المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 2

باحثون

صفحة ٤ من ٣١

- 49 - ومن أهمأهداف البحث: - التوصل للمفهوم العام للمنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم. - إلقاء الضوء على مزايا وخصائص المنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم. - توضيح بعض الأساليب النبوية التربوية من خلال تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته. ومن أهم نتائج البحث: - المفهوم العام للمنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم: الطرق والأساليب المتبعة وفق الضوابط والقواعد من النبي  في تنشئة الإنسان وإصلاحه شيئًا فشيئًا، وتشكيل شخصيته في جميع جوانبها من خلال تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته. - من أهم خصائص المنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم: تمام الهداية؛ لأنه احتوى أرقى وأوفى ما عرهفت البشرية وعرف التاريخ من هدايات الله ورسوله والناس، وانتظم كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق، والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها، وجمع بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة، ونظهم علاقة الإنسان بربه وبالكون الذين يعيش فيه، ووف ق بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والْسد. وتضمن البحث في خاتمته جملة من التوصيات والمقترحات التي يمكن أن تسهم –بعون الله وتوفيقه- في تحسين وتطوير مناهج التربية المعاصرة.

عدد الصفحات ٥٠

- 51 - المقدمة بيسْمي اللهي الر حَْْني الر حييمي حْدًا لله على ما أنعم، والشكر له –سبحانه- على ما ألهم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فالقرآن الكريم بحر زاخر، وكنز وافر، لآلئه لا تنفد، ودُرره لا تنتهي، و من أراد الهداية والنجاة فليوثق صلته بالقرآن الكريم حفظً ا وتلاوةً وعملاً وتدبرً ا وفهمً ا، وتربيةً ، وإدامة الصلة بالقرآن سبيل أهل الإيمان تزداد به معارفهم، وتصلح به ظواهرهم وبواطنهم، جعلن الله وإياكم منهم. والقرآن الكريم كتاب تربية وتهذيب وتطوير وتجديد لكل أمور المر ء في حياته إن أراد الدنيا، أو أراد الآخرة، إذ قال الله تعالى عن النبي الأمي  ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾(1)، وهذا الكتاب يؤدي مهمتين اثنتين في وقت واحد: مهمة تعليمية تثقيفية، ومهمة أخلاقية تربوية، وهكذا كانت المدرسة المحمدية النبوية الأولى على هذا الأساس من التعليم وتهذيب النفس وتربية القلوب والعقول. وخير من امتثل تعاليم هذا الكتاب وتوجيهاته: نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله  ، وتبعه على ذلك الصحابة والتابعون، ومن تبعهم بإحسان،و لا شك أن رسول الله  قبل أن يقوم بمهمة التربية والتقويم لمن حوله من الصحابة الكرام  ، وقبل قيامه أيضًا بمهمة الدعوة لمن حوله من المشركين وأهل الكتاب بل للعالمين أجمعين، (1) سورة الْمعة، آية 2.

عدد الصفحات ٥١

- 51 - لا شك أنه  كان في نفس اللحظة وأثناء تنزل آيات القرآن الكريم كان يأخذ حظه الشامل الكامل من التربية الربانية القرآنية، وصدق الله القائل: ﴿ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾(1)، ولذلك "كان خلقه القرآن" (2) كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فآتت هذه التربية من الله للرسول محمد  أُكُلها في إعداد شخصيته، وبناء حياته الفردية والأُسرية والْماعية والاجتماعية، بل وفي ضمان الفوز في الدنيا والآخرة حتّ صدق فيه قول الله عز وجل: ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾(3)، ثم ربّ الْيل الأول وفق هذه التربية القرآنية ،الكاملة الشاملة، التي تحقق ما يطمح إليه الربانيون في الس ير إلى الله عز وجل ، وتنتهي بالعبد الى نيل رضا الله سبحانه وتعالى . لهذا كان لزامًا العناية بالمنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم، وهو ما جاء هذا البحث ببيان مفهومه، وتجلية بعض مزاياه وخصائصه، وذكر طرف من الأساليب النبوية في التربية من خلال تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته. أسأل الله التوفيق والسداد، والقبول والإخلاص، والله ولي التوفيق. أهمية الموضوع: تبرز أهمية الموضوع من خلال النقاط التالية: (1 )سورة النساء، آية 113. (2 )مسند الإمام أحْد، مسند النساء، مسند الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها، برقم 24611،41 / 148)، قال الألباني: الحديث صحيح. ينظر: صحيح الْامعالصغير وزيادته للألباني ( 2 /872)، ورواه مسلم بلفظ "فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن" في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، برقم: 746،1 /512.) (3 )سورة الأنعام، آية 162.

