المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

طرق التفسير ب

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٧ من ٢٤

طرق التفس 102 ففسّ الآية بقول الصحابي ثم استدلّ له من القرآن، وهذا مما يدلّ ع أخذهم تفسير الصحابة بتفهّم لا بتقليد محض. ونظير ذلك ما رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن جريج، عن مجاهد في ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴿تفسير قول الله تعالى: ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ .﴾ﮐ ﮑ ﮒ «قال مجاهد: سمعت ابن عباس قال .يموت «قال ابن جريج، وقال مجاهد فيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنة؟ فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير لا يغني عنها شيئا، وأولاده صغار، ولا يغنون عنه .شيئا، وكذلك المفرط بعد الموت، كل شيء عليه حسة فأخذ أصل المعنى من ابن عباس، وزاده شرحاً وتفصيلاً. وكان منهم من يعتني بجمع أقوال الصحابة في مسائل التفسير كما روى ﮃ ﴿عبد الرزاق من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: « وقال ابن عباس« قال: كان عليّ يقول ﴾ﮄ ﮅ .العارية ويدخل في هذا النوع تفسيرهم القرآن بما عرفوه من وقائع التنزيل وأحواله؛ كما روى ابن جرير عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى أنه جاءه ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴿رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية:

عدد الصفحات ١٠٣

طرق التفس 103 .﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ قال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ .«قال قال أبزى، إنَّ هذا قد أراد تفسير هذه غير هذا! إنه رجل من الخوارج! .«فقال .«فلما جاءه؛ قال قال: لا! .«قال فهذا الخارجي أراد أن يستدلّ بهذا التفسير على تكفير بعض المسلمين بما يزعم أنه من العدل بالله؛ ففسّ له عبد الرحمن ابن أبزى - وكان مفتي أهل مكة في زمانه - الآيةَ بما عرفه من نزولها. ومنه أيضاً ما رواه ابن جرير من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن ﯠ ﴿شهاب الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب: أن الله قال: ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﯧ ﯨ ﯩ ﯪ .﴾ﯫ ﯬ «قال سعيد بن المسيب غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيباً في الوصية، وردَّ الميراثَ إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، وأبى الله للمدَّعَين ميراثا ممن .ادَّعاهم وتبناهم، ولكن الله جعل لهم نصيبا في الوصية

عدد الصفحات ١٠٤

طرق التفس 104 فله أمثلة . وأما تفسيرهم القرآن بلغة العرب؛4 ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق هشيم بن بشير، عنمنها: ﯛ ﯜ ﯝ ﴿مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي في قول الله تعالى: « قال﴾ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ .هذي قال غير الحق ما رواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ومنها: .« قال﴾ﯯ﴿ ما رواه ابن أبي شيبة عن شريك، عن بيانٍ، عن عامرٍومنها: « قال﴾ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ﴿ وفيه .».... .... .... .... ما رواه ابن أبي شيبة أيضاً عن شريكٌ، عن فراتٍ، عن سعيد بن ومنها: جبيرٍ، قال لمََ مفاق ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن من طريق أشعث بن أبي ومنها: ﴾ﯟ ﯠ﴿الشعثاء عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، في قوله: «قال .تقول للطيب خلطه مسك، خلطه كذا وكذا فكانوا يتهدون في فهم النص، وفيما لم . وأما اجتهادهم في التفسير؛ 5 يبلغهم فيه نص، وكانوا أقرب إلى الصواب لقربهم من مشكاة النبوة وأخذهم عن الصحابة رضي الله عنهم، وتتلمذهم عليهم، وإحسان اتّباعهم إيّاهم.

