المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بحوث ملتقى التربية بالقرآن مناهج وتجارب 2

باحثون

صفحة ١٥ من ٣١

- 225 - ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﴾19]. ألاه يتعل م المؤمن أنْ يكون كريمًا لا شحيحًا؛ كريمًا بنفسه يبذلها لله نُصر ةً وجهادًا وحضورًا في كل ميدان يحبّه الله، كريمًا بماله يبذله في مراضي اللهه مهن جهادا وبذلا للمعروف، ورعاية لفقير أو مسكين، كريمًا بمشاعره وأحاسيسه، يألم لما يألم له إخوانه، ويأسى لما يأسون، ويفرح لما يفرحون، كريمًا في كل موطن ليظفر بكرم الله، لا شحيحًا فيعاقهب بخذلان الله. وفي المشهد الثامن وصف لحالهم بعد أن زالت هذه الغمة وانكشفت تلك الملمة:﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﴾ [21] . هُم قوم ذهههبه الهلعُ بههم كل مذهب، حتّ بعد أنْ ا نقمعه الأحزاب عن المدينة، وقفلوا راجعين خائبين،لم يصدّهقوا بعدُ أنهم ذهبوا، فهم ما يزالون يرتعشون ويتخاذلون، فإنْ قاوموا هذا الخوف، فهم يودُّون مهن كلّه أفئدتهم ألاّ يكونوا في المدينة إن جاء الأحزاب مرة أخرى، بل يكونون في البوادي والصحاري، يتلقطون الأخبار عن محم دا  وصحبه، لعلهم يشتفون بخير تبرد به أفئدتهم الحرّى على المؤمنين، على أنهم لو كانوا فيكم وجاء الأحزاب مرة أخرى لن يقاتلوا إلاّ قليلاً، وربما كان ذلك القليل ليخادعوا المسلمين أنهم منهم، أو ربما كان ذلك القليل في الدفاع عن ذواتهم إذا مسّهم الأذى المباشر.

عدد الصفحات ٢٢٦

- 226 - على كلّا، هذه صورة ترسم الْبن والخوف في أجلى تجليّاته، وتكشف عن نفوس المنافقين في المجتمع المسلم. وإذا كانت هذه النفوس بهذه الدرجة المليئة بالخوف والْبن ، فحريّ بأهل الإيمان ألاّ ي هعُدُّوهم نصيرًا، ولا يعتبروهم ظهيرًا؛ فتبًّا لهم وتعسًا فليس وا مم ن يُ بالىه، بل هم إلى الضُّر أقرب، وبالخذلان أحقّ وأولى، إنمّا ينتصر الحقّ بالمؤمنين الصّادقين، وسيأتيك خبرهم بعد حين. أما المقطع الثالث : فعن رأس هذه الأُم ة ومُقد مها (رسول الله ) قائدها إلى كل خير، ودليها على كل فضيلة، وأوّلها إلى كل معروف وإحسان؛ أشجعها قلبًا، وأثبتها موقفًا، وأعظمها يقينًا: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾21] . ربما كان سبب الاختصار في هذا المقطع، أن ه كان صفحة مكشوفة ي ُرهى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها؛ فهم لا يحتاجون أنْ يحدثوا بتفاصيل عن نفسه؛ فنفسه كفعله، وفع له كنفسه، وإنما يحتاجون إلى حثّا وتأكيد؛ لاتخاذ ه أُسوة يتأس ون بها، وقدوه يتبعونها. هو  أسوة لأصحابه في المساواة؛ ها هو يشاركهم العمل ؛ يحفر كما يح فرون، وينقل التراب كما ينقلون، يضرب بالفأس، ويجرف بالمسحاة، ويحمل في المكتل، حتّ يغطي التراب بطنه الشريف من كثرته (1)، ويردّهد معهم الأهازيج (1) صحيح البخاري 3134،4114،4116) من حديث البراء.