عدد الصفحات ٥٢

- 52 -  عدم إفراد المنهج النبوي في التربي ة بالقرآن بالبحث والعناية –فيما وقفت عليه-.  كونه تمهيدًا ومقدمةً لأطراف الموضوع بتوضيح مفهومه وبيان طرفا من خصائصه ومزاياه.  مدى ارتباط الموضوع بالاقتداء والتأسي بالأسوة الحسنة، والقدوة المثلى –نبينا محمد  - من خلال امتثال الأساليب النبوية التربوية من تعال يم القرآن ال كريم وتوجيهاته، وتطبيق ذلك في المجالات التربوية. مشكلة البحث: تكمن مشكلة البحث في عدم الالتفات إلى ما يزخر به القرآن الكريم والسنة النبوية من دقائق علوم التربية والتعليم أصولاً وفروعً ا، و يسعى البحث إلى التأكيد على أن كل من اتجه إلى هذا المصدر يجهه د ضال ته ويُ درك بُ غيته، وهذا يحُهتّه م توجهًا من التربويين وغيرهم لبيان صفة منهج النبي  في التربية والتعليم من خلال ما رسْه القرآن الكريم من معالم كبرى ، وما استقل ببيانه وتفصيله السنة النبوية، ويأتي هذا البحث محاولةً بسيطة لبيان المفهوم العام للمنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم. أهداف البحث : - بيان التعريف اللغوي والاصطلاحي للمنهج، والتربية، والقرآن الكريم. - التوصل للمفهوم العام للمنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم. - إلقاء الضوء على مزايا وخصائص المنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم. - توضيح بعض الأساليب النبوية التربوية من خلال تعاليم القرآن الك ريم وتوجيهاته . خطة البحث: اقتضت طبيعة البحث تقسيمه إلى مقدمة، فتمهيد، ثم ثلاثة مباحث فخاتمة، وذلك على النحو التالي:

عدد الصفحات ٥٣

- 53 - - المقدمة: وفيه بيان أهمية الموضوع، ومشكلة البحث، وأهدافه، وخطة البحث - تمهيد في بيان أهمية وفضائل حف القرآن، وأهمية تربية الأجيال بالقرآن الكريم. - المبحث الأول: مفهوم المنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم. - المبحث الثاني: خصائص ومزايّ المنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم. - المبحث الثالث: الأساليب النبوية في التربية بالقرآن الكريم. - الخاتمة: وتشمل النتائج والتوصيات. - مصادر البحث ومراجعه. - الفهرس. ولا يسعن في ختام المقدمة إلا أن أشكر الله سبحانه الموفق الذي ينعم على الخلائق بالنعم الوافرة، الباطنة والظاهرة، ثم أتقدم بالشكر الْزيل ل لجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه "تبيان"، وجامعة أم القرى على قبولهم لملخص بحثي وترشيح هم له، فلهم من جزيل الشكر، ووافر الثناء، وخالص الدعاء . سائلاً الله التّوفيق والهداية للصّواب ، ﴿ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ﴾.(1) الباحث : زكريّ أيوب دولا طالب بالدراسات العليا بقسم التفسير وعلوم القرآن بجامعة أم القرى بمكة المكرمة جوال : 1553411443 البريد الالكترو : zakariyadula@gmail.com (1 )سورة هود، آية 88.

