- 449 - السؤال والجواب التفسيري عند السلف وأثره في التربية أعده محمد بن زايد بن طلق المطيري
عدد الصفحات ٤٥٠- 451 - ملخص البحث تنوعت أساليب المفسرين من سلف هذه الأمة في تعليم الن اس معاني كتاب الله جل ثناؤه وتربيتهم على آدابه وأحكامه؛ ومنها أسلوب السؤال والْواب التفسيري. وهذا البحث يهدهف إلى التعريف بالأثر التربوي لهذا الأسلوب التفسيري عند السلف، من خلال محاولة استنباط ورصد طرائق السلف في التربية أثناء طرح السؤال التفسيري، أو طرائق السلف في تربية السائلين من خلال أجوبتهم التفسيرية. ومن أهم نتائج البحث : ظهور الدو ر التربوي ل لمفسّهر . وأن أسئلة الس لف وأجوبتهم في التفسير عالْت جوانب التربية المتنوعة؛ فقد عالْت الْوانب الإيمانية، والعه لمية، والعه مه ليّة، والعقلية. ومنها رصد بعض الآثار التربوية لأسئلة السلف وأجوبتهم في التفسير: كالوعظ في التفسير، والتأكيد على عمومية الخطاب القرآني ، و الترغيب في تعلم معاني الكتاب العزيز وأحكامه ، و تصحيح المفاهيم، و تعظيم شأن تفسير كلام الله في النفوس، وتقوية جانب الورع فيه ، والتأكيد على ما تضمنته الآيات من المعاني العظيمة المخوفة للقلوب، و تواضع العالم بالتفسير. والتفسير بالمشاهد المحسوس لا بالقول المجرد ، و استثارة عقل وفهكْر المتعلم للتفسير: بدلالته على موضعا مستنبط من القرآن الكريم، أو على التسليم والانقياد لمعاني القرآن الكريم، أو بالتشجيع على الاستنباط والاجتهاد لمن ملك أدواته في الربط بين نصوص الكتاب والسنة.
عدد الصفحات ٤٥١- 451 - بسم الله الرحْن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد، فلما كان الن اس متفاوتون في العلم؛ أثنى الله جل ثناؤه على أهل العلم، إذ أمر الن اس بالرجوع إليهم بالسؤال في عموم قوله سبحانه: ﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [ :43] فيه، فقد قيلالعلوم خزائن وأقفال والسؤالات مفاتيحها (1). وقد سلك الن وصحابته والتابعون من بعدهم أسلوب السؤال والْواب تفسير كلام الله تعالى، وتعليم الن اس معانيه، وتربيتهم على آدابه وأحكامه. واشتملت آثارهم تلك على لفتات بديعة في جوانب التربية المتنوعة، كان العالمه فيها طبيبًا للنفوس، يسمو بها ويستصلحها. وهذا البحث يأتي ليلقي الضوء على بعض تلك الْوانب التربوية التي يمكن استنباطها من أسئلة السّلف التفسيرية التي باشروا بها من دونهم، أو أجوبتهم هم على الأسئلة التي وجهت إليهم. فكان هذا البحث بعنوان: ( السؤال والجواب التفسيري عند الس لف وأثره في التربية ). أهداف البحث: 1 بيان طرائق السلف في التربية من خلال طرح السؤال التفسيري 2 بيان طرائق السلف في تربية السائلين من خلال أجوبتهم التفسيرية (1 )جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/427).
عدد الصفحات ٤٥٢- 452 - أهمية البحث : 1 حاجة المسلم إلى ربط العلم بجوانب التربية المتنوعة. 2 يلقي البحث الضوء على أعظم تربية بالقرآن الكريم؛ وهي تربية الن لصحابته 3 التعريف بجهود مفسّهري الس لف في تربية الن اس من خلال ( السؤال والْواب كأسلوب تربوي. 4 يحاول البحث إبراز الدور التربوي للمفسّهر. خطة البحث : يتكون هذا البحث من مقدمة، وتمهيد، ومبحثين: التمهيد وفيه التعريف بمصطلحات الدراسة. المبحث الأول: السؤال التفسيري عند الس لف وأثره في التربية. المبحث الثاني: الْواب التفسيري عند الس لف وأثره في التربية. ثم خاتمة فيها أهم النتائج. وأسأل الله أن يجعله عملاً خالصًا لوجهه الكريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أزواجه وذريته.