عدد الصفحات ٢٢٧

- 227 - "الل هُم إين العَيْشَ عَيْشُ الآخيرَهْ * فَاغْفيرْ ليلأَْنْصَاري وَالمُهَاجيرَ هْ "(1) الل هُم لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَياْنَ ااااااا * وَلاَ تَصَد قاْنَ ااااااا وَلاَ صَل ياْنَ ااا فَ اااأَنْ اااااازيلَ ااااااااانْ سَكيينَ ة عَلَياْنَ اااااااااااا * وَثاَبّيتي الأَقْدَامَ إينْ لاَقاَياْنَا إين الأَعْ اادَاءَ قَ ادْ باَغَ ااوْا عَلَياْنَ اااا * إيذَا أَرَادُوا فيتاْنَة أَباَياْنَ ااااااااا(2) كم هي السعادة، وكم هو اليقين الذي يعمر قلوباً ترى قائدها ينخرط في عملا يأمرها به؛ لا يحُسهن صنا عة التمثيل، ولا يستنكف عن المشاركة في العمل. هو أسوة صلوات الله وسلامه عليه في الثقة بالله، واليقين بموعوده؛ يضرب الصخر فيريه الله العلامة المفرحة لأُم تهه؛ فيكبرّه بأعلى صوته تكبير الفتح، ويقو ل لهم: أبشروا. ولقد امتلأت سيرته صلوات الله وسلامه عليه بهذه الثقة في الله في أشدّه الحالات حلكة واسودادًا، وهكذا شأن المؤمن، لا تزيده الشدائد إلاّ ثقة بربه، فهو يعرف أنّ تلك الشدائد تغسل منه أوضارًا، تحول بينه وبين أن يكون نفسًا نقيّة تستحق النصر. هو أسوة صلوات الله وسلامه عليه حينما يغرس في أُم تيه مبدأ الاستشارة؛ فلا يقطع أمرًا دونهم؛ بل ينزل على رغبتهم وما يشيرون به، لا يتعذّر عن ذلك بدعوى أنّه نبي، ولا يستنكف عن ذلك برؤية أنه أكثر خبرة، وأحدّ حُنْكهة، وأبصر بمواقع الأمور. ومهن ذلك ما كان منه  مهن شأن حفر الخندق(3) وكان الذي أشار بذلك (1) صحيح البخاري 2834)، ومسلم128 - (1815) من حديث أنس. (2) صحيح البخاري 2837،3134،4114،4116،6621)ومسلم125 (1813)من حديث البراء (3 )ولأهمية حفر الخندق سُّْهيت غزوة الأحزاب به، وبوّب البخاريُّ في كتاب المغازي: " باب غزوة الخندق وهي الأحزاب"، ثم أخرج ( 4116) حديث الب هرهاءه بْنه عهازهبا، قهاله "لَم ا كَانَ ياَوْمُ الأَحْزَابي، وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّ ي  رَأَياْتُهُ ياَناْقُلُ مينْ تاُرَابي الخَنْدَقي ...".

عدد الصفحات ٢٢٨

- 228 - سلمانالفارسيّ  فيما ذكرأصحاب المغازي (1)،و عدوله  عن الصُّلح مع غهطهفان بعد استشارة سهيّهدهي الأنصار.(2) وهو أسوة صلوات الله وسلامه عليه في قوة الاتصال بربّيه؛فقد كانت ليالي الخندق معمورة بالصلاة والدعاء كما دل عليه خبر حذيفة (3)،كثير الشكر لربّيه على ما يصرفه عنه من كيد أعدائه؛ فكَانَ  إيذَا قاَفَلَ مينْ غَزْوا أَوْ حَجّا أَوْ عُمْرَةا، يُكَبرّيُ عَلَى كُلّي شَرَفا مينَ الأَرْضي ثَلاَثَ تَكْبييرَاتا، ثمُ ياَقُولُ : "لاَ إيلَهَ إيلا اللَّ ُ وَحْدَهُ لاَ شَرييكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلّي شَيْ ءا قَدييرٌ، آييبُونَ ََئيبُونَ عَابيدُونَ سَاجيدُونَ ليرَبّينَا حَاميدُونَ، صَدَقَ اللَّ ُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَ حْزَابَ وَحْدَهُ".(4) والأحزاب هنا في المشهور هي الطوائف التي تحز بت عليه (5). (1 )انظر سيرة ابن هشام (2/224)،الرو ض الأنف (6/316)،السيرة النبوية لابن حبان ط. مؤسسة الكتب الثقافية 1417ه(1/255)، فتح الباري ( 7/392 – 393) . (2) روى ابنإسحاق في المغازي (سيرة ابن هشام 2/223) ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة3/431) أنّ الن  لمّا اشتدّ البلاء، استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في الصلح مع غطفان، فممّا قال لهماوالله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم ". ورواه الطبراني في المعجم الكبير ت : حْدي عبد المجيد السلفي (6/28-29) من طريق محمد بن عمرو، عن أبّ سلمة، عن أ هريرة رضي الله عنه، بنحوه، قال الهيثمي في المجمع ( 6/133" :)فيه: محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات". (3) وفيهلقد رأيتنا مع رسول الله  بالخندق، وصَل ى رسولُ من الليل هَوييّا أخرجه أحْد ( 23334 ) والطبري في تفسيره 19/26). و الهَ وي يّ ): بالفتح: الحين الطويل من الزمان. وقيل: هو مختص بالليل . ا لنهاية (5/285). (4) صحيح البخاري 1797) من حديث عهبْده اللّ ه بْنه عُمهره رهضهيه اللّ ُ عهن ْهُمها. (5) انظر: البداية والنهاية6/67 - 68)، فتح الباري 11/191).

