

- 91 - المطلب الثاني: أثر تربية الرسول بأسلوب الحكمة إن من الحكمة الدعوة بالعلم والبدء بالأهم فالمهم، وبالأقرب إلى الأذهان، والفهم وبما يكون قبوله أت، وبالرفق واللين، والغلظة والشدة (1)، ك ل في موضعه بإحكام، وإتقان ومراعاة لأحوال المدعوين، والأزمان، والأماكن في مختلف العصور والبلدان، وإحسان القصد والرغبة فيما عند الكريم المنان، ولقد كان الرسول  حكيماً منهجه(2) التربوي، وحكيماً في جانب أسلوبه التربوي، وحكيما في وسائله التربوية(3)، فمن حكمته في جانب المنهج التربوي مراعاة التدرج في التربية والمراد بالتدرج هو الانتقال من مرحلة إلى أخرى متقدمة للبلوغ إلى الغاية المنشودة بطرق مشروعة مخصوصة(4) فقد اعتمد على محاور منها(5) : 1. التدرج بالاهتمام بالأصول قبل الفروع لقد بدأ الرسول  بدعوة قومه أولاً إلى العقيدة الإسلامية الصحيحة التي أصلها التوحيد (6) فاستفتح دعوته وتربيته بقوله (1) تيسير الكريم المنان414 .) (2) لفظة المنهج: مأخوذة من النهج وهوالوضوح والاستبانة، والاستقامة في الطريق، نقول: نهج الطريق: فعل لازم بمعنى استقام ووضح واستبان ، وهو عام في كل مسلك، وليس خاصاً بالطريق المادي، ولهذا ورد في القران الكريم: (لهكُلاّ جهعهلْنها مهنْكُمْ شهرْعهةً وهمهن ْههاجاً [ )148]في الخطة المرسومة، أو المسلوكة في الدراسة والعلم، فقيل منهاج الدراسة، ومناهج التعليم، ومنهج البحث العلمي، وإذا كان منهج التعليم الذي هو : مجموعة من المواد الدراسية والخبرات العلمية الموضوعة لتحقيق أهداف التربية ، فليس المقصود هنا في البحث، وإنما المراد با لمنهج: القواعد العلمية التي يؤخذ بها لمعرفة الحقيقة. انظر المعجم الوسيط (2/966) ، والمعجم الفلسفي(2/435)، ومناهج البحث العلمي. (3) كان الرسول  - يراعي هذه الأمور في جميع وسائله التربوية (4) التدرج بين التشريع والدعوة 7)، أساليب الدعوة الإسلامية المعاصرة ( 586)، الحكمة والموعظة الحسنة وأثرهما الدعوة (231)، تفسير القرآن العظيم 2 /229)، منهج التربية الإسلامية1 /194.) (5) التدرج بين التشريع والدعوة 7)، أساليب الدعوة الإسلامية المعاصرة 586.) (6) الحكمة والموعظة الحسنة وأثرهما في الدعوة 231)، منهج الدعوة إلى الله (65)، الدعوة الإسلامية المعاصرة 586)، تيسير الكريم الرحْن ( 414.)

عدد الصفحات ٩١

- 91 - ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾ [23] عقيدة التوحيد هي القضية الأولى، والأصل الأول الذي تصدى له في تربيته  فابتدأ بدعوة الناس إلى كلمة التوحيد (1)، ولم يتجاوز هذه القضية إلى شيء من الفروع المتعلقة بالشريعة ونظام الحياة إلا بعد ترسيخ العقيدة الإسلامية، ومما جاء في دعوته إلى التوحيد قول الله – تعالى –: وﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ  [163] وذلك عندما طلبوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدون معبوده سنه، فلم يقبل شيئاً من عبادتهم إذ نزل الْواب من الله – سبحانه وتعالى – حاسْاً فأمره أن يقول لهم(2) : ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ الكافرون: 1-4]، فغرس العقيدة الصحيحة هي الأساس الأول الذي يجب على كل مرب أن يرسخه في النفوس، إنه منهج التربية الذي سلكه الرسول ، وبين أنه طريق النجاح والنجاة والصلاح والإصلاح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – يرحْه الله –: "واعلم أن فقر العبد إلى أن يعبد الله لا يشرك به شيئاً ليس له نظير فيقاس به، ... فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بالإهها الذي لا إله إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، ولو حصل للعبد لذات وسرور بغير الله فلا يدوم ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، وأما إلهه فلا بد منه في كل حال وكل وقت وأينما (1) لباب النقول في أسباب النزول1 /236)، تفسير القرآن العظيم 4 /561)، التدرج في دعوة الرسول  (48)، تيسير الكريم الرحْن ( 444)، التدرج بين التشريع والدعوة 25)، تأملات في سورة مريم (92.) (2) لباب النقول في أسباب النزول (1 /236)، تفسير القرآن العظيم 4/561)، التدرج بين التشريع والدعوة 8-9.)