عدد الصفحات ٤٥٣- 453 - التمهيد ( وفيه التعريف بمصطلحات البحث ) 0 ا السؤال السين والهمزة واللام كلمة واحدة. يقال: سهأهله يهسْأهلُ وقد يخفف فيقال: سال يهسهال بغير همز، كخافه يخهافُ ، سُؤالا، ومهسأهلةً . وسهأهلْته الشيءه بمههعْ نىه اسْت هعْطهيته إهياه، وسهأهلْته عهنه الش يْءه : اسْتهخْب هرْتُهُ . و السُؤْلُ : ما يسأله الإنسان، ور جل سُ ؤه لة بهوهزْنه همُهزهةا : كثير السؤال، وتساءل القوم سأل بعضهم بعضًا(1). فمادة (سأل) تدور حول معنى الطلب، و يطلق ذلك على ضربين: طلب خبر و مقال، وطلب مال و نوال(2). والمقصود به هنا الأول وهو استدعاء معرفة، أو ما يؤدّي إلى المعرفة (3). والأصلُ فيه أن يكون إطلاقهمن الأْهدْنىه فيه الرُّت ْبهة إلى الأعلى، على جهة الطلب لما يجهل، وقد يأتي بخلاف ذلك فيكون مثلاً على سبيل التبكيت والزجر لل مسئول، أو من باب التعليم والتنبيه(4). 2 ا الجواب الْوب: قطع الْه وْ به ة، وهي كالغائط من الأرض، ثم يستعمل في قطع كل أرض، قال تعالى: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﴾ [9 .]وجواب الكلام، من (1) الع7 /311)، مقاييس اللغة3 /124)، الصحاح تَج اللغة وصحاح العربية5/1723)، لسان العرب (11/319.) (2) مفردات ألفاظ القرآن (ص 211.) (3) مفردات ألفاظ القرآن (ص 437.) (4) الفروق اللغوية للعسكري (ص 37)، مفردات ألفاظ القرآن (ص 437.)
عدد الصفحات ٤٥٤- 454 - هذه المادة؛ لأن ه يقطع الْه وبه فيصل من فيهّه المتكلم إلى أُذن المستمع، لكن خص بما يعود من الكلام دون المبتدأ من الخطاب(1)،والْواب يطلق في مقابلة السؤال، فيقال: أجابه عن سؤاله إهجهابهة، و جاوبه مجاوبةً وجواباً ، إذا ردّ عليه وأفاده عمّا سأل(2). 3 ا التفس هو تفعيل من الفهسْر، قال ابن فارس: "الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيانه شيءا وإيضاحهه "(3). وعُرّهف التفسير في الاصطلاح بتعريفات متنوعة راجعة إ هذا المعنى اللغوي، ومنها أن المراد به "بيان معاني القرآن الكريم"(4). 4 ا السؤال التفسيري والمقصود به هنا السؤال من الأعلى رتبة إلى الأدنى، كس ؤال العالمه والمتص در للتعليم والإفادة، ويريد به تنبيه المسئول وتعليمه، أو زجره وتبكيته. 5 ا الجواب التفسيري ويقصد به ردّ العالمه والمتصدر للتعليم والإفادة على السائل بإفادته وإفهامه ما سأل عنه. 1 ا السّلف مادة سهلهفه في اللغة تدور حول معنى التقدم والس بق، ومنه أطلق الس لف على الذين مضوا(5). والمقصود بهم الن وصحابته ومن اقتفى أثرهم من التابعين وتَبع التابعين، أهل القرون الثلاثة المفضلة. (1) مفردات ألفاظ القرآن (ص 211)، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ 1/411.) (2) جمهرة اللغة 2/1117)، الصحاحج اللغة وصحاح العربية (1/114)، المعجم الوسيط1/144.) (3) مقاييس اللغة4/412.) (4) أصول في التفسير لابن عثيمين (ص28)، وانظر التفسير اللغوي د.مساعد الطيار (ص21.) (5) مقاييس اللغة3/72.)
