طرق التفس 296 الاجتهادوالطريق الثاني: وكان من علماء اللغة من يتهد في فقه كلام العرب وأساليب تخاطبهم، فيجمع ويوازن، ويقيس ويستنتج، ويستخرج العلل، ويستنبط المعاني وأحكام الكلام، ويحفظ الشواهد وينقدها، ويقرر الحجج اللغوية ويرتّبها، ويُجباحث العلماء ويناظرهم؛ حتى يقع له علم كثير بالقياس يضيفه إلى ما ثبت لديه بالسماع. واجتهاد العلماء في التفسير اللغوي فرع عن اجتهادهم في فقه كلام العرب وتفسير ما يروى من خطبهم وأشعارهم وأمثالهم. ومما يتهدون فيه ما يقع الاتفاق عليه، وهو كثير في مسائل التفسير اللغوي، ومنه ما يختلفون فيه؛ فما أجمعوا عليه فهو حجّة لغوية مقبولة، وما اختلفوا فيه فينظر في نوع خلافهم ويُجرجّح بين أقوالهم إذا لم يمكن الجمع ينبغي التنبّره إلى أمرين:بينها، غير أنّه أنه ليس كلّ ما تحتمله اللفظة من المعاني يقبل في التفسير؛ أحدهما: فالمعاني اللغوية وإن ثبتت بطريق صحيح من نقل ثابت أو قياس صحيح فلا تقتضي أن تفس الآية بها؛ ذلك أن التفسير بالاحتمال اللغوي لمعنى بعض الاحتمالات اللغوية اللفظة إذا عارض ما هو أولى منه فإنه يُجرَدّ، وردّ يرجع غالباً إلى ثلاثة أسباب: أن يقوم دليل من القرآن أو السنة أو الإجماع على تخصيص أحد .1 الاحتمالات اللغوية في تفسير الآية؛ فحينئذ لا يوز تفسير الآية بغيره من الاحتمالات وإن كانت صحيحة الإطلاق من جهة اللغة.
عدد الصفحات ٢٩٧طرق التفس 297 أن يعارض الاحتمال اللغوي دليلاً صحيحاً من كتاب أو سنّة أو .2 إجماع أن لا يلتئم الاحتمال اللغوي لمعنى اللفظة عند إفرادها مع السياق .3 ولا مناسبة الآية ولا مقصدها أن التفسير اللغوي منه ما هو محلّ إجماع، ومنه ما هو والأمر الآخر: محلّ خلاف واجتهاد، وقد يقع الخطأ والاختلاف في التفسير اللغوي كما هو واقع في غيره من العلوم، لكن لا يُجمكن أن يقع تعارض بين قول مجمع عليه عند أهل اللغة وبين قول متفق عليه عند السلف. موارد الاجتهاد في التف اجتهاد العلماء في التفسير اللغوي له موارد ومداخل منها: الاجتهاد في ثبوت السماع عن العرب من عدمه، وذلك أن لإثبات :1 السماع طرق ومراتب منها ما هو محلّ اتّفاق، ومنها ما اختُجلف فيه، وللنقل علل وآفات يقع الاجتهاد في اكتشافها وقبولها وردّها، وينبني على هذا الاجتهاد ما ينبني من الأحكام اللغوية المترتبة على الاجتهاد في ثبوت السماع. الاجتهاد في صحة القياس اللغوي.:2 الاجتهاد في توجيه القراءات، وهو من الموارد التي كثر اجتهاد :3 المجتهدين اللغويين فيها الاجتهاد في إعراب القرآن، واجتهادهم فيه كثير معروف، وأثره :4 على المعنى وترتّبه عليه ظاهر بينّ
عدد الصفحات ٢٩٨طرق التفس 298 الاجتهاد في:تلمّس العلل البيانية، وهو أمر يختلف فيه اجتهاد : 5 المجتهدين، ويتفاوتون في مراتبه تفاوتا كبيراً الاجتهاد في تصريف بعض المفردات القرآنية، وقد تقدّم ذكر بعض :6 الأمثلة على ذلك الاجتهاد في بيان اشتقاق بعض المفردات القرآنية. :7 الاجتهاد في اكتشاف الأنواع البديعية والبيان عنها:8 الاجتهاد في البيان عن تناسب الألفاظ والمعاني القرآنية:9 الاجتهاد في التخريج اللغوي لأقوال المفسّين :10 وهذه الموارد تبينّ سعة مجال الاجتهاد اللغوي في التفس الانحراف في التف مما ينبغي أن يحذره طالب العلم ويحترز منه الانحراف في التفسير اللغوي، وهذا الانحراف له أسبابه ومظاهره وآثاره. - فأمّا أسبابه فأعظمها الإعراض عن النصوص المحكمة وإجماع السلف، واتّباع المتشابه لهوى في النفس، وزيغ في القلب؛ كما قال الله تعالى: .﴾ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴿ وكثيراً ما يستند أصحاب الأهواء في تسويغ بِدَعِهم وتزيينها، والتشكيك في بعض مسائل الاعتقاد الصحيح إلى مُجستند لغويّ يتوهمّونه حُججّة لهم، وليس لهم على باطلهم حجة صحيحة، لأنّه لا يُجمكن أن يقع تعارض بين ما وقع الإجماع عليه من صحيح الاعتقاد وبين الأدلة اللغوية الصحيحة.