عدد الصفحات ٥٤

- 54 - تمهيد في بيان أهمية وفضائل حف القرآن، وأهميةتربية الأجيال بالقرآن الكريم إن نعمة القرآن الكريم من أعظم النعم التي من الله بها على عباده المؤمنين، لدرجة أن الله -تعالى- قد م هذه النعمة على خلق الإنسان أصلاً ، حيث قال -سبحانه-: ﴿ ﭷ * ﭹ ﭺ * ﭼ ﭽ﴾(1)، وحث على الاستجابة لكلام الله ورسوله؛ إذ به الحياة الحقيقية ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ (2)، والقرآن الكريم عمدة الملة، وينبوع الحكمة، لا اهتداء إلا باتباعه، والضلال مرهون بالإعراض عنه، قال تعالى: ﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﴾(3)،ولذا كان على مبتغي الهداية أن يديم صلته بالقرآن الكريم -تلاوةً وعملاً وتدبرً ا وفهمً ا وتربيةً -، فهو سبيل أهل الإيمان تزداد به معارفهم، و تصلح به ظواهرهم وبواطنهم. (4) وقد اختص-عز وجل - طائفةً من عباده المؤمنين بنعمة جليلة، ومن ة غالية، وهي أن جعلههم يحفظون هذا الكتاب القيّهم عن ظهر قلب، ورفع جدًّا من قدرهم، وعظ م جدًّا من أجرهم، وأمر المؤمنين جميعًا أن يجُهلُّوا أمرهم، ويقدّهموهم على غيرهم، (1) سورة الر حْن، آية: 1-3. (2 )سورة الأنفال، آية 24. (3 )سورة طه، آية 123-124. (4 )من مقدمة تيسير الكريم الرحْن في تفسير كلام المنان للشيخ السعدي، بتصرف -.

عدد الصفحات ٥٥

- 55 - وذكر رسول -- ذلك في أكثر من حديث؛ منها قوله عليه الصلاة والسلام "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين" (1). وتعلم القرآن وتعليمه هو الأساس الذي يقوم عليه الدين، وبه تعرف الشرائع والأحكام، وبنوره تستضيء الأمة، وتسير على طريقه، وتتر بّ على منهجه، ولهذا كان لزامًا على الوالدين خصوصًا، والمربين عمومًا أن يهتموا بتربية الأجيال، وتعليمهم وتحفيظهم كتاب الله تعالى، ذلك المنهل الوافي، والمنبع الصافي؛ لأنهم بذلك يتعلمون توحيد ربهم، ويأنسون بكلامه، ويسري أثره في قلوبهم وجوارحهم، وينشؤون نشأةً صالحة مباركة. ولقد عرف الصحابة أهمية حفظ القرآن وأثره في نفوس الأبناء، فانطلقوا رضوان الله عليهم يعلمون أبناءهم القرآن استجابة لتوجيهات النبي صلي الله عليه وسلم، فعن عثمان بن عفان  قال: قال رسول : "خيركم من تعل م القرآن وعل مه"(2)، وكذلك السلف ا لصالح رضوان الله عليهم فقد ساروا المسار نفسه. قال الحسن البصري رحْه الله: قدموا إلينا أحداثكم، فإنهم أفرغ قلوباً، وأحفظ لما سْعوا، فمن أراد اللّّ أن يتمّه له أتمّه .(3) (1) صحيح مسلم، باب فضل من يقوم بالقرآن، ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه، أو غيره فعمل بها وعلمها، حديث رقم: 817،1 /559.) (2) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، حديث رقم 5127،6 /192.) (3) الْامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 1 /311.)

