- 219 - على نحو ما قال سبحانه﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﴾15 - 19]. إلى قوله﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾ [22 - 25]. فهذا التفصيل الدقيق المقرون بالتقييم والتوجيه، وتحديد التبعات والعلاقات بين الناس في مجتمع الإسلام، يجاوز فيه النصّ القرآني بالحدث ما وقفت عنده كتب السيرة ليصبح الحدث في ذاته مجرد مثل أو نموذج يحدد القرآن سْاته ويضع له حدوده وأحكامه. ومن الأمثلة كذلك على انتقال القرآن الكريم بالحدهث من الخصوص إلى العموم؛ ما قص ه الله علينا مين واقعةالمجاديلة التي جاءت تشتكي زوجها؛ فانتقل بها النصّ القرآني من ب ُعْده الحدث الخاصّ إلى قضيّة تشريعيّة عام ة: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ
عدد الصفحات ٢١٠- 211 - ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴾1 - 4] . ومنه كذلك قوله تعالى: ﴿ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﴾52]؛ الذي انتقل بهالقرآنيّ مهن السياق الخاصّ في بعض نفرا عهلهمه النبي إيمانهم، فههم بالانصراف عنهم رغبةً في دعوة بعض الكبراء إلى الإسلام الذين أشاروا بطردهم؛ إلى السياق العامّ في كلّه مهن كانوا على شاكلتهم، في سياق عامّا لا تحهُدُّه أسْاء ولا يهضهيق به زمان دون زمان.(1) 3. امتياز العرض القرآني بالأسلوب والبيان المعجز الذي تكتسب الكلمات والجمل فيه حيوية دفّاقة؛ تجسّم الحدهث وتحيطه بالإيحاءات والظلال، وتنقل القارئ والمستمع إلى جوّه كأنمّا يعيش أو يشارك فيه، وذلك ما لم يتوفّر ولن يتوفّر لأيّا من كتب السيرة في القديم والحديث. ومن الأمثلة على ذلك تصوير ما كان عليه المسلمون يوم بدر (رمضان 2ه﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ (1) راجع: صحيح مسلم46 - (2413.)
عدد الصفحات ٢١١- 211 - ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ * ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ * ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾ الآيات [ 9 - 12]. وما كان عليه المسلمون كذلك يوم الأحزاب (شوال 5ه ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ [11،11]. ومهن ذلك التصوير القرآني لبعض أحداث غزوة تبوك (رجب 9ه﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴾38،39]، ومهنه تصوير توبة الثلاثة الذين تخل فوا عن هذه الغزوة: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ
عدد الصفحات ٢١٢- 212 - ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴾118]. 4. انفراد القرآن الكريم بالنفاذ إلى البواطن والضمائر، واستخراج ما تكنّه مين خفيّات؛ فلإنْ وقفت كتب السّهيره والتواريخ عند تسجيل الأحداث وا لتصرُّفات الظاهرة للعيان؛ فإن القرآن الكريم بما له من صفة الإلهي ة؛ ينفذ إلى الأعماق والنفوس، ويستخرج الكامن مهنها؛ مهن ذلك قول الله لنبيّهه في سياق تحريم التبنّه﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ...﴾ الآية [37]. وكما حديث القرآن الكريم في مواضع كثيرة عن المنافقين وكشف حقيقة مواقفهم مع النبي والمؤمنين؛ مهن ذلك تعذّرهم عن التخلُّف عن رسول في غزوة الأحزاب بأن بيوتهم عورة، فقال تعالى:﴿ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ﴾ [13]. ولقد كشف القرآن الكريم ما عليه المنافقون من الحذر أنْ ي ُن ه زّهل الله على المؤمنين سورة تفضحهم وتعرّهي دواخلهم وتكشف ما تضمره قلوبهم ﴿ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﴾ 64]. قال مجاهدياَقُولُونَ القَوْل فييمَا بَينهم، ثم ياَقُولُونَ : عَسى الله أَن لاَ يفشي علينا هَذَا". و عن قتادة، قال: "كانت هذه السُّ ورة تسم ى: الفاضحة، فاضحة المنافقين، وكان يقال لها : المثيرة؛ لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم".(1). (1) تفسير ابن أبّ حاتط. مكتبة نزار 1419ه(6 /1829)،الدر المنثورط. دار الفكر(4/229). وانظر: السيرة النبوية في القرآن الكريم،د.عبد الصبور مرزوق ،ط.الهيئة العامّ ة المصرية للكتاب(ص18-21،28-31.)