عدد الصفحات ٤٥٥- 455 - 1 ا الأثر قال ابن فارس: "الهمزة والثاء والراء، له ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذ كر الشيء، ورسم الشيء الباقي"(1). والمراد به في هذا المبحث هذا المعنى الثالث وهو ما يرجى بقاءه وتحققه. 1 ا التربية وهذه اللفظة تدور في اللغة حول معنى لزوم الشيء والقيام عليه بالإصلاح وتعاهد ذلك(2). 9 ا والمقصود من (آثار السؤال والجواب في التربية أي المفاهيم والسلوكيات التربوية التي يرجى تحققها للمتعلم باتباع أسلوب السؤال والْواب. (1) مقاييس اللغة1/75.) (2) مقاييس اللغة2/313)
عدد الصفحات ٤٥٦- 456 - المبحث الأول السؤال التفسيري عند الس لف ودوره في التربية المتأمّل في أسئلة الس لف التفسيرية التي باشروا بها من هم دونهم في العهلم يمكنه ملاحظة أن علماء الس لف كانوا يجمعون في أسئلتهم هذه بين جانبي العلم و التربية، فهم يسعون في استصلاح الن اس وهدايتهم. وقد حاولت استنباط بعض هذه المسالك التربوية ثم تصنيفها على النحو التالي: أولا : التربية الإيمانية : وهي التي تهدف إلى هداية الن اس وربطهم بكتاب الله وسنة نبيه ، وقد طرق مفسري الس لف هذا الْانب التربوي عن طر يق أسئلتهم التفسيرية، ومن صور ذلك. (أ) ا الوعظ بالسؤال التفسيري. وهو أن يخرج المفسّهر تفسيره بأسلوب الس ؤال الوعظي لا ينتظر صاحبه من المستمع جواباً، وهدفه فيه الوعظ والتذكير بما تضمنته الآية من المعاني. ومن أمثلته: 0 ا أن الحسن البصري رحْه الله قرأ آيات من البقرة، فأتى على هذه الآية: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﴾ [25] ت ُرْذهلُون(1)بعضه؟ وإن ذلك ليس فيه رهذْل(2). 2 ا روي عن قتادة رحْه الله، في قوله:﴿ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴾[21]ذر شقي ابن آدم، هل رأيتم أحدا قط تصدعت جوانحه من خشية الله؟ (3). (1) أيتتركون الر ذْل، وهو الر دهيءُ من كل شيءا. لسان العرب (11/281) (رذل (2) رواه الطبري في تفسيره1/413)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور، عهبد بن حُْهيد ، وهابن جهرهير (3) رواه الطبري في تفسيره22/549.)
عدد الصفحات ٤٥٧- 457 - (ب) حْل ألفاظ الكتاب العزيز على العموم، لغرض التعليم والدعوة والو عظ والتذكير. عن عبيد بن عمير قال: قال عمر يوما لأصحاب الن: فهيْم ترون هذه الآية نزلت: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ البقر ة: 266؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين! قال عمر: يا ابن أخي! قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غنى يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتّ أغرق أعماله (1) . سياق هذا المثل القرآني السابق يحتمل أن ه قُصهد به المرائي في النفقة، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه (2). ويحتمل أن ه ضُرهب مثلاً لإبطال أجر النفقة والصدقة بالمنّه والأذى(3). (1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله:ﭽﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭼ، (4/1651)،ح4264).و"(أغرق أعماله) الصالحة: أضاعها بما ارتكب من المعاصي" انظر جامع الأصول (2/56) (2) روي هذاالمعنى عن السُّدّهيّ، وجعل هذا المثل نظير قوله سبحانه قبل ذلك: ﭽ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ[264.] تفسير الطبري4/681.) (3) روي ذلك عن ابن زيدا. وقد أعاد هذا المثل على أول الآيات المتصلة في هذا السياق، و ذلك في قوله جل ثناؤه: ﭽﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﭼ[264]. تفسير الطبري4/688.)
عدد الصفحات ٤٥٨- 458 - وهذه المعا القريبة المأخذ لم تكن لتخفى على جمعا من الصحابة، بل أيقنوا أيضً ا أن هذه المعاني لم تكن لتغيب عن عمر . فهم فهموا عنه سؤاله، وعلهموا أن ه يبحث عن معنى باطهن خفهي مستنبط تحتمهله ألفاظ المثل القرآ وفي مقابل ذلك لم يكن نظر ابن عب اس وعمر قاصهرًا على سياق المثل القرآني عند توجيهه، وإنما أعطيا السياق حقه من النظر، واللفظ حقه من العموم، فحملا المثل القرآني على أعهمّه معانيه، وأظهرها في البيان، إذ فيه تتحقق أبشع صور فساد العمل، وذهاب الثواب، وأهشهدّ صور الن دم والت حسّر، وأدعى للنفور والاجتهاد في التوقي من هذا الوصف. ثاني ا: التربية العلميّة : وهي التربية التي تهدف إلى ترغيب الن اس في العلم، والترقي في تحصيله، والق يام عليهم بالنصح والتقويم. وقد طرق مفسري الس لف هذا الْانب التربوي من خلال أسئلتهم التفسيرية، ومن صور ذلك: ( أ ) ترغيب الن اس في تعلم معا ني الكتاب العزيز وأحكامه. ومثاله: ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس، قال: بينا رسول الله ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: "بسم الله الرحْن الرحيم ﴿ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴾"، ثم قال: "أتدرون ما الكوثر"؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه نهر وعدنيه ربّ عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة" الحديث (1). (1) صحيح مسلم، كتاب الص لاة، باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة، ( 1/311)، ح(411.)
عدد الصفحات ٤٥٩- 459 - فابتهده اءه النبي صحابته بالسؤال عن معنى الكوثر، بقوله: (أتدرون؟)، وهذه الصيغة تحمل في طياتها معاني التشويق والترغيب لمعرفة هذا المعنى المسئول عنه ، وفيها أيضًا التنبيه على فخامته، وأن مثله مما يتعين معرفته ويقبح الْهل به(1). (ب) ا التربية على مدارسة القرآن الكريم تعلماً وتعليماً، ومن صور ذلك: 1 حهثُّ العالمه بالتفسير على أن يُسأل عن الق رآن الكريم. ومن أمثلته، ما رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال سلوني، قلت: أهيْ أبا عباس، جهعهلهنه الله فداءك، بالكوفة رجل قاصي يُقال له: نوفيزعم أنه ليس بموسى بن إسرائيل (وفي رواية: أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بن إسرائيل إنما هو موسى آخر) (2) فقال: قد كذب عدو الله..." الحديث بطوله(3). ومنه أيضًا ما روي أنعلي بن أبّ طالب قام على المنبر، وقال: ألا أحد يسألن عن القرآن؟ فو الله لو أعلم اليوم أحدا أعلم به من، وإن كان من وراء البح ور لأتيته. فقام عبد الله بن الكواء (4)فقال: مه ن ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴾ [28]؟ قال: هم مشركو قريش، أتتهم نعمة : الإيمان، فبدلوا نعمة الله كفرا ، وأحلوا قومهم دار البوار(5). (1) فيض القدير1/148)، حاشية السندي على سنن ابن ماجه2/586.) (2) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، 3/1246)، ح3221.) (3) صحيح البخاري، كتاب ال تفسير، باب ﭽ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﭼ، (4/1754)،ح4449)واللفظ له،صحيح مسلم،كتاب الفضائل،باب من فضائل الخضر،(4 /1847)، ح2381.) (4) عبد الله بن الكواء، من رؤوس الخوارج، لزم عليّا، وكان يسأله تعنتًا، ثم رجع عن مذهب الخوارج وعاود صحبة علي. انظر لسان الميزان لابن حجر ( 3/329). (5) رواه ابن أبّ حات في تفسيره7/2247.)
عدد الصفحات ٤٦٠- 461 - وهذان الأثران المرويا ن عن عليّا وابن عباس فيهما الحث على مدارسة القرآن، و طلب السؤال عنه كُلّه . وقد رُوي الحث على السؤال عن سُور محددة بعينها، فروى الحاكم في المستدرك عن ابن أبّ مُ له يْ كة(1)، قال: سْعت ابن عباس رضي الله عنهما، يقول: "سلوني عن سورة النساء، فإني قرأت القرآن وأنا صغير"(2). وفيه التأصيل لاهتمام المفسّهر ببعض سور القرآن تعليمًا وتأليفًا. وممّا له تعلق بهذا الْانب من جوانب التربية: أن الس لف لما تربوا على مدارسة القرآن وتعلمه، والسؤال عم ا أشكل عليهم، رُوي عنهم التفنن في هذه المدارسة، ومن صور ذلك: مدارسة موضوعات القرآن والسؤال عنها، ف عن أبّ الهدّ اج التُّ جه يْ بي(3)قال: قلت لسعيد بن المسيب: كل ما ذكر الله في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله: ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾ [23] ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفهظّ (4). وفي هذا الأثر تأصيل لدراسة التفس الموضوعي لموضوعات القرآن. (ج) ا عرض التفسير على الغير طلبًا للتصحيح والتقويم. (1) عبد الله بن عبيد الله بن أبّ مليكة التيمي، أدرك ثلاثين من الصحابة. انظر تقريب التهذيب (ص 312) (2) المستدرك على الصحيح 2/331) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ويخرجاه، ووافقه الذهبي. (3) سليمان بن الهداج، التُّجهيْبي، روى عن سعيد بن المسيب، روى عنه حرملة بن عمران. الْرح والتعديل لابن أبّ حات (4/148.) (4) رواه الطبري في تفسيره14/594)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور9/291) أيضًا لابن المنذر، وابن أبّ حات. والرجل الفظ: هو الكريه الخُلُق، انظر مقاييس اللغة (4/351.)
عدد الصفحات ٤٦١- 461 - عن عهدهيّه بنه حهاتها، قهاله: قُلتُ ياه رهسُوله اللّ : ما الخهيطُ الأهبيهضُ، مهنه الخهيطه الأهسوهده أههمُها الخهيطهانه؟ قهاله: "إهن كه لهعهرهيضُ القهفها، إهن أهبصهرته الخهيطهينه". ثمُ قهاله : "لا، بهل هُوه سهوه ادُ الل يله، وهب هيهاضُ الن ههاره" (1). فهذا عدي بن حات يعرض على الن تفسيره للخيط الأبيض والخيط الأسود، بقوله (أههمُها الخهيطهانه؟)، فيصحح له النبي هذا المعنى الذي فهمه. (د) ا تصحيح المفاهيم. ومن أمثلة ذلك: 1 عن أبّ بكر الصديق أنه قال: ما تقولون في هاتين الآيتين، ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﴾ [31] و ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [الأنعام: 82] ؟ قالوا: لم يذنبوا. قال: لقد حْلتموها على أمر شديد،﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾ يقول: بشرك. و ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﴾ فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان (2). فصحّح أبو بكر مفهوم الظلم والاستقامة في هاتين الآيتين، فحمل اللفظ فيهما على أشد شيءا وأعظمه، وهو الشرك، والاستقامة على التوحيد. (1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭼ،ح(4241)،4/113)، واللفظ له، صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، ح( 1191)،2/766 .) (2) رواه الحاكم في المستدرك 2/478)، وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجوه. ووافقه الذهبي، وعزاه السيوطي الدر المنثور (13/114 )أيضًالابن راهويه، وعبد بن حْيد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية.
عدد الصفحات ٤٦٢- 462 - 2 عن قريش بن أنس (1)قال: سْعت عمرو بن عبيد(2)يقول: يؤتى بّ يوم القيامة، فأُقام بين يدي الله، فيقول لي: لم قلت إن القاتل في النار؟ فأقول: أنت قلته. ثم تلا هذه الآية: ﴿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ [ 93]. قلت له (وما في البيت أصغر من) : أرأيت إن قال لك فإني قد قلت : ﴿ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾ [48 ]من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر؟ قال: فما استطاع أن يرد علي شيئا (3). وهذا فيه تصحيح مسلك أهل البدع في الاقتصار على بعض القرآن دون بعض، وبناء الأحكام والأفهام على ذلك. ثالث ا: التربية العقلية. وهي التربية التي تهدف إلى الاهتمام بالقدرات العقلية للمتعلم وتعاهدها بالبناء والإصلاح، ومنها السّعى إلى تنمية ملكة الاستنباط والاجتهاد، وقد طرق مفس ري الس لف هذا الْانب التربوي من خلال أسئلتهم التفسيرية، ومن صور ذلك: (أ) ا الدلالة على موضع الاستنباط من القرآن الكريم. ومن أمثلته: 1 عن عبده اللّ بن مسعود قال: لهم ا ن هزهلهت ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [82]، ف هقهالُوا: ياه رهسُوله ا ، (1) قريش بن أنس الأنصاري ، ويقال الأموي، أبو أنس البصري. انظر تقريب التهذيب (ص 455) . (2) عمرو بن عبيد بن باب التميمي، مولاهم، أبو عثمان البصري، المعتزلي المشهور، كان داعية إلى بدعته. تقريب التهذيب (ص 424.) (3) عزاه السيوطيالدر المنثور(4/614 )للقتبي، والبيهقي في "البعث".
عدد الصفحات ٤٦٣- 463 - أهيُّنا لا يظلهمُ نفسهه؟قال: "ليس ذلك إنما هو الشّهرك، أهلمه تهسمهعوا ما قال لُقمان لابنه وهو يهعهظُهُ ﴿ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾[13] (1). فالن من رحْته في تعليم أصحابه أن سألهم بقوله: "أهلمه تهسمهعوا ما قال لُقمان لابنه" ليدلهم بذلك على الموضع الذي استنبط منه صهحة إطلاق وصف الظلم على الشّهركه في كتاب الله جل ثناؤه ؛ لكي يسلكوا مثل هذه الطريقة في التفسير، ف ينظروا في مكان ورود اللفظ في القرآن كله. 2 عن سفيان بن عيينة قال: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه، وهو في كتاب الله. قالوا: أين هي؟ قال: أما سْعتم إلى قوله: ﴿ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﴾ [152] ؟ قالوا: يا أبا محمد، هذه لأصحاب العجل خاصة؟ قال: كلا اقرأ، ما بعدها: ﴿ ﮖ ﮗ ﮘ ﴾، فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة(2). فسفيان بين عيينة رحْه الله دلّ أصحابه على موطن هذا الاستنباط من القرآن الكريم، فلما قيل هذه الآية في سياق أصحاب العجل من بن إسرائيل، أوقفهم على عموم خاتمة الآية، والتي سيقت على سبيل العظة والعبرة للمتدبرين لكلام الله جل وعز. (1)صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭼ ح(3428)، (4/163)،صحيح مسلم، كتاب الإيمان،باب صدق الإيمان وإخلاصه،ح 197)،1/114.) (2) عزاه السيوطي في الدر المنثور6/596) لأبّ الشيخ
عدد الصفحات ٤٦٤- 464 - (ب) ا استثارة العقل والفيكْر للتسليم والانقياد لمعاني القرآن الكريم. و من أمثلته : 1 عن أبّ هريرة ، قال: جاء رجل إلى رسول ، فقال: أرأيت قوله ﴿ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴾ [133] : "أرأيت الليل ما لبس كل شيء، فأين النهار"؟ قال: حيث شاء الله. قال : "فكذلك حيث شاء الله"(1). حْل السائل لفظ العهرْض في الآية على الحقيقة، والذي هو خهلاف الطُّول . وخُ ص بالذكر تنبيها على اتساع طول الْهن ة؛ فالعرض في العادة أدنى من الطول. والمعنى: وجنة عرضها كعرض السموات السبع والأرضين السبع، إذا ضم بعضها إلى بعض(2). فقال السائل متعجباً: إذا كانت الْن ة بهذه السعة العظيمة، فأين يكون مكان النار حينئذ؟ فأقره النبي على هذا الفهم، وبين له أن هذا من خبر الغيب الذي ينبغي فيه الإيمان والتصديق ، وضرب له مثلاً يتبين به للسائل جواب سؤاله بنفسه، فقال : "أرأيت الليل ما لبس كل شيء، فأين النهار"؟ فقال الرّجل: حيث شاء الله. وفيه إقراره بعظيم قدرةه الله، وأهن هُ لاه ي هلْزهمُ مهن عهدهمه مُشهاههدهتهنها الن هار إهذها جهاءه ال ليل، أهلا (1) رواه البزارُ في مسنده16/224) واللفظ له، وابن حبان في صحيحه (1/316)، والحاكم في المستدرك 1/36 ) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علة ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/51): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح". وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيح ة (6/926.) (2) روي ذلك عن ابن عب اس، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن سليمان، وبه قال الْمهور. وقهيْل: العهرْضُ في الآية: الس عة، وهذا من التفسير باللازم. انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (1/191)، تفسير الطبري6/52)، ومعاني القرآن للنحاس (1/476)، وتفسير ابن عطية(3/231)، محاسن التأويل للقاسْي2/412).
عدد الصفحات ٤٦٥