المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

خواطر

محمد بن إبراهيم الحمد

صفحة ٣ من ١٦

خ٘اطس 35 روى الإماـ أبٞد بسنده عن وكيع قاؿ : =قالت أـ سفياف لسفياف: يا ببِ! اطلب العلم وأنا أكفيك بٗغزلي +. و قالت لو ذات مرة _فيما يرويو الإماـ أبٞد_= :يا ببِ إف كتبت عشرة أحرؼ فانظر ىل ترى بُ نفسك زيادة بُ خشيتك وحلمك ووقارؾ, فإف لم ترَ ذلك فاعلم أنها تضرؾ , ولا تنفعك +. بُ ىذا الأثر ب٭وذج عاؿٍ لبَبية السلف لأولادىم ؛ فأـ سفياف _ربٞها ا _ آنست من ابنها النجابة, والأب٤عية؛ فػَعُ نيت بتعليمو, وفػَ ر غَ تْ وُ لذلك الغرض النبيل, وصارت تتعاىده بالنصح, وتتخولو باب٤وعظة, وتغاضت عن حقوقها البٍ ب٘ب على ابنها ب٫وىا؛ فلم بٱُِ يبِ اللهُ رجاءىا؛ حيث أصبح سفياف الثوري فقيوَ العرب , وأمبَّ اب٤ؤمنبْ بُ اب٢ديث, وأحدَ أصحاب اب٤ذاىب الستة اب٤تبوعة؛ فذاقت أمو بره, وصار ابنُ ها حسنةً من حسناتها البٍ تضاؼ _بإذف ا_إلى رصيد أعماب٥ا. فهذه اب٢ادثة ترشد الوالد إلى أف يُ عبُ ببَبية ابنو على العلم وسائر الفضائل, ولو أدى ذلك إلى أف يتغاضى الوالد عن بعض حقوقو؛ فيحسن بو إذا آنس من ابنو ذ كاءً , وإقبالاً على العلم أف يعينو على نفسو, وأف يهي ئ لو اب١و اب٤لبئم؛ فإذا كَ برَِ الولدُ , وناؿ من العلم ما ناؿ ذاؽ والده من بره, ودعائو ما تػَ قَ رُّ بو عينُ و بُ العاجل والآجل. يقاؿ ىذا الكلبـ بُ حق بعض الوالدين الذين لا يروف البر إلا من خلبؿ أمور تدور حوؿ خدمة الوالد, والقرب منو . ولا ريب أف ىذه صور عظيمة من البر, وأنو من أوجب ما بٯب على الولد هطٚفٞ في تسبٚٞ الأٗلاد

عدد الصفحات ٣٣

خ٘اطس 36 ب٘اه والده. ولكن إذا تيسر للوالد أف يقوـ بشؤونو, ويتغاضى عن بعض حقوقو من أجل مصلحة تعود على الولد والوالد, بل والأمة _فذلك خبّ وأبقى.

عدد الصفحات ٣٤

خ٘اطس 37 سئل حكيم: أيهما أحب إليك: أخوؾ أو صديقك؟ فقاؿ: =أخي إذا كاف صديقي+. ىذه الإجابة اب٢كيمة تشبّ إلى أنو ينبغي أف يكوف الأخ صديقاً لأخيو, دوف أف يكتفي برابطة الأخوة وإف كان ت من أعظم الروابط. واب٤تأمل بُ أحواؿ الناس, و ما يكتب بُ العلبقات عموماً يلحظ فتوراً بُ علبقات الإخْوة فيما بينهم, وقِل ةً بُ الكتابات البٍ تتعرض ب٥ذا النوع من العلبقات. فالإخْوة _بُ كثبّ من الأحياف _بٲيلوف إلى طابَع الرب٠ية بُ علبقاتهم, وربٗا مالوا إلى جانب الند ية, وربٗا كاف بعضهم بٰقر بعضاً , ولا يقضيو حق الاحبَاـ والتقدير؛ فيخسر الإخْوَةُ خسارةً فادحة؛ إذ يفوتهم الأجر والتآزر, والتعاوف على مرافق اب٢ياة . ويفوتهم _أيضاً_جوانب كثبّة من السعادة والصداقة اب٤ؤسسة على الثقة والرابطة القوية . ويُعر ضوف أُسَرَىُمْ, ووالديهم, وأولادىم لنكسات وعداوات ربٗا أكلت الأخضر واليابس. والذي ينبغي بُ العلبقات ببْ الإخوة أف تقوـ على الإيثار, والمحبة, والصفاء, وتدبر العواقب, و تقدير الصغبّ للكببّ, وربٞة الكببّ بالصغبّ, وإنزاؿِ ذي اب٤نزلةِ مكانَوُ اللبئق بو,وتشجيعِ اب٤تباطئ واب٤تكاسل حبٌ ينهض بنفسو, وأف يكمل بعضهم بعضاً حبٌ يُسعدوا أنفسهم, وأسرىم, وألا بٯعلوا لقائل فيهم مقالاً . أخٛ إذا كاْ صدٙكٛ