عدد الصفحات ٢١٣- 213 - المبحث الثا التربية القرآنية في ضوء السيرة النبوية هذا المبحث ياُقَدّي م نموذج ا لمعالجة القرآن الإيمانية التربوية من خلال تناول السيرة النبوية، وقد آثرا أن يكون النموذج مصنوع ا من مثالين: الأول: حدث كامل من أحداث السيرة النبوية، وكيف عالْه القرآن وثبّت فيه معالم التربية الإيمانية. الثاني: أخلاق قر رها القرآن في أكثر من مناسبة وهو يعالج حدثاً مهن الأحداث أو واقعة من الوقائع في زمن النبوّة. المثال الأول المعالجة القرآنية التربوية لحدث كامل من أحداث السيرة النبوية (غزوة الأحزاب) الآيات التي تحدثت عن غزوة الأحزاب معظمها في سورة الأحزاب؛ حيث بلغت آيات الغزوة في هذه السورة تسعًا وعشرين آية، من الآية التاسعة: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾الأحزاب: 9] إلى الآية السابعة والعشرين: ﴿ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾27] . جرياً على سنن القرآن في معالْة أحداث السيرة؛ حيث لا يحتفل بذكر التفاصيل، ودقائق مجريات الأحداث، وإنما يعمد لمعالْة الحدث من خلال أبعاده الإيمانية،
عدد الصفحات ٢١٤- 214 - ومناحيه الأخلاقية، وخلجات النفس البشرية وهي تتقلب في صروف الحدث؛ فتتنازعها المشاعر المتعددة، والحسابات الكثيرة، والعلاقات المتشابكة، والآمال المقبلة؛ فيعود الحدث بهذه المعالْة القرآنية مدرسة تتعل م منها الأجيال، لا كتاب تَريخ يهلتذّ بقراءته المؤرخون والمثقفون والهواة. ينتقل الحدث في السياق القرآني من ظرفه التاريخيّ، وواقعه الْغرافيّ، إلى منارات تسوق النفس البشريّة إلى دروب الرشاد، ومواطن الحق؛ خاصّة وأنّ الأحداث في ساحة التاريخ تتشابه، والشخوص تتجانس، والغايات تكاد تكون صورة مُن ْتهسهخهة من بعضها، فكأنّ حدث اليوم هو ذلك الحدث الواقع بالأمس. غزوة الأحزاب كانت في (شوال 5ه )، وغزوة أُحد كانت في (شوال3ه )؛ فبينهما عامان على التمام والكمال؛ أصاب المسلمين في أُحد ما أصابهم مما هو معلوم؛ فقُتهل مهن خيارهم مهن قتل، وظهرته الشّماتةُ مهن أعدائهم جرّاء ما نالوا مهن أهل الإيمان. وبين أُحد والأحزاب مرارات ذاقها المؤمنون؛ ففي أواخر سنة ثلات - أو أربع ع لى خلاف بين كُت اب السيرة - قدم على النبي قوم مهن عهضهل والقارهةالمضري تين، وذكروا أنّ فيهم إسلامًا، وسألوه أنْ يبعث معهم مهن يُعلّهمهم الدّهين، ويُقرهئهم القرآن؛ فبعث معهم نفرًا من أصحابه لا يتجاوزن العشرة، فمكروا بهم وقتلوهم وقتلوا آ خرهم - خُب هيْب وزهيد بن الد ثهنهة - صبرًا بمكة(1). (1) انظر: سيرة ابن هشامط. مكتبة الحلبي (2/169 - وما بعدها)، الروض الأنف، ت : عبد الرحْن الوكيل (6/183 - وما بعدها