عدد الصفحات ٥٦

- 56 - وقال الحافظ السيوطي رحْه الله: تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام ، فينشؤون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل أن تمكن الأهواء منها، وسوادها بأكدار المعصية والضلال.(1) وقال ابن خلدون رحْه الله: اعلم أنّ تعليم الولدان للقرآن شعار الدّين أخذ به أهل الملّة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التّعليم الّذي يبنى عليه ما يحصل بعد من الملكات، وسبب ذلك أنّ التّعليم في الصّغر أشدّ رسوخًا، وهو أصل لما بعده لأنّ السّابق الأوّل للقلوب كالأساس للملكات (2)، ولأن ذهن الصغير أصفى من ذهن الكبير لقلة المشاكل والمشاغل ، لذلك فإن اغتنام فرصة ا لعمر في الصغر يعتبر عاملاً مهمًّا في ثبات القرآن في الذهن. وقال ابن الْوزي رحْه الله: فأما تدبير العلم، فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسْاع الحديث، ولتحصل له المحفوظات أكثر من المسموعات؛ لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة، فإذا بلغ، تشتت همته، .... وأول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقنًا؛ فإنه يثبت، ويختلط باللحم والدم... (3) هذه بعض فضائل حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتعلمه وتعليمه، وما ورد من الآثار والأقوال في تربية الأجيال على كتاب الله تعالى، فهنيئًا لمهن ترب وا ونهلوا من معين كتاب الله -سبحانه وتعالى- فجمعوه في صدورهم، وعهمهلوا بما فيه، هنيئًا لهم ولأهليهم وذويهم هذه البُشريات، وكفى لهم شرفًا هذه المنزلة والمكانة والرفعة والرتبة. (1) عزاه الكتاني للأجوبة المهمة عن الوقائع الملمة للفقيه محمد الولاتي، وهو مخطوط. ين ظر: التراتيب الإدارية = نظام الحكومة النبوية للكتاني (2 /198)، وبناء شخصية الطفل المسلم لمحمد عثمان جمال (ص12.) (2 )تَريخ ابن خلدون1 /741.) (3) صيد الخاطر لابن الْوزي (ص 257.)

عدد الصفحات ٥٧

- 57 - أسأل الله -عز وجل - أن يمن علينا بقبول حفظ كتابه، وتدبُّر معانيه، والعمله بما فيه، وأن يجعلنا مم ن حهفهظوا للقرآن حُرْمتهه، ومم ن عظ موا منزلته، ومم ن تأد بوا بآدابه، وترب وا على منهاجه، والتزموا بأحكامه. المبحث الأول: مفهوم المنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم 0- المنهج في اللغة : جاء في لسان العرب: نهج: طريق نهج: بين واضح، وهو النهج، وطرق نهجه، وسبيل منهج، ومنهج الطريق: وضحُهُ، والمنهاج كالمنهج، وفي التنزيل : ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾ (1)،وأنهج الطريق: وضح واستبان وصار نهجً ا واضحً ا بيّه نً ا، والمنهاج: الطريق الواضح ، واستنهج الطريق: صار نهجً ا، ونهجت الطريق : أبنته وأوضحته، و سلكته، وفلان يستنهج سبيل فلان، أي: يسلك مسلكه، و النهج: الطريق المستقيم.(2) وفي مختار الصحاح: المنهاج: الطريق الواضح، ونهج الطريق: أبانه وأوضحه، ونهجه أيضاً سلكه.(3 ) والمنهج في الاصطلاح : نسق من القواعد والضوابط التي تركب البحث العلمي وتن ظمه.(4) (1) سورة المائدة، آية 48. (2) لسان العرب لابن منظور 2 /383.) (3) مختار الصحاح للرازي (ص: 321.) (4) أبجديات البحث في العلوم الشرعية للدكتور فريد الأنصاري (ص 41.)