عدد الصفحات ٩٢

- 92 - كان فهو معه(1)، لذاا بعث الرسول  معاذاً إلى اليمن كان أول ما أوصاه به غرس العقيدة في نفوسهم، والتي يكون بها المنطلق، وإعداد الأفراد، وتربية الأجيال، ليحدد المنطلق، وترسخ القاعدة، وتُبنى المجتمعات، وتُشيد الحضارات، حيث قال له  حين بعثه: (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب) (2)، وبعد أن اهتم بدعوة الناس إلى توحيد الله – تعالى – أخذ يدعوهم إلى فروع الشريعة الإسلامية من العبادات والمعاملات والأخلاق الفاضلة، فافترض عليهم أول شيء بعد التوحيد الصلاة وذلك لعظم أهمي تها، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج إلى أن أكمل لهم دينهم بعد ذلك(3). يقول–تعالى –: ﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾111] ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ  [183] بالتدرج في التربية إلى أصول الإسلام، تدرج أيضاً في التربية إلى أخلاق الإسلام، فابتدأ بالدعوة إلى (1) مجموع الفتاوى 1 /24.) (2) البخاري كتاب الزكاة – باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا رقم ( 1496.) (3) جامع البيان26 /72)، الدر المنثور7 /514)، ظلال القرآن 4 /1948)، تيسير اللطيف المنان171)، الكشاف (3 /125)، التفسير الكب22/161.)

عدد الصفحات ٩٣

- 93 - الإحسان إلى الأقرباء والصدق والعدل وأداء الأمانة والعفة (1)، كما تدرج بالتربية تأصيل ركائز أخرى في الأخلاق مثل التآخي، والتراحم، والتعاون، وترك التباغض والتحاسد، يقول الله – تعالى –: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾[12.] 2. التدرج بالانتقال من الأدنى إلى الأعلى لقد اتبع الرسول  هذا الأسلوب الحكيم في تربيته لقومه في تغيير الكثير من العادات والمنكرات والأدناس التي كانت عند قومه وتطهيرهم منها وهم لا يشعرون بأدنى عنت أو حرج (2) ومنها عادة شرب الخمر التي كانت متأصلة في نفوسهم إذ كان تحريمها متدرجاً من الأدنى إلى الأعلى، فكان ابتداء ذلك بذكرها في مقام الامتنان بنعمة الله –تعالى–فقال–سبحانه وتعالى: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ [67]لخمر ومضارها، ثم نف ر منها بترجيح المضار على المنافع، يقول الله – تعالى –: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾[219] السكر حتّ يزول منهم أثره ويعلموا ما يقولونه في صلاتهم، يقول – تعالى –: (1) التدرج في دعوة الن  (48.) (2) الحكمة والموعظة الحسنة وأثرهما في الدعوة 233.)

عدد الصفحات ٩٤

- 94 - ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ [ 43] الأوقات(1)، ثم يقول– تعالى –: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ [91] عائشة– رضي الله عنها –: (وإنما نزل أول ما نزل فيه أي (القرآن) سورة من المفصل فيها ذكر الْنة والنار، حتّ إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً)(2) ولذلك عندما نزل التحريم سكب الصحابة –  – الخمر في شوارع المدينة(3) فوراً حتّ سالت في معظم طرقات المدينة . 3. مناسبة المنهج التربوي للأحوال والمستويّت لا يُعد المنهج حكيماً إذا ساوى بين حالة الضعف وحالة القوة، أو بين حالة السلم أو الحرب، أو بين حالة عموم البلوى بالشيء وغيرها، كما لا يُعد حكيماً إذا لم يفرق بين الكبير والصغير، والمرأة والرجل، ولا بين العالم والْاهل، والعدو والصديق، والحاكم والمحكوم، وما إلى ذلك من أحوال ومستويات تقتضي التفريق، وهذا ما فعله الرسول  فقد أرسله – تعالى – إلى قوم اختلفت عقائدهم ما بين إلحاد، وشرك، وإنكار للبعث، فلذلك خاطب أصحاب كل معتقد منهم على حسب اعتقاده وفكره الدين، لذا بين للمشركين عجز (1) مباحث في علوم القرآن 112.) (2) البخاري كتاب الع لم – باب في ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس ( 1 /198)، ومسلم كتاب الحج – باب نقش الكعبة وبنائها رقم ( 1333.) (3) الكشاف4 /144)، الْامع لأحكام القرآن 15 /277)، روح المعا 5 /69)، من صفات الداعية الل والرفق ( 39 – 41)، دعوة إبراهيم في القرآن (74.)