عدد الصفحات ٢١٥- 215 - وفي شهر صفر من السنة الرابعة كانت وقعة بئر مَعُوْنَة)(1) التي تعرف ب سريّة القُرّاء) و كانت مع بن رهعْلا وهذهكْوهانه (2 )قهبهل نجهْدا، ذهب ضحيتها سبعون رجلاً من أصحاب رسول الله في قصةه غدرا أخرى كان رأسها المدبّهر أبا براء عامر بن مالك، ملاعب الأسن ة. إنّه لهكهلْم على كهلْم، ووجع على وجع، وجرح على جرح؛ فكانت هذه النفوس المؤمنة أشدّ ما تكون حاجة لمن يأسوا جراحها، ويُسهرّهي عنها ما ألمه بها، ويُذهكّهرها بسُنّة الله في تدافع الحق والباطل، ومن يدري فلعلّ في مستقبل الأيام كربة، ولعل ذلك سبب نزول الآية من سورة البقرة: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾214] . وهذه الآية تضع المسلم بين حقيقتين؛ حقيقة أنّ درب الحق محفوف بالم كاره ، مفروش بالأشواك، مليء بأهل الأهواء والضلالات الذين يقدّهمون في سبيل الله ضلالاتهم الكثير والكثير من النفس والمال والْهد، وحقيقة أن نصر الله قريب من أهل الإيمان متّ استمسكوا بدينهم، وذادوا عن عقيدتهم، وعمرت قلوبهم بيقين النصر من ربهم؛ أمّا الحقيقة الأولى فت ُرهبّّه على الصبر، والحقيقة الثانية تُ ربّّه على اليقين؛ فالصبر يهّهون مرارة الحاضر، واليقين يهعهدُ بحلاوة المستقبل، وبينهما سير المؤمن بكل عزة وثبات. (1( )بئر معونة): قال ابن إسحاق: بئر معونة بين أرض بن عامر وحرّة بن سليم. معجم البلدان لياقو ت (1/312.) (2) انظر: مغازي الواقدي ت : مارسدن جُونس 1419ه(1/346)، فتح الباري 7/379 - 381)، المواهب اللدنية للقسطلاني (1/261)، تَريخ الخميس1/454،475 - 476.)
عدد الصفحات ٢١٦- 216 - على أن هاتين الحقيقتين ليستا حالة خاصة يخاطهب بها محمد وصحبه، ولكنها سنة الله في عباده المرسلين وأتباعه م من المؤمنين، وذاك ينفي الإحساس بوحش ة التفرُّد، ويوجهد الأُنسه بالانخراط في قافلة أهل الإيمان على مدار التاريخ، ويزيده اطمئناناً بحصول الموعود. ولقد كان لهذه الآية أثرها العظيم في ثبات أهل الإيمان في كرب الأحزاب، واطمئنانهم إلى نصر الله في ساعة الحرج والض يق - كما سيأتي إن شاء الله -. أمّا آيّت سورة الأحزاب ؛ فترسم حدث الأحزاب في مقاطع حافلة بالتوجيهات الإيمانيّة، والمعاني التربويّة، أكثر من اشتمالها على على إحصاء جامدا للأحداث، أو تفصيلات للوقائع لا يتسع لها المقام القرآنيّ.. المقطع الأول : قوله تعالى: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾9 - 11] . تجمل هذه الآيات أمر الغزوة من أوّلها إلى آخرها؛ لتكثّهف فيها معنى الرعاية والحفظ من الله للجماعة المؤمنة: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾9].