عدد الصفحات ١٠٥

طرق التفس 105 ويقع منهم اتّفاق كثير في التفسير، ويقع بينهم اختلاف أكثره من قبيل اختلاف التنوّع. وقد يقع منهم خطأ في الاجتهاد فيردّ، كما روى ابن جرير من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين عن عَبيدة السلماني في الرجل يدركه «رمضان ثم يسافر؛ قال .؟﴾ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴿ فقول عبيدة هذا اجتهاد اجتهده في فهم النصّ، فخرج بهذا القول الذي قال به وهو أن من شهد أوّل الشهر وهو مقيم فلا يحلّ له أن يفطر إذا سافر في ذلك الشهر، وهذا قول مهجور، وصريح عمل النبي صلى الله عليه وسلم لما سافر في فتح مكة على خلافه، وكذلك أقوال الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة على خلافه. وهجران القول من دلائل ضعفه، وخطأ المجتهد في اجتهاده. حجيّة تف تفسير التابعين على مراتب فمنه ما يعدّ حجّة قاطعة للنزاع، ومنه ما هو مرجّح قويّ، ومنهم ما هو محلّ اعتبار ونظر. فأمّا حجيّة تفسير التابعين فهي في حال اتّفاقهم وعدم اختلافهم في التفسير. (إذا اجتمعوا على شيء فلا يرتاب في كونه قال شيخ الإسلام ابن تيمية: . حجة)

عدد الصفحات ١٠٦

طرق التفس 106 والإجماع يُجعرف بشهرة الأقوال وعدم المخالف وأمّا المرجّح القويّ فهو إذا تعددت الروايات عن جماعة منهم على قول واحد، أو عُجلم بقرائن الأحوال أن التابعيّ أخذ هذا التفسير عن أحد الصحابة وليس اجتهاداً منه ولا مما أخذ من أخبار بني إسرائيل فإنّه من المرجحات التي يستفاد بها ترجيح هذا القول على غيره ما لم تكن له علّة أخرى. وأما ما يكون محلّ اعتبار ونظر فهو القول الذي يصحّ عن التابعي ودلالته محتملة، ولا نقف على ما يوجب ردّه. ومن أقوال التابعين ما يُجتوقّف فيها وتجعل عهدتها على قائلها لخفاء الدليل الذي استند عليه أو يكون مما لا يقال بالرأي ولم يأخذه من الإسرائيليات وليس فيه نكارة فهذا القول تجعل عهدته على قائله ولا نقابله بالإنكار من غير دليل. ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن ﴾ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ﴿ ليث، عن مجاهد، في قوله تعالى: .«قال فهذا الأثر تفرّد به ليث عن مجاهد، وليث ضعيف الحديث، ولو صحّ عن مجاهد فهو في حكم المرسل؛ لأنه مما لا يقال بالرأي. وقد أنكر الأئمة على من أنكر هذا الأثر من الجهمية لأن منشأ إنكارهم ليس ضعف الإسناد وإنما استنكروا المتن، وتوهمّوا فيه ما توّهموه في صفة العلو لله تعالى واستوائه على العرش، ومن المعلوم أن جلوسه - إن

عدد الصفحات ١٠٧

طرق التفس 107 صحّ - ليس كجلوس النظير مع نظيره تعالى الله عما يظنّون، وليس لأحد دون الله نصيب من الملك، وإنما هو إجلاس تكريم وتشريف، وعرش الله عظيم، بل ذكر أنه أعظم المخلوقات؛ فمن غير المستنكر أن يكرمه الله تعالى بموضع يلس فيه على العرش. (يوز أن يكون مقامًا مخصوصًا لمقعد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: .النبي صلى الله عليه وسلم) واستدلّ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله «عليه وسلم .رحمتي غلبت غضبي وهذا حديث صحيح متّفق عليه، وفيه أن لهذا كتاب موضعاً كريماً على العرش. (ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا صلى الله عليه وقال ابن جرير: وسلم على عرشه قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من .أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك..) ثم أطال في بيان عدم استحالة ذلك من جهة النظر. وأنكر الأئمة على من أنكر هذا الحديث من باب التجهّم، وقد غلا بعض من كتب في السنة حتى كفّر من أنكر هذا الأثر، وهو خطأ بينّ؛ فإنّه لم يثبت بدليل صحيح، لكننا نصون أنفسنا عن القول بنفيه لأنه قول بغير علم في أمر غيبيّ، الله أعلم به.