عدد الصفحات ٢٩٩طرق التفس 299 ومتى أُجقيم التعارض بينهما علمنا خطأ مَن ادّعى التعارض أو وهمه أو كذبه؛ فإذا فتَّش الأمرَ عالم خبير عرف علّة خطئهم وبيّنه، ولذلك أمثلة كثيرة. وبعض أصحاب البدع من المفسّين قد يكون ماهراً في دسّ البدعة في تفسيره، والتمحّل لإثبات معتقداته الباطلة وترويها بأدنى مسوّغ لغوي، وقد تروج بعض أقوالهم على بعض أهل السنة لغفلتهم عن مقصدهم، وانسياقهم وراء الخدع البيانية التي يُجظهرها أصحاب تلك الأقوال. وكم من قول باطل راج بسبب إلباسه لباس التعبير عن بيان القرآن ولطائف بلاغته، لما تقرّر في نفوس المسلمين من التسليم ببلاغة القرآن وتعظيم بيانه، وضعف أداتهم اللغوية عن اكتشاف علل تلك الأقوال الباطلة. - وأمّرا مظاهر الانحراف فمن أبينها: مقابلة نصوص الاعتقاد بالتشكيك في دلالتها، وإقامة الاحتمالات .1 اللغوية الباردة لتشتيت النظر فيها والتمحّل لنصرة أقوال أهل الأهواء بأدنى الحجج اللغوية وأوهاها. .2 وإقامة دعاوى التعارض بين النصوص ليبتغي بالجمع بينها مسلكاً.3 لترويج بدعته وضعف العناية بالسنّة، وازدراء أهل الحديث، ورميهم بسوء الفهم، .4 وضعف الحجة؛ وقد عُجلم أنّ أهل الحديث هم حملة لواء السنة؛ فلا يقع الطعن على عامّتهم إلا ممن غاظه ما قاموا بحمله.
عدد الصفحات ٣٠٠طرق التفس 300 ودعوى التجديد القائم على نبذ أقوال السلف.5 - وللانحراف في التفسير اللغوي آثار خطيرة على متعاطيه ومتلقّيه، فمن اتّبع غير سبيل المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان ؛ فهو في ضلال مبين، وقد ورد في وعيده ما هو معلوم في نصوص الكتاب والسنّة. ومن صدّقهم بباطلهم، واتّبعهم عليه؛ فهو متّبع لأئمة ضلالة؛ والمرء مع من اتّبع، غير أنّه ينبغي أن يُجعلم أنّ البدع على درجات، ولها أحكام؛ فمستقلّ ومستكثر. والله تعالى أعلم ، وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٣٠١طرق التفس 301 الباب العا من طرق التفسير التي يحتاج إليها المفسّ الاجتهاد في التفسير؛ وهو من الطرق المشروعة المعتبرة إذا قام به من هو أهل لذلك، ولم يتعدّ حدود الله تعالى في اجتهاده. ويُجرجى للمجتهد المتّقي التوفيق للصواب؛ ومضاعفة الثواب؛ فيثاب على اجتهاده، ويثاب على إصابته؛ وإن أخطأ من غير تعدٍّ ولا تفريط رُججيت له المغفرة والإثابة على اجتهاده لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر بن العاص، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه. (فتبين أن المجتهد مع خطئه له أجر؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له؛ لأن دَرْكَ الصواب في جميع ﮪ ﮫ ﮬ ﴿أعيان الأحكام؛ إمَّا متعذر أو متعسّ، وقد قال تعالى: ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴿ وقال تعالى: ﴾ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ .﴾ﯞ في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه عام و فأدركتهم صلاة العصر «الخندق