عدد الصفحات ٢١٧- 217 - فالله يسبغ نعمته عليهم بعد أنْ تحزّب عليهم النّاس؛ فيفكّ عنهم هذا الحصار، ويزيل عنهم هذا الكرب بسببا من عنده؛ فيرسل رهيحًْا عاتية (1)؛ لا تدع قهدْرًا إلاّ كفأته، ولا خيمة إلاّ اقتلعتها، وهي تحمل البرد القارس، مع عتوّا في حركتها، وصفيرا في هبوبها يولّهد الفزع، ويُذْكهي الخوف، ويهزرعُ الرهبة(2). وهناك جنود الرحْة من الملائكة؛ يزرعون في نفوس هذه الأعداء الخوف والرعب والهلع والفزع، مع أنهم أكثر عددًا وأوفر عُدهدًا؛ فهم عشرة آلاف، ومحمد وصحبه رضي الله عنهم لا يجاوزون ثلاثة آلاف (3). وإذاكان معنى الالتجاء إلى الله ، والتوكُّل عليه، والثقة به ؛ مراد تقريره في النفوس من خلال هذا السياق القرآني؛ فإنّ الله لم يهمل ذهكر العمل، والمعاناة التي عاناها رسول الله وصحبه ؛ حيث عملوا ما يستطيعون ، وكافحوا غاية ما يقدرون، واحتالوا على العدو بكل ما يعرفون من أنواع الكيد والتخطيط ؛ فهم قد دبّروا مكيدة الخندق عندما سْعوا بتوجُّه تلك الْموع إليهم، فحفروا خندقًا بعُمقا "يصعب على العدو أنْ يخه ره ج منه لو هبطه ، واتّه ساعا يصعب على خيل المشركين (1) عهنه ابْنه عهب اسا: أهن الن بيه قهاله«نُصيرْتُ بايلص بَا، وَأُهْليكَتْ عَادٌ بايلد بُوري »صحيح البخاري 1135،3215، 3343،4115)، صحيح مسلم17 - (911.) (2) انظر: دلائل النبوة للبيهقي ت : عبد المعطي قلعجي 1415ه (3/448)، سبل الهدى والرشاد للصالحي ، ت : عادل عبد الموجود، علي معوض ( 4/386 - 387)، الدر المنثور للسيوطي6/573.) (3) سيرة ابن إسحاق (ابنهشام 2/219 – 221)، مغازي الواقدي (2/444)، الطبقات الكبير لابن سعدط. دار صادر (2/66). وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف. حكاه ابن حجر في فتح الباري ط. دار المعرفة - بيروت (7/393.)
عدد الصفحات ٢١٨- 218 - قفزه "(1)، جعلوه بينهم وبين أعدائهم فيما سهل من الأرض، وأسندوا ظهورهم إلى جبل سهلْع، وحرسوا منطقة القتال ليلاً ونهارًا كلما رأوا من الأعداء محاولة للاقتحام صدُّوهم ورشقوهم بالنبل على مدى خمس وعشرين ليلة. هذه الأعمال لم تذهب سدى، بل هي ببصر الله وعلمه: ﴿وَكَانَ اللَّ ُ بميَ ا تاَعْمَلُونَ بَصيير ا﴾9] .كل ذلك ليجمع المؤمن بين الثقة بربه، وبذل غاية ما يستطيعه من العمل؛ فالثقة بالعمل غرور، وترك العمل غفلة، ولن ينصر الله مغرورًا ولا غافلاً. ثم ترسم الآية الثانية والثالثة الجو العام لأمر الغزوة: ﴿ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾[11،11] . وهو جو الهول الفظيع الذي يرتسم في صور ثلاث؛ واقع العدو المادي، وصورة أثره على ظاهر البدن، وصورة أثره على باطن النفس. أمّا الواقع المادي، فتلك الْموع التي يقودها أبو سفيان بن حرب ومعه ق ريش ومن تبعه من بن كنانة وأهل تهههامة والأحابيش، وعُيينة بن حصن و معه