عدد الصفحات ١٠٨

طرق التفس 108 وقد جرت محنة عظيمة بسبب هذا الأثر في القرن الثالث الهجري، وأوذي فيها بعض الأئمة، وقد روي عن الدارقطني أنه أنشد: حدي إلى أ فأم على العرش أيضاً ف أم ولا تدخل ولا تنك ولا تجح ورويت هذه الأبيات عن ابن العلاف الضرير ولعلّ الدارقطني تمثّل بها. والمقصود أن مثل هذا القول تجُجعل عهدته على قائله ولا ننكره من غير دليل. وأما الأقوال التي فيها نكارة بمخالفتها لنصّ أو إجماع فتردّ. وإذا اختلف التابعون على أقوالٍ لا يمكن الجمع بينها فلا يعدّ قول كل واحد منهما حجة على الآخر، وإنما يطلب الترجيح بين أقوالهم بطرق الترجيح المعروفة عند أهل العلم. (متى اختلف التابعون لم يكن بعض قال شيخ الإسلام ابن تيمية: .أقوالهم حجة على بعض)

عدد الصفحات ١٠٩

طرق التفس 109 والاأقوال المعتبرة والاأقوال غير المعتبرة أقوال المفسّرين على قسمين: وهي التي لها حظّ من النظر والاعتبار، القسم الأول: أقوال معتبرة، وهي التي تعتمد على أصل معتبر قائم على طريق من طرق التفسير المعروفة. ومعنى اعتبار القول أن ينظر في الجمع بينه وبين الأقوال الأخرى أو الترجيح بينه وبينها. وهي التي يتبينّ خطؤها، ومتى والقسم الثاني: أقوال غير معتبرة، استبان خطأ القول فلا يُجعتد به في الجمع والترجيح. أن يعتمد على رواية أخطأ في ضبطها ثم تبينّ الصواب فيها. ومن ذلك: أن يعتمد على اجتهاد يتبينّ خطؤه. ومن ذلك: أن ينكر أهلُج العلم هذا القول ويبيّنوا خطأه. ومن ذلك: )1(أن يهُججر القول فلا يقول به أحد ومن ذلك: انظر للأهمية مبحثي: دراسة التفسير في عصر التابعين، وأعلام المفسّين من التابعين، )1( .»تاريخ علم التفس«من كتاب

عدد الصفحات ١١٠

طرق التفس 111 الباب ال مقدمة في التف من طرق التفسير الصحيحة التفسيرُج بلغة العرب؛ ذلك بأن القرآن نزل بلسان عربيّ مبين، على أحسن ما تعرفه العرب من فنون الخطاب ودلائله. ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴿قال الله تعالى: .﴾ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ فوصفه بأنه بلسان عربيّ مبين؛ وذلك لحُجسن إفادته المعاني بمفردات وأساليب عربية فصيحة تدلّ على المراد دلالة بيّنة. وهو مبينٌ في ألفاظه ومعانيه وهداياته: وتراكيبه في غاية الحسن والفصاحة؛ ليس فيها تنافر ولا - فألفاظه تعقيد، ولا ضعف ولا تعسف. سامية جليلة؛ مستقيمة بيّنة؛ ليس فيها محال ولا غموض، - ومعانيه ولا تناقض ولا اختلاف. مُجرشِدَة للحقّ، مُجيَسَّة للعمل، متّسقة متآلفة غير متعارضة - وهداياته ولا متخالفة. .﴾ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴿وقال تعالى:

عدد الصفحات ١١٢

طرق التفس 112 والخطاب في هذه الآية للعرب الذين أنزل القرآن بلسانم ليعوه ويعقلوه؛ وفي هذا دلالة بيّنة على أنه خطاب يعرفون مفرداته وأساليبه؛ ودلائله ومراميه، وفحواه وإيماءه، ليس فيه ما يخالف ما تعرفه العرب من سَنن كلامها. ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴿وقال تعالى: .﴾ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ فوصفه بالاستقامة التي لا تشوبها شائبة عوج ولا اختلاف؛ ولا خلل ولا ضعف؛ بل هو مستقيم في ألفاظه ومعانيه وهداياته؛ في الذروة العليا من الفصاحة وحسن البيان، محكم غاية الإحكام، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم. (يقول: جعلناه قرآنا عربيّا إذْ كانوا عرباً، ليفهموا ما فيه قال ابن جرير: من المواعظ، حتى يتقوا ما حذرهم الله فيه من بأسه وسطوته، فينيبوا إلى ا.هـ.عبادته وإفراد الألوهة له، ويتبرؤوا من الأنداد والآلهة) .﴾ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴿وقال تعالى: فهو كتاب فصّله الله تعالى بعلمه فجعله تبياناً وتفصيلاً لكل شيء بلسان عربي مبين، والتفصيل والتبيين من دلائل الإفهام بما يُجعرف به المعنى ويدرك به المقصد. (يقول: فصلت آيات هذا الكتاب قرآنا عربيا قال ابن جرير رحمه الله: ا.هـ.لقوم يعلمون اللسان العربي) فكلّ من يعرف اللسان العربي معرفة حسنة يشهد لهذا القرآن بأنه في غاية الحسن التي لا يطيقها البشر، وأنه لا مطعن فيه بوجه من الوجوه.

عدد الصفحات ١١٣

طرق التفس 113 وكانت العرب قد بلغت في العناية بلُجغَتها وبلاغتها مبلغاً لم يُجسمعْ بمثله في أمةٍ من الأمم، حتى تنافسوا في الفصاحة، وتفاخروا بالقصائد المحْكَمَةِ، والخُجطَب البليغة، والأمثال السائرة، وحسن البيان عن المراد بأفصح العبارات وأبلغها، وتنافسوا في الاحتجاج عند المخاصمة والمفاخرة بأقوى حُججَّة وألطَفِ منزع، حتى توصّلوا ببراعتهم في البيان إلى أمور لا تبلغها كثير من الحِيَل. كما قال طرفة بن العبد البكري: رأي تَضَي وكان من فصحائهم وبلغائهم محكَّمون يحكمون بين المتخاصمين والمتفاخرين في الفصاحة والشعر وحسن البيان؛ فمن حُجكم له عَدّ ذلك مفخرةً له، ومن حُجكم عليه عُجدَّ ذلك الحكمُج مذمّة له ومنقصة يُجنتقص بها. وتنافسوا في الفصاحة والبيان تنافساً مشهوراً مأثوراً، ولهم في ذلك قصص وأخبار، وخطب وأشعار، وكانوا إذا جمعهم مجمع، أو وفدت قبيلة على قبيلة نمّقوا من خطبهم وأشعارهم ما يعرضون به فصاحتهم وحسن بيانم ليتوصّلوا بذلك إلى إثبات رفعة شأنم، وعلوّ قدرهم، وتخليد مآثرهم. واتخّذوا من حسن البيان سبيلاً لبلوغ المآرب، ونيل المكاسب، واكتساب المراتب، ومؤانسة الجلاس، والدخول على الملوك والكبراء، وقضاء كثير .(إنما المرء بأصغريه: لسانه وقلبه)من شؤونم؛ حتى قال قائلهم: والقلب هو الذي يُجمدّ اللسان بحسن الفكرة، وطرق الإبانة عن المقصد.

عدد الصفحات ١١٤

طرق التفس 114 وقال زهير بن أبي سلمى لس فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فشاعت فيهم الأشعار والأراجيز، والخطب والوصايا، والقصص والأمثال، فرووا منها شيئاً كثيراً لا يحُجدّ، وكان كثيرٌ منهم أهل حفظ وضبط، ربما سمع أحدهم القصيدة الطويلة تُجنشَد؛ فحفظها من أوّل مرة، وهذا كثير شائع فيهم. فكانوا يعتنون بجيّد الشعر عناية بالغة، ويحفظونه حفظ الحريص عليه، وينشدونه في مجامعهم ومواردهم ومجالسهم وأسمارهم. وكان من الشعراء من يفتخر بكثرة إنشادِ شعرِهِ وتمََثُّلِ النَّاسِ به، كما قال المسيّب بن عَلَس الضُّبَعي، وهو خال الأعشى الشاعر: فلأهدي من ت في الن يفتخر بحسن شعره، وامتيازه على غيره من الأشعار كما تمتاز الغريبة من الإبل عن غيرها؛ فتستشرفها الأنظار؛ وبأنه يُجنشد القصيدة في ممدوحه وبينهما مفاوز؛ فيحفظها الناسُج من حسنها وغرابتها ويتمثلون بها، فيتسامع بها المستسقون في موارد مياههم، ويتناشدونا حتى تصل إلى ممدوحه من غير كتابةٍ ولا رسول. وقال مُجزَرِّد بن ضرار الغطفاني في التحذير من هجائه: زعي يغنّري بها الساري وتحُدى الرَّواحل مش ض