عدد الصفحات ٣٥

خ٘اطس 38 وإذا قُد ر للئنساف أف يكوف ذا شهرة, أو علم, أو جاه, أو ماؿ, أو ب٫و ذلك_فيحسن بو ألا ينسى نصيب إخوانو منو, وألا يتطاوؿ عليهم. كما ينبغي ب٤ن كاف ب٥م أخ قد ناؿ ما ناؿ ب٩ا ذُكر _أف يعينوه على نفسو وألا يقفوا أماـ طموحاتو, وأف بٰملوا عنو ما بٯب عليو من ب٫و بر الوالدين, وما جرى ب٦رى ذلك, فيكونوا بذلك شركاء لو بُ الأجر والنجاح . وب٩ا يعبْ على شيوع روح الصفاء ببْ الإخوة أف يبادروا إلى قسمة اب٤بّاث؛ لكي يظفر كلُّ طرؼ بنصيبو, وليقطعو ا دابر الفتنة وسوء الظن. وب٩ا يصفي الود ببْ الإخوة أف بٰرصوا على الوئاـ والاتفاؽ حاؿ الشراكة؛ فإذا كاف بينهم شراكة بُ ب٫و ب٘ارة أو غبّىا _فليحرصوا على ذلك, وعلى أف تسود بينهم روح الإيثار واب٤ودة, والشورى, والربٞة, والصدؽ, والأمانة, وحسن الظن . وأف بٰب كلُّ واحدٍ منهم لأخيو ما بٰبو لنفسو, وأف يعرؼ كل طرؼ ما لو وما عليو. كما بٰسن بهم أف يناقشوا اب٤شكلبت بٗنتهى الصراحة, والوضوح, وأف بٰرصوا على التفالٍ والإخلبص بُ العمل. كما بٯمل بهم أف يكتبوا ما يتفقوف عليو إذا كاف الأمر يستدعي ذلك . فإذا ساروا على تلك الطريقة حل ت فيهم الربٞة, وسادت بينهم اب٤ودة, ونزلت عليهم بركات الشركة . ومن الأمور البٍ تبقي على اب٤ودة ببْ الإخوة لزوـُ التواضعِ, ولبُْ اب١انب, والتغاضي, والتغافل, والصفح, ونسياف اب٤عايب, وترؾ اب٤ن ة على الإخوة, والبعد عن مطالبتهم باب٤ثل, وتوطبْ النفس على الر ضا بالقليل ب٩ا يأبٌ منهم, ومراعاة

عدد الصفحات ٣٦

خ٘اطس 39 أحواب٥م, وطبائعهم, وب٘نب الشدة بُ العتاب حاؿ وقوع اب٣طأ, وب٘نب اب٣صاـ واب١داؿ العقيم, واب٤بادرة باب٥دية والزيارة إف حصل خلبؼ . ومن ذلك أف يستحضر اب٤رء أف إخوانو ب٢مة منو؛ فلب بد لو منهم, ولا فكاؾ لو عنهم, والعرب تقوؿ : أنفك منك وإف ذف (ٔ) وعيصك منك وإف كاف أشَبَا(ٕ). ومن ذلك أف يستحضر اب٤رء أف معاداة الإخوة شر وبلبء؛ فالرابح فيها خاسر, واب٤نتصر مهزوـ. ومن ذلك أف يربي الإخوة أولادىم على احبَاـ أعمامهم, وتوقبّىم . ىذا وقد أرانا العياف ب٭اذج رائعة, ومثلبً عليا من صداقات الإخوة, وقيامهم باب٢قوؽ ما جعلهم مضرب مثل, وموضع أسوة . وبعد, فهذه إب٤احات وإشارات, ولعل الفرصة توابٌ ب٤زيد من إلقاء الضوءِ على ىذه اب٤سألة. 1 _ذٕ: ساٍ لراط٘. 2_ ايعٝص: ايصجس ايهجٝف, ٚالأشب: شد٠ ايتفاف ايصجس.