غطفان، (1) معجم المعالم الْغرافية في السيرة النبوية ط. دار مكّة - مكة المكرمة 1412ه(ص114 .) وفي تقدير طول وعرض وعمق الخندق خلاف؛ فقيل: إنّ طوله: (50111) ذراع، وعرضه (9) أذرع، وعمقه من (7) أذرع إ (11). انظر: السيرة النبويةللندوي دار ابن كثير – دمشق، 1425ه (ص348)، السيرة النبوية الصحيحة للعمري ط. مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة 1415ه(2/421.) وقيل طوله: (5544م)،متوسط عرضه: (4062م)، متوسط عمقه: (30234مأطلس السيرة النبوية، د. شوقي أبو خليل ط. دار الفكر المعاصر - بيروت، دار الفكر - دمشق. 1423ه (ص137). وقيل طوله (2725مبشكل قوس منفرج؛ مهن نهاية الحرّة الشرقية عند أجمة الشيخين شرقيّ ما يُعرهف به الآن بمسجد المستراح حتّ ثنية حرّة بن سلمة إلى الشرق من القبلتين. الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين لمحمد غالي الشنقيطي، عن بطبعه ومراجعته عبد الله بن إبراهيم الأنصاري (ص212 - 214.)
عدد الصفحات ٢١٩- 219 - والحارث بن عوف ومعه بنو مُر ة، ومهسْعهر بن رُخهي ْلهة ومعه أشجع، وإنْ شئته قُلته جزيرة العرب كلها نجهْدهها وتههامتها - إلاّ اليمن - قد تكالبت فرمت جماعة الم ؤمنين عن قوس واحدة بعد أنْ أفلحت دعاية اليهود ومكرهم في جمعهم لحرب المؤمنين - وتلك ثمرة مُ ر ة لدهاء بن النضير الذين أجْلوا إلى خيبر فزيّنوا لقبائل العرب هذه الفعلة الشنيعة -، وهؤلاء هم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ [11] . ولكنْ هناك أقوام أقل عدد ا، ولكنّهم أشرس وأعظم أثر ا، إنهم أعداء الداخل، وهم طائفتان؛ طائفة المنافقين وطائفة اليهود المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﴾11].(1) وإنما نقول إن هاتين الطائفتين أشرس وأخبث، وأشدّ وأنكى؛ لأننا نجد أنّ قبائل العرب أُجمْهل ذكرهم في آية واحدة بل بعض آية، وفصّل الله ذهكْره المنافقين واليهود في أحد عشر آية. كل ذلك لنتعل م أنّ أعداءنا الخارجيّهين لنْ ينالوا مهن ا غاية ما يبتغون إلاّ في حال تفكُّك جبهتنا الداخليّة بمن نثق بهم وليسوا أهلاً لثقةا، أو نحسن الظنّ بهم وهم لا يستحقُّون، أو نعاهدهم ولا يفون؛ فليكن الحذر من هؤلاء مثل الحذر من الأعداء الخارجيّهين إنْ لم يكن أشدّ وأكثر. (1) هذا أحد القولين في تفسالآية، وفي سيرة ابن إسحاق (ابن هشام 2/246 )- ومن طريقه ابن جرير في تفسيره ط. دار هجر (19/34)، والبيهقي في دلائل النبوة3/436) من طريقين أحدهما طريق ابن إسحاق - وكذلك في مغازي الواقدي ( 2/494) أنّ الذين جاؤوا مهن فوق، هم: بنو قريظة، والذين مهن أسفل: قريش وغطفان. انظر: سيرة ابن هشام (2 /215،245)،مغازي الواقدي ( 2/494)،دلائل النبوة (3/436)، جوامع السيرة لابن حزم ت : إحسان عباس (ص 186)، البداية والنهاية ط. دار هجر6/34)،تفسير ابن كثير ( 6/388).