عدد الصفحات ٣٠٢طرق التفس 302 في الطريق؛ فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة، وقال بعضهم: لم يُجرِدْ ا.هـ.منَّا هذا؛ فصَلَّوا في الطريق؛ فلم يعب واحدةً من الطائفتين) ومن حكمة الله تعالى أن فَسَح للاجتهاد مجالاً رحباً يحمل المجتهد على التفكّر والتدبّر، وإمعان النظر، لفهم المعنى، وإدراك المقصد، واستنباط الحكم. وجعل له حدوداً من تعدّاها كان خاطئاً آثماً، ومن لم يتعدّ حدود الله من أهل الاجتهاد ولم يوفّق للإصابة كان مخطئاً معذوراً، ومن أصاب منهم كان موفّقاً مأجوراً. ومن بَرَكَةِ القُجرآن برَكة معانيه وكثرتها واتّساعها، فلا يحيط بها عِلْمُج عالم من البشر، بل ربما قرأ الآيةَ الواحدةَ جماعةٌ من العلماءِ الأذكياءِ فظهر لكل واحد منهم من المعاني ودلائلها ما خفي على غيره. ومن دلائل ذلك كثرة المصنفات في التفسير والرسائل المفردة في بعض الآيات والمسائل، واستدراك العلماء بعضهم على بعض؛ حتى غدا التفاوتُج في معرفة معاني القرآن وسبل الاهتداء إليها تفاوتاً كبيراً بيّناً. قال أبو جحيفة السَّوائيّ رضي الله عنه: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ «قال ، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة . رواه البخاري.« والفهم في القرآن من ثمرات الاجتهاد في تدبّر آياته والتفكّر في معانيه، والتبصرّ بدلائله، واستعمال أدوات الاجتهاد الصحيحة للوصول إلى المعاني واستخراجها بأنواع من الدلالات المعتبرة لدى أهل العلم.
عدد الصفحات ٣٠٣طرق التفس 303 الاجتهاد والاجتهاد في التفسير وفي غيره من مسائل الدين في موارده الصحيحة وبمراعاة حدوده وآدابه سنّة متّبعة؛ فقد اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير، وهو إمام المجتهدين صلى الله عليه وسلم، كما سبق بيانه، واجتهد من بعده خلفاؤه الراشدون المهديّون الذين أمرنا باتّباع سنّتهم، وجرى عليها عمل الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فكانوا أئمة للمجتهدين، إذ رفعوا منار الاجتهاد، وبيّنوا حدوده وآدابه، ومداخله وموارده، وما يسوغ الاجتهاد فيه وما لا يسوغ. والحاجة إلى الاجتهاد في التفسير قائمة في كلّ عصر من العصور، وأسئلة السائلين عن مسائل التفسير كثيرة متجددة، ونوازل مسائل التفسير في كلّ عصر تتطلّب من العلماء الاجتهاد في شأنا، وتبصير الناس بما يلزمهم من اتّباع الهدى في تلك النوازل. عن الصحابة وقد ورد في شأن الاجتهاد في مسائل الدين جملة من الآثار رضي الله عنهم تدلّ دلالة بيّنة على ترتيب طرق التفسير، وبيان مرتبة دلالة ومن تلك الآثار:الاجتهاد من الدلائل المتحصّلة بتلك الطرق، ما رواه أبو الضحى عن مسوق، قال: (كتب كاتب لعمر بن .1 الخطاب رضي الله عنه: هذا ما أرى اللهُج أميرَ المؤمنين عمرَ؛ فانتهره عمر «رضي الله عنه، وقال . رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر والبيهقي في الكبرى.
عدد الصفحات ٣٠٤طرق التفس 304 وقال إدريس الأودي: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتابا فقال .2 هذا كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه؛ فذكر الحديث، «وقال فيه فتعرَّف الأمثالَ والأشباهَ، ثم قِسِ الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها إلى . رواه البيهقي بهذا اللفظ، وكتاب عمر لأبي موسى الله، وأشبهها فيما ترى مشهور روي من طرق متعددة. وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتاباً إلى شريح القاضي فكان .3 «فيه الرجال؛ فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم فيه أحد قبلك؛ فاختر أي الأمرين شئت: إن شئتَ أن تجتهد برأيك ثم تَقَدَّم فتَقَدَّم، وإن شئتَ أنْ تأخَّرَ فتأخَّرْ، ولا أرى . رواه ابن أبي شيبة والدارمي والبيهقي من طريق أبي التأخّرر إلا خيرا لك إسحاق الشيباني عن الشعبي عن شريح، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه؛ فذكره، وهذا إسناد صحيح. وروى شعبة عن قتادة، عن أبي العالية، عن علي رضي الله عنه أنه .4 «قال فرجل جار عن الحق متعمدا، ورجل اجتهد رأيه فأخطأ، وأما الذي في .الجنة؛ فرجل اجتهد رأيه في الحق فأصاب
عدد الصفحات ٣٠٥طرق التفس 305 قال قتادة: فقلت لأبي العالية: ما بال هذا الذي اجتهد رأيه في الحق فأخطأ؟ . رواه البيهقي، «قال (تفسير أبي العالية على من لم يحسن يقضي دليلٌ على أنَّ الخبر ورد وقال: فيمن اجتهد رأيه، وهو من غير أهل الاجتهاد؛ فإن كان من أهل الاجتهاد فأخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد رُجفع عنه خطؤه - إن شاء الله - بحكم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي .الله عنهما) « وقال عبد الله بن مسعود .5 نقضي، ولسنا هنالك؛ فإن الله عز وجل قد بلَّغنا ما ترون؛ فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم؛ فليقض فيه بما في كتاب الله عز وجل؛ فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله عز وجل؛ فليقض فيه بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله عز وجل، ولم يقض به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليقض بما قضى به الصالحون؛ فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله، ولم يقض به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقض به الصالحون؛ فليجتهد رأيه، ولا يقولن أحدكم: إني أخاف وإني أرى؛ فإنَّ الحلال بينّر، والحرامَ بينّر، وبين ذلك أمور مشتبهة؛ فدع ما يريبك إلى ما لا . رواه البيهقي.يريبك « وقال عبيد الله بن أبي يزيد. 6 عنهما إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به
عدد الصفحات ٣٠٦طرق التفس 306 - وإذا لم يكن في كتاب الله وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال به - وإن لم يكن في كتاب الله، ولم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال به. . رواه البيهقي وابن عبد البر من طرق عن سفيان - وإلا اجتهد رأيه بن عيينة عن عبيد الله به. وروى الشعبي، عن مسوق أنه قال: سألت أبيَّ بن كعب عن شيء .7 « قلت: لا، قال«فقال .»جامع بين العلم وفضله«، وابن عبد ال»الإبانة« رواه ابن بطّةرأينا وقال إسماعيل بن أبى خالد: سمعت عامراً الشعبيّ يقول: استفتى .8 رجل أبيَّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر ما تقول في كذا وكذا؟ «قال قال : لا. . رواه «قال الدارمي. وقال الزهري: (بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول: إذا سُجئِلَ .9 فإن قالوا: نعم قد كان، حدّث فيه بالذي يَعْلم «عن الأمر ). رواه الدارمي.«والذي يَرى، وإن قالوا: لم يكن، قال وقال الشعبي: سُجئِلَ عمار بن ياسر عن مسألة؟ .10 .«فقال قالوا: لا.
عدد الصفحات ٣٠٧طرق التفس 307 . رواه الدارمي«قال وفي هذه الآثار ونحوها ما يدلّ دلالة بيّنة على أن الاجتهاد سنّة متّبعة بشروطه وآدابه. مراتب دلالات طرق التف والاجتهاد في التفسير ليس طريقاً مستقلا منفصلا عن سائر طرق التفسير؛ بل هو تابع لها ومترتّب عليها. طرق التفسير راجعة إلى أصول ومراتب ينبني ولذلك ينبغي أن يُجعلم أن بعضها على بعض. ما تحصل به الدلالة النصية من الكتاب والسنة على فالأصل الأول: معاني الآيات؛ فدلالة النصّ الصحيح الصريح هي أصل الدلالات، والحاكمة عليها، والمبيّنة لحدودها. وكل مسألة حَظِي المفسّ فيها بدلالة نصية صريحة لم يحتج معها إلى اجتهاد؛ إذ لا اجتهاد في موضع النص، بل كل اجتهاد خالف النصّ فهو مردود. دلالة الإجماع وهي من الدلائل المستفادة من التفسير والأصل الثاني: بأقوال الصحابة والتابعين؛ فإذا أجمعوا على تفسير آية فإجماعهم حجّة لا تحلّ مخالفته. وهذا الأصل ينبني على ما قبله؛ إذ لا يُجمكن أن يقع الإجماع على مخالفة دليل صحيح غير منسوخ من الكتاب والسنة.
عدد الصفحات ٣٠٨طرق التفس 308 دلالة الأثر، والمقصود بها ما تحصّل للمفسّ من أقوال والأصل الثالث: الصحابة والتابعين في تفسير الآية مما لم يتحقق فيه الإجماع؛ فهذه الدلالة أقل مرتبة من سابقتيها، وهي مترتّبة عليهما؛ إذ كل قول خالف الأصل الأول أو الثاني فهو مردود. غير أنّ مخالفة الصحابي إذا صحّ الإسناد إليه ولم يتبينّ لقوله علة يُجعرف بها أنه أخطأ في ذلك القول أو أنه اعتمد على نصّ منسوخ ولم يقع إنكار من علماء الصحابة لقوله فإن تلك المخالفة ترفع دعوى الإجماع؛ فتكون المسألة مسألة خلاف وليست مسألة إجماع. وأما مخالفة أحد التابعين لقول وقع الاتّفاق عليه فلا ترفع الإجماع على الصحيح بشرط أن لا يُجتابَع على قوله؛ فإذا تابعه بعض العلماء على قوله كانت المسألة مسألة خلاف، وإما إذا هُججر قوله ولم يُجتابعه عليه أحد لم تكن مخالفته قادحة في انعقاد الإجماع؛ لأن هجران العلماء لقوله دليل على إجماعهم على خطئه. ومسائل الخلاف التي لا يمكن الجمع بين الأقوال فيها وإنما يُصار فيها إلى الترجيح على نوعين: مسائل الخلاف القوي.النوع الأول: مسائل الخلاف الضعيف. والنوع الثاني: فهي المسائل التي يكون لأصحاب كلّ قول فأمّرا مسائل الخلاف القويّر أدلّة لها حظّ كبير من النظر، ويكثر الاختلاف بين العلماء في الترجيح بينها.
عدد الصفحات ٣٠٩طرق التفس 309 فهي المسائل التي يكون القول المرجوحوأما مسائل الخلاف الضعيف؛ فيها بينّ الضعف، وإن قال به بعض العلماء لأسباب اقتضت منهم ذلك؛ كأن يعتقدوا صحة دليل ضعيف الإسناد، أو له علّة قادحة لم يتبيّنوها، أو كان قولهم مستنداً على نصّ منسوخ لم يبلغهم العلم بنسخه، إلى غير ذلك من الأسباب التي يتبينّ بها ضعف القول، وعامّة مسائل الخلاف الضعيف يكون قول الجمهور فيها هو الصواب، والقائلون بالقول الضعيف قلة. والمقصود أن مسائل الخلاف الضعيف يستدلّ للقول الراجح فيها بدلالة الأثر؛ إذ أصحابه أوفر حظّا بهذه الدلالة من مخالفيهم. وهذه الدلالة تنبني على ما قبلها؛ فلا تصحّ دلالة الأثر على ما يخالف النصّ أو الإجماع. وكلّ من استدلّ بقول مأثور على ما يخالف النصّ أو الإجماع فاستدلاله باطل. دلالة اللغة، وذلك بتفسير الآية بما يحتمله السياق من والأصل الرابع: المعاني اللغوية، وهذه الدلالة مترتّبة على ما قبلها؛ فيُجشترط لقبولها أن لا تخالف النص ولا الإجماع ولا أقوال السلف. وكل تفسير اعتمد فيه صاحبه على احتمالٍ لغويٍّ خالف فيه نصّا أو إجماعاً أو أقوال السلف في الآية فهو تفسير مردود. دلالة الاجتهاد، وهي دلالة مترتّبة على ما سبق من والأصل الخامس: الأصول، لا يوز أن تخرج عنها، فكلّ تفسير اعتمد فيه صاحبه على اجتهاد خالف فيه نصّاً أو إجماعاً أو أقوال السلف أو الدلالة اللغوية الصحيحة فهو تفسير مردود.
عدد الصفحات ٣١٠طرق التفس 310 وبهذا يُجعلم أن التفسير بالاجتهاد له حدود تضبطه، وهذه الحدود مبيَّنة بدلائل محكمة لا يخُجالفها إلا متعدّ أو مفرّط. تحريم القول على الله تعالى بغير علم، ووجوب ومن تلك الحدود: اتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم وتحريم معصيته، ووجوب اتّباع سبيل المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان، وتحريم مخالفة سبيلهم، وأنّ القرآن نزل بلسان عربيّ مبين لنعقل معانيه، ونتفكّر في آياته. وهذه الجُجمل العظيمة وما في حكمها دلائلها محكمة بيّنة في النصوص، ولا خلاف فيها، ومن تأمّلها حقّ التأمّل وجدها قد بيّنت حدود اجتهاد المجتهدين في التفسير وفي غيره من أمور الدين. موارد الاجتهاد في التف والاجتهاد في التفسير مع ما تقدّم من التنبيه على حدوده ومرتبته له وفي مجال رحب فسيح؛ وهو داخل في جميع طرق التفسير غير مزايل لها، كلّر طريق موارد للاجتهاد. . فأمّا طريق تفسير القرآن بالقرآن؛ فمنه ما تكون دلالته نصيّة ظاهرة، 1 لا يحُجتاج معها إلى اجتهاد، ومنه مسائل كثيرة هي محلّ اجتهاد ونظر ك تقدّم بيانه. ويدخل الاجتهاد في عامّة أنواع تفسير القرآن بالقرآن، وأصل ذلك أن يستخرج المجتهد دلالةً من آية لتفسير آية أخرى أو لبيان معنى يتّصل بها يعين على معرفة تفسيرها أو ترجيح قول على قول من الأقوال المأثورة في تفسيرها.
عدد الصفحات ٣١١طرق التفس 311 ولهذا الاجتهاد موارد ومداخل منها الاجتهاد في ثبوت أسانيد بعض القراءات التي يستفاد منها في أ: التفسير وإن لم يكن يُجقرأ بها. والاجتهاد في تفسير لفظة بلفظة أخرى كما تقدّم من تفسير السجّيل ب: بالطين. والاجتهاد في بيان الإجمال وتقييد المطلق وتخصيص العام باستخراج ج: ما يدلّ على ذلك من آيات أخرى، ولذلك أمثلة كثيرة تقدّم ذكر بعضها. والاجتهاد في الجمع بين آيتين لاستخراج حكم شرعي؛ كما فعل عليّ د: وابن عباس في مسألة أقلّ مدّة الحمل. والاجتهاد في تفصيل أمر مذكور في آية بذكر ما يتعلّق به من آية ه أخرى ليُجستعان به على بيان بعض أوجه التفسير أو الترجيح بين الأقوال المأثورة في تفسيرها. والاجتهاد في الاستدلال لبعض الأقوال التفسيرية بما يقوّيها بدلالة و: من آية أخرى. الظّاهر أنّه جنس ﴾ﮋ﴿ (وقوله:قول ابن كثير: ومن أمثلة ذلك: ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴿القلم الّذي يُجكتَب به كقوله: فهو قسمٌ منه تعالى، وتنبيهٌ لخلقه على ما أنعم به عليهم ﴾ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ا.هـ.من تعليم الكتابة الّتي بها تنال العلوم) فهذا استدلال من ابن كثير لتقوية قول من فسّ القلم في هذه الآية بأنّه جنس الأقلام، في مقابل من فسّ القلم هنا بالقلم الذي كتب به في اللوح المحفوظ.
عدد الصفحات ٣١٢