عدد الصفحات ٢٢٩

- 229 - وهو أسوة لأصحابه في الرحْة والشفقة، فحين رأى جابر  مخايل الْوع على وجهه  عاد إلى امرأته لتصنع طعامًا للرسول، فما وجدهت غير طعام قليل يكفي للنبي  ونفر قليل، فأتَه جابر يخبره بما صنعت زوجته له من الطعام، فيصيح  في الناس: تعالوا إلى طعام جابر. نعم إنه طعام صنع له وحده، فإن يكن معه أحد فليكن نفرًا قليلاً؛ لكن ما كانت تلك النفس الرحيمة تستطيع أن تضع لقمة في فيه ا وأصحابه يعانون من الْوع ما يعانون.. أنى للنفوس الشريفة أن تستسلم للاستئثار فتعود من نفس أمة إلى نفس رجل واحد. وقد أكرم الله صاحب الكرم بالبركة في ذلك الطعام القليل، فأكلوا وشبعوا، وتركوا لأهل البيت ما يزيد عن حاجتهم، بل يقسمونه على الناس.(1) والمواساة أصل في ديننا، خُط ة شرعها لنا الن بفعله (1) أخرج البخاري 4112) ومسلم141 - (2139) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: لهم ا حُفهره الخْهنْدهقُ رهأهيْتُ بهرهسُوله اللهه  خمههصًا، فهانْكهفهأْتُ إهلىه امْرهأهتيه، ف هقُلْتُ لههها: ههلْ عهنْدهكه شهيْء ؟ فهإهنيّه رهأهيْتُ بهرهسُوله اللهه  خمههصًا شهدهيدًا، فهأهخْرهجهتْ ليه جهرهاباً فهيهه صهاع مهنْ شهعهيرا، وهلهنها ب ُههيْمهة دهاجهن ، قهاله: فهذهبحهْت ُهها وهطهحهنهتْ، ف ه فه رهغهتْ إهلىه ف هرهاغهي، ف هقهط عْت ُهها فيه ب ُرْمهتههها، ثمُ وهل يْتُ إهلىه رهسُوله اللهه ، ف هقهالهتْ: لاه ت هفْضهحْنه بهرهسُوله اللهه  وهمهنْ مهعههُ، قهاله: فهجهئ ْتُهُ فهسهارهرْتُهُ، ف هقُلْتُ: ياه رهسُوله اللهه، إهنا قهدْ ذهبحهْنها ب ُههيْمهةً لهنها، وهطهحهنهتْ صه اعًا مهنْ شهعهيرا كهانه عهنْدهناه، ف هت هعهاله أهنْته فيه ن ه فهرا مهعهكه، فهصهاحه رهسُولُ اللهه  وهقهاله«يَّ أَهْلَ الخَْنْدَقي، إين جَابير ا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُور ا فَحَي هَلا بيكُمْ »، وهقهاله رهسُولُ اللهه « :لاَ تاُنْزيلُن باُرْمَتَكُمْ، وَلاَ تخَْبيزُن عَجييناَتَكُمْ حَتى أَجييءَ »، فهجهئْتُ وهجهاءه رهسُولُ اللهه  ي هقْدهمُ الن اسه حهتّ جهئْتُ امْرهأهتيه، ف هقهالهتْ: بهكه وهبهكه، ف هقُلْتُ : قهدْ ف هعهلْتُ ال ذهي ق ُلْته ليه، فهأهخْرهجْتُ لههُ عهجهين هت هنها ف هبهصهقه فهيهها وهباهرهكه، ثمُ عهمه ده إهلىه ب ُرْمهتهنها ف هبهصهقه فهيهها وهباهرهكه، ثمُ قهاله: «ادْعيي خَابيزَة فاَلْتَخْبيزْ مَعَكي، وَاقْدَحيي مينْ باُرْمَتيكُمْ وَلاَ تاُنْزيلُوهَا »وههُمْ أهلْف ، فهأُقْسهمُ باهللهه لأهه كهلُوا حهتّ ت هرهكُوهُ وهانحْهرهفُوا، وهإهن ب ُرْمهت هنها لهتهغهطُّ كهمها ههيه، وهإهن عهجهين هنها لهيُخْب هزُكهمها هُوه". و(السُّور) بضم السين وإسكان الواو غير مهموز، لفظة فارسية، معناها: الوليمة والطعام الذي يُدعهى إليه. انظر: جامع الأصول ت : عبد القادر الأرناؤوط (11/355)، النهايةت : الزاوي، الطناحي (2/421)، شرح مسلم للن ووي ط. دار إحياء التراث العربّ – بيروت 1347ه (13 /216.)

عدد الصفحات ٢٣٠

- 231 - وقوله، بل قد تفرض المواساة إجراءات تدبيرية تسلب الفرد بعض الحرية في حقوقه لما تبتغيه من تحقيق معنى الأخوة في الواقع؛ كما في نهيه  عن ادّخارلحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الفقراء الذين نزلوا بالمدينة(1). وهو أسوة صلوات الله وسلامه عليه في تدبير أمر الحرب؛ يحسن سياستها، ويعدّ لها عدّتها، فاختار موقع المعركة، ووضع التدابير الوقائية من كيد العدو، ونظم جنده في موقع حريز؛ فظهورهم محميّة بالْبل، ووجوههم محميّة بالخندق، و هم لا يهدؤون ليلاً ولا نهارًا؛ يحرسون الموقع ويكافحون الأحزاب حتّ لا يصيبوا غرّة بل إنه يبعث من يكشف له عن حال عدوه طلبًا لتوافق التدبير مع الكيد من العدو والتخطيط.(2) على أنه ومع صلابته وقوته وإعداده للأمر عدّته، لا يمتنع من أن يبحث عن منفذ ينفس به عن أصحابه، ويدرأ به عنهم خطر الحرب؛ فالحرب في تعليماته  ليست هدفًا في ذاتها، بل هي مكروهة جدّ مكروهة، إلا في حالة الاضطرار، وخاصّة إذا كان في العدو قوة ظاهرة، وأعظم ما يكون في رد قوة العدو إيجاد الفرقة في صفّه، وغرز الشكّ بين فئاته؛ إنْ بالر غبة وإن بالرهبة؛ وكلاهما استعمل ه  في هذه الغزوة؛ أمّا الرغبة فتلك التي سلكها مع غطفان حين راوضهم على أن يأخذوا ثلث (1) روى مسلم28 - (1971 )من حديثه عهبْده اللهه بْنه وهاقهدا، قهاله: «ناَهَى رَسُولُ اللهي  عَنْ أَكْلي لحُُومي الض حَايَّ باَعْدَ ثَلاَثا »، قهاله عهبْدُ اللهه بْنُ أهبّه بهكْرا: فهذهكهرْتُ ذهلهكه لهعه مْرهةه، ف هقهالهتْ: صهدهقه، سْههعْتُ عه ائهشهةه، ت هقُولُ: دهف أههْلُ أهب ْيهاتا مهنْ أههْله الْبهادهيهةه حهضْرهةه الأْهضْحهى زهمهنه رهسُوله اللهه ، ف هقهاله رهسُولُ اللهه « :اد خيرُوا ثَلاَثا ، ثمُ تَصَد قُوا بميَا بَقييَ »، ف هلهم ا كهانه ب هعْده ذهلهكه ، قهالُوا: ياه رهسُوله اللهه، إهن الن اسه ي هت خهذُونه الأْهسْقهيهةه مهنْ ضهحهاياههُمْ، وهيجهْمُلُونه مهن ْهها الْوهدهكه، ف ه قهاله رهسُولُ اللهه « :وَمَا ذَاكَ؟»قهالُوا: ن هههيْته أهنْ ت ُؤْكهله لحُُومُ الض حهاياه ب هعْده ثهلاهثا، ف هقهاله «إينم َا ناَهَياْتُ كُمْ مينْ أَجْلي الد اف ةي ال تيي دَف تْ، فَكُلُوا وَاد خيرُوا وَتَصَد قُوا ». وروى البخاري 5569 ) (2) مين ذلك ما كان منه  مين بعث العيون والطلائع لكشف خبر العدو؛ كما في بعْث الزُّبير عند البخاري (3721)، وبعْث حذيفة عند مسلم 99 - (1788).

عدد الصفحات ٢٣١

- 231 - - وفي بعض الروايات: النصف- ثمار المدينة تلك السنة، على أنْ يعودوا إلى ديارهم، ويتركوا قريشها وما أرادوا. ولقد سال لعاب غطفان لهذا الإغراء، وأبدوا الموافقة عليه، بل إنّ بعض الروايات جاء فيها أنه قد كتب الكتاب، ولكنه كتاب مراوضة لم يُشهد عليه، ولم يُعزم عليه العزيمة التامة؛ انتظارًا منه  لرأي أصحابه، وقد كادت تتم الخُط ة لولا إباء الس عدين -سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- لها، فإنهما لم يستمرئا أن يكون للأعراب الذين كانوا لا يفرحون بشيء من ثمار المدينة إلا بهشهرًى أو قهرًى أنْ يحصلوا على ما يبتغون بغير ذلك؛ على أن هذه الخُط ة -لو تمت- تحمل في طيّ اتها قهدْرًا من الاستسلام والذُّلّ لمن أعزّهم الله بالإسلام ورفع عنهم ذل الْاهلية، فكيف يحصل لغطفان في وقت عزة الأنصار ما لم يحصل لهم في وقت شركهم، وإنما الإسلام يزيد أهله ولا ينقصهم (1). (1 )أخرج الطبراني في المعجم الكبير ( 6/28) من طريقمحُهم ده بْنه عهمْراو، عهنْ أهبّه سهلهمهةه، عهنْ أهبّه هُرهي ْرهةه قهاله: جهاءه الحْه ارهثُ الْغهطهفهانيهُّ إهلىه الن بيهّه  ف هقهاله: ياه محُهم دُ، شهاطهرْناه تمهْره الْمهدهينهةه، قهاله "حَتى أَسْتَأْميرَ ا لسُّعُودَ "، ف هب هعهثه إهلىه سهعْده بْنه مُعهاذا، وهسهعْده بْنه عُبهادهةه، وهسهعْده بْنه الر بهيعه، وهسهعْده بْنه خهي ْثهمهةه، وهسهعْده بْنه مهسْعُودا، رهحْهههُمُ اللهُ، ف هقهاله : "إينيّي قَدْ عَليمْتُ أَن الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قاَوْسا وَاحيدَةا، وَ إين الحَْاريثَ يَسْأَلُكُمْ أَنْ تُشَاطيرُوهُ تمَْرَ الْمَديينَةي، فَإينْ أَرَدْتُُْ أَنْ تَدْفاَ عُوا إيلَيْهي عَامَكُمْ هَذَا، حَتى تاَنْظُرُوا فيي أَمْريكُمْ باَعْدُ "، قهالُوا: ياه رهسُوله اللهه، أهوهحْي مهنه الس مهاءه، فهالت سْلهيمُ لأههمْره اللهه، أه وْ عهنْ رهأْيهكه، أهوْ ههوهاكه، ف هرهأْي ُنها ت هبهع لهههوهاكه ورهأْيهكه، فهإهنْ كُنْته إهنم ها تُرهيدُ الإْهب ْقهاءه عهلهي ْنها، ف هوهاللهه لهقهدْ رهأهي ْت ُنها وهإهيا هُمْ عه لهى سهوهاءا مها ي هنهالُونه مهن ا تمهْرهةً إهلا بهشهرًى، أهوْ قهرًى، ف هقهاله رهسُ ولُ اللهه « :هُوَ ذَا تَسْمَعُونَ مَا ياَقُولُونَ ». قال الهيثميمجمع الزوائد (6/133) "فيه محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات ". وأخرجه ابن أبّ شيبة في مصنفه (37971) من طريق أبّ معشر، قال: "جاء الحارث بن عوف، وعيينة بن حصن، فقالا لرسول الله  عامالخندق: نكف عنك غطفان، على أن تعطينا ثمار المدينة، قال: فراوضوه حتّ استقام الأمر على نصف ثمار المدينة ....". وفي سيرة ابن هشام (2 /223) أن الن أعطىعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، الحارث بن عوف بن أبّ حارثة المري، وهما قائدا غطفان، ثلث ثمار المدينة على أنْ يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتّ كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك ....". إلخ. وانظر: الروض الأنف (6/271.)

عدد الصفحات ٢٣٢

- 232 - وأما الرهبة، فكانت في تلك الخطة العجيبة التي دبّرها نعيم بن مسعود بإشارة منه  بتفريق صف الأحزاب وقريضة الناكثة في قصة يكبر فيها المرء دهاء نعيم، ولقد أفلحت تلك الخُط ة، فزرعت الشكّ بين الفريقين، وفت ت الصف ين بإذن الله (1). وهو أسوة صلوات الله وسلامه عليه في معاملة الكاشحين بالعداوة، الناقض للعهد من اليهود الآتي ذيكرهم؛ فهو صلوات الله وسلامه عليه رحيم جدّ رحيم، لكن (1) قال ابن إسحاق حدثن رجل عن عبد الله بن كعب بن مالك ، قال: جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى ر سول الله  فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، ولم يعلم بّ أحد من قومي، فمرني أمرك ، فقال له رسول الله  :"إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّي ل عنّ ا ما استطعت؛ فإنما الحرب خدعة"، فانطلق نعيم بن مسعود حتّ أتى بن قريظة ، فقال لهم: يا معشر قريظة ! - وكان لهم ند يمً ا في الْاهلية- إنيّه لكم نديم وصديق، قد عرفتم ذلك ، فقالوا: صدقت، فقال: تعلمون والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة، إن البلد لبلدكم وبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وإن قريشً ا وغطفان بلادهم غيرها، وإنما جاءوا حتّ نزلوا معكم، فإن رأوا فرصة انته زوها، وإن رأوا غير ذلك رجعوا إلى بلادهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم، وخلوا بينكم وبين الرجل، فلا طاقة لكم به، وإن هم فعلوا ذلك فلا تقاتلوهم، حتّ تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، تستوثقون به منهم أن لا يبرحوا حتّ يناجزوا محمّ دً ا، فقالوا له: لقد أشرت برأي ون صح. ثم ذهب إلى قريش فأتى أبا سفيان وأشراف قريش فقال: يا معشر قريش! إنكم قد عرفتم وذي إياكم، وفراقي محمّ دً ا وده ينه، وإني قد جئتكم بنصيحة، فاكتموا عليّ ، فقالوا: نفعل، ما أنت عندنا بمت هه م، فقال: تعلمون أن بن قريظة من يهود، قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّ د. فبعثوا إليه ألاه يرضيك عّ نا أن نأخذ لك من القوم رهنً ا من أشرافهم، وندفعهم إليك فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك عليهم، حتّ تخرجهم من بلادك؟ فقال: بلى! فإن بعثوا إليكم يسألونكم نفرً ا من رجالكم ، فلا تعطوهم رجلاً واحدً ا واحذروا. ثم جاء غطفان، فقال: يا معشر غطفان! قد علمتم أني رجل منكم: قالوا: صدقت. فقال لهم كما قال لهذا الحي من قريش ، فلما أصبح أبو سفيان، وذلك يوم السبت في شوال سنة خمس وكان مما صنع الله به لرسوله ، بعث إليهم أبو سفيان بن حرب عكرمة بن أبّ جهل في نفر من قريش، إنّ أبا سفيان يقول لكم: يا معشر يهود! إنّ الكراع والخف قد هلكا، وإناّ لسان بدار مقام، فاخرجوا إلى محمد نناجزه، فبعثوا إليه: إن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئً ا، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم، حتّ تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم ، لا تذهبوا وتدعونا حتّ نناجز محمّ دً ا، فقال أبو سفيان: قدْ والله حذرنا هذا نعيم، فبعث إليهم أبو سفيان: إناّ لا نعطيكم رجلاً واحدً ا، فإن شئتم أن تخرجوا، فتقاتلون وإن شئتم فاقعدوا ، فقالت يهود: هذا والله الذي قال نعيم، والله ما أراد القوم ألا يقاتلوا معهم، فإن أصابوا فرصة، انتهزوها، وإلا مضوا فذهبوا إلى بلادهم، وخلو ا بيننا وبين الرجل فبعثوا إليهم، إنا والله لا نقاتل معكم، حتّ تعطونا رهنً ا، فأبّ أن يفعل؛ فبعث الله الريح على أبّ سفيان وأصحابه وغطفان وجنوده التي بعث، فخذلهم الله. دلائل النبوة للبيهقي (3/445)، سيرة ابن هشام2/229 - 231).

عدد الصفحات ٢٣٣

- 233 - حين يصل الحال إلى موقف تستأصل فيه بيضة الإسلام، ويستباح فيه حْاه، فلا هوادة حينئذ، ولتنل كل نفس عقوبة جنايتها، فسيان في ميزان الدين والعقل من حيث سوء التدبير أن توضع العقوبة في مواطن الرحْة أو توضع الرحْة في مواطن العقوبة. المقطع الرابع: في وصف حال أهل الإيمان: ﴿ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾22 - 23]. أولئك الذين أنزل الله لهم قبل عام سُن ته في أوليائه وكيف يتعهّدهم بالتربية والرعاية من خلال ما يسوقه إليهم من الأحداث ليصفّهي تلك النفوس ويستخرج منها ما ليس لله، وليمحّهص صفوفها لتنفي المتعلقين الطامعين والهزالى الخوار ين الذين لا يستقيمون على المبادئ إلا بمقدار ما تحقق لهم من نفع أو تدفع عنهم من مكروه، ذاك الوعد هو ما جاء في سورة البقرة: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾214] . لقد وعت هذه القلوب المؤمنة ذلك الدرس جيّهدًا، فهاهم ي ُزهلزهلون، وتأتيهم الأحزاب مهن فوقهم ومن تحت أرجلهم، إذًا فنصر الله قريب، وفرجه سريع، ووعده حقّ لا مرية فيه. ولا تنافي بين ما تقرره هذه الآية، وما سبق في وصف الكرب والخوف؛ فقد كان أصحاب رسول الله  "ناسًا من البشر؛ لا يملكون أن يتخلصوا

عدد الصفحات ٢٣٤

- 234 - من مشاعر البشر، وضعف البشر. وليس مطلوباً منهم أنْ يتجاوزا حدود جنسهم البشري، ويفقدوا خصائصه ومميزاته. خلقهم الله ليبقوا بشرًا، لا ملائكة ولا شياطين، ولا بهيمة ولا حجرًا، كانوا ناسا من البشر يفزعون ويضيقون بالشدة ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة، لكنهم كانوا مع هذا مرتبطين بالعورة الوثقى التي تشدهم إلى الله وتمنعهم من السقوط، وتجدد فيهم الأمل وتحرسهم من القنوط". (1) والدرس الإيماني الذي ينبغي أنْ نستفيده، أن نا إنْ ضعفنا مرة، وزُلهزلنا مرّات، وتفوّق علينا أعداؤنا بالعُد ة، أو فاقونا بالتدبير، أو أحكموا علينا الخطة؛ فعلينا أنْ لا نفقد الثقة في ربنا وديننا وأنفسنا، ونعتقد أننا لم نعد نصلح لشيء أبدًا؛ علينا أنْ ن هعُود لربّهنا؛ نستمسك بديننا، وندافع عن عقيدتنا في غير توانا ولا كسل، وسيحقّهق الله لنا ما وعدنا؛ فإن وعده حق وصهدق. هذه الكُرهب التي تنزل بأهل الإيمان، يسوقها الله  لحهكهم عظيمة، لا ينجح فيها إلاّ الصادقون، فيصطفي الله من عباده أقوامًا يرفعهم إليه، ويكرمهم لديه، ويد خهر أقوامًا ليقودوا سفينة الإسلام إلى مواطن أخرى، وبيئات أخرى، ونجاحات أخرى. ومن ذهب إلى الله وهو بهذه النية فهو صادق، ومن أبقاه الله وهو بهذه النية فهو صادق. الذين ذهبوا في معركة الخندق لا يصلون إلى عشرة في أكثر التقادير؛ ذهبوا إلى ربهم وهم صادقون، والذي بقوا يشدُّون عضد النبي  صادقون وختام مهن ارتقى إلى ربه من الصادقين في هذه الغزوة؛ سعد بن معاذ بعد أنْ دعا ربه هذا الدعاء الخ فيّ: "الل هُم إين كَ تاَعْلَمُ أَن هُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَب إيليَ أَنْ أُ جَاهيدَهُمْ فييكَ، مينْ قاَوْما كَذ بُوا رَسُولَكَ  وَأَخْرَجُوهُ، الل هُم فَإينيّي أَظُنُّ أَن كَ قَدْ وَضَعْتَ (1) الظلال5/2844.)

عدد الصفحات ٢٣٥

- 235 - الحَرْبَ باَياْناَنَا وَباَياْناَهُمْ، فَإينْ كَانَ بَقييَ مينْ حَرْبي قاُرَيْشا شَيْءٌ فَأَبْقيِي لَهُ حَتى أُجَاهيدَهُمْ فييكَ، وَإينْ كُنْتَ وَضَعْتَ الحَرْبَ فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتَتيي فييهَا ". فَاناْفَجَرَتْ مينْ لَب تيهي .. فَإيذَا سَعْدٌ ياَغْذُو جُرْحُهُ دَم ا، فَمَاتَ ميناْهَا .(1) ومن أعظم ما يتربَّ ا ؤمن عليه، البصر بحكمة الله في تدبير الأحوال؛ فما كان من شيء من الأمور إلا وفيه حكمة التدبير من الحق جلا جلاله؛ فما وقع في الخندق وغيره إنما هو وهفْق هذه الحكمة: ﴿ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴾24] . وجزاء الصادقين ليس بالنصر فقط، بل مهن استشهد فقد جوزي بصدقه، ومن ب قى وأظهره الله على الكافر فقد جوزي بصدقه. وأما المنافقون؛ فالأحداث تظهر ما خفي من أحوالهم، فيبقى بعضهم على غشه ودغله؛ فيعذّبه الله، ويريد الله لقلوب بعضهم الخير فتهتدي، وتترك التردُّد والشكّ والريب، فيكرمها بصدق الإيمان والتقوى. المقطع الخامس: قوله تعالى: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾25 - 27]. (1) صحيح البخاري ( 4122). وياَغْذُو): يعن: يسيل دمًا. انظر: جامع الأصول (8 /275.)