عدد الصفحات ٩٥

- 95 - وضعف الآلهة التي عبدوها من دون الله، يقول– تعالى –: ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﴾إلى قوله: ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ  [191-198](1)، ومن مراعاة الرسول  لأحوال المدعوين في عقائدهم مخاطبته للنصارى الذين أدعوا ألوهية عيسى  وبيانه لهم حقيقته البشرية، ورده على الشبهات التي كانت عندهم بما يثبت عبوديته لله – سبحانه وتعالى– يقول الله – عزوجل –:  ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ  [59-61] الرسول  مربياً محاوراً فذاً حكيماً تقياً نقياً يحاول بكل جهده أن يربّ ويقنع الآخرين ولعل موقفه مع حصين بن المنذر الخزاعي وهو أبو الصحابّ الْليل عمران بن حصين – رضي الله عنهما – الذي انتدبته قريش لمناقشة الرسول  ورده عن دعوته فدخل على الرسول  وحوله أصحابه، فردد علي ه ما تردده قريش دوماً: فرقت جماعتنا، وشتت شملنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، والرسول  ينصت بلطف حتّ إذا انتهى قال له بكل أدب: أفرغت يا أبا عمران؟ قال: نعم، قال: فأجبن عما أسألك عنه، قال: قل أسْع، فقال : (يا أبا عمران كم إلهاً تعبد اليوم؟) قال: سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء!! فقال: (أيهم تُعد لرغبتك ورهبتك؟) قال: الذي في السماء، فقال  بكل لطف: (يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمت ينفعانك)، فما كان من حصين إلا أن أسلم في مكانه فوراً، ثم قال: يا رسول الله (1) تفسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد 123)، الدعوة قواعد وأصول189.)

عدد الصفحات ٩٦

- 96 - علمن الكلمتين اللتين وعدتن، فقال : قل: (اللهم ألهمن رشدي وأعذني من شر نفسي)(1)، فما أروع هذا التعامل الراقي وشدة تأثيره في الناس عند مخاطبتهم وحوارهم وتربيتهم ففي هذا الحوار يأتي الأسلوب النبوي مزيجاً من الأسلوب العاطفي والعقلي ليكون أكثر فاعلية في الترغيب في الإسلام، فيأتي الأسلوب العاطفي في هيئة المناداة بالاسم، ثم يتلوه الأسلوب العقلي في هيئة استفهامات استفسارية تستدرج المحاور الآخر إلى الاعتراف بضرورة الاعتقاد برب واحد، إليه يرغب ومنه يرهب، ثم يأتي بالأسلوب العاطفي في هيئة المناداة بالاسم مرة أخرى، والترغيب في الإسلام بطريقة رقيقة تلميحاً ، إذ يعده بتعليمه شيئاً ينفعه إذا أسلم، والتلميح أكثر فاعلية، لأن كثير من الناس يرفض الأسلوب المباشر الذي يشعره بأن المربّ يجهله أو يخطئه، فقد كان النبي  يراعي جميع الأحوال والظروف والشخصيات، فلذا فإنه راعى قومه وظروفهم فقال لعائشة – رضي الله عنها –: (يا عائشة لولا قومك حديث عهد بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس، وباب يخرجون) (2)، لذا تقول– رضي الله عنها –: (أمرنا رسول الله  أن ننزل الناس منازلهم (3). (1) الترمذي كتاب الدعوات 5 /519) حديث رقم 3483)، وابن ماجة من كتاب التوحيد 1 /277)، وأحْد مسنده ح (19992)، والنسائي في عمل اليوم والليلة ح994)، وابن أبّ شيبة11 /267.) (2) البخاري كتاب العلم – باب في ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس ( 1 /198)، ومسلم كتاب الحج – باب نقش الكعبة وبنائها رقم ( 1333.) (3) مسلم في المقدمة– باب حال بعض الرواة (1 /55.)

عدد الصفحات ٩٧