عدد الصفحات ٢٢٠- 221 - والصورة الثانية لهول ذلك الموقف في رسم آثاره على النفوس في الجوارح الظاهرة والباطنة: قوله تعالى: ﴿ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾11] . إنها صورة المفزوع الممتلئ خوفًا ورعبًا من أعدائه، ذاك غاية ما يكون من الكرب؛ فلا العين سكنت مهن تتابع لحظهها، ولا القلب سكن من خفقانه؛ بل كاد يطير فهزهعًا إلى الحنجرة يلتمس المخرج. في تحقُّق الصور الثلاث؛ كانت البلوى للمؤمنين، ووقع الزلزال عليهم، قال مح مد بن مسلمة: "كان ليلنا بالخندق نهارً ا، وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أب و سفيان بن حرب في أصحابه يومً ا، ويغدو خالد بن الوليد يومً ا، ويغدو عمرو بن العاص يومً ا، ويغدو هُ ب ه ي ْ ره ة بن أبّ وهب يومً ا، ويغدو عكرمة بن أبّ جهل يومً ا، ويغدو ضه رار بن الخطّ اب يومً ا؛ حتّ عظم البلاء، وخاف النّ اس خوفً ا شديدً ا". نعم، لم تقع معركة يتصاول الْيشان فيها القتال، وإن كانت هناك محاولات مستميتة لاقتحام ذلك الخندق الذي أصبح حجر عثرة بين قريش وأتباعها وما تريد، حتّ إنهم في جملة من الأيام شهغلوا رسول الله عن الصلوات؛ أيامًا صلاة، وأيامًا أكثر من صلاة؛ الظهر والعصر والمغرب، حتّ صُلّهيهت صلاة النهار في الليل، فقال حينئذا"شَغَلُواَ عَني الص لاَ ةي الْوُسْطَى، صَلاَةي الْعَصْري، مَلأََ اللهُ أَجْ وَافاَهُمْ، وَقاُبُورَهُمْ اَر ".(1) وإن تعجب فاعجب من هذه اللغة القرآنية الآسرة حين تصف هذا المشهد بالابتلاء، والابتلاء عادة ما يكون وسيلة لغاية. ولقد كان هذا الحدث في غاية النفع (1) رواه البخاري 4111)، ومسلم216 - (628) واللفظ لمسلم
عدد الصفحات ٢٢١- 221 - لأهل الإيمان؛ فكان ابتء حسنت ثمرته، وزكى زرعه.كان ابتلاء كشف أهله النفاق، وفضح اليهوده الخونة، ورهد قُريشًا والأعراب المعتدية؛ فلم يعودوا لحرب محمد إلاّ لمامًا، بل كانت هذه الغزوة بداية الدائرة عليهم. ولذا فإن من أعظم ما يتعل مه المؤمن أنْ يُبصهره الحهكهم الإلهيّة، واللُّ طف الربانيّ؛ فيما يسوقه الله من الأحداث، ولا ي قف عند ظواهر الأشياء، وإنمّا يستكنه أسرارها، ويستنبط حهكهمها، ويستثمر فوائدها. المقطع الثاني : وخُصّهص للحديث عن أهل النّهفاق، وقد كان حديثًا عن أفعالهم، لكنّه في الوقت نفسه كان حديثًا عن مكنونات نفوسهم، ورؤاهم في المستقبل في مشاهد متتابعة. المشهد الأول ؛ كان رسول الله وأصحابه يحفرون الخندق، فاعترضتهم صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول، فشه كه وْ ا ذلك إلى رسول الله ، فأخذ النبي المهعْوهل، فقالبسم الله"، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا"، ثم قال: "بسم الله"، وضرب أخرى ، فكسر ثلث الحجر، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"، ثم قال: "بسم الله"، وضرب ضربة أخرى ، فقلع بقية الحجر، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا".(1) (1) رواه أحْد ط. الرسالة (18693) من طريق ميمون أبّ عبد الله، عن البراء بن عازب ، به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ط. مكتبة القدسي (6/131" :)رواه أحْد، وفيه ميمون أبو عبد الله، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات ". وحسّنه ابن حجر في فتح الباري ( 7/397 .)وأصله في صحيح البخاري (4111 )من حديث جابر ، قالإيا ياَوْمَ الخَنْدَقي نََْفيرُ، فاَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدييدَةٌ، فَجَاءُوا الن بيي فاَقَالُوا: هَذيهي كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فيي الخَنْدَقي، فاَقَالَ: "أَاَ اَزيلٌ "، ثمُ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بحيَجَرا ، وَلَبيثاْنَا ثَلاَثَةَ أَيّ ما لاَ نَذُوقُ ذَوَاق ا، فَ أَخَذَ الن بييُّ الميعْوَلَ فَضَرَبَ، فاَعَادَ كَثييب ا أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ ...".