عدد الصفحات ٥٨

- 58 - ويتبين مما سبق أن المنهج: هو الطريق الواضح، والأسلوب المتبع و فق القواعد والضوابط، والمنهجية هي: الطريقة الواضحة بالأسلوب المتبع المحدد. 2- التربية في اللغة : تتضمن التربية دلالات لغوية متعددة ، تركز جميعها على ما ينبغي أن تت ضمنه العملية التربوية من أنشطة : - الإصلاح: ربا الشيء إذا أصلحه، والإصلاح قد لا يقتضي الزيادة ، وإنما التعديل والتصحيح. - النماء والزيادة: ربا الشيء يربو رُ بوّ اً ، ورباءً: بمعنى زاد ونما. - النشأة و الترعرع: ربّ يربّ، على وزن خفي يخفى، أي: نشأ وترعرع. - السياسة وتولي الأمر: ربيت القوم ، أي: سُسْتهم و كنت فوقهم. - التعليم: الرباني من الرب، بمعنى التربية، والرباني: الراسخ في العلم ، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله تعالى (1). والتربية في الاصطلاح : قال الراغب الأصفهاني: الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام(2). وقال البيضاوي: الرب في الأصل اللغوي بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئً ا فشيئً ا(3) . (1) لسان العرب لابن منظور 14 /314)، ومختار الصحاح للرازي (ص 117.) (2) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ص 336.) (3) تفسير البيضاوي المسمى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( 1 /28.)

عدد الصفحات ٥٩

- 59 - ولقد أورد عبد الحميد الزنتاني عددً من آراء علماء المسلمين في هذا المجال حيث إن الإمام الغزالي يركز في آرائه التربوية على أن الهدف الأسْى للتربية هو: التقرب لله تعالى والاستعداد للحياة الأخروية، ولذلك دعا إلى تربية الصبيان تربية ديني ة وخلقية قوامها التقشف والزهد في الملذات حتّ البريئة منها . ويرى ابن سينا في تعريفه للتربية أنها: وسيلة إعداد الناشئ للدين و الدنيا في آن واحد، وتكوينه عقلياً وخلقياً ، وجعله قادر على اكتساب صناعة تناسب م يوله وطبيعته، وتمكنه من كسب عيشه ، أما ابن خلدون فقد أكد في آرائه التربوية ع لى ضرورة العناية بتنمية عقل المتعلم ومراعاة استعداداته العقلية .(1) مما سبقيتضح أن التربية هي: تنشئة الإنسان وإصلاحه شيئ ا فشيئ ا بالتدرج في تشكيل الشخصية السوية المتكاملة في جميع جوانبها الروحية والع قلية، والوجدانية، والخلقية، والاجتماعية، والبدنية. 3- القرآن الكريم في اللغة : معنى القرآن : الْمع، وسْي قرآناً ؛ لأنه يجمع السور، فيضمها، ومنه قول الله تعالى: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾(2)،أي: جمعه وقراءته، وقرأت الشيء قرآناً : جمعته وضممت بعضه إلى بعض(3). وفي القاموس المحيط: القرآن: التنزيل ، قرأه وبه كنصره ومنعه، قرءً ا وقراءةً وقرآناً ، فهو قارئ ، من: قهرأهة وقُراء وقارئين: تلاه، كاقتر أهُ وأقرأته أنا، وقارأهُ مقارأة وقر اءً: دارهسههُ .(4) (1) أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية لعبد الحميد الزنتاني (ص: 24 .) (2 )سورة القيامة ، آية: 17. (3) لسان العرب 1 /128)، ومختار الصحاح (ص249)، وانظر: تفسير ابن كث 8 /286.) (4 )القاموس المحيط للفيروز آبادي (ص49.)