عدد الصفحات ٢٣٦

- 236 - فيصف ختام هذه المعركة في جانبها الخارجي الذي أشار إليهم بوصف: ﴿ ﮇ ﮈ ﴾ والداخلي الذي أشار إليهم بوصف: ﴿ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ 11]، وغطفان وأتباعها، تجر أذيال الهزيمة، يعودون بأش د الخسار، وبأشدّ ما يعالْون من الغيظ؛ فلا جموعهم أفلحت، ولا خططهم نجحت، ماذا بقي معهم وقد خسروا معركة جمعوا فيها كل طاقاتهم من ساحل البحر الأحْر إلى أعالي نجد، وتواصلوا مع اليهود في شمال الْزيرة، وتخللوا المجتمع الإسلامي، فأغروا اليهود بالنكث والغدر؛ إنها الخسارة التي ليست بعدها خسارة، بل النهاية التي ليست بعدها نهاية، وهنا يقرأ المصطفى صلوات الله وسلامه عليه المستقبل بحسّه السياسي الخبير، والقائد الملهم: "الآنَ ناَغْزُوهُمْ وَلاَ ياَغْزُوناَنَا".(1) وقد كان الحال كما قدّر، فلم تقم لتلك القبائل قائمة بعد ذلك اليوم سوى حركات ضعيفة هي أشبه بحركات الذبيح منها بإقدام المعافى. لكن هذا الانتصار يجب أن يبقى في حسّ المؤمن مقروناً بتوفيق الله وتدبيره؛ ولهذا ينسب الحقّ سبحانه النصر له والرد له م منه، وامتن على المؤمنين بأنْ حق ق لهم ذلك دون أنْ ينزلوا ساحة المعركة، أو يتقاتلوا مع أولئك الأقوام: ﴿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ الآيات. [25 - 27]. ولا عجب فهو سبحانه القويّ العزيز، ردّ أولئك، وحفظ هؤلاء، وكفاهم الشرور بقوّته وعزّته، وهكذا يذكرهم سبحانه بكرمه ومهن تهه في أول آيات الغزوة: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ (1 )رواه البخاري 4119 ،4111) من حديث سليمان بن صرد .

عدد الصفحات ٢٣٧

- 237 - ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾9]، وآخرها ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ...﴾25]. وأما يهود بن قريظة الذين نكثوا العهد وخفروا الذمة ووقفوا مع الأحزاب حربهم لر سول الله  والمؤمنين؛ فقد أذلهم الله وأخزاهم وانقلب مكرهم عليهم وما ينقم هؤلاء من المؤمنين، وهم لم يروا منهم إلا البر والإحسان باعتراف زعيمهم كعب بن أسد الذي تردّد في أول أمره أن يستجيب لإغراءات حيي بن أخطب بالنكث والنقض، مدفوعًا إلى ذلك التردُّد بشيئين: الأول: أنه لا مبرّهر لهذا النكث، فهم لم يروا في جوار رسول الله  إلا الخير، ومهن ناحية أخرى، لا يدرى ما تص الأمور إليه؛ أتى حيي بن أخطب النضري كعب بن أسد القرظي، فلما سْع كعب بحهُ يه يّا أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبّه أن يفتح له، فناداه حيي: ويحك يا كعب! افتح لي، قال: ويحك يا حيي: إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محم دً ا، فلست بناقض ما بين وبينه، ولم أر منه إلاّ وفاءً وصدقً ا...فلم يزل حي ي بكعب يفتله في الذروة والغارب (1)، حلاهنه له، و قال: ارجع عن يومك هذا حتّ أشاور رؤساء اليهود. فقال: قد جعلوا العهد والعقد إليك فأنت ترى لهم. وجعل يلح عليه حتّ ف تله عن رأيه .. فنقض كعب العهد الذي كان بينه وبين رسول الله ..(2) لقد كانت جريمة كبرى بكل ما تعنيه تلك الْريمة، فهي خيانة لله وللرسول ولْماعة المؤمنين، وهي تآمر مع العدو الخارجي على من كان يستحق الوفاء؛ عهدً ا (1) لم يزل يفتل في الذروة والغارب: هذا مثه ل، وأصله في البعير يستصعب عليك فتأخذ القراد من ذروته وغارب سنامه وتفتل هناك، فيجد البعير لذة فيأنس عند ذلك؛ فضرب هذا الكلام مثلاً في المراوضة والمخاتلة . الروض الأنف (6/311). (2 )انظرمغازي الواقدي ( 2 /456)،سيرة ابن هشام (2/221).