عدد الصفحات ٢٢٢- 222 - كانت هذه الحادثة عند أهل النفاق مصدرًا للتندُّر وبث الوهن في نفوس المؤمنين؛ كيف يهعهد محمد هذه المواعيد، ونحن في حالة محصورة، لا يستطع الواحد منّا أنْ يعود إلى أهله ليقضي حاجته إلاّ بعد أنْ يستأذن، فما هذه إلا مواعيد غرور، لا تستقيم على سُن ة العقل، ولا تقبلها التجارب البشرية؟! ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾12]. المشهد الثاني؛ أقوام من أهل النفاق يهمسون أحياا ، ويرفعون أصواتهم أحياا ، يزعمون النصيحة، ويتدثّرو ن بالشفقة، ويتزي ون بالمعرفة؛ يدّعون النفاذ إلى بواطن الأحوال، واستشراف المآلات؛ وقد كذبوا والله في جميع ذلك ، كما ك ذبوا في قولهم الصّادر من جبنهم وخورهم، وظلمة قلوبهم وعقولهم: يا أهل المدينة! ليس بهذا المقام بمقام لكم، فلتدعوه؛ إذْ لا طائل فيه، ولا ثمرة له، ولترجعوا إلى منازلكم ودياركم؛ تسلموا مم ن أنتم واردون عليه من القتل، وهلاك النفوس والديار. وإذا كانوا هم يدعون إلى ذلك بأقوالهم، فهم يمارسونه بأفعالهم؛ بكثرة الاستئذان، واختلاق المعاذير، تحلُّلاً من المشاركة الفاعلة في حفر الخندق: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﴾13]. فالآية كما تكشف عن أفعالهم، فهي تكشف عن دواخلهم؛ فما بيوتهم عورة، وما هم محتاجون للاستئذان، وما بهم خوف على محارمهم وعوراتهم، ولكنه الفرار الذي يتذرعون إليه بالكذب.