عدد الصفحات ٦٠

- 61 - والقرآن الكريم في الاصطلاح : قال الراغب الأصفهاني: تسمية هذا الكت اب قرآناً من بين كتب الله ؛ لكونه جامعً ا لثمرة كُتُبههه ، بل لْهمعههه ثمرة جميع العلوم.(1) وعرف بأنه : كلام الله الذي أنزل على محمد  ، ونقل إلينا تواترً ا لنتعبد بتلاوته وأحكامه، وكان آيةً دال ة على صدقه فيما بل غه من الرسالة .(2) وبهذا يتضح أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى الذي أنزله على سيدا محمد  ، وتعب دا بتلاوته، وفيه بيان شرع الله عز وجل . وأخلص إلى المفهوم العام للمنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم بأنه: الطرق والأساليب المتبع ة وفق الضوابط والقواعد من النبي  في تن شئة الإنسان وإصلاحه شيئ ا فشيئ ا و تشكيل شخصيته في جميع جوانبها من خلال تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته. (1 )المفردات في غريب القرآن للأصفهاني (ص: 669.) (2) ينظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان (ص 17.)

عدد الصفحات ٦١

- 61 - المبحث الثا : خصائص ومزايّ المنهج النبوي في التربية بالقرآن الكريم يكفينا هنا أن نعلم أن المنهج النبوي في عمومه امتثال حقيقي، وتطبيق فعليي لم ا في القرآن الكريم في كافة المجالا ت، سواءً التعبدية، أم التربوية، أم غيرهما، ويزداد الأمر تحديدً ا بما يتعلق بموضوع البحث، وهو أن القران كتاب تزكية وتربية للإن سان جسدً ا وروحً ا، وذلك على يد رسول الله  ،التي كانت حياته أصدق ترجمة له، وصدق الله القائل: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾.(1) ولا شك أن رسول  قبل أن يقوم بمهمة التربية والتقويم لمن حوله من الصحابة الكرام  ، وقبل قيامه أيضًا بمهمة الدعوة لمن حوله من المشركين وأهل الكتاب، بل للعالمين أجمعين، لا شك أنه  كان في نفس اللحظة وأثناء تنزل آ ت القرآن الكريم كان يأخذ حظه الشامل الكامل من التربية الربانية القرآنية، وصدق الله القائل: : ﴿ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾.(2) لذلك"كان خلقه القر آن"(3)، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فآتت هذه التربية من الله للرسول محمد  أُكُلها في إعداد شخصيته، وبناء حياته الفردية والأُسرية والْماعية والاجتماعية، بل وفي ضمان الفوز في الدنيا والآخرة، حتّ (1) سورة الْمعة، آية 2. (2) سورة النساء، آية 113. (3) تقدم تخريجه في مقدمة البحث

عدد الصفحات ٦٢

- 62 - صدق فيه قول الله عز وجل ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾(1)، وهذه التربية الربانية من الله لرسوله  جديرة بأن يتناولها الباحثون بالدراسة والتحليل، لاستخراج ما فيها من مناهج ووسائل تربوية ربانية كامل ة شاملة تحقق ما يطمح إليه الربانيون في الس ير إلى الله عز وجل وتنتهي بالعبد الى نيل رضا الله سبحانه وتعالى.(2) ومن أهم خصائص المنهج النبوي ومزايّه في التربية بالقرآن الكر – باختصار- ما يلي: - أنه جمعٌ بين الأصلين الأصيلين، والركيزتين الأساسيتين: كتاب الله وسنة رسوله  من خير من يمثل ويترجم معالم التربية بالقرآن الكريم، ويوصل للنجاة والفلاح الدارين. - أصالة المصدر: فالإنسان من صنع الله تعالى، ولا أعلم من الله بمفاتيح فطرة الإنسان ودوائه وعلاجه؛ لأن كل صانع أدرى بصنعته ، قال تعالى: ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴾(3)، كما قال تعالى أيضً ا: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾(4)، والن أعلم الخلق بمراد الله تعالى، (1) سورة الأنعام، آية 162. (2) ينظر: التربية الربانية القرآنية للنبي محمد صلى عليه وسلم لرشيد الصباحي (ص: 2-3.) (3 )سورة الإسراء، آية 82. (4) سورة الإسراء، آية 9.