عدد الصفحات ٢٣٨

- 238 - وخُلقًا وجوارًا، لكن هذا هو مسلك بن إسرائيل بإزاء المعاهدات التي أمضوها قديما وحديثًا؛ فالقوم لا يراعون المواثيق؛ فكما لا تدع الأفعى لدغها لا يدع اليهوديّ نكثه، حتّ انسلخوا من طبقة الإنسانية إلى خلق آخر أبلغ وصف له ما قاله الحق سبحانه: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾55،56]، كانت عقوبة الله لهم أنْ وهف ق سعدًا ليحكم فيهم بذلك الحكم الذي وصفه الرسول  بأنه حُكم الله، وهو كذلك كما تدلّ عليه هذه الآيات التي نزلت بعد حكم سعد ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙﮚﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾26،27] أنزلهم الله من حصونهم، وملأ قلوبهم رعبًا، وسل ط عليهم المؤمنين؛ يقتلون من بلغ، ويأسرون من لم يبلغ، ويرثون أرضهم وديارهم. وإن أعظم درس يتعلمه أهل الإيمان، أن الغدر والنكث لا يعود بالضرر إلاّ على أهله، فهو ثمرة ، وخزي دائم، وهلا ك ماحق. ما بين نكثهم وذلهم إلا وقت قصير ليس بشيء في حساب الزمان، انتقلوا به من جوار الوفاء والرحْة إلى ذلّه القتل والأسر، واللعنة الدائمة إلى يوم الدين. لقد كان لقريظة عبرة في إخوانهم بن قينقاع يوم فعلوا ما نقضوا به العهد بعد معركة بدر، فأجلاهم رسول الله ، فإنْ لم يكن لهم في ذلك عبرة، فليكن لهم من إخوانهم بن النضير الذي أجلاهم رسول الله  بعد أُحُد، ولكن اليهودي رجل يعرف الوفاء مهما عُومهل بالوفاء، ولا يعرف الرحْة مهما أسبغت عليه من الرحْة، ولا

عدد الصفحات ٢٣٩

- 239 - يراعي العهد وإن احتملت ما احتملت في سبيل الوفاء له بالعه د؛ فهل يتعلم أبناء الأمة اليوم من درس الأمس، وهل يستيقنون المنهج الحق في التعامل مع اليهود؟! وربّ ضارّة نافعة؛ فإن الله جعل هذا الحدث سببًا لاجتثاث آخر جرثومة يهوديّة من المدينة بأسوأ عاقبة، وأقبح منتهى. على أنّ مين دروس هذا الحدَث أنْ يكون المؤمن وقّافً ا عند حدود الله؛ فهؤلا ء القوم حلفاء للأوس وسيدهم سعد بن معاذ وقد بذل جهده ألاّ يستجيبوا لمكر حيي بن أخطب، وأنْ يستمروا على الوفاء، وأن يخشوا عواقب الأمور، ولكنّهم ردُّوا عليه بأقبح ردّ يستحيي الأمر من ذهكره؛ سعد هذا كان مثالاً للمؤمن الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، لقد قالها صراحة: " قَدْ آنَ ليسَعْدا أَنْ لاَ ياُبَاليي فيي اللَّ ي لَوْ مَةَ لاَئيما "، فحكهم فيهم بما حكم.(1) وبعد، فما هذه إلا شذرات من دروس إيمانيّة وتربويّة، يمكن أنْ يستلهمها المرء وهو يقرأ غزوة الأحزاب في كتاب الله، أرجو أن تلقي ضوء على ثمرة معالجة الحدث من أحداث السيرة من خلال القرآن، وأن تساهم في إيضاح أن السيرة النبوية معين لا ينضب في استنباط دروس الإيمان، ومورد عذب في تثبيت دلائل التقوى في قلب المؤمن، ودليل هاد للمسلم وهو ينافح عن دينه عدوان المعتدين، وتسلط الظلمة القاهرين، وليعلم أن في ك ل عصر أحزاب فإن تكن الأحزاب فليكن أوس وخزرج، وليكن سلع وخندق، وقبل ذلك وبعده ليكن هناك إيمان راسخ وعطاء ممتد وعزيمة لا تلين وثقة في الله لا تهتز؛ فالذي نصر محمّدًا وصحبه وهعهده بالن صره مه ن ات ّب هعهه وسار على نهجه؛ فاجعلنا اللهُمّ منهم، ووفّهق أُم تهنا لكلّه خيرا ، وادرأ عنها كل شر. (1 )انظرمغازي الواقدي ( 2 /511)، صحيح ابن حبان7128)،جوامع السيرة (ص194).

عدد الصفحات ٢٤٠

- 241 - المثال الثا المعالجة القرآنية لمعنى تربوي قاُرّير في مناسبات متعددة من أحداث السيرة (توجيه المربّّي إلى تقديم العناية بالراغبين في الهداية على الراغبين عنها) من أمثلة المعالْة القرآنية لمعنىً تربويّا بالتنبيه إليه في مناسبات م تعدّهدة؛ متشابهة المعنى والصورة، متقاربة الظروف والملابسات؛ تلك الآيات التي أرشدت النبي  إ العناية بالراغبين في الهداية، وتقديمهم على الراغبين عنها الذين لا يزالون يصدفون ويعاندون.. وفي ذلك من الآيّت؛ قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ 28]، وقوله  :﴿ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﴾52]، وقوله سبحانه : ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﴾ [1 - 3]، وقوله عز مهن قائل ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﴾ [54]، وفي جملة هذه الآيّت توجيه العناية بالذينيئون طلب ا للهداية، ورغبة في التزكية، وحُباا في الإيمان والإسلام.

عدد الصفحات ٢٤١