عدد الصفحات ٢٢٣- 223 - وفي المشهد الثالثوصْف لدواخل تلك النفوس؛ فهؤلاء المنافقون معدو دون من أهل الإيمان ظاهرًا، ولكن واقع أمرهم أنّ عقيدتهم واهنة ليست بصادقة، فهم يُظههرون الإيمان، وتعتمل في دواخلهم عقيدة الكفر والشك؛ ولذا لو حصل لأهل الإيمان هزيمة، ودخلت جنود الشرك المدينة؛ لكانوا أسرع الناس إلى الردّة المعبر عنها بالفتنة، غير متلبّهثين ولا متردّهدين إلا قليلاً من الوقت، أو إلاّ قليلاً منهم يتلبّثون شيئًا ما قبل أنْ يستجيبوا ويرتدُّوا، ثم يقدمون على هذه الفعلة الشنيعة: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾14]. وفي المشهد الرابعتذكير بتاريخ هذه الفئة؛ فهؤلاء قوم لم تزل أقدامهم راسخة في النكول والنقض؛ فقد كان منهم في أُحد ما كان؛ حيث رجعوا بثلث الْيش عن رسول الله ، فلما أدركوا قبح فعلهم، وخافوا على أنفسهم؛ احتموا بعهود ومواثيق أنهم لن يعودا لمثل تلك الأفعال، وسيكونون عوناً للمؤمنين على أعدائهم؛ فلمّا وقف الأعداء با لباب، نكثوا عهودهم ومواثيقهم، وعادوا لسوء صنعيهم: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّ َ مينْ قاَبْلُ لاَ ياُوَلُّونَ الأَْدْباَرَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّ ي مَسْئُولا ﴾ [15]. وفي المشهد الخامس تكثيف الحديث عن المعنى التربويّ الذي يستفيده المسلم من موقف هذه الفئة : ﴿قُلْ لَنْ ياَناْفَعَكُمُ الْفيرَارُ إينْ فاَرَرْتُُْ مينَ الْمَوْتي أَوي ا لْقَتْلي وَإيذ ا لاَ تمَُتا عُونَ إيلا قَلييلا ﴾16]. الموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه، بل وفي موعده، لا يستقدم ولا يستأخر. ومهن الوهم الذي يمارسه من تغيب عنه هذه الحقيقة، أنْ يظنّ أنه حين يبتعد عن الثبات في موقف يجب عليه الثبات فيه، أنّ ذلك ينجيه من الموت، أو يقرّبه من السلامة؛ فما شأن المؤمن هكذا، ولكنْ شأنه الاستسلام لأمر الله، والطاعة له ولرسوله، والوفاء بالعهد مع الله في السرّاء والضرّاء،
عدد الصفحات ٢٢٤- 224 - وسيكون الموت أو القتل في ساعتة التي كُتهبه فيها في اللوح المحفوظ. إن الأمور بيد الله يجريها وهفْق الحكمة الربانية، ولا قوّة أعظم من قوّة الله، ولا مهرب ولا ملجأ من الله إلاّ إليه، فلتستقرّ القلوب على الإيمان به، والتوكُّل عليه: ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﴾17]. والمشهد السادس في تعاملهم مع مهن لم يخرج بعدُ إلى موطن المعركة، ولكنه يحدّهث نفسه بالخروج؛ فهم يعوّقونه عن الخروج بالتخويف والتوهين، وأمّا مهن خرج فإنهم يستدرجونه ليعود، وذلك شأنهم الدائم؛ فهم لا يثبتون في مواقف الدفاع، ولا يشاركون في الحروب ولا يدعون أحدًا يشارك إلا اعترضوه: ﴿ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾18]. وفي المشهد السابعوصف لدواخل تلك النفوس التي جبلت على الشُّحّ والبخل بكل صوره؛ فهم شحيحون بأنفسهم فلا يشاركون في قتال، شحيحون بأموالهم فلا يشاركون في نفقة، بل شح يحون حتّ بمشاعرهم؛ فإذا حْي الوطيس، واشتدّ الخوف؛ انخلعت قلوبهم من أجوافهم، واستدارت أعينهم شأن الذي غشيه الموت؛ كأنهم يستدرُّون بهذا عطف أهل الإيمان. أما إذا ذهب الخوف وزالت الكربة، فتلك نفوس لئيمة أشدّ ما تتصوّره من اللوم؛ فلهم ألسنة كالحديد ي هفْرُونه به ا أعرا ض المسلمين، ويقطّعون بها لحومهم، ويهتكون بها ستورهم. فهم شحيحون بكل خير، ولا غ رو؛ فإنهم ليسوا من الإيمان في نقير ولا قطمير: ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ
عدد الصفحات ٢٢٥