- 321 - (القلم17-21). وكان من منهج القرآن في التربية تعميق الصبر في نفوس الصحابة وتحمل المشاق بضرب الأمثال مرغباً في الخير وثوابه ومنفراً من الشر و عقابه بصورة فريدة كان لها إيقاعها في نفوس الصحابة، فق د استطاع المنهج القرآني إحي اء إنسانية الإنسان وربطه بخالقه وبين علاقته بأخيه الإنسان وكون نظرته إلى الكون والحياة الدنيا وما بعد الحياة الدنيا من خلال العقيدة التي أرسى القرآن الكريم دعائم التربية عليها فاستقرت في القلوب فحولتها وفتحت بصائرها على الكون بما فيه ومن فيه فشعر الإنسان بإنسانيته وأحس أنه جزء من هذا الوجود ذو الرب الواحد والمعبود الواحد(1). 7- اعتماد المنهج القرآني في التربية على الحجة الدامغة والاستنتاج والملاحظة والاستقراء (2) .ولقدظل القرآن المكي ينزل على رسول الله ثلاثة عشر عاماً كاملة يحدثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر ؛ لقد كان يعالج القضية الأولى والكبرى والأساسية في هذا الدين الْديد ؛ قضية العقيدة ممثلة في قاعدتها الرئيسة ؛ الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة . ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى ش يء مما يقوم عليها من التشريعات المتعلقة بنظام الحياة إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بن الإنسان(3). (1 )عبد الفتاح عاشور:منهج القرآن في تربية المجتمع– مرجع سابق، ص 283. (2 )محمد الغزالي: كيف نتعامل مع القرآن الكر – في دراسة أجراها عمر عبيد حسنة –سلسلة قضايا الفكر الإسلامي – يصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، المنصورة: دار الوفاء ، 1412ه- 1981م، ص94 . (3 )سيد قطب: معالم في الطريق– مرجع سابق، ص 24.
عدد الصفحات ٣٢٢- 322 - ب- دعائم منهج التربية في مرحلة العهد المدني:(عشر سنوات) : ظل المنهج القرآني في التربية قائم على العقيدة حتّ بعد رسوخها في أذهان اتباعها، فلم ينقطع الحديث عن العقيدة بانتهاء الفترة المكية، بل استمر حتّ بعد ته كوُّ ن الدولة المسلمة في المدينة المنورة (1). والفرق بين منهج القرآن الكريم في التربية في العهدين المكي والمدني يتمثلفي إضافة خطاب آخر إلى خطاب العقيدة، ففي العهد المكي كان الخطاب واحداً للمخاطبين بالقرآن الكريم تمثل في العقيدة، أما في العهد المدني فقد أضيف إليه خطاب آخر تمثل في التشريعات والتوجيهات والتوعية السياسية وإعداد العدة للجهاد. وبعد أن كان الخطاب القرآني في الع هد المكي يلقن من أجل بناء الأساس، صار في العهد المدني يلقن من أجل تشييد البناء بعد أن ترسخت قواعده في العهد المكي. إلا أن استمرار تلقين الخطاب القرآني للمؤمنين بعد أن آمنوا أمر ذو دلاله مهمة لأن معناه أن هذا الخطاب درس لا ينتهي ولا ينقطع أبداً مهما كانت حالة المؤمن من الإيمان فلا بد من التذكير الدائم حتّ للمؤمنين . والتأكيد على العقيدة حتّ بعد رسوخها تعد إشارة واضحة إلى أن الشريعة بما تحمله من تكاليف وتوجيهات لا يمكن فصلها عن العقيدة كما أنها لا يمكن أن تلقى طريقها إلى التطبيق بصورة إيجابية بدون العقيدة. وبا رتباط العقيدة والشريعة نتج عنها المعرفة الإيجابية بالله سبحانه وتعالى التي افتقدتها البشرية في جاهلي تها قبل الإسلام كما تفتقدها اليوم في كثير من جوانب حياتها المختلفة. (1 )محمد قطب: منهج التربية الإسلامية– مرجع سابق، ص 31.
عدد الصفحات ٣٢٣- 323 - ولقدكانت العقيدة في بداية العهد المكي تهيئ الفرد لتحمل الأذى، أما في عهد تأسيس الدولة وتشييد البناء - في العهد المدني -؛ فإن العقيدة ربت الفرد على تحمل المخاطر المتمثلة في الْهاد. والْهاد يتطلب قيادة ولذلك جاءت التوجيهات لاحترام أولي الأمر وطاعتهم في غير معصية لله سبحانه وتعالى والعودة إليهم في كل مشكلة حتّ لا تنتشر الفوضى في التصرفات الفر دية غير المنضبطة. وفي العهد المدني عهد بناء المجتمع والدولة والحفاظ عليها بالْهاد، ت وضع أسس للجوانب الأخلاقية التي بينت علاقة المجتمع بعضه ببعض، و أسست للجوانب السياسية التي بينت علاقة الدولة والمجتمع المسلم باليهود والنصارى والمنافقين. بالإضافة إلى العديد من التوجيهات التي شملت جميع جوانب الحياة المختلفة التي كانت تنمو بسرعة في المجتمع الإسلامي الناشئ (1). (1 )المرجع السابق، ص31.
عدد الصفحات ٣٢٤- 324 - المحور الثالث نماذج تطبيقية من تربية الرسول وتعليمه لأصحابه وفق الأسس المنهجية للتربية بالقرآن ما أحوج الأمة اليوم إلى تلمس خط ى الرسول في تربيته أصحابه وصقل مواهبهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا باتباع هدي النبي يقول تعالى: ﴿ ﯡ ﯢ ﯣ﴾(الأعراف :158). فلقد أفرز منهج القرآن و تطبيقاته في الهدي النبوي في التربية جيلاً فريداً من البشر إنه جيل الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-. فلنلتمس هديه في تربية أصحابه؛ لنتعلم منه كيف تكون التربية الصحيحة وطرقها . لقد كان وضع البشرية يوم بعث النبي محمد وضعاً يبعث على الحسرة؛ فالرذيلة والأخلاق الدنيئة هي السائدة، والفضيلة والأخلاق النبيلة مستغربة و منبوذة، رأى ملوكاً ظالمة ورعية مستعبدة ورهباناً وأحباراً أصبحوا أرباباً من دون الله...، فنظر النبي وكما هي طبيعة الأنبياء من قبل بين الرأفة والرحْة فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته رآه يسجد للحجر والشجر والنهر وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضر ، رأى إنساناً معكوسا قد فسد نظام فكره فإذا النظري عنده بديهي والعكس(1). وقداستطاع الرسو ل إحداث التغيير في مجتمع هذا وضعه وإنسان هذا طبعه؛ يقول الشيخ أبو الحسن الندوي(2" :)بالإيمان الواسع العميق والتعليم النبوي (1 )أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – ط6 القاهرة مكتبة الدعوة الإسلامية بالأزهر ، 1385ه-1965م، ص78. (2)المرجع نفسه – ص 118-111.
عدد الصفحات ٣٢٥- 325 - المتقن، والتربية الحكيمة الدقيقة وبشخصيته الفذة وبفضل القرآن الكريم المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدته، بعث رسول الله فيالإنسانية المحتضرة حياة جديدة. واستطاع أن يغير أوضاعها جملة وتفصيلاً، لقد وضع مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية فانفتح على ما فيها من كنوز وعجائب وقوى ومواهب أصاب الْاهلية في قلبها وصميمها فقضى على عقيدتها الفاسدة واجتث أخلاقها الفاجرة وأقام على إثرها عقيدة التوحيد وأخلاق لا إله إلا الله الفاضلة، فأخرج بذلك أمة خير أمة أخرجت للناس . والمنهج الذي أتبعه الرسول في التربية هو منهج القرآن فإذا كان منهج القرآن الكريم في التربية يمثل الْانب النظري -إذا صح هذا التعبير- فإن منهج النبي يمثل الْانب العملي التطبيقي فقد كان رسول الله قرأناً يتحرك، وعندما سئلت عائشة-ر ضي الله عنها- عن خلق رسول الله قالت (كان خلقه القرآن). لقد كان للتغيير الذي أحدثه رسول الله في نفوس جي ل الصحابة الرعيل الأول للأمة الإسلامية أثر بالغ في تغيير ملامح مستقبل البشرية. ويصف الشيخ الندوي(1) .هذا التغيير قائلاً: "إن الانقلاب الذي أحدثه رسول الله في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تَريخ البشري ة، وقد كان هذا الانقلاب غريباً في كل شيء، غريباً في سرعته وفي عمقه وفي شموله وفي وضوحه وقربه إلى الفهم". لقد استخدم الرسول كل الطاقات الإنسانية لنشر دعوته وتحقيق المجتمع الذي أرسل من أجل بنائه وتحمل أنواع العذاب والْراحات للانتصار على الأعداء في كل مظهر من مظاهر الْهاد ضدهم (2).لأن المعجزات الخارقة لم تكن طريقاً لدعوة (1 )المرجع نفسه – 88 (2 )محسن عبد الحميد: المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري – كتاب الأمة رقم 6، مؤسسة الرسالة – الطبعة الثانية – بيروت – رجب 1415ه- نيسان 1985م، ص63-64.
عدد الصفحات ٣٢٦- 326 - الرسول بل كان طريق دعوته تحريك العقل ودفع الإنسان إلى فهم نفسه وفهم ما حوله، و إدراك ما في الوجود من القوانين وأسرار ومحاولة اكتشافها لتسخيرها لصالحه وإقامة مجتمعه العادل عليها(1). والدراسة الواعية لحياة الرسول تعطينا البرهان القاطع على أنه ما من قانون من قوانين الحياة خلقه الله لأداء حق الأمانة والاستخلاف إلا اتبعه لبناء المجتمع الإسلامي، سواء أكان ذلك في حياته الفردية أم في حياته الاجتماعية وسواء كان ذلك في سلم أم في حرب (2). وقد كان من أهم خصائص منهج الرسول في التربية هو توحيد الله في أسْائه وصفاته والإيمان باليوم الآخر وبالعقيدة عموماً. وكان منهجه فيالتربية إلى جانب ذلك موضوعياً موافقاً للفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها، وقد كان نتيجة ذلك تزكية نفوس من شملهم ووصل إليهم منهج الرسول في التربية وكانت أول خطوة خطاها الرسول هي: زعزعة عقيدة الشرك ، وكانت الخطوة الثانية هي: غرس عقيدة التوحيد؛ لتحل محل عقيدة الشرك. وكانت وسائل هذا المنهج متعددة ومتنوعة منها: لفت الأنظار إلى بطلان الشرك، وبطلان تعدد الآلهة، وكذا ضرب الأمثال ولفت الأنظار إلى بيان حقيقة عقيدة التوحيد وإثباتها ، وبعد هدم عقيدة الشرك وإقام ته على أثرها عقيدة التوحيد، كانت الخطوة الثالثة و هي هدم سلوكيات وأخلاقيات عقيدة الشرك وإقام ته على أثرها سلوكيات وأخلاقيات عقيدة التوحيد. (1 )المرجع نفسه – ص64. (2 )محسن عبد الحميد: المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري –مرجع سابق، ص 64.
عدد الصفحات ٣٢٧- 327 - وكان القرآن المكي يتنزل بمعاني تربوية عقائدية وكان الرسول يحدثهم عن الله عز وجل ويرسخ في نفوسهم جلال عظمته ويبين لهم في شخصه الكريم كيف تكون العبودية لله سبحانه وتعالى(1). كما كان يحدثهم عن اليوم الآخر وما فيه من أهوال للكافرين وتكر للمؤمنين وكان يحدثهم عن أخلاق لا إله إلا الله ، ويتابع ممارستهم لها حتّ تصبح عادة تلقائية، وسار منهجه على هذا المنوال، حتّ جاء الابتلاء لأن الْاهلية تضيق بدعوة وأخلاق لا إله إلا الله حتّ في حالة المهادنة(2). الأمر الذي اضطر الن إلى أن يلجأ إلى الدعوة السرية لدعوة الناس واستمر على هذا المنوال حتّ أذن له الله بالهجرة إلى المدينة. وقد زاد من فعالية منهج الرسول في التربية والتغيالتدرج في إحداث التغيير ؛ فلم يستعجل الخطى و لم يحاول قطف الثمر قبل أوانه. وكان خطاب التغيير الذي حْله الرسول موجهاً إلى العالم كله وعمل على إحداث تغيير نفسي عميق للنفس الإنسانية ولم يقتصر في إحداث هذا التغي على جانب واحد ولم يركز على داء بعينه بل عمل على إحداث التغيير في جميع جوانب الحياة، وعمل على إزالة كل الأمراض والعلل والأدواء ؛ التي كانت تعاني منها البشرية في ذلك الحين واستئصالها ، وبذلك أتى النبي التربية من الباب الواسع الذي ينبغي أن يؤتى، وصمم وأخرج مفتاح التغيير للعقل المعقد الذي أعي ا فتحه جميع المصلحين؛ الذين حاولوا فتحه بغير مفتاحه(3). (1 )محمد قطب:منهج التربية الإسلامية– مرجع سابق، ص 75. (2 )محمد قطب: منهج التربية الإسلامية– مرجع سابق، ص 58. (3 )أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلم– مرجع سابق، ص 81-83.
عدد الصفحات ٣٢٨- 328 - وكان سبيله في إحداث هذا التغيير قائم على العقيدة الخالصة الصحيحة ، ورفض كل شيء يفسد ويعكر من صفوها ، لأن الدخول في تفاصيل الإسلام تقتضي في البداية الاعتراف بحقيقة لا إله إلا الله ورفض ما يخالفها أو يناقضها ، والخضوع لله والاستسلام له قبل الحديث عن الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم. لذلك ركز الرسول على بيان حقيقة لا إله إلا الله، وكان ينادي في الناس (قولوا لا إله إ الله تفلحوا) (1). لأنه لا يمكن أن يكوناتباع حقيقي للإسلام وتغيير حقيقي لواقع الناس مطاب ق لما جاء به الإسلام ما لم يتم في البداية الاعتراف بحقيقة لا إله إلا الله، ورفض ما يخالفها أو يناقضها كنقطة بداية وانطلاق. وقد كانت وسلية الرسول لإحداث عملية التغيير أداة تربوية متمثلة في عدة جوانب كان في مقدمتها: 0- الحكمة والموعظة الحسنة القائمة على الترغيب والترهيب وهي مجموعة أقوال وأفعال وتقريرات الرسول التي تربّ في النفس دوافع تحبب عمل الخير وروادع تبعد عن عمل الشر اشتملت على كل أمور حياة الفرد المادية والروحية والفردية والاجتماعية والتعبدية والفكرية (2). 2- القدوة الحسنة لقد كان الرسول مربياً عظيماً ذا أسلوب تربوي يراعي حاجات الناس على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم يراعي حاجات الطفولة، وطبيعتها ويأمر بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، أي يراعي الفروق الفردية بينهم، كما يراعي مواهبهم واستعداداتهم وطبائعهم ويراعي في المر أة أنوثتها وفي الرجل رجولته وفي ا لكهل كهولته، (1 )المرجع نفسه، ص 83 . (2)عبد الرحْن النحلاوي: أصول التربية الإسلامية -مرجع سابق، ص 22.
عدد الصفحات ٣٢٩- 329 - ويتلمس دوافعهم الغريزية فيجود بالمال لم ن يحب المال حتّ يتألف قلبه، ويقرب إليه من كان في قومه ذو مكانة وهو من خلال ذلك يدعوهم إلى الله وإلى تطبيق شريعته لتزكية نفوسهم شيئاً فشيئاً، وتوحيد نوازعهم وقلوبهم وتوجيهها للعمل استغلالاً لطاقاتهم الْسمية والعقلية لتحقيق الخير والسمو وبذلك يسمو الفرد وين هض المجتمع(1). إن إيجاد منهج للتغيير متكامل قائم على خطة محكمة لنمو الإنسان، و تنظيم مواهبه وحياته النفسية والانفعالية والوجدانية والسلوكية ، والاستفادة من طاقاته على أكمل وجه، لا يغن عن وجود دافع تربوي صالح للتغيير يمثله إنسان مرب ، يحقق بسلوكه وأسلوبه التر بوي كل الأهداف التي يراد بها إقامة المنهج التربوي (2). وهذا هو الذي حدث لْيل الصحابة لقد وجد فيه هذه القدوة بما تحمله الكلمة من معنى وبالتالي كان ذلك التغيير الكامل العظيم للإنسان الذي شمله ذلك التغيير . وقد عبر الله - - عن هذه القدوة بقوله: ﴿ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾ (الأحزا ب:21.) فالرسول كان يمثل الْانب التطبيقي للقرآن الكر ، ولقد كان سلوكه وأقواله وأفعاله وتصرفاته وأخلاقه ؛ قرآناً يشاهده ويلمسه الصحابة بصورة عززت فيهم جوانب التغيير والانفلات من الماضي بكل متطلباته ومعوقاته وترسباته. والإنسان بفطرته يحتاج إلى قدوة تكون مثار إعجابه واحترامه حتّ يرتبط بها في فعلها وقولها، وخاصة عندما يكون الإنسان في موقف غريب عليه لم يألفه بل ربما (1) المرجع نفسه، ص 24. (2)المرجع نفسه، ص 228.
عدد الصفحات ٣٣٠- 331 - ألف غيره، كما حصل عندما أراد - - أن يهدم عادة وتقليداً ليس له أساس في منهج الله، وهو: التبن فعندما أراد الله ذلك كان الرسول المبلغ عنه خير من ينفذ هذا الأمر، حتّ يكون قدوة لمن وجه الخطاب إليهم فأمر الله رسوله بالتزوج بمطلقة ابنه من التبن ليبين للناس عملياً بأن زيد بن حارثه ليس له شيء من حقوق البنوة الطبيعية ، وتشريعاتها ولأن العادة والتقليد كانا ضاربين ج ذورهما في البيئة الْاهلية التي كان ينتمي إليها الصحابة قبل انتمائهم للإسلام . فإن ذ لك كان سيصعب تنفيذه من قبل الصحابة، ولذلك كان لابد أولاً من القدوة في تنفيذ مثل هذا الأمر حتّ يقتدي به الناس فكان الرسول القدوة الذي باشر بنفسه بتكليف من الله عز وجل والذي نصه(1)﴿...ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ (الأحزاب:37). وتتجلى القدوة إلى جانب ما ت ذكره في المواقف التي تحتاج إلى تضحية كالحروب والإنفاق ونحو ذلك وقد مارس الرسول بكل فعالية واقتدار أخلاقيات وسلوكيات القدوة الحسنة في شأنه كله في الحرب و السلم؛ ففي غزوة الخندق كان يحفر بيده الشريفة مع أصحابه وكان يربط الحجر على بطنه من شدة الْوع، وكان لهذه القدوة أكبر الأثر في نفوس الصحابة. وتجلت عظمة أثر هذه القدوة عندما أمر الرسول أصحابه في صلح الحديبية أن يتحللوا من العمرة فلم ينفذوا وعندما قال رسول الله لزوجه أم سلمة (هلك الناس أمرتهم فلم ينفذوا) أو كما قال قالت له: (أفعل أنت ذلك حتّ إذا فعلت فعلوا) وبالفعل عندما رأى الصحابة رسول الله (1)عبد الرحْن النحلاوي - أصول التربية الإسلامية - مرجع سابق ، ، ص229 .
عدد الصفحات ٣٣١- 331 - باشر ذلك قاموا على الفور وفعلوا مثل ما فعل الرسول .وتأثير القدوة نفوس الناس أمر طبيعي؛ لأنها نابعة من غريز ة تكمن في نفوس البشر أجمع لأنها رغبة ملحة تدفع الإنسان مهما كان عمره إلى محاكاة سلوك من هو في موضع القدوة(1). والقدوة الناجح هو الذي يتطابق قوله مع فعله وهذا ما كان رسول يتميز به، لذلك وصف بأن خلقه كان القرآن وكان قرآناً يتحرك. والقدوة الحسنة أبسط معانيها تعن الشخصية المتكاملة السوية التي يتطابق قولها مع فعلها، وفي المقابل نجد القدوة السيئة بخلاف ذلك. ولذلك حث الله عز وجل على اتباع القدوة الحسنة ممثلة في شخص الرسول وحذر من القدوة السيئة ممثلة في المنافق كل زمان ومكان. 3- البيئة الصالحة : للبيئة أهمية كبيرة وأثر بالغ في إحداث عملية التغيير، ولذلك فإن أي تغيير لا يمكن أن يحقق أهدافه كاملة بدون إيجاد البيئة التي تتقبل التغيير المطلوب إحداثه. ومن هنا لم يهمل الرسول دور البيئة في إحداث التغي؛ لأن البيئة تترك في نفس الفرد المراد تغييره أثراً كبيراً ، فهي المدرسة التي يأخذ عنها الإنسان عاداته وتقاليده.. والبيئة الفاسدة تدعو إلى الفساد والإنسان بطبعه ضعيف ﴿.. ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ (النساء: 28) . ويندر أن يقاوم الإنسان عوامل الفتنة والإغراء ، ومن الصعب تكليفه بالاعتدال والمجتمع الذي يعيش فيه منغمس في الفسق والفجور لذلك عمل الرسول من (1) المرجع السابق، ص 231 .
عدد الصفحات ٣٣٢- 332 - الوهلة الأولى لدعوة التغيير على إيجاد البيئة الصالحة والمناسبة لدعوته ولم يفرض ما فرض من حدود إلا بعد أن ت إيجاد هذه البيئة(1). وقدطبق الرسول المنهج القرآني في التربيةمن أجل إيجاد هذه البيئة على مرحلتين على النحو التالي: المرحلة الأولى: كانت البيئة التي وجد فيها الرسول في مكة، تُ عارض بشدة التغيير الذي جاء به الرسول (2)، الأمر الذي جعل الن يفكر في إيجاد البيئة الصالحة والمناسبة لدعوته وقد ت إيجاد هذه البيئة على النحو التالي: (3). أ- التخلي شيئاً فشيئاً عن البيئة الْاهلية في مكة. ب- السعي إلى تكوين بيئة خاصة بالمسلمين، وكان ت دار الأرقم أبن أبّ الأرقم نواة هذه البيئة. ج- شعب أبّ طالب: وهذه البيئة وإن كانت قد فرضت على النبي بخلاف دار الأرقم ، إلا أنها على الرغم من قساوتها قد أسهمت في تربية جيل الصحابة بصورة إيجابي ة. والبيئة التي تربّ في ظلها الصحابة في العهد المكي، سواء تلك التي ت إيجادها برغبة من النبي أو تلك التي فرضت عليهم ؛ كانت بيئة خاصة بتكوين الفرد المسلم وتهيئته لإنشاء المجتمع المسلم والدولة المسلمة. (1 )عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع– مرجع سابق، ص 266. (2 )أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلم– مرجع سابق، ص 95 . (3 )محمد قطب: منهج التربية الإسلامية– مرجع سابق، ج 2، ص14.، عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع – مرجع سابق، ص 266 وما بعدها، عماد الدين خليل: دراسة في السيرة، بيروت: دار النفائس - 1397ه ، ص88،91.
عدد الصفحات ٣٣٣- 333 - المرحلة الثانية : إذا كانت البيئة التي أوجدها النبي في العهد المكي قد اقتصرت على تكوين الفرد المسلم وتهيئته ؛ لإنشاء المجتمع المسلم والدو لة المسلمة، فإن البيئة التي أوجدها النبي ( صلى الله وسلم ) في العهد المدني، قد اتسمت بالشمول؛ حيث شملت تكوين الفرد المسلم والمجتمع والدولة المسلمة بفعل الظروف التي توافرت لها وحرمت منها البيئة الإسلامية في العهد المكي. وقد اختار الرسول المدينة لتكون الوعاء الذي احتوى البيئة التي أنشأها الرسول ليتم على أرضها استكمال عملية التربية التي بدأها في مكة المكرمة و يكن اختيار الرسول المدينة قائماً على اختيار عشوائي أو قائماً على الاختيار الاضطراري، وإنما كان قائماً على الاختيار المدروس والمبرمه ج لتوافر الظروف الملائمة لإقامة المجتمع المسلم والدولة المسلمة(1). وكان في مقدمة هذه الظروف المناسبة لْعل المدينة أكثر من غيرها دار اً لهجرة رسول الله وبيئة صالحة ومناسبة لاستكمال عملية التربية توافر الأنصار المؤيدين لدعوة الرسول والذين كانوا نتيجة جهود الرسول التربوية في العهد المكي والمتمثلة في اللقاءات التي تمت بين الرسول من جهةوبين الأوس والخزرج من جهة أخرى ؛ والتي تمخضت عن بيعة العقبة الأولى والثانية، التي قدمها الأوس والخز رج لرسول الله ، وأرسل مصعب بن عمير - - إالمدينة سفيراً للرسول ومعلماً للمسلمين من الأوس والخزرج وداعياً إلى الله ورسوله في المدينة(2). (1 )عماد الدين خليل: دراسة في السيرة– مرجع سابق، ص 131،133 . (2 )عماد الدين خليل: دراسة في السيرة – مرجع سابق، ص 131،132 .
عدد الصفحات ٣٣٤- 334 - وقبل أن يعزم الرسول على الهجرة إ المدينة عرض الأمر على المسلمين من الأوس والخزرج وأعطوا الرسول عهداً لحمايته وحْاية دعوته(1). أماالمرتكزات الأساسية للبيئة الصالحة والمناسبة لاستكمال عملية التربية التي عمل الرسول على إيجادها في العهد المدني فقد تمثلت في ا أ- المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين: ذلك أنه لما قدم الرسول المدينة مهاجراً من مكة، كان أول عمل عمله هو مؤاخاته بين الأنصار والمهاجرين، وكانت تلك اللحظة هي ميلاد الأمة الإسلامية ، وفي الوقت نفسه ميلاد الدولة الإسلامية؛ حيث امتلكت مقومات قيامها والمتمثلة في الأرض والأمة، بعد طول معاناة استغرقت ثلاثة عشر عاماً. وإذا كان منهج القرآن ومنهج الرسول في العهد المكي قد ركزا جهودهما على إيجاد العقيدة النقية الصحيحة القائمة على التوحيد، وهي الأساس الأول للتربية الإسلامية فإن المؤاخاة التي عقدها الرسول بين المهاجرين والأنصار كانت بمثابة تدريب عملي على (الأخوة الإسلامية) ال بعثتها العقيدة الإسلامية في نفو س المؤمنين بها(2) .قال تعا﴿ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﴾(الحجرات :11). وكانت كذلك تدريبا عملياً على التكافل وهو من المعاني العميقة في بناء الْماعة المسلمة؛ حيث يتولى القادرون على أساس الأخوة في الله من جانب، وعلى أساس التصرف في مال الله بما يرضي الله من جانب آخر، لأن العقيدة تربّ المسلمين على أن المال الذي في أيديهم هو مال الله في الحقيقة، هو الذي وهبه وإن شاء أخذه وهو الذي مل كه لمن ملكه له، ومن ثم يختفي الْشع، وما دام آمن بهذا الدين، فإن الدين قد جعل (1 )محمد الغزالي: فقه السيرة، مرجع سابق، ص 158،159. (2)محمد قطب: منهج التربية الإسلامية– مرجع سابق، ج 2، ص69 .
عدد الصفحات ٣٣٥- 335 - للمحتاجين إليه في المجتمع المسلم حقاً، فينفق المسلم جزءاً من ماله برضاء تَم وقناعة بل يشعر بالارتياح عندما ينفق ذلك. وهذا الإنفاق يشمل الزكاة المفروضة التي لها مقدار محدد، والصدقات المتروكة للتطوع ، وبذلك يتحقق التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم الذي سبق أن تحقق في أول بناء شيد في مدينة رسول الله (1). وبالإخاء بين المؤمنين (مهاجرين وأنصار ) الذي بناه الرسول وأشرف على تنفيذ البناء بنفسه؛ ذابت العصبيات الْاهلية فلا حْية إلا للإسلام، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بتقواه، وجعل الرسول هذه الأخوة عقداً نافذاً ارتبط بالتضحية والإيثار، وكانت عواطف الإيثار والمواس اة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة (2). وهكذا استطاع الرسول بهدي القرآن، والحكمة التي أهداه الله إياها أن يوجد هذه الأخوة الحقة التي لم تشهد تكراراً في صورة جيل، وإن تكررت بصورة فردية عبر التاريخ. ب- بناء المسجد:بعد أن فرغ الرسول من بناء العقيدة النقية في نفوس أصحابه، وإيجاد الأخوة الإسلامية، شرع في بناء المسجد الذي ت من خلاله رفع نداء عقيدة التوحيد التي طالما حوربت وإقامة الصلوات التي تربط الإنسان بخالقه ، وتنقي القلب من أدران الأرض ودسائس الحياة الدنيا، ويتردد عليه المسلمون في اليوم والليلة خمس مرات تزيد من ألفتهم وأخوتهم واعتصامهم بحبل الله (3).وهو إ جانب ذلك مدرسة للتعليم والتربية والتوجيه الروحي والمادي. (1 )محمد قطب: منهج التربية الإسلامية– مرجع سابق، ج 2، ص69 . (2)محمد الغزالي: فقه السيرة – مرجع سابق، ص 192. (3 )المرج ع نفسه، ص189- 191.
عدد الصفحات ٣٣٦- 336 - ج- بناء الأسرة المسلمة: بعد أن ت بناء الفرد جاء الدور على بناء المجتمع وكان الاهتمام بالأسرة كبيراً باعتبارها القاعدة التي يقوم عليها المجتمع، وكان منهج الرسول فريداً في بناء الأسرة وربط أفرادها بعلاقات وطيدة قائمة على المحبة والرأفة والمودة والرحْة، وأرسى لها القرآن دعائم ثابتة واضحة المعالم وحدد لكل طرف فيها ماله وما عليه من حقوق وواجبات وضمن للجميع حياة آمنة مستقرة (1). د- إرساء مبادئ حسن الجوار:لم يكتف الرسول بإيجاد العلاقة الطيبة ب المؤمنين بصفة عامة وأفراد الأسرة بصفة خاصة بل عمل على إيجاد العلاقات الطيبة بين أهل الْوار وأوصى الرسول بالْار كثيراً وحذر من إيذاء الْار(2). ه- تحصين البيئة من المخاطر: بعد أن عمل الرسول على إيجاد المرتكزات الأساسية للبيئة الصالحة، عمل على تحصينها من أي خلل قد يواجهها؛ سواء كان هذا الخلل من داخلها أم من خارجها ، فعمل على تأمينها من داخلها؛ بتأكيده على مرتكزات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعمل على تأمينها من الأخطار المحيطة بها من خارجها ؛ وفي مقدمتها الخطر اليهودي، وت ذلك من خلال عقد المعاهدة مع اليهود المحيطين بهذه البيئة والمتربصين بها(3) . و- العمل على حْاية المجتمع والدولة المسلمة:ولم يقتصر حرص الرسول على تحصين البيئة الإسلامية الناشئة من الخطر اليهودي المحيط بها، بل عمل كذلك على إعداد المجتمع المسلم الناشئ، ودولته الناشئة على تحمل مسؤولية الدفاع وال قيام بمهمة التربية الإسلامية وإيصالها إلى كل مكان. (1 )عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع– مرجع سابق، ص 312 . (2 )محي الدين النووي: رياض الصالحين،بيروت: دار الفكر، ص99-111. (3 )محمد الغزالي: فقه السيرة، مرجع سابق، ص 195،197.
عدد الصفحات ٣٣٧