عدد الصفحات ٣٧

خ٘اطس 41 كلمةٌ بٝيلةٌ , بٙمل معالٍَ ساميةً , وتَرِدُ بُ ثنايا كتب العلماء, ومنشآت الأدباء, ودواو ين الشعراء . كلمة تدورحوؿ معالٍ ا لشهامة, والرجولة , واب٣دمة, والبذؿ, وما جرى ب٦رى ذلك من مكارـ الأخلبؽ . وكثبّاً ما يُ ثبِ الشعراء على ب٩دوحيهم بوصفهم بال فتوة, وكثبّاً ما يذكروف الفتوة بُ معرض الإعجاب. قاؿ أبو بٛاـ بُ رثاء ب٧مد بن بٞيد الطوسي : فػػػػػػػبٌ مػػػػػػػات بػػػػػػػبْ الضػػػػػػػرب والطعػػػػػػػن ميتػػػػػػػة تقػػػػػػػػػػوـُ مقػػػػػػػػػػاـَ النصػػػػػػػػػػرِ إذ فاتػػػػػػػػػػو النصػػػػػػػػػػرُ وقاؿ بُ ب٩دوح آخر : فػػػػػػػػػػػػبٌ عػػػػػػػػػػػػيش بُ معروفػػػػػػػػػػػػو بعػػػػػػػػػػػػد موتػػػػػػػػػػػػو كمػػػػػػػػػا كػػػػػػػػػاف بعػػػػػػػػػ د السػػػػػػػػػيل واديػػػػػػػػػو ب٩ُْ رِ عػػػػػػػػػا وقاؿ أبو الطيب اب٤تنبي: وأىػػػػػػػػػػػػػػوى مػػػػػػػػػػػػػػػن الفتيػػػػػػػػػػػػػػػاف كػػػػػػػػػػػػػػػل ب٠يػػػػػػػػػػػػػػػذع ب٪يػػػػػػػػػػػػػػػب كصػػػػػػػػػػػػػػػدر السػػػػػػػػػػػػػػػمهري اب٤قػػػػػػػػػػػػػػػو ـِ خَ طَػػػػػػػػػػػػػتْ بٙتػػػػػػػػػػػػػو العػػػػػػػػػػػػػيسُ الفػػػػػػػػػػػػػلبةَ وخالطػػػػػػػػػػػػػت بػػػػػػػػػػػو اب٣يػػػػػػػػػػػلُ كُب ػػػػػػػػػػػات اب٣مػػػػػػػػػػػيس العرمػػػػػػػػػػػرـ وقاؿ الشوكالٍ : ومػػػػػػػػػػػػػػػػػػن حػػػػػػػػػػػػػػػػػػاز الفضػػػػػػػػػػػػػػػػػػائل غػػػػػػػػػػػػػػػػػػبّ وافٍ فػػػػػػػػػػػػػػػػذاؾ ىػػػػػػػػػػػػػػػػو الفػػػػػػػػػػػػػػػػبٌ كػػػػػػػػػػػػػػػػل الفتػػػػػػػػػػػػػػػػاء وكلمة الفتياف أو الفبٌ عند الأوائل تعبِ الشهم, الكرلَ, السخي, البشوش, اب٤تغاضي, الأَلُوؼ الذي يقوـ باب٣دمة بلب منة ولا تباطؤ . ومن كانت ىذه حالو كاف جديراً بالمحبة , والاحبَاـ, وكاف ب٩ن بُٰ رص على صحبتو, والقرب منو . اهفت٘ٝ