عدد الصفحات ١١٥

طرق التفس 115 تُكَ إذا رازت الشعرَ الشفاهُ العوامل فمَ كشامةِ وجه ليس للشامِ غاسِلُ وقال الحصين بن حمام المري: وقافي قرض شروداً تَلَم إذا أُنش وكان الشعر ديوان العرب، إذ لم تكن لهم كتب، وفكانوا يحفظون وقائعهم ومآثرهم وأخبارهم بأشعارهم، وكانوا يفاضلون بين القصائد والشعراء، ويعرفون مراتبهم، ويوازنون بين أساليب الشعراء وطرائقهم حتى كان منهم من يميّز بين أشعار الشعراء كما نميّز بين الأصوات؛ وكما يعرف القافةُج الأشباه، فلا يشتبه عليه شعرُج شاعرٍ بغيره؛ فيعرفون المنحولَ والمدرجَ والمسترفَد والمهتدَم، وأشعار القبائل والموالي، حتى إنّ منهم من يميّز شعرَ الرجل من شعر أبيه، وإن كان يحتذي بمثاله، وينسج على منواله. وقد بقيت هذه المعرفة بعدهم إلى زمن، ومن لطائف ما يذكر في ذلك ما رواه أبو علي الحرمازي قَالَ: مرَّ جرير بذي الرُّمَّة، فقَالَ: يا غَيْلان، أنشدني ما قلت فيِ المرئي؛ فأنشده: نب عفت فقَالَ: ألا أُجعينك! قَالَ: بلى، بأبي وأمي، فقَالَ: يَعُ بي يعُ وعم ويهل ك

عدد الصفحات ١١٦

طرق التفس 116 قَالَ: فمرَّ ذو الرمة بالفرزدق، فقَالَ: أنشدني ما قلتَ فيِ المرئي؛ فأنشده القصيدة، فلما انتهى إِلىَ هذه الأبيات؛ قَالَ الفرزدق: حَسْ! أعدْ عَليََّ، فأعاد، فقَالَ: (تالله لقد عَلَكَهُجنّ أشدَّ لحيين منك). وفي رواية أنه قال: (هذا شعر ابن المراغة) يعني جرير بن عطية. (وليس : »طبقات فحول الشعراء «وقال محمد بن سلام الجمحي يُجشكِل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا، ولا ما وضع المولَّدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من وَلَدِ الشُّعَراء أو الرجل . ليس من ولدهم؛ فيُجشكل ذلك بعض الإشكال) (أخبرني أبو عبيدة أنّ ابن داوود بن متمم بن نويرة قدم البصرة ثمّ قال: في بعض ما يقدم له البدويّ من الجَلَبِ والميرة؛ فنزل النَّحيت؛ فأتيتُجه أنا وابن نوحٍ العطاردي؛ فسألناه عن شعر أبيه متمّم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته؛ فلماّ نفد شعر أبيه؛ جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلامٌ دونَ كلامِ متمّم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها ا.هـ. متمِّم، والوقائعَ التي شهدها؛ فلماّ توالى ذلك علمنا أنه يفتعله) والمقصود من ذكر عناية العرب بلسانم وبيانم، وحفظهم لأشعارهم ومآثرهم وآثارهم، وتمييزهم بين الصحيح والمنحول، والفاضل والمفضول، بيان ما وصلوا إليه من الرتبة العالية في فهم الخطاب العربي وتمييز رُجتَبِه، ومعرفة فنونه وأساليبه، وتنوّع دلائله. فلماّ نزل القرآن بلسان عربيّ مبين؛ على أحسن مما يعرفون من الفصاحة والبيان، بهرهم حُجسْنُجه، وأدهشهم بيانه، فاستولى على المرتبة العليا من البيان بلا منازع يدانيه، ولا منافس يساميه، من قول خطيب، ولا شعر شاعر،