عدد الصفحات ٦٣

- 63 - وأرحم الخلق بخلقه، فهو منهج متعلق بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا المنهج النبوي المتمثل للمنهج الر باني لا يعن تعطيل جهود البشر عن الاجتهاد والتفكير في هذا الكون والمعرفة بأسراره، بل العكس ، فالقرآن يأمر ويحض على التدبر والتفكير والتعقل، فهو يضع أمام البشرية حقائق وأُصول وصور العبادات، وأنماط المعاملات والصفات التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان، أما ما يتعلق بالعلم وتطبيقاته، ووسائل النهوض بالمجتمع، وطرق المعيشة ، فهي متروكة ل لبشر ما دامت لا تخرج عن المبادئ والأصول التي وضعها القرآن الكريم، والسنة النبوية، فالمنهج النبوي القرآني لا يقف حجر عثرة في سبيل تقدم البشرية وازدهارها، كما هو ح ال الديانات الأخرى، بل يحث على الاجتهاد ويضع له معايير، ويلوم ويذم عدم إعمال العقل والتفكير في الكون الفسيح، لذلك فلن تجد البشرية الرشد ولا الهدى ولا الراحة ولا السعادة إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى الرباني ة، وعندما تخلى المسلم عن منهجه النبوي القرآني، وتتطلع إلى المناهج الوضعية تخلف وتأخر عن ركب الحضا رة. - العموم: فهو منهج عام ينتظم الإنس والْن في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان؛ قال سبحانه: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ (1)، وقالتعالى: ﴿ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾(2)،وقال -عز اسْه-: ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾.(3) (1 )سورة الأنعام، آية 19. (2) سورة الأنعام، آية 92. (3) سورة الأعراف، آية 158.

عدد الصفحات ٦٤

- 64 - - تمام الهداية فهو منهج تَم الهداية؛ لأنه احتو ى أرقى وأوفى ما عرهفت البشرية وعرف التاريخ من هدايات الله ورسوله والناس، وانتظم كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق، والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها، وجمع بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة، ونظهم علاقة الإنسان بربه وبالكون الذين يعيش فيه، ووف ق بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والْسد ، وقد كان النبي  ينادي صحابته: "يا أيها الناس إنما أنا رحْة مهداة".(1) - الوضوح منهج لا يشوبه نقص، ولا يعتر يه شك، ولا يدخله الغموض والإبه ام، فأوامره ونواهيه وتوجيهاته ومواعظه واضحة جلية في عرضا رائعا مؤثرا ، توافر فيه كل وسائل الإيضاح، وعوامل الإقناع –كما سيأتي لاحقًا-. - الشمول: يشمل الفرد في حياته الدنيوية، وكذلك حياته الأخروية، وحياته الخاصة والعامة، كما يشمل المجتمع في علاقة أفراده بعضهم ، وعلاقتهم بالمجتمعات الأخرى ، وكذلك علاقة المجتمعات ببعضها البعض، كما يشمل الإنسان بكيانه الْسد و الروح، فاشتمل المنهج النبوي القرآني على تجلية كلّه ما من شأنه صلاح البشرية و هدايتهم، و اعتمد في ذلك على الدليل والبرهان المستمد من العقل. - التكامل: منهج متكامل في كل مناحي الحياة، أخلاقية أو اقتصادية أو سياسية أو دينية إلى غير ذلك، و يتحقق من خلال هذا التكامل التوازن والتوافق بين الإ نسان ونفسه، وبينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه، وبين المجتمعات بعضها لبعض، قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ (1) سنن الدارمي، كتاب علامات النبوة، وفضائل سيد الأولين والآخرين، باب : كيف كان أول شأن النبي صلى الله عليه وسلم؟، برقم: 17، (ص98)، قال الألباني: إسناده صحيح مرسل. ينظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للألباني (1 /882.)

عدد الصفحات ٦٥