عدد الصفحات ٣٨

خ٘اطس 41 وإذا بٝع إلى ذلك حسنَ الديانة, وصلبحَ الأمر , ولزوـ الاستقامة , وطلب العلم _بلغ من العلياء كل مكاف . وإذا ثَ كُ ل الفتوة ىبطت منزلتو بقدر ما فقد منها ولو كاف ذا علم واستقامة . قاؿ سفياف الثوري ×= :من لم يتفت لم بٰسن يتق رى +. قاؿ اب٣طابي × معلقاً على كلمة سفياف: =إف من عادة الفتياف, ومن أخذ بِ أَ خْ ذِ ىم بشاشةَ الوجو, وسجاحةَ اب٣لق, ولبْ العريكة . ومن شيمة الأكثرين من القراء الكزازة , وسوء اب٣لق؛ فمن انتقل من الفتوة إلى القراءة كاف جديراً أف يتبقى معو تلك الذوقةُ واب٥شاشة. ومن تقر أ بُ صباه _أي طلب العلم_لم بٱَْلُ من جفوة, أو غلظة. وقد يتوجو قوؿ سفياف إلى وجو آخر , وىو أنو إذا انتقل من الفتوة إلى القراءة كاف معو الأسف على ما مضى, والندـ على ما فػَرُط منو؛ فكاف أقرب لو إلى أف لا يعجب بعمل صابّ يكوف منو. وإذا كاف عارفاً بالشر كاف أشد ب٢ذره, وأبعد من الوقوع فيو+ ا_ىػ. وقاؿ سفياف الثوري ×= :لأفْ أصحب فبًٌ أحبُّ إلي من أف أصحب قارئاً +. قاؿ أبو حياف التوحيدي : =ب٠عت برىاف الصوبُ الد ينوري يقوؿ : لو صح ببِ فاجرٌ حسنُ اب٣لق كاف أحب إلي من أف يصحببِ عابدٌ سيئ اب٣لق. قاؿ برىاف : لأف الفاجر اب٢سن اب٣لق يصلحبِ بٕسن خلقو, ولا يضرلٍ فجوره , والعابد السيئ اب٣لق يفسدلٍ بسوء خلقو, ولا ينفعبِ بعب ادتو؛ لأف عبادة العابد لو, وسوء خلقو علي , و فجور الفاجر عليو, وحسن خلقو لي +ا_ىػ. وللئماـ ابن القيم×كلبـ بٝيل حوؿ الفتوة بُ كتابو اب٤اتع مدارج السالك ؛

عدد الصفحات ٣٩

خ٘اطس 42 حيث أفرد منز لة من منازؿ كتابو ب٠اىا منزلة الفتوة , وأفاض بُ اب٢ديث عنها بٗا لا تكاد ب٘ده عند غبّه. وب٩ا قالو بُ ذلك: =ومن منازؿ [ :إِي اؾَ نػَ عْ بُ دُ وَ إِ ي اؾَ نَ سْ تَ عِ بُْْ ] منزلة الفتوة . ىذه اب٤نزلة حقيقتها ىي منزلة الإحساف إلى الناس , وكف الأذى عنهم , واحتماؿ أذاىم؛ فهي استعماؿ حسن اب٣لق معهم؛ فهي _ بُ اب٢قيقة _ نتيجةُ حسنِ اب٣لق واستعمالو. والفرؽُ بينها وببْ اب٤روءة أف اب٤روءةَ أعمُّ منها؛ فالفتوة نوع من أنواع اب٤روءة؛ فإف اب٤روءة استعماؿ ما بٯمل ويزين ب٩ا ىو ب٨تص بالع بد, أو متعدٍّ إلى غبّه, وترؾ ما يدنس ويشبْ ب٩ا ىو ب٨تص _أيضاً _بو أو متعلق بغبّه. والفتوة إب٭ا ىي استعماؿ الأخلبؽ الكربٲة مع اب٣لق+. وقاؿ ×= :وىذه منزلة شريفة , لم تػُ عَ بػ رْ عنها الشريعة باسم الفتوة , بل عبرت عنها باسم مكارـ الأخلبؽ كما بُ حديث يوسف بن ب٧مد بن اب٤نكدر عن أبيو عن جابر ÷عن الن "قاؿ: = إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال+. وأصل الفتوة من الفبٌ, وىو الشاب اب٢دث السن+. إلى أف قاؿ: =فاسم الفبٌ لا يُشعر بٗدح ولا ذـ كاسم الشاب واب٢دث. ولذلك لم بٯىء اسم الفتوة بُ القرآف ولا السنة ولا بُ لس اف السلف. وإب٭ا استعملو مَنْ بَعدَىم بُ مكارـ الأخلبؽ. وأصلها عندىم أف يكوف العبد أبداً بُ أمر غبّه. وأقدـ من عَلِمتُو تكلم بُ الفتوة جعفر بن ب٧مد , بٍ الفضيل بن عياض , والإماـ أبٞد, وسهل بن عبدالله, واب١نيد,بٍ الطائفة+

عدد الصفحات ٤٠

خ٘اطس 43 بٍأوردَ×بٝلة بُ الآثارىذا السياؽ؛ فمن ذلك قولو =فيذكر أف جعفر ا بن ب٧مد سُئل عن الفتوة فقاؿ للسائل: ما تقوؿ أنت؟ فقاؿ: إف أُعطيت شكرت, وإف منعت صبرت. فقاؿ: الكلبب عندنا كذلك . فقاؿ السائل: يا ابن رسوؿ الله فما الفتوة عندكم ؟ فقاؿ: إف أُعطينا آثرنا, وإف مُ نِ عْ نا شكرنا . وقاؿ الفضيل بن عياض: الفتوة الصفح عن عثرات الإخواف . وقاؿ الإماـ أبٞد÷بُ رواية ابنو عبدالله عنو وقد سئل عن الفتوة فقاؿ: ترؾ ما تهوى ب٤ا بٚشى. وسئل اب١نيد عن الفتوة فقاؿ: لا تنافِر فقبّاً , ولا تعارِ ض غنياً . وقاؿ اب٢ارث المحاسبي : الفتوة أف تنصف, ولا تنتصف . وقاؿ عمر بن عثماف اب٤كي: الفتوة حسن اب٣لق. وقيل: الفتوة ألا ترى لنفسك فضلبً على غبّؾ. وقاؿ اب١نيد: الفتوة كف الأذى , وبذؿ الندى. وقيل: فضيلة تأتيها, ولا ترى لنفسك فيها . وقيل: ىي الوفاء واب٢فاظ. وقيل: ألا بٙتجب ب٩ن قصدؾ. وقيل: ألا تهرب إذا أقبل العابُ ؛ يعبِ طالب اب٤عروؼ. وقيل: إظهار النعمة, وإسرار المحنة . وقيل: ليس من الفتوة أف تر بح على صديقك+. وبعد ذكر ابن القيم × ىذه الأقواؿ بُ الفتوة, ساؽ قصصاً وأخباراً بُ ىذا

عدد الصفحات ٤١

خ٘اطس 44 القبيل فقاؿ: =قيل: تزوج رجل بامرأة , فلما دخلت عليو رأى بها اب١دري فقاؿ : اشتكيت عيبِ, بٍ قاؿ: عميت, فبعد عشرين سن ة ماتت, ولم تعلم أنو بصبّ , فقيل لو بُ ذلك, فقاؿ: كرىت أف بٰ زنها رؤيبٍ ب٤ا بها, فقيل لو: سبقت الفتياف. واستضاؼ رجل بٝاعة من الفتياف , فلما فرغوا من الطعاـ خرجت جارية تصب اب٤اء على أيديهم, فانقبض واحد منهم, وقاؿ: ليس من الفتوة أف تصب النسواف اب٤اء على أيدي الرجاؿ , فقاؿ آخر منهم: أنا منذ سنبْ أدخل إلى ىذه الدار, ولم أ علم أف امرأة تصب اب٤اء على أيدينا أو رجلبً . وقدـ بٝاعة فتياف لزيارة فبًٌ , فقاؿ الرجل : يا غلبـ قدـ السفرة , فلم يقدـ, فقاب٥ا ثانياً وثالثاً , فلم يقدـ, فنظر بعضهم إلى بعض, وقالوا: ليس من الفتوة أف يستخدـ الرجل من يتعاصى عليو بُ تقدلَ السفرة كل ىذا , فقاؿ الرجل : لم أبطأت بالسفرة؟ فقاؿ الغلبـ: كاف عليها ب٭َْل, فلم يكن من الأدب تقدلَ السفرة إلى الفتياف مع النمل, ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردىم عن الزاد , فلبثت حبٌ دب النمل, فقالوا: يا غلبـ, مثلك بٱدـ(ٔ) الفتياف. ومن الفتوة البٍ لا تلحق: ما يذكر أف رجلبً ناـ من اب٢اج بُ اب٤دينة, ففقد بٮياناً فيو ألف دينار, فقاـ فزعاً , فوجد جعفر بن ب٧مد , فعلق بو, وقاؿ: أخذت بٮيالٍ, فقاؿ: أي شيء كاف فيو؟ قاؿ : ألف دينار, فأدخلو داره , ووزف لو ألف دينار, بٍ إف الرجل وجد بٮيانو , فجاء إلى جعفر معتذراً باب٤اؿ, فأبى أف يقبلو منو, وقاؿ: شيء أخرجتو من يدي لا أسبَده أبداً , فقاؿ الرجل للناس : من ىذا؟ 1_ يعًههٗا : يخدَهه٘ ايفتٝههإ , أٚ يعًههٗا بغههٝلا١ الاسههتفٗاّ : َجًههو يخههدّ ايفتٝههإأ ٜعههلى إٔ الأٚ إٔ يخدَو ايفتٝإ.

عدد الصفحات ٤٢

خ٘اطس 45 فقالوا: ىذا جعفر بن ب٧مد ÷+. ىذا وإف الفتوةَ مراتبُ , ودرجاتٌ , وقد أشار إلى شيء من ذلك الإماـ ابن القيم بُ كتاب و مدارج السالكبْ بُ شرح منازؿ السائرين لأ بي إب٠اعيل اب٥روي×. قاؿ ابن القيم×: =قاؿ صاحب اب٤نازؿ : (ونكتة الفتوة ألا تشهد لك فضلبً , ولا ترى لك حقاً ). يقوؿ: قلبُ الفتوةِ , وإنسافُ عينها أف تفبُ بش هادة نقصك , وعيبك عن فضلك, وتغيب بشهادة حقوؽ اب٣لق عليك عن شهادة حقوقك عليهم. والناس بُ ىذا مراتب فأشرفها : أىل ىذه اب٤رتبة , وأخسها: عكسهم, وىم أىل الفناء بُ شهود فضائلهم عن عيوبهم , وشهود حقوقهم على الناس عن شهود حقوؽ الناس عليهم. وأوسطهم: مَن شَهد ىذا وىذا, فيشهد ما فيو من العيب والكماؿ, ويشهد حقوؽ الناس عليو, وحقوقو عليهم +. إلى أف قاؿ×متحدثاً عن درجات الفتوة: =قاؿ _أي أبو إب٠اعيل اب٥روي_ : =وىي على ثلبث د رجات : الدرجة الأولى : ترؾ اب٣صومة , والتغافل عن الزلة , ونسياف الأذيّة+. بٍ شرع ابن القيم بُ شرح ىذه الدرجة قائلبً : =ىذه الدرجة من باب البَؾ والتخلي, وىي ألا بٱاصم أحداً , فلب ينصب نفسو خصماً لأحد غبّىا ؛ فهي خصمو. وىذه اب٤نزلة _أيضاً_ ثلبث درجات , لا بٱاصم بلسا نو, ولا ينوي اب٣صومة بقلبو, ولا بٱُْ طِ رىا على بالو , ىذا بُ حق نفسو. وأما بُ حق ربو : فالفتوة أف بٱاصم بالله وبُ الله, وبٰاكم إلى الله, كما كاف

عدد الصفحات ٤٣

خ٘اطس 46 الن"يقوؿ بُ دعاء الاستفتاح (وبكَ خاصَمْتُ وإليك حاكمتُ ). وىذه درجة فتوة العلماء الدعاة إلى الله _تعا_. وأما التغافل عن الزلة فهو أنو إذا رأى من أحد زلة يوجب عليو الشرع أخذه بها أظهر أنو لم يػَ رَ ىا؛ لئلب يعرض صاحبها للوحشة , ويربَٰ و من بٙمل العذر. وفتوة التغافل أرفع من فتوة الكتماف مع ال ر ؤية. قاؿ أبو علي الدقاؽ: جاءت امرأة فسألت حابٛاً عن مسألة؛ فاتفق أنو خرج منها صو ت بُ تلك اب٢الة , فخجلت, فقاؿ حابً : ارفعي صوتك ؛ فأوبٮها أنو أصم؛ فسُر ت اب٤رأة بذلك, وقالت: إنو لم يسمع الصوت؛ فػَ لُ ق ب بٕابً الأصم, وىذا التغافل ىو نصف الفتوة. وأما (نسياف الأذية) فهو بأف تنسى أذية من نالك بأذى؛ ليصفو قلبك لو, ولا تستوحش منو . قلت: وىنا نسياف آخر _ أيضاً _ وىو من الفتوة, وىو نسياف إحسانك إلى من أحسنت إليو؛ حبٌ كأنو لم يصدر منك , وىذا النسياف أكمل من الأوؿ, وفيو قيل: ينسػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػى صػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػنائعو والله يُظهرىػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػا إف اب١ميػػػػػػػػػػػػػػػػػػػلَ إذا أخفيتَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػو ظَهػػػػػػػػػػػػػػػػػػػرا+ بٍ ساؽ ابن القيم كلبـ أبي إب٠اعيل اب٥روي بُ بياف الدرجة الثانية من درجات الفتوة, وىو قولو: =الدرجة الثانية : أف تػُ قَ ر ب من يقصيك, وتُكر ـ من يؤذيك, وتعتذر إلى من بٯبِ عليك, ب٠احة لا كظماً , ومودة لا مصابرة +. بٍ شر ع ابن القيم بُ شرح ىذه الدرجة قائلبً : =ىذه الدرجة أعلى ب٩ا قبلها وأصعب؛ فإف الأولى: تتضمن ترؾ اب٤قابلة والت غافل, وىذه تتضمن الإحساف إلى من أساء إليك, ومعاملتو بضد ما عاملك بو؛ فيكوف الإحساف والإساءة بينك

عدد الصفحات ٤٤

خ٘اطس 47 وبينو خط ت, فخطتُك: الإحساف, وخط تو: الإساءة, وبُ مثلها قاؿ القائل: إذا مَرضػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػنا أتينػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػاكم نعػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػودُكم وتُػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػذنِبوف فنػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػأتيكم ونػَعْتَػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػذِرُ ومن أراد فػَهْم ىذه الدرجة كما ينبغي, فلينظر إلى سبّة النبي"مع الناس بٯَدْ ىا ىذه بعينها , ولم يكن كماؿ ىذه الدرجة لأحد سواه , بٍ للورثة منها بٕسب سِهامهم من البَكة . وما رأيت أحداً قط أبٝع ب٥ذه اب٣صاؿ من شيخ الإسلبـ ابن تيمية _قدس ا روحو _وكاف بعض أصحابو الأكابر يقوؿ : وددت ألٍ لأصحابي مثلو لأَعدائو وخُصومو. وما رأيتو يدعو على أحد منهم قط , وكاف يدعو ب٥م . وجئتُ يوماً مبشراً لو بٗوت أكبر أعدائو , وأشدّىم عداوةً وأَذىً لو , فػَنَهرلٍ, وتنك ر لي , واسبَجع, بٍ قاـ من فوره إلى بيت أىلو فعزاىم , وقاؿ: إلٍ لكم مكانو, ولا يكوف لكم أمر بٙتاجوف ف يو إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيو وب٫و ىذا من الكلبـ, فَ سُ رُّ وا بو, ودعوا لو, وعظموا ىذه اب٢اؿ منو, فربٞو الله ورضي عنو , وىذا مفهوـ. وأما الاعتذار إلى من بٯبِ عليك فإنو غبّ مفهوـ بُ بادي الرأي ؛ إذ لم يصدر منك جناية توجب اعتذاراً , وغايتك: أنك لا تؤاخذه, فهل تعتذر إليو من ترؾ اب٤ؤاخذة؟ ومعبُ ىذا: أنك تنزؿ نفسك منزلة اب١الٍ لا المجبِ عليو , واب١الٍ خليق بالعذر. والذي يُشهدؾ ىذا اب٤شهد: أنك تعلم أنو إب٭ا سُ ل ط عليك بذنب, كما قاؿ _تعا_: [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيػَعْفُو عَنْ كَثِبٍّ ] (الشورى :ٖٓ).

عدد الصفحات ٤٥

خ٘اطس 48 فإذا علمت أنك بدأت باب١ناية؛ فانتقم الله منك على يده _ كنت بُ اب٢قيقة أولى بالاعتذار. والذي يهوف عليك ىذا كلو : مشاىدة تلك اب٤شاىد(ٔ) العشرة اب٤تقدمة فعليك بها؛ فإف فيها كنوز اب٤عرفة والبر . وقولو: (ب٠احة لا كَظْماً ومَود ة لا مصابرة ). يعبِ: اجعل ىذه اب٤عاملة منك صادرة عن ب٠احة , وطيبة نفس , وانشراح صدر, لا عن كظم , وضيق ومصابرة ؛ فإف ذلك دليل على أف ىذا ليس بُ خلقك, وإب٭ا ىو تكلف يوشك أف يزوؿ, ويظهر حكم اب٣لق صربٰاً , فتفتضح, وليس اب٤قصود إلا إصلبح الباطن والسر والقلب. وىذا الذي قالو الشيخ لا بٲكن إلا بعد العبور على جسر اب٤صابرة والكظم , فإذا بٛكن منو أفضى بو إلى ىذه اب٤نزلة بعوف الله , والله أعلم+. بٍ انتقل بعد ذلك إلى شرح كلمات لأبي إب٠اعيل بُ شرح الدرجة الثالثة , و منها قولو: =و اعلم أَ ف مَ نْ أَ حْ وَ جَ عدو ه إلى شفاعتو, ولم بٱجل من اب٤عذرة إليو لم يشم رائحة الفتوة +. قاؿ ابن القيم شارحاً ىذه العبارة: =يعبِ أف العدو مبٌ علم أنك متألم من جهة ما نالك من الأذى منو احتاج إلى أف يعتذر إليك, ويُشَف ع إليك شافعاً ما قلبك منو. فالفتوة كل الفتوة أف لا بٙوجو إلى الشفاعة , بأف لا يظهر لو منك عتب, ولا تغبّ عما كاف لو منك قبل معاداتو , ولا تطوي عنو بِ شْ رَ ؾَ ولا بِ ر ؾَ , وإذا لم بٚجل أنت من قيامو ببْ يديك مقاـ اب٤عتذر لم يكن لك بُ الفتوة نصيب. 1_ يعً٘ ٜكغد َصاٖد المعغٝ١. (ّ)

عدد الصفحات ٤٦

خ٘اطس 49 ولا تستعظم ىذا اب٣لق , فإف للفتياف ما ىو أكبر منو , ولا تستصعبو ؛ فإنو موجود بُ كثبّ من الشطار والعشراء الذين ليس ب٥م بُ حاؿ اب٤عرفة , ولا بُ لسانها نصيب؛ فأنت أيها العارؼ أولى بو +. وبعد: فهذه معالم , وإشارات بُ الفتوة؛ فما أحوجنا , وما أحوج شبابنا , ومربينا , وطلبب العلم منا إلى ىذه اب٣صلة اب٢ميدة, حبٌ بٯمعوا إلى جانب العلمِ العملَ , وإلى جانب الدعوةِ اب٣لقَ , فيكونوا معالم ىدى, ومصابيح دجى. وأجدر بكل عاقل أف يأخذ بهذه اب٣لة الشريفة بُ تعاملو مع والديو , وزوجو , وأولاده , وأرحامو , وأصدقائو, بل ومع الناس كل بٕسبو . وأف يكوف ذلك ديدنو بُ حاؿ إقامتو أو سفره , وبُ حاؿ سرائو , وضرائو . وأحْرِ بذي اللب أف يقوـ بٖدمة أقاربو , وأصحابو, وب٨الطيو, وأف يط رح روح الكسل والبطالة. وأَ خْ لِ قْ بٗن خُ دِ ـ, وأسدي إليو شيء من اب٤عروؼ أف يطلق يده بالعطاء ب٤ن خدمو وأسدى إليو. وإذا لم يسعده مالو فليسعده لسانو بالشكر, والدعاء, والثناء. وكم حصل من جراء التفريط بُ ىذا اب٤عبُ من ضياع حقوؽ , وقياـ مشاحنات, وغياب روح الألفة.

عدد الصفحات ٤٧

خ٘اطس 51 لو استعرضت كتب الس , أو البَاجم, أو دواو ين الشعر لوجدت مُ ر الشكوى من الزماف , وتغبّ الأحواؿ يصدؽ عليهم قوؿ الشاعر: كػػػػػػػػػػػػػػل مػػػػػػػػػػػػػػن لاقيػػػػػػػػػػػػػػت يشػػػػػػػػػػػػػػكو دىػػػػػػػػػػػػػػره ليػػػػػػػػػػػػػػػت شػػػػػػػػػػػػػػػعري ىػػػػػػػػػػػػػػػذه الػػػػػػػػػػػػػػػدنيا ب٤ػػػػػػػػػػػػػػػن بل ب٘د أف أكثرىم يثبِ على ما مضى من زمانو إباف طفولتو , ويصف الناس بالبراءة والصفاء وطهارة القلب . وبعد أف يبلغ من العمر ما يبلغ تراه يذـ أحواؿ الناس , و أنها تغبّت, وأف القلوب راف عليها ما راف من أدراف اب٢قد , والبغضاء, وما جرى ب٦رى ذلك . وىذه الشكوى قدبٲة, ومن أشهر ما يُ ذكر بُ ذلك ما جاء عن أـ اب٤ؤمنبْ عائشة _رضي الله عنها_حبْ قالت: ر حم الله لبيداً حبْ قاؿ: ذىػػػػػػػػػػػػب الػػػػػػػػػػػػذين يعػػػػػػػػػػػػاش بُ أكنػػػػػػػػػػػػافهم وبقيػػػػػػػػػػت بُ خَلْػػػػػػػػػػف كجلػػػػػػػػػػد الأجػػػػػػػػػػرب تقوؿ أمنا عائشة: فكيف لو أدرؾ لبيد زماننا ماذا سيقوؿ ؟ بٍ توارد كثبّ ب٩ن بػَعْدَىا على القوؿ بٗثل مقولتها. وكم من الناس من يقوؿ ذىب الناس وبقي النسناس, أو فسد الزماف ولا دواء لو. واب٢قيقة أف لتلك الشكوى حظاً من النظر من جهة العموـ , ومن جهة الشاكي على وجو اب٣صوص , أما من جهة العموـ فإنو لا يأبٌ زماف إلا والذي بعده شر منو؛ حيث تفتح على الناس أبواب من الشر لم تكن موجودة من قبل ذلك, وب٥ذا قاؿ عمر بن عبدالعزيز ×= :بٰدث للناس أقضية بقدر ما بُْٰ دِ ثوف من الفجور+. اهظل٘٠ ًّ اهزًاْ

عدد الصفحات ٤٨