عدد الصفحات ١١٧

طرق التفس 117 وتيقّنوا أنه لا طاقة لأحد أن يأتي بمثله، ولا بقريب منه، وأنّ المتعرّض لمعارضته إنما يعرّض نفسه للهزء بها، فصانوا أنفسهم عن قصد معارضته. وقد علموا أنّه لو كان من قول البشر لما أعيا فصحاءهم أن يأتوا بمثله أو بقريب منه، وَلَتجاسروا على ادّعاء معارضته كما يعارض الشعراء والخطباء بعضهم بعضاً، وكانت كلّ قبيلة تأنف أن يتحدّاها شاعر أو خطيب فلا يتصدّى له من شعرائها وخطبائها مَن ييبه. فلماّ تحدّاهم الله تعالى لم يقدروا على معارضة كلامه ولا الإتيان بمثله. ﭑ ﭒ ﴿وقد أنزل الله تعالى تحدّيهم في غير ما آية؛ فقال تعالى: ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ .﴾ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴿- وقال تعالى: ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ .﴾ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴿- وقال تعالى: .﴾ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴿- وقال تعالى: .﴾ﭧ ﭨ ﭩ فلماّ أعجزهم ذلك، وكبر على المشركين المعاندين أن يقرّوا بأنّه كلام الله تعالى؛ عدلوا عن المعارَضة إلى اختلاق الأقوال المنفرة عن القرآن

عدد الصفحات ١١٨

طرق التفس 118 وعن اتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: هو سحر، وقالوا كهانة، وقالوا: شعر، وقالوا: تقوَّله محمّد (صلى الله عليه وسلم)، وقالوا: .﴾ﭕ ﭖ ﭗ﴿، وقالوا: ﴾ﭻ ﭼ ﭽ﴿ واختلاف أقاويلهم وتعارضها من دلائل تساقطها وبطلانا، وأنم إنما فروا من الإقرار بأنّه كلام الله تعالى، خوفاً من أن يلزمهم ذلك تركَ ما هم عليه من الشرك، واتباعَ الرسول صلى الله عليه وسلم. وإذْ لم يقرّوا أنه كلام الله تعالى فهو عندهم من كلام البشر وإن اختلفوا في نوعه، وهذا الفرار من الإقرار بأنّه كلام الله تعالى يُجدخلهم في دائرة التحدّي الذي لا يطيقونه؛ فبقوا مختلفين متحيرّين مبهوتين. وقد اجتمعت قريش لينتدبوا رجلاً من أعلمهم بالشعر والسحر والكهانة يادل النبي صلى الله عليه وسلم ليثنيه عن دعوته فوقع اختيارهم على عتبة بن ربيعة؛ فذَكر له ما ذَكر، وعَرَضَ عليه ما عَرَض من جمع المال له حتى يكون أغناهم والتزويج والتتويج بالملك في القصة المشهورة ليثنيَه عن دعوته؛ فلماّ قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مصنف «بهُجت وتحيرّ ورجع إلى قومه بغير الوجه الذي ذهب به، ك من حديث الأجلح »مستدرك الحاكم« و»مسند أبي يع« و»ابن أبي شيبة بن عبدالله الكندي، عن الذَّيَّال بن حرملة الأسدي، عن جابر بن عبدالله «رضي الله عنهما قال بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرَّق جماعتنا وشتَّت أمرَنا وعابَ ديننا؛ فليكلّرمه، ولينظرْ ماذا يردّر عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا الحديث. غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد؛ فأتاه عتبة

عدد الصفحات ١١٩