خ٘اطس 226 لقد حظيت السبّة النبوية بٗا حفلت بو من أقواؿ, وأفعاؿ, وتقريرات بعناية العلماء قدبٲاً وحديثاً . ولقد كتب العلماء قدبٲاً بُ السبّة وكانت كتاباتهم بٙمل طابعاً يناسب عصورىم, ويناسب _كذلك_ كثبّاً ب٩ن جاء بعدىم, وتصلح لأف تكوف مادة ومراجع أصيلة للسبّة . غبّ أف ىناؾ كثبّاً من اب٤سلمبْ بُ العصر اب٢ديث يرغبوف عن تلك الأساليب القدبٲة, ويرغبوف بُ كتاباتٍ معاصرة تُكْتَبُ بأسلوب ملبئم, وتعابِ قضايا استجدت بُ موضوع السبّة . ومن ىنا قاـ كثبّ من الكتاب بتقدلَ دراسات بُ السبّة, فأدوا دوراً طيباً , وآثاراً حسنة بُ نفوس اب٤سلمبْ. ولكن تلك الكتابات لم تكن على وتبّة واحدة من جهة تقديرىا للوحي, والغيبيات, واب٤عجزات, ومقاـ النبوة عموماً . كما أنها لم تكن على ب٫وٍ واحد من جهة اختلبؼ توجهات أصحابها, وأىدافهم من كتابة السبّة, واب٤قاـ لا يسمح بٗزيد من التفصيل . وعلى كل حاؿ فإف مناىج الباحثبْ بُ السبّة النبوية بٲكن حصرىا بُ ثلبثة : المنهج الأول: منهج المبالغين الغالين: الذين يضفوف على النبي" صفات لا تليق إلا بالله _عز وجل _. فهؤلاء يبالغوف بُ إطرائو ولا يبالوف بُ صحة ما يروف أو ينقلوف , ولايعتمدوف على القرآف الكرلَ, واب٤صادر الأصيلة من كت ب السنة والسبّة. ًِآج اهبخح في اهشيرٝ اهِب٘ٙٞ
عدد الصفحات ٢٢٤خ٘اطس 227 ولا بٲبَي عاقل أنو لا أفسد للتاريخ والسبّ من تلك الروايات المحلقة بُ ب٠اء اب٣ياؿ, والبٍ تنقل اب٢ياة البشرية من عالم الواقع إلى جو الأساطبّ . وليست ىناؾ حياة كانت على الأرض ىي أغبُ بواقعها المجرد من حياة سيد اب٣لق ب٧مد ". فهي حياة تنطق كل حر كة منها, ويشهد كلُّ موقف من مواقفها بأنها حياة بلغت بُ السلوؾ البشري حد الإعجاز . وإف خصائصو ومعجزاتو البٍ نطقت بها آيات الكتاب المجيد, والسنن الصحيحة, والآثار اب٤عتبرة ب٥ي من الكثرة والوفرة بٕيث لا بٙتاج إلى تلك الزيادات البٍ بٲجها الذوؽ السليم, وتعافها الفطرة السوية, والبٍ لا يشهد ب٥ا سند صحيح, ولا نقلٌ مُوث ق, بل عامتها من وضع الزنادقة واب٤نحرفبْ(ٔ). المنهج الثاني : منهج الباحثين الغربيين ومن سار على طريقتهم : فهذا اب٤نهج يسلكو أغلب اب٤ستشرقبْ ومن شاكلهم من الكتاب واب٤فكرين اب٤نتسببْ للئسلبـ. فهؤلاء إذا تن اولوا السبّة بالبحث والدراسة تعاملوا معها كما يتعاملوف مع سبّة أي زعيم , أو بطل, أو قائد, أو فاتح؛ فيتحدثوف عن النبي"كما يتحدثوف عن ىؤلاء, ويصفونو بالبطل, أو العبقري, أو الزعيم أو ب٫و ذلك من الألقاب البٍ لا تغبِ عن مقاـ النبوة. وتراىم يتحدثوف عن سبّتو _عليو الصلبة والسلبـ _ حديثاً مادياً بٕتاً ب٦رداً دوف ربط ب٥ا بالوحي والغيب, والتأييد الإب٥ي, وكأنهم يتحدثوف عن سبّة نابليوف, 1 _اْعس َكدَ١ د. لذُد خًٌٝ ٖساس عً٢ الخغا٥ص ايهبر٣ يًشٝٛطٞ 1/4.
عدد الصفحات ٢٢٥خ٘اطس 228 أو ىتلر, أو موسولي. ولا ريب أنهم قد يثنوف على النبي " ويصفونو بأوصاؼ كببّة, ويفضلونو على غبّه. ولكن اب٣طورة تكتنف ىذا اب٤نهج من جهة قط عو عن الصلة بالله, وعن الإبٲاف بالغيب؛ فبَاىم ينكروف عدداً من اب٤عجزات الثابتة بصريح القرآف, ومتواتر السنة, كنزوؿ اب٤لبئكة بُ بدر, وطبّ الأبابيل, وشق صدر النبي", والإسراء . وترى بعضهم يرى أف (اقرأ ) كانت مناماً, وأف الإسراء سياحة الروح بُ عالم الرؤى, ويَصِفُ اب٤لبئكة الذين أمد الله بهم اب٤سلمبْ بُ غزوة بدر بالدعم اب٤عنوي, ووصف الطبّ الأبابيل بداء اب١دري, وأف شق الصدر كاف شيئاً معنوياً, وأف لقاء جبريل بالنبي " بُ غار حراء كاف مناماً, إلى غبّ ذلك ب٩ا جاء بُ ذلك السياؽ. وىكذا تُفر غ سبّة النبي " من اب٢قائق الغيبية, واب٤عجزات , واب٣وارؽ البٍ لا بٲكن أف تتنابَ بُ جوىرىا مع حقائق العلم وموازينو البٍ يد عوف أنهم يسبّوف على وفْقها؛ لأف الله ىو خالق النواميس, وىو القادر على خرقها مبٌ شاء . وربٗا اسبَوح بعض أصحاب ىذا اب٤نهج إلى إحياء الأساطبّ بُ سبّة النبي "(ٔ). المنهج الثالث: وىو المنهج الصحيح: وىو الذي أنكر منهج الغلو واب٤بالغة بُ إطراء النبي " كما أنكر الأسلوب اب٤ادي الفلسفي بُ دراسة السبّة . فاب٤نهج الصحيح ىو الذي يقوـ على الأصالة والسلبمة, وىو الذي يعتمد بُ 1 _اْعس ايبخح ايكِٝ ايرٟ قدَ٘ الأستاذ أْٛز الجٓدٟ لمؤتمس ايشير٠ ايٓبٜٛ١_في َكدَ١ تحكٝل نتاب (سبٌ الهد٣ ٚايسشاد في سير٠ خير ايعباد ) يلإَاّ لذُد بٔ ٜٛسف ايغالحٞ ايصاَٞ, تحكٝل ٚتعًٝل ايصٝدين: عادٍ عبدالمٛجٛد, ٚعًٞ لذُد َعٛض 1/17_35.
عدد الصفحات ٢٢٦خ٘اطس 229 دراسة السبّة, واستلهاـ العبر منها على القرآف الكرلَ, واب٤صاد ر الأصيلة الصحيحة من كتب السنة والسبّة دوف مبالغة بُ إطراء النبي " وإخراجو ع ن وصف العبودية بُ أعلى مقاماتها, ودوف غمط ب٤قاـ النبوة الذي يعلوا بو على سائر البشر. وىو اب٤نهج الذي يقوـ _أيضاً_ على الإبٲاف بالغيبيات, واب٤عجزات, والأخبار القطعيات. فهذا ىو اب٤نه ج اب٢ق, وإف كاف أصحابو يتفاوتوف بُ جودة الطرح, وقػُ و تو, وعمقو.
عدد الصفحات ٢٢٧خ٘اطس 231 السبّة النبوية حافلة بالأسرار, مليئة بالعبر, ولا بٲكن لأحد مهما أوبٌ من البياف والعلم أف يعطي السبّة حقها, أو أف يتقص ى كامل أسرارىا. ولعل من أعظم أسرار سبّة نبينا ب٧مد " أنها بٛتاز عن سبّ سائر العظماء بأنها لا تُسْتػَنػْفَد مهما كتب فيها من كتب؛ فسبّ العظماء _على اب١ملة_ يقوـ بأمرىا ويغبِ بُ شأنها أف تكتب مرة أو مرات, بٍ تستنفد معانيها, ويصبّ اب٢ديث فيها معاداً مكروراً تغبِ فيو أعماؿ الأسلبؼ عن ب٧اولات الأخلبؼ. أما سبّة نبينا ب٧مد " فلقد عُبِ اب٤ؤرخوف والرواة بها منذ صدر الإسلبـ حبٌ يومنا ىذا, وصدر فيها كثبّ من الكتب بُ عدة لغات, ومع ذلك لم بْٚلَق جِد تهُا, بل إنها لتزداد _على كثرة ما يكتب فيها _ جِد ة وَرُوَاءً . ولقد عُبَِِ اب٤ؤمنوف وغبّ اب٤ؤمنبْ بالسبّة عناية بٚتلف من حيث اب٢قيقة واب٣را فة, ومن حيث الإنصاؼ واب١ور. والسبّة الشريفة _مع ىذه العناية اب٤تصلة_ جديدةٌ خصبة, ملهمة موحية؛ لأنها البَبٝة اب٢ية العملية ب٤بادئ الإسلبـ العليا, فهي تبَاءى للعقوؿ والنفوