- 315 - 5.التدرج في هذه العملية وهو ما يشير إليه الراغب الأصفهاني بقوله: "حالا فحالا". وفي الاصطلاح: فإن مفهوم التربية له علاقة وثيقة بالمفهوم اللغوي، ومن آراء العلماء قول الراغب الأصفهاني في معجمه(1) :"الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام"، يقال ربه ورباه ورببه، وقيل: لأن يربن رج ل من قريش أحب إلي من أن يربن رجل من هوازن، فالرب مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرب مطلقا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات ، نحو قوله تعالى: ﴿... ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾ (سبأ: 51 .) وقول البيضاوي: "الرب: مصدر بمع التربية وهي تبليغ الشئ إلى كماله شي ئاً فشيئاً"(2). وبالرجوع إلى الأصول اللغوية نجد أن لكلمة التربية معنى الزيادة والنماء، وهو مشتق من ربا يربو ربا ورباية، وهذا المعنى يعاضد ما ذكر قبلا من الإنشاء حالا فحالا والإصلاح تدريجيا. وقد اختلف العلماء والباحثون المحدثون في تعريف مفهوم التربية، ومرد هذا الاختلاف يرجع إلى خلفياتهم الثقافية واتجاهاتهم الفكرية والتربوية وتخصصاتهم، واختلاف نظرتهم نحو أغراض التربية وأهدافها؛ فمنهم من عرفها بمعن التثقيف (3). (1) الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن، ط1،، ضبطه إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418ه1997م، ص 218،، (مادة:رب): (2 )البيضاوي، عبد الله بن عمر الشيرازي، ت791ه: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مج2، ط2، مصر، مطبعة مصطفى البابّ الحلبي 1955م،1/3. (3) شلبي، أحْد: التربية الإسلامية، ط7، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1982م، ص7 .
عدد الصفحات ٣٠٦- 316 - ومنهم من قدمها بمعن التعليم(1) .أو التأديب والتهذيب(2) .أو تزكية النفس(3) . ومنهم من قدم لها تعريفاً على إنها عملية اجتماعية(4). وعرفها جون ديوي1859-1952م)،-الفيلسوف والمربّ الأمريكي- بأنها: "عملية تكوين ذات الفرد وخبراته بضبط النفس والسيطرة عليها"، كما وصفها بأنها:" عملية تجدد ونمو وإعداد وتوجبه مستمر"(5). ويمكنملاحظة سيطرة النظرة الْزئية على المفاهيم السابقة التي قُ دمت للتربية، كما يمكن من خلالها التعرف على المفهوم الشامل الذي قدم لها بأنها: "تلك العملية التي تساعد على تشكيل عقل الفرد وخلقه وجسمه" (6). ثالثا : التربية في الفكر التربوي الإسلامي و التربية بمعناها الشمولي في الفكر الإسلامي تهتم بالفرد منذ سنين عمره الأ ولى بادئة بالحفاظ على مقومات الفطرة السليمة والبراءة الأصلية التي خلقه الله عليها، وتنمية مواهبه واستعداداته الفطرية ؛ بصقلها وإضافة مهارات مكتسبة من الخبر ات المختلفة التي تزخر بها الحياة . وتوجيه ذلك كله بشكل تدريجي لصي اغة كيان الإنسان، بشكل إيجابّ في كل مناحي الحياة، جسديا وعاطفيا واجتماعيا وفكريا (1) السيد، محمود أحْد: معجزة الإسلام التربوية، الكويت: دار البحوث العلمية 1978م، ص21. و بدران، شبل التربية والنظام السياسي ، الاسكندرية: دار المعرفة الْامعية، 1993م، ص64. وجرادات، عزت: تربية الطفل الإسلام، عمان: المركز الثقافي الإسلامي، 1983م، ص7. (2) خلف الله، أحْد ربيع عبد الحميد: الفكر التربوي وتطبيقاته، مصر: مكتبة وهبة، 1984م، ص131. (3) عرعور آل، عدنان بن محمد: صفات الطائفة المنصورة، ط 2، القاهرة: مؤسسة قرطبة، 1995م، ص75. (4) جرادات، عزت، وهيفاء أبو غزالة: مدخل إلى التربية، عمان: دار الفكر، 1983، ص9. (5) ديوي، جون الديمقراطية والتربية، ترجمة: نظمي لوقا، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1978م، ص52. (6)العلواني، طه جابر: المنهجية الإسلامية والعلوم السلوكية والتربوية، 3/886.
عدد الصفحات ٣٠٧- 317 - وفنيا وأخلاقيا وروحيا وثقافيا ؛ بالاستعانة بجميع الوسائل والطرق والأساليب المشروعة؛ لتهذيب السلوك وصقل المواهب؛ بغية إيصال الفرد إلى حالة الكمال الإنساني، التي تمكنه من القيام بالتكاليف الشرعية ، وتحمل مسؤولية عمارة الأرض وحْايتها من الفساد؛ لتحقيق خلافته عن الله فيها، والغاية من ذلك كله الحصول على رضى الله تعالى (1). ومما سبق يتضح أن معنى التربية في الفكر الإسلامي هو استثمار للفطرة السل يمة التي خلق عليها الإنسان مع اتباع الأخلاق والقيم الإسلامية التي تنمي الفطرة السليمة في النفس البشرية، إضافة إلى اكتساب خبرات ومهارات خارجية تنمي شخصية الفرد وتوجه مداركه وتصقل مواهبه ، فيما يعود بالنفع عليه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه وربما يتعداه إلى غيره من المجتمعات الإنسانية. كما أن التربية في الفكر الإسلامي أسلوب لبناء الإنسان بناءً شاملاً متكاملاً بوصفه فرداً مسلماً وبوصفه جزءاً من المجتمع الإسلامي؛ ويتحقق ذلك من خلال النضج الكامل في شخصيته(2). رابعا : مفهوم التربية بالقرآن(3): عالج القرآن الكريم المسائل التربوية بكثير من الاه تمام والوضوح، وركّ ز على بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة التي تتفاعل فيها عوامل التيقن والتدبر والتقوى. وكذلك السعي للوصول بالإنسان إلى مراحل النضج والكمال ليخوض تجربته في (1) علي مدكور، مناهج التربية -أسسها وتطبيقاتها، القاهرة:دار الفكر العربّ، 1418ه1998م، ص3. (2) الكيلاني، ماجد عرسان: التربية والتجديد، مكة: دار الاستقامة، بيروت: مؤسسة الريان، 1997م، ص17. (3 )الموسوعة الإسلامية، إنعام الكاظمي: مفاهيم في التربية القرآنية، مقال منشور بتاريخ 18/6/2113م، مجلة الطاهرة/ العدد 192 لسنة2118م.
عدد الصفحات ٣٠٨- 318 - الحياة بجدارة واقتدار، باعتبار أنّ صياغة المحتوى الداخلي للإنسان هي الأساس لعملية التغيير الاجتماعي، والقاعدة التي تستند عليها كل المظاهر الخارج ية والأبنية العلوية، قال تعالى:﴿ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴾ (الرعد:11.) أما إذا كانت عملية التربية تستهدف المظاهر والقشور الخارجية ولا تنفذ إ القلب وأعماق الروح، فإنهّا إذن ستتحول إلى مجرد تصورات وكل مات وألفاظا جوفاء بلا مضمون أو محتوى. قال تعالى: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ﴾(البقرة :214-215.) وتستهدف عملية التربية في المفهوم القرآني بناء الْانب الخيرّ في الإنسان، و هدم مظاهر السلبية والانحراف والفساد في حياته، وتوجيه طاقاته نح و الخ ير والبناء والإعمار، بعد تعريف الإنسان بربه الكريم تعريفاً يقوم على أساس من الفهم والمنطق السليم، وتوضيح طبيعة هذا العالم الهائل المترامي الأطراف وكنه ه، و تفسير جوهر الحياة الدنيا والغايات الكامنة وراءها؛ من أجل أن يدرك دوره على هذه الأرض وواجباته المستحقة عليه وحقوقه المترتبة له. وينطلق منهج التربية في القرآن الكريم من حقيقة أنّ كلّ إنسان يولد على الفطرة، و أنّه يمتلك في نفسه الأرضية الصالحة التي تعينه على فعل الخيرات واجتناب المعاصي والآثام؛ قال عز من قائل: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﴾(الروم:31.)
عدد الصفحات ٣٠٩- 319 - لذلك فقد عمل الإسلام على إبقاء فطرة الإنسان نقية سليمة، وتوفير الأجواء المناسبة من أجل أن يختار سبيل الصلاح والرشاد ؛ ذلك لأنّ الإنسان على خلاف كل المخلوقات الأخرى يملك قوة واعية مدركة قادرة على التشخيص والاختيار، وهو مسؤول عن هذا الاختيار ويجازى عليه ويحاسب عليه، وهو يستطيع أن يستخدم هذه القوة لتنمية استعدادات الخير في نفسه، كما أنّ له الحرية أيضاً في الانسياق وراء الشر والا لتحاق بجموع الضلال، والسقوط في هاوية الشذوذ والإنحراف. قال تعالى: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾(الشمس: 7-11)،كما يقول أيضاً: ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾(البلد: 4-11)،ويقول تعالى في موضع آخر:﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﴾ (النازعات:41-41)،كما قال عز من قائل:﴿ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾ (القيامة: 41-15.) فقد رفع الله من قيمة الإنسان حين جعله أهلاًحتمال تبعة أعماله، و وضعه في المكان الذي يليق به كمخلوق نفخ فيه من روحه، وفضّله على العالمين. قال تعالى: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾(الإسراء :71.)
عدد الصفحات ٣١٠- 311 - لذا فإن مسألة التربيةبالمفهوم القرآني تتعلق في جزء كبير منه ا بالإنسان نفسه، فقد فاز من نجح في ترويض ذاته وإصلاحها وإبعادها عن مواطن المعصية والْريمة، في حين خسر كل من تركها عرضة لإ غواء الشيطان وإغراءاته ووساوسه يقودها كيفما أراد، وأنى رغب أو شاء. وبما أنّ الإنسان مسؤول عن نفسه، وعن تهذيبها وتخليصها مما قد يعلق بها من شوائب وأدران، فإنّه لابدّ إذن أن يحتاج إلى دليل عمل وثقافة ومعرفة تعينه على الثبات والاستقامة، ومواصلة الطريق الصعب رغم كل المزالق والعقبات، وهذا الدليل هو القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، وفيه تبيان لكل شيء وهو هدى ورحْ ة وبشرى للمسلمين. قال تعالى: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ (الإسراء : 9)،﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ (النحل: 89)،﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾ (إبراهيم: 1 .) ولم تقتصر المفاهيم القرآنية التربوية على المسائل النظرية والتوضيح والتوجي ه فحسب، وانما طلبت من الإنسان استقراء الحوادث التاريخية، والا ستفادة من تجارب الآخرين والتعلم من أخطائهم وعثراتهم . ودعا القرآن الكريم الإنسان إلى التأمل في المصائر التي آلت إليها الأقوام السابقة من الذين مضت فيهم سنة الأوّلين لاستخلاص النتائج والعبر ومن ثمّ مواصلة المسيرة على هدى وبصيرة؛ قال تعالى:
عدد الصفحات ٣١١- 311 - ﴿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴾ (محمد:11)،﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾ (الحج: 45-46.) وعلى ذلك فإن القرآن هو العامل الأساس في تربية الإنسان المسلم، فه و ليس مجرد معارف يحصل عليها الإنسان من أجل الترف الفكري، إنما جملة من الأصول والقواعد التي تمكّن الإنسان من استيعاب الحياة وكيفية العيش فيها و التعايش معها وفق منهج الله تعالى، ومن ثم تشذب سلوكه وترسم له معالم الصراط المستقيم. و قد بينّ القرآن الكريم للإنسان المس لم المثل الأعلى الذي عليه أن يتشبه به ويقترب منه، وذلك لأنّ الإشارة إلى النموذج والقدوة يمنح المفهوم مثلاً حسياً ملموساً وقوة حركية تجسّد الأفكار على صعيد الواقع والعمل، وتتمثل القدوة بالرسول الأكرم محمد الذييعد مثالا للشخصية الإنسانية المتكاملة التي تتصف بكل الخصائص النبيلة السامية كالصدق والشجاعة والثبات والروح الحانية والنفس السخية الكريمة. قال تعالى: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾(الأحزاب: 21.) وقد تكون التربية مسؤولية جماعية حيث حرص القرآن الكريم على تحفيز العناصر الخيرّة في الأُمّة، إلى مهاجمة المنكر وإزالة آثاره من صفحة الوجود، وطلب من الطليعة المؤمنة أن تقف يقظة حذرة تجاه أيّة بدعة، وكل ما يخلّ بالنظام السليم
عدد الصفحات ٣١٢- 312 - للحياة الاجتماعية والاستمرار في الوقت نفسه، بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والإحسان. قال تعالى: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ (آل ع مران:114)، ﴿ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﴾ (التوبة: 71.) وبناء على ما سبق يتضح أن التربية القرآنية جزء من التربية الإسلامية، بل هي أساسها وأصلها؛ باعتبار أن القرآن الكريم هو روح التربية الإسلامية وأساسها (1). فالتربية القرآنية هي: "التربية الشاملة القائمة في كل جانب منها على القر آن الكريم والمنبثقة من تعاليمه ومفاهيمه"(2). وهي أيضا: "المنهج القرآني الذي أودعه الله عز وجل في كتابه الكريم لصياغة الإنسان وتوجيهه ورعاية جوانب نموه المختلفة بما ينسجم مع فطرته وضمان سعادته في الدنيا والآخرة "(3). (1) رابح، تركي: دراسات التربية الإسلامية، بيروت: المؤسسة الْامعية، 1982، ص19. (2) طه جابرالعلواني، مرجع سابق (3) اعمير، أنور أحْد داود: التربية القرآنية في سورة النور، فلسطين: رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، 1425ه2114م، ص23.
عدد الصفحات ٣١٣- 313 - خامسا : أهمية التربية بالقرآن : تنبع أهمية التربية بالقرآن من كونها تربية نابعة ومستنبطة من كتاب الله عز وج ل، وأنها أحكام وتشريعات من عليم حكيم، خلق الإنسان وهو أعلم بما يحقق له السعادة والخير والصلاح، قال تعالى: ﴿ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ (الملك:14 .) ومن خلال التعمق في المنهج القرآني تتضح أهمية التربية بالقرآن وذلك على النحو التالي(1): 1.أنها تحقيقا لمقاصد القرآن الكريم وأهدافهفإن الله تعالى لم ينزل ال قرآن الكريم كتاباً للتلاوة فقط، ولكن ليكون المنهاج الحي لتربية أبناء الأمة وإعدادها لدور القيادة الراش دة. فهذه هي المهمة الرئيسة للقرآن الكريم والتي تبدو جلية واضحة في أكثر من موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾ (إبراهيم: 1 .) حيث أخ أنه أنزل الكتاب ليهتدي به الناس ولتكون به حياة قلوبهم وعزهم وشرفهم، وأمرهم فيه بالمكا رم ونهاهم عن اقتراف الآثام والحرمات. 2.أنها تمثل خلاصة منهج الرسل عليهم السلام في تغيير أحوال أقوامهملقد بعث الله الرسل لتعريف الناس بخالقهم وحثهم على طاعته وعبادته، وإرشادهم إلى طريق الحق وتزكية نفوسهم. وقد بعثهم الله تعالى بهذه الرسالة وولاهم هذه المهم ة وجعلها على أيديهم دعوة وتعليماً وبياناً وإرشاداً، قال تعالى: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ (1) انظر على سبيل اثال: محمد بن عبد الله آل عمرو، ومحمود يوسف الشيخ: أصول التربية الإسلامية، ط4، 1429ه- 2118م. وأيضاً: سعيد إسْاعيل علي: الأصول الإسلامية للتربية، القاهرة، دار الفكر العربّ،1412ه - 1992م. وأيضاًأحْد الحمد: التربية الإسلامية، الرياض: دار أشبيليا للنشر و التوزيع، 1423ه
عدد الصفحات ٣١٤- 314 - ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾(الْمعة:2.) 3.أن العمل بها ضرورة وفريضةفقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم لهداية البش ر وتطبيق أحكامه والتزام شريعته وحْل رسالته، والعمل بالشريعة يقتضي تطوير الإنسان وتهذيبه وتهيئته حتّ يصلح لهذه المهمة، وهذا التطوير والتهذيب هو التربية بعينها. فلا تحقيق لرسالة القرآن الكريم وشريعة الإسلام إلا بتربية الفرد والمجتمع على الإيمان بالله وتحكيم شرعه والإئتمار بآوامره والانتهاء عما نهى عنه، يقول تعالى: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾(النساء:65.) 4.أنها تمثل منهجا تربويّ متميزا وفريدأ : حيثتتفرد التربية القر آنية بمنهج تربوي متميز بخصائص لا توجد في أي منهج آخر على وجه الأرض، ومن تلك الخصائص؛ أنه منهج رباني المصدر والغاية، صادر من الله للإنسان، وهدفه حسن صلة العبد بربه.كما أنه منهج عالمي؛ صالح للبشرية جمعاء؛ فالإسلام رسالة عالمية وشريعته شريعة كونية. وهو يتلائم مع الفطرة الإنسانية ويواكبها ويقدر مطالب النفس البشرية وحاجاتها.
عدد الصفحات ٣١٥- 315 - المحور الثانى دعائم منهج التربية في القرآن المكي والمدني لعل أبرز ما يمتاز به منهج التربية في القرآن هو اهتمامه بمختلف النواحي المادية والروحية، فهو منهج شامل للجسم والروح وللعقل والعاطفة، يهدف إلى إعداد أجيال سليمة من الناحيتين النفسية والبدنية، مع تربية الغرائز الإنسانية كغريزة الْنس والتملك والاجتماع، وحب العلم ؛ بإعطائها حقها المشروع وحْايتها من مظاهر الشذوذ والانحراف والحرمان. قال تعالى: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﴾(القصص: 77.) ولقدوصف القرآن الكريم النعم التي أخرجها الباري لعباده بالطيبات من الرزق، يتمتعون بها في الحياة الدنيا وهي خالصة للمؤمنين في الدار الآخرة قال تعالى:﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ﴾ (الأعراف :32.) كمايرسخ القرآن في نفس المسلم ضرورة البحث والتأمل في مختلف فروع الحياة حتّ يواصل الإنسان مسيرته التصاعدية وكدحه المستمر إلى ربه وبارئه. قال تعالى: ﴿ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ﴾(الزمر : 9)، ﴿ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﴾ (الْاثية: 13.)
عدد الصفحات ٣١٦- 316 - وهكذا يفتح الإسلام الآفاق الرحبة أمام الإنسان، ويوفر له كل مستلزمات الس في طريق النور والرشاد ويدعوه إلى الترقي في مدارج العلم والكمال، فيما يملك الإنسان بدوره الوسائل ال كافية للتلقي والاستجابة، و إدر اك الأشياء والحكم عليها، ومن ثمّ فإنّه يجتاز الابتلاء وفق ما يريد ويختار. ولقد تميز القرآن الكريم بمنهج فريد في التربية أتى أكله على خير ما يرام ، وظهر ذلك جلياً في جيل الصحابة الكرام خير أمة أخرجت للناس. ومن سْات عظمة منهج القر آن الكريم في التربية أنه كان يختار الزمان والمكان والحدث والبيئة المناس بة لإحداث التغيير، بالإضافة إلى ظروف وأحوال الفرد والْماعة محل التغيير والتربية، ففي العهد المكي بظروفه وملابساته اتبع القرآن الكريم منهجاً معيناً يتناسب مع ذلك العهد، وفي العهد المدني كان للقرآن الكريم أيضاً منهجاً يتناسب مع ذلك العهد وذلك على النحو الآتي(1). أ- دعائم منهج التربية في مرحلة العهد المكي: (ثلاث عشرة سنة): قامت عملية التربية التي تبناها منهج القرآن الكريم في العهد المكي وفق دعائم محكمة ومتدرجة وذلك على النحو التالي: 1- إيقاظ الحس البشري في ذلك الحين ؛ الموجه إليه خطاب التغيير القرآني ذلك الحس الذي طال سباته وأطبقت عليه الغفلة وغرق في أوحال الْاهلية. و لقد كانت الطرقات والصيحات والهزات العنيفة التي حْلها الخطاب القرآني إلى مسامع المخاطبين في بداية عهده، تتركز جميعها حول النظر والت فكر والتدبر المتعلقة بأمور العقيدة، من توحيد الخالق وإثبات الوحي ولفت الأنظار إلى النشأة الأولى للإنسان، (1 )محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، ط3- بيروتدار الشروق ، 1411ه ، ج2، ص51.
عدد الصفحات ٣١٧- 317 - والأحياء الأخرى في الأرض من نبات وحيوان ، وإلى مشاهدة هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح، ومشاهد القيامة ؛ الطامة والصاخة والقارعة والغاشية ، ومشاهد الحساب والْزاء . صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها واتخاذها جميعاً دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسْة مع التقريع بها، والتخويف والتحذير وأحياناً تصاحبها صور من مصارع الغابرين المكذبين(1). 2- ومن دعائم منهج القرآن الكريم في العهد المكي تعريف الناس بالله و اليوم الآخر وبقصص الأنبياء والمكذبين من قبل، وبقصة آدم مع إبليس وبأخلاقيات لا إله إلا الله؛ التي يريد الله أن تحل محل أخلاق الْاهلية وكلها دروس في العقيدة (2). وإلى جانب التنديد بالشرك في العهد المكي ندد القرآن الك ريم بأخلاق الْاهلية المنتكسة ومفاهيمها الْاهلية الهابطة، ويضع في المقابل الأخلاق الإيمانية التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان السوي وهي متصلة بالعقيدة في الوقت نفسه؛ لأن العقيدة الإسلامية ليست نظرية أو لاهوتًَ يدرس؛ إنما هي واقع سلوكي معين لابد أن يرى أثره في واقع الناس، ومن ثم كانت لها أخلاقيات متصلة بها ومنبثقة عنها تشمل الحياة كلها وتضع لها منهجاً مفصلاً (3) .وهذا يتسق مع منهج القرآن الكر التربية الذي ربط كل تصرفات الإنسان وش ؤ ون حياته بالعقيدة لأنه لا يمكن أن يستقيم ذلك إلا بوجود العقيدة الحية الإيجاب ية المتمكنة من الوجدان والضمير التي تجعل سلوك الإنسان سوياً على الدوام دون انحراف أو زيغ. (1 )سيد قطب:في ظلال القرآن،الطبعة الشرعية التاسعة، بيروت: دار الشروق، 1412ه ، ج6،ص3811-3811 . (2 )محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص 51. (3 )محمدالمرجع نفسه، ص 56.
عدد الصفحات ٣١٨- 318 - 3- كذلك من دعائم المنهج القرآني في التربية في العهد المكي؛ استثارة العواطف والوجدان إلى حقيقة الألوهية وهذه الحقيقة هي البوابة الرئيسة لعقيدة الفطرة التي أودعها الله في الفطرة لتنبهها إلى خالقها وتتوجه لله بالعبادة (1). لذلك كان القرآن أول ما يباشر اتصاله بالإنسان يبدأ بفطرته فيوق ظها ويذكرها بما هو مغروس في أعماقها ليجد أنها معترفة بوجود الخالق العظيم فهي في ذلك لا تحتاج إلى دليل، والقرآن الكريم حين يوجه نداءه للفطرة لتفيق وتعتدل في الطريق فأول جانب يلفت نظرها إليه ويطلب منها فعله هو جانب العقيدة فيأخذ بيدها إلى مظهر الملك؛ يتعمق بها في أسرار الملكوت، ويسألها مع كل لمسة وهمسة و مع كل لفتة وإشارة من مربّ هذا؟ فلا تملك إلا أن تقول الله (2). لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة (ا نسان) بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات، كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها(3). هذا بصفة عامة، وبصفة خاصة كان القرآن الكريم يخوض بالعقيدة معرك ة حية واقعية.ومن ثم لم يكن شكل(النظرية)هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الخاص،إنما شكل المواجهة الحية للحواجز والمعوقات النفسية وغيرها وكان القرآن الكريم يواجه واقعاً بشرياً بكل ملابساته الحية ويخاطب البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع(4). (1 )محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، مرجع سابق، ص 29. (2 )عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع– الطبعة الأولى، القاهرة: مكتبة الخانجي بمصر 1399ه– 1979م، ص91. (3 )سيد قطب: معالم في الطريق–مرجع سابق، ص 42. (4 )المرجع نفسه، ص42،43.
عدد الصفحات ٣١٩- 319 - إنالقر آن الكريم وهو يبن العقيدة في ضمائر الْماعة المسلمة، كان يخوض بهذه الْماعة معركة ضخمة مع الْاهلية من حولها ، ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة في تجمع عضوي حيوي، وتكوين تنظيمي مباشر للحياة ممثل في الْماعة المسلمة نفسها، وكان نمو الْماعة المسلمة في تصورها ا لاعتقادي وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور(1 .)هدم العقائد الفاسدة في القلوب وفي مقدمتها الشرك، وأقام على أثرها بنيان العقيدة الصحيحة الصافية النقية، بأسلوب مقنع سلس يفهمه العامة والخاصة ويفهمه الناس على مختلف مستوياتهم(2) .قائماً على الإقناع العقلي مرتبطاً بإثارة الوجدان والعواطف والانفعالات الإنسانية، إنه طرق العقل والقلب معاً حيث بدأ -أي القرآن الكريم- من المحسوس المشهود المسلم به كالمطر، والرياح، والنبات، والرعد، والبرق، والشمس، والقمر ، ثم ينتقل إلى إثبات وجود الله وعظم قدرته وصفات الكمال، مع استخدام أسلوب الاستفهام أحياناً إما للتقريع وإما للتنبيه، وإما للتعجب، والتذكير بالْميل ونحو ذلك مما يثير في النفس الانفعالات الربانية: كالخضوع والشكر ومحبة الله ثم تأتي العبادات والسلوك الرفيع تطبيقاً عملياً للأخلاق الربانية(3). 4- التدرج عملية التربية حيث نزل القر آن منجماً حسب ما تقتضيه الأحداث، الأمر الذي كان يترك أثراً كبيراً في تربية نفس الرسول وأصحابه، تمثل في تثبيت (1 )سيد قطب: معالم في الطريق– مرجع سابق، ص 42.. (2 )عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع– مرجع سابق، ص 42. (3 )عبد الرحْن النحلاوي: أصول التربية الإسلامية – الطبعة الأولى – دمشق: دار الفكر ، 1399ه-ص ص22.
عدد الصفحات ٣٢٠- 321 - الفؤاد وترسيخ الإيمان (1).، قال تعا :﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾(الفرقان: 32.) 5- اعتمد القرآن الكريم في التربية على العبرة والموعظة الحسنة، ولهذا اشتمل القرآن الكريم على الكثير من قصص الأنبياء والرسل مع أقوامهم ، والعقوبات التي حلت بالأقوام التي كذبت الرسل . ولقد ركز القرآن الكريم على الموعظة الحسنة كمنهج من مناهج التربية التي اتبعها؛ لما لها من إيقاع في القلب وتأثير على السلوك، لذلك أمر الله سبحانه الرسول بأن ينتهج سبيل الوعظ الحسن المرغب، غير المنفر فقال تعالى: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴾(النحل: 125)،ذلك لأن الموعظة الحسنة تزكية للنفس وتطهير لها وبتحققها يسمو المجتمع ويبتعد عن المنكرات وعن الفواحش (2). 6- كما اهتم القرآن الكريم بضرب الأمثال على مستوى الأفراد ؛ مثل قارون الذي كفر بالنعمة فحل عليه غضب الله وعذابه وقد أشار الله إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴾(القصص 81.) وأصحاب الْنة الذين حرموا من النعمة نتيجة الشح وعدم الإنفاق في سبيل الله قال تعالى: ﴿ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾ (1 )سيد قطب: معالم في الطريق – مرجع سابق، ص 19 . (2 )عبد الرحْن النحلاوي: أصول التربية الإسلامية – مرجع سابق، ص 26.
عدد الصفحات ٣٢١