- 353 - المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن من البشائر التي تلوح في الأفق، هذه العودة المباركة للعناية بالدراسات القرآنية عودةً مقترنةً بالتأصيل العلمي لموضوعاتها العلمية والتربوية، والتي منها هذا الملتقى المبارك ملتقى التربية بالقرآن الكريم (مناهج وتجارب)، الذي ينعقد في رحاب جامعة أم القر ى، بمكة شرفها الله، والذي يسرني أن أشارك فيه بهذه الورقة، التي عنوانها: "هدي النبي في تربية الصحابة على تدبر القرآن"، في مقدمة، وتمهيد، وفصلين وخ اتمة، وفق الخطة التالية: المقدمة. التمهيد، وفيه: التعريف بمفردات البحث، وإشارة موجزة إلى فضل التدبر في نصوص الوحيين. الفصل الأول: الوسائل العلمية والعملية التي طبقها النبي للتربية على التدبر، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الوسائل العلمية، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الحث على التدبر، والترهيب من الغفلة عنه. المطلب الثاني: التنبيه على فضائل القرآن، والسور، والآيات. المطلب الثالث: حثه على مجالس مدارسة القرآن. المطلب الرابع: إزالة الإشكالات. المطلب الخامس: ثناؤه على الذين يعملون بالقرآن.
عدد الصفحات ٣٥٤- 354 - المبحث الثاني: الوسائل العملية، وفيه خَسة مطالب: المطلب الأول: الحث على التغن به. المطلب الثاني: القراءة بالترتيل. المطلب الثالث: تكرار الآية التي ينفتح لها القلب، أو التوقف عندها. المطلب الرابع: الاستماع للقرآن من الآخرين. المطلب الخامس: تدبر الآيات التي ختمت بالاستفهام. الفصل الثاني: معالم الهدي النبوي العامة في التربية على التدبر، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: تخلّقه العمليّ بالقرآن. المبحث الثاني: رؤية آثار التدبر عليه صلى الله عليه وسلم . المبحث الثالث: تربيته للصحابة على مبدأ: "الإيمان قبل القرآن". الخاتمة، ثم الفهارس. وقد حرصتُ في هذا البحث على تحرير القول في الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة والمقطوعة التي تحتاج لذلك، فالأحاديث والآثار هي عمدة هذا البحث، أسأل الله تعالى أن أكون وفقت في الإسهام في تأصيل هذا الموضوع في ضوء السنة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. الباحث
عدد الصفحات ٣٥٥- 355 - التمهيد يحسن بنا قبل الولوج إلى ثنايا البحث أن أعرّف بالتدبر، فأقول: أصل الكلمة اللغوي لكلمة تدبر، جُله يعود إلى أصلا واحد كما يقول ابن فارس وهو: "وهو آخر الشيء، وخه لْ فه ه خلاف ق ُ بُ له ه"(1)، ويقالودهب ره الأهمْره وتهدهب رهة: نهظهر في عاقهتهبهه، واس ْتهدْب هرهه: رهأهى في عاقهبتهه ما لمهْ ي هره في ص هدْرهه ، وعهره فه الأهمْره تهدهبُّراً: أي بأُخهرهةا ، قال جر ير : ولا ت هت قُونه الش ر حهتّّ يُصهيبهكُمْ ... ولا ت هعْرهفُونه الأهمْره إلا تهدهبُّ ر اً (2) وقيل الت دَبُّر: الت فكُّر، أهي: تحهْصهيل المهعْرهف هت هينْه لتهحْصهيل مهعْره فةا ثاهلهثهة(3). وق د فرّق أبو هلال العس كري بين الت دبر والتفكر، فق الالْفرق بَين التفكر والتدبر: أهن التدبر: تص رف الْقلب باهلنّظره فيه العواقب ، والتفكر: تص رف الْقلب باهلنّظره فيه الد لاهئهل "(4). ويض اف أيض اً: أن التفكّر عام في الأمور العلمية والمحسوسة الكونية، كما في أواخر آل عمران: ﴿إن في خلق السموات والأرض... الآيات﴾[191]. فتبين من ه ذا العرض الموجز أن الت دبر ي دور على معنى مؤخرة الش يء وع اقبت ه، وكلمات المفسرين لا تكاد تخرج عن هذا، وأقتصر منها على ثلاثة نماذج: 0 ا قال البغوي :: "التدبر: هو النظر في آخر الأمر، ودُبر كل شيء آخره"(5). (1) مقاييس اللغة2/324). (2) المحكم والمحيط الأعظم 9/313)، والبيت في ديوان جرير: (ص 189.) (3) تَج العروس11/265). (4) الفروق اللغوية للعسكري 75)، وينظر: "مفهوم التفسير والتأويل" للط يار (ص: 185) وما بعدها (5) تفسير البغوي 2/254).
عدد الصفحات ٣٥٦- 356 - 2 ااااااااااااا وقال ابن عطية : : "والتدبر: النظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأش ياء، هذا كله يقتضيه قوله: ﴿أهفهلا ي هتهدهب رُونه الْقُرْآنه ﴾، وهذا أمر بالنظر والاستدلال"(1). 3 ااااا وقال الخازن : : "أصل التدبر: النظر في عواقب الأمور والتفكر في أدبارها ، ثم استعمل في كل تفكر وتأمل "(2). ولم أقف في كلام المتقدمين على من عرّف التدبر على صناعة الحدود(3)، وإذا أرد أن نحاول اس تخراج تعريف للتدبر بالمعنى الاص طلا حي، فيمكن القول: التدبر: "هو تأمل الآيّت للاهتداء بما دلّت عليه علما أو عملا ". ولإيضاح هذا التعريف، ي قال: قولي: "تأََمُّلُ (4) الآيّت، وهذا يعن أن التدبر لا يتأتى في الواضح البينّ، بل لا بد أن يُسبق بشيء من النظر وإعمال الفكر والعقل؛ لاستنباط المراد. قولي: "للاهتداء بما دلّت عليه"؛ لأن هذه هي الغاية من التدبر، ولأن الله تع الى وص ف كتابه فقال: ﴿إهن ههذها الْقُرْآنه ي ههْدهي لهل تيه ههيه أهق ْوهمُ ﴾ [راء 9]، ولا يتأتى الوصول إلى جميع هذه الهدايات إلا بالتدبر. قولي: "علما أو عملا "؛ لأن التدبر إذا خلا من إحدى هاتين الثمرتين فهو تدبر ناقص، وإنما عطفتُ ب (أو)؛ لأن من الهدايات القرآنية ما يظهر فيه جانب العلم أكثر من ظهور العم ل بمعن اه الخ اص، ك الت دبر في الآيات التي تفص ّل في النعيم أو الع ذاب (1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 2/83). (2) تفسير الخازن 1/412). (3) وأما قول ابن القيم رحْه مدارج السالكين " (1/449)" :وأما التأمل في القرآن فهو تحديق ناظر القلب إلى مع اني ه، وجمع الفكر على ت دبره وتعقله، وهو المقص ود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر " فإنه لم يذكره على سبيل التعريف، بل التقريب للمعنى . (4) الت أم ل هوالتثب ت في النظر، وطول الم دة في ه ، ينظر: مق اييس اللغ ة (1/141)،الفروق اللغوي ة للعس كري (ص: 75.)
عدد الصفحات ٣٥٧- 357 - الأخروي، أو بعض الأحكام الفقهية، وكذلك وص ف بعض الأمور الكونية (1). و أعلم. أما يخص التدبر وفضلهه، فإن النصوص في ذلك متظاهرة ومتواترة ؛ بل لا أعلم بعد الأمر بالإيمان أمراً توجّه إلى جميع الناس مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم مثل الأمر بالتدبر، ف إن الله تع الى خ اط ب ب ه الكف ار في مك ة فق ال: ﴿أهف هلهمْ ي هد ب رُوا الْ قه وْله أهمْ ج هاءههُمْ م ها لمهْ يأهْته آباهءههُمُ الأْهو لهين ﴾ [68]، وقال﴿كهتهاب أهن زلْنهاهُ إهلهيْكه مُبهارهك لهيهد ب رُوا وفي قراءة: لتدبّروا(2) آياهتههه وهلهي هتهذهك ره أُولُو الأْهلْبهابه﴾ [29]، وهاتَن السورتَن مكيتان، خوطب بالتدبر المؤمنون والكفار، وفي سورتي النساء ومحمد وهما مدنيتان خوطب المن افقون ب ذل ك: ﴿أهفهلاه ي هت هدهب رُونه الْقُرْآنه وهلهوْ ك هانه مهنْ عهن ْده غهيرْه اللّ ه لهوهج هدُو ا فهي هه اخْتهلاهف ًا كهثهيرًا﴾ [82]،﴿أهفهلاه ي هتهدهب رُونه الْقُرْآنه أهمْ عهلهى ق ُلُوبا أهق ْفهالهُها ﴾ [24]. وإن أمْراً يُوجّه صراحةً إلى كل أصناف المجتمع-مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم ومناف قهم - وتتنوع في ه العب ارة ، وت ُذْكر في ه بعض ثم اره:كقول ه:﴿مُب هارهك لهي هد ب رُوا...وهلهي هت هذهك ره أُولُو الأْهلْب هابه ﴾، وك ذا: ﴿وهلهوْ ك هانه مهنْ عهن ْ ده غهيرْه اللّ ه لهوهج هدُوا فهي هه اخْتهلاهف ًا كهثه يرًا﴾، وت ذكر مع ه أس باب الحرمان منه ﴿أهمْ عهلهى ق ُلُوبا أهق ْفهالهُها ﴾= لهو أمر ذو ش أن، وخليق بأن يعتنى به، وأن للتدبر أثره العظيم في تلقي رس الات الله، والعقْله عنه س بحانه، والتحرر من القيود الاجتماعية والنفسية التي حجبت عقول أولئك عن قبول دعوة الحق، والدين الصحيح. وثمة معنىً آخر يوجب العناية بالتدبر، وهو أنه لما كانت بعثة الرسل قائمةً على إصلاح القلوب، وتعبيدها لخالقها وحده لا شريك له= أُمهره الناس بالتدبر؛ لأنه "مفتاح (1) وإن كان ينبغي أن ت ورث تلك الآيات إجلالاً وتعظيماً لله تعالى، وهذا من أعمال القلوب. (2) ينظرجامع البيان في القراءات الس بع ( 4/1532)، وقد وجّه ابن جرير هذه القراءة فقالبمعنى: لتتدبره أنت يا محمد وأتباعك "،تفسير الطبري ( 21/79.)
عدد الصفحات ٣٥٨- 358 - حياة القلب(0)،و لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لْميع منازل السائرين ، و أحوال العاملين، ومقامات العارفين ، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء ، والانابة والتوكل ، والرضا والتفويض ، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله ، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والافعال المذمومة، والتي بها فساد القلب وهلاكه، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها "(2). "والعادة المطردة التي جبل الله عليها بن آدم توجب اعتناءهم بالقرآن الم ن زل عليهم لفظاً ومعنى؛ بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد ، فإنه قد عُ له مه أنه من قرأ كتاباً في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك؛ فإنه لا بد أن يكون راغباً في فهمه وتصور معانيه، فكيف بمن قرءوا كتاب الله تعالى المن زل إليهم ؟ الذي به هداهم الله، وبه عرّ فهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغ ي؟! فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات؛ بل إذا سْع المتعلم من العالم حديثاً فإنه يرغب في فهمه؛ فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه ؟ بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه ، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصّ ل المقصود، إذْ اللفظ إنما يراد للمعنى "(3). وأما الأحاديث الواردة في فضل التدبر، فإن هذا البحث كلّه في تقرير ذلك صراحةً أو إشارةً، فأكتفي بهذه الإشارة لما سيأتي في مواضعه عن تكرار القول فيه. (1) حادي الأرواح ، لابن القيم (ص: 69.) (2) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (1/187.) (3) مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/157).
عدد الصفحات ٣٥٩- 359 - الفصل الأول: الوسائل العلمية والعملية التي طبقها النبي للتربية على التدبر، وفيه مبحثان : المبحث الأول: الوسائل العلمية، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الحث على التدبر والترهيب من الغفلة عنه: سبقت الإشارة قريباً إلى بعض ما ورد من الآيات الواردة في الحث على التدبر، و أما السنّة: فإن الحث على التدبر جاء من جهة المعنى في جملةه أحاديث، منها: أولا : روى الشيخان من حديث أبّ موسى أن الن قال«مثل ما بعثِ الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أ مسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثِ الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به »(1). ولا ريب أن التدبر لآيات الله داخل في هذا دخولاً أوليّاً ، إذْ لا يمكن لأحدا أن تكتمل آلة الفقه والفهم عنده، دون إعمال آلة التدبر، فالحديث تضمن الثناء على من فقه في كتاب الله وسنة رسوله ، وهو بالمفهوم متضمن لذم من ترك التدبر، إذْ الفهمُ والفقهُ الذي يراد منه الاستنباط والعمل، مقترن بالتدبر وإعمال النظر . (1) البخاري ح 79)، مسلم ح2282.)
عدد الصفحات ٣٦٠- 361 - ثانيا روى ابنُ ماجه من حديث زياد بن لبيد (1)، قال: ذكر النبي شيئاً، فقال: «ذاك عندَ أواني ذهابي العلم»، قلت: يا رسول ، وكيف يذهب العلم، و نحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم الق يامة؟ قال: «ثكلتك أمكيّ زيّد! إنْ كنتُ لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوَ ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟ »(2). فمنطوق الحديث هو الذم لترك الفهم والتدبر للقرآن، وذمُّ ترك العمله به، ومفهومه: الحثُّ على ذلك، وهو متفق تم اماً مع ما ورد في القرآن عن علماء أهل الكتاب واليهود خاصة كما في قوله سبحانه: ﴿وهمهن ْهُمْ أُمّهيُّونه لاه ي هعْلهمُونه الْكهتهابه إه لا أهمهانيه وهإهنْ هُمْ إهلا يهظُنُّونه ﴾ [78]، وهم كما قال مجاهد أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً ، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب، أماني يتمنونها"(3). وقال ابن جرير : يعن بقوله: ﴿لا ي هعْلهمُونه الْكهتهابه ﴾ لا يعلمون ما في الكتاب الذي أن زله الله، ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه، كهيئة البهائ م(4). (1) هو زياد بن لبيد بن ثعلبة بن س نان بن عامر الأنصاريّ البياضيّ ، شهد بدراً، وكان عاملاً على حضرموت لما مات النبي ، ينظرالإصابة في تمييز الصحابة (2/484)، التقريب 2197.) (2) س نن ابن ماجه ح4148)، وابن أبّ ش يبة ح 31199)، والبخاري في "التاريخ الكب 3/344، وأعلّه البخاري بالانقطاع بين س الم بن أبّ الْعد وبين زياد رض ي الله عنه ، وكذا قال الحافظ في "الإص ابة" 2/587، والبوص يري في "مص باح الزجاجة" ( 4/194.) ويشهد له حديث عوف بن مالك عند النس ائي في "الكبرى" ح ( 5878)، وأحْد ح 23991)، وصححه ابن حبان ح (4572.) وأما قول الطحاوي في شرح المشكل 1/281) عن حديث زياد: "هذا الحديث من أحسن الأحاديث وأصحها" فإن ع به السند وهو الظاهر ، فقد تقدّم ما فيه، وإن عنى به المعنى، فهذا باب واسع. (3) تفسير الطبري 2/157.) (4) تفسير الطبري 2/154). وينظر مقدمة الشنقيطي لأول تفسيره، ففيها كلام نفيس حول هذا المع
عدد الصفحات ٣٦١- 361 - ويمكن القولُ بأن جميع الآيات التي تأمر بالتفكر والنظر، وإعمال العقل، والأمره بالفقه، وذم قلّته، وأمثالها= كلها داخلة في هذا المعنى، وهي آيات تتجاوز المئات في كتاب الله. ثالثا : روى الشيخان من حديث أبّ سعيد الخدري أن الن قال عن الخوارج: «يتلون كتاب الله رطبا، لا يجاوز حناجرهم»(1)، وفي معنى هذا تأويلان: الأول "أي: أنه لم تفقهه قلوبهم ولا انتفعوا بما تلوا منه، ولا لهم فيه حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق، إذ بهما تقطيع الحروف. والتأويل الآخر: أنه لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا تتقبلُ "(2). وعلىكلا التأويلين، فهو ذمي بالغ لعدم الفهم، وترك التدبر، والاقتصار على التلاوة، التي لم تعصمهم من فعل الموبقات والعظائم. وسيأتي في المطلب الخامس من هذا المبحث مزيد بيان في الكلام على ثنائه على الذين يعملون بالقرآن (3) . المطلب الثاني: التنبيه على فضائل القرآن، والسور، والآيّت : جبهله الله النفوس على الاستجابة للمحفزات، والتأثر الإيجابّ بها، ولذا كان من حكمة الله تعالى أن تواترت النصوص من الكتاب والسنّة على مبدأ الترغيب والترهيب؛ لما في ذلك من الأثر الحسن في فعل الفضائل، وترك الرذائل. (1) البخاري ح 4351)، مسلم ح1164). (2) إكمال المعلم بفوائد مسلم 3/619). (3) ص15).
عدد الصفحات ٣٦٢- 362 - ومن هذا الباب ما يتصل بفضائل السور والآيات، ففيها لفت لنظر القارئ إلى سبب تفضيل هذه السورة، وتلك الآية؛ لأن التفضيل لا بد أن يكون لمعنىً شرعيّ، يقتضي من القارئ التدبر والتأمل والتفكر في سبب التفضيل، ودلالاته. فمثلاً: حين يسمع القارئ قول النبي لسعيد بن المعلّى«لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن : ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [2« ]هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته»(0)،فإن له أن يتساءل: ما سبب كونها أعظم سورة في القرآن؟ وما دلالة تسميتها بالسبع المثاني؟ وتسميتها بالقرآن العظيم؟. وهكذا يقال عندما يسمع حديثاً أو أكثر في فضل سورة البقرة وآل عمران، أو الإخلاص والمعوذتين، أو يقرأ عن فضل آية الكرسي، فظهر بذلك علاقة الفضائل، واثرها في لفت نظر القراء لتدبر كلام الله. المطلب الثالث: حثه على مجالس مدارسة القرآن: المدارسة مفاعلة من الدرْسه، " وتداره سه القرآنه : قرأه هُ وتعهّ ده ه؛ لئلا ينساه"(2)،وهي تتحقق باثنين فأكثر، والأصلُ فيها: حديث أبّ هريرة أن النبي قال«وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نازلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحْة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه »(3)" .فعطهفه التدارسه على القراءة ، فعلم أن الدراسة أخص من القراءة "(4). (1) البخاري ح 4474.) (2) تَج العروس16/71). (3) مسلم ح2699.) (4) التحرير والتنوير 3/295.)
عدد الصفحات ٣٦٣- 363 - "ون زول السكينة عليهم كناية عن التباسهم بطمأنينة الإيمان، واستقرار ذلك في قلوبهم ؛ لأن من تلا كتاب الله وتدارسه يحصل له بالتدبر في معانيه. والتفكر في أساليبه، ما يطمئ ن إليه قلبه، وتستقر له نفسه، وكأنه كان قبل التلاوة له والدراسة خاليا من ذلك، فحين تلا ن زل ذلك عليه "(1). والحديثُ دال "على استحباب الْلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حُْه له على تعلّ م القرآنه وتعليمه، فلا خلاف في استحبابه، وإنْ حُْه له على ما هو أعم من ذلك، دخل فيه الاجتماع في المسجد على دراسة القرآن مطلقاً "(2)،و قد سئل ابن عباس رضي الله عنهما : أي العمل أفضل؟ قال: "ذكر الله، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم ويتدارسونه، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحت ها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتّ يفيضوا في حديث غيره "(3). يقول النوويقراءة الْماعة مجتمعين مستحبة بالدلائل الظاهرة ، وأفعال السلف والخلف المتظاهرة "(4). وأعلى صور المدارسة القرآنية التي رويت في السنّة، تلك التي وقعت بين خير رسولا بشري، مع خير رسولا ملكي، كما في الصح يح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه (1) البحر المحيط لأبّ حيان2/582.) (2) قاله ابن رجب في "جامع العلوم والحكم 2/311). (3) رواه ابن أبّ ش يبة في المص نف ح31318) وس نده ص حيح، وقد روي مرفوعاً، والموقوف أص حّ، كما قالابن رجب في "جامع العلوم والحكم" ( 2/311). (4) التبيان في آداب حْلة القرآن (ص 111.)
عدد الصفحات ٣٦٤- 364 - جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول أجود بالخير من الريح المرسلة»(1). ومما يستدل له لهذا النوع المورث للتدبر: قوله : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّ مه»، وفي رواية«إن أفضلكم...»(2) . وما يؤسف عليه: أن بعض الناس ممن وفّقهم الله لحفظ كتابه تمضي أعمار بعضهم في المبالغة في التجويد، والمبالغة في تحقيق الحروف ومخارجها، وقد أحسن أب و شامة حين نبّه على ذمّ هذا المسلك بعقْده بابا في كتابه "المرشد الوجيز" وعنونه بقوله: "با ب في الإقبال على ما ينفع من علوم القرآن والعمل بها وترك التعمق في تلاوة ألفاظه والغلو بسببها" فقال: "لم يبق لمعظم من طلب القرآن العزيز همة إلا في قوة حفظه وسرعة سرده وتحرير النطق بألفاظه والبحث عن مخارج حروفه و الرغبة في حسن الصوت ب ه. وكلُّ ذلك وإن كان حسنا ، ولكن فوقه ما هو أهم منه وأتُ وأولى وأحرى، وهو فهم معانيه، والتفكر فيه، والعمل بمقتضاه والوقوف عند حدوده، وثمرةُ خشيةي الله تعالى من حُ سْ ني تلاوته"(3). ولا ريب أن تحقيق الثمرة والغاية من مجالس المدارسة ، لا بد أن يحاط بضو ابط وشروط في المتدارسين، حتّ لا يقع الخلل والزلل، ومن ثمّ قدُ يقع عكس المقصود منها. (1) البخاري ح 6)، مسلم ح2318.) (2) كلا الروايتين عند البخاري ح 5127،5128)، وقد وقع في بعض نس خ البخاري (أو علّمه)، وينظر في توجيه ذلك: فتح الباري لابن حجر ( 9/77.) (3) ارشد الوجيز ( ص: 193)، وينظر كلام نفيس في هذا المعنى للغزا إحياء علوم الدين (1/282- 284)، ولابن تيمية في مجموع الفتاوى ( 16/51).
عدد الصفحات ٣٦٥- 365 - المطلب الرابع : إزالة الإشكالات : من كمال التدبر أن يبنى على الفهم الصحيح للآية الكريمة، ومن المقرر بداهةً أن التدبر الأتّ والأكمل للآية فرع عن الفهم الصحيح لها؛ "لأنه محال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له، ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به ، ولا معرفة من القيل و البيان إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به ! فأما قبل ذلك، فمستحيل أمره بتدبره ، وهو بمعناه جاهل"(1)؛ لهذا كان يحرص على إزالة أي لبس يعرض للصحب الكرام في فهمهم للآيات والمتأمل في الأحاديث المنقولة عن الصحابة في هذا الباب يجدها قليلة، وهذا عائد إلى كماله علمهم، وقوةه فهمهم، وصحةه مقاصدهم، وكونهم أعلم الأمّة بلغة القرآن، فإن اجتماع هذه الأسباب الأربع يعِ الوصول إلى الحق في ف هم النص، وعلى الضد من ذلك، فغياب واحد من هذه الأربع يؤدي إلى الغلط، يقول ابن تيمية: " فإن الاختلاف تَرة ينشأ من : سوء الفهم، ونقص العلم، وتَرة من سوء القصد "(2)، وقد سلّم الله الصحابة بتزكية الله لهم من سوء القصد، فبقي نقص العلم، ونقص التصور الذي ع عنه ابن تيمية بسوء الفهم ، ومن ثمّ وردت بعض الإشكالات عندهم في فهم النص القرآني، فسألوا عنه، فأزالها (3)، ومن ذلك 0) ما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود قال لما ن زلت : ﴿ال ذهينه آمهنُوا وهلمهْ ي هلْبهسُوا إهيمهان ههُمْ بهظُلْما ﴾ [82]ل الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال"ليس (1) تفسير الطبري 1/77). (2 )مجموع الفتاوى 16/311.) (3) ينظر: إعلام الموقعين عن رب العا 4/117.)
عدد الصفحات ٣٦٦- 366 - كما تقولون: ﴿وَلمَْ ياَلْبيسُوا إييمَاناَهُمْ بيظُلْما ﴾بشرك، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَّباَُِ لاَ تُشْريكْ بايللَّ ي إين الشّيرْكَ لَظُلْمٌ عَظييم ﴾؟ [13"](0). 2) في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله :«من حوسب يوم القيامة، عذب»فقلت: أليس قد قال الله عز وجل ﴿فهسهوْفه يحُه اسهبُ حهسهاباً يهسهيرًا ﴾ [8]فقال"ليس ذاك الحساب، إنما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب"(2). ولما تأخرت العصور بعد عصر الصحابة بدأت تزداد الإش كالات، لأحد الأسباب السالفة، فصارت سؤالات التابعين للصحابة أكثر من سؤالات الصحابة للنبي ، وسؤالات أتباع التابعين للتابعين أكثر، وهكذا حتّ بلغ الأمر منتهاه في القرون المتأخرة (3)، فتعينّ على ورثة الأنبياء أن يقوموا بهذه المهمة، خصوصاً حين يقتحم هذا الميدان من ليس من أهله وما أكثرهم في عصرنا ممن يبنون أحكاماً خطيرة بناء على مقدمات خاطئة. ولقد قام الصحابة بهذه المهمّة خير قيام، فمن الأمثلة التي طبقها الصحابة مع التابعين في إزالة الإشكالات، قصة عروة مع عائشة رضي الله عنها في فهم قوله تعالى: ﴿إهن الص فه ا وهالْمهرْوهةه مهنْ شهعهائهره اللّ ه فهمهنْ حهج الْب هيْته أهوه اعْتهمهره فهلاه جُنهاحه عه لهيْهه أهنْ يهط و فه بهههمها وهمهنْ تهطهو عه خهي ْرًا فهإهن اللّ ه شهاكهر عهلهيم ﴾ [158] (4)، وكذلك ما فهمه بعض (1) البخاري ح 3361)،مسلم ح (124.) (2) البخاري ح 113)، مسلم ح2876 .) وفي الباب حديث أبّ بكر عند أحْد ح68،69)، وصححه ابن حبان ح2911)، والحاكم 3/78.) (3) ينظر: الصواعق المرسلة 2/653.) (4) البخاري ح 1643)، مسلم ح1277).
عدد الصفحات ٣٦٧- 367 - الناس منقوله تعالى:﴿وهلاه ت ُلْقُوا بأههيْدهيكُمْ إهلىه الت هْلُكهةه ﴾[ة195] في قصة فتح القسطنطينية(0)، وغيرها كثير، وهي ليست من شرط بحثنا هذا، لذا أكتفي بالإشارة إليها فحسب. المطلب الخامس: ثناؤه على الذين يعملون بالقرآن : العملُ بالقرآن هو ثمرة العلم به، وهو أحد معاني التلاوة التي أثنى الله بها على أهل القرآن، وبقية الكتب السماوية: ﴿ال ذهينه آت هي ْنهاهُمُ الْكهتهابه ي هت ْلُونههُ حهق تهلاه وهتههه ﴾ [ 121]، قال ابن عباسيحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ولا يحرفون ه عن مواضعه"(2). ومن أدلّ الأحاديث على تقرير هذا المعنى حديثُ أبّ موسى الأشعري ، عن النبي قال«مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتاْ رُ جّ ة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ ال قرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مُ ر »(3). فالقاسم المشترك بين المؤمن والمنافق في الصورة الأولى هي القراءة، لكن الفرق بينهما في العمل، وآفة ذلك عند التأمل تعود إلى فقه مراد الله تعالى بكلامه، كما وبخّهم الله بقوله: ﴿فهمهاله ههؤُلاهءه الْقهوْمه لاه يه كهادُونه ي هفْقههُونه حهدهيثًا﴾ [ :78] ، فالن "جعل طيب الطعم دائراً مع العمل، وجعل طيب الرائحة صفة للتلاوة ، والمُ جدي على المرء هو (1) أبو داود ح2512)،الترمذي ح (2972) وقالحس ن ص حيح غريب ، النس ائي في "الكبرى" ح (11961،11962)، وصححه ابن حبان ح4711)، والحاكمالمستدرك " (2/94)، وهو كما قالوا (2) تفسير الطبري 2/488.) (3) البخاري ح 5427)، مسلم ح797.) وينظر تعليق نفيس لابن القيم على هذا الحديثزاد المعاد ( 1/327).
عدد الصفحات ٣٦٨- 368 - عمله، أما التلاوة وحدها فإنها لا تجد ي، فالمنافق يتلو القرآن ولكنه في الدرك الأس فل من النار...، والعملُ بالقرآن يقتضي ف هم معانيه، وكذلك كان المخاطبون بهذا الحد يث، فإن القرآن بلغتهم ن زل ؛ ولهذا لم يقل في الحديث: "المؤمن الذى يقرأ القرآن ويفهمه وي عمل به"؛ لأن ذكر الفهم لأولئك المخاطبين حشو، تتحاشى عنه البلاعة النبوية"(0)،وفهم القرآن وتدبره هو الذي يثمر الإيمان، وأما مجرد ا لتلاوة من غير فهم ولا تدبر، فيف علها البر والفاجر، والمؤمن والمنافق"(2). وفي صحيح مسلم من حديثالنواس بن سْعان، يقول: سْعت الن يقول «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة، وآل عمران »،وضرب لهما رسول الله ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: «كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما»(3). فالن قيد قراءة القرآن بالعمل به ؛ "لأن الذين يقرءون القرآن ينقسمون إلى قسمين: قسم لا يعمل به، فلا يؤمنون بأخباره ، ولا يعملون بأحكامه ، هؤلاء يكو ن القرآن حجة عليهم، وقسمٌ آخر: يؤمنون بأخباره ، ويصدقون بها، ويعملون بأحكامه، فهؤلاء يكون القرآن حجةً لهم يحاج عنهم يوم القيامة؛ لأن النبي قال: "القرآن حجة لك أو (1) مجالس التذكير من حديث البشير النذير ، لابن باديس (ص: 214) باختصار (2) زاد المعاد 1/327). (3) مسلم ح815.)
عدد الصفحات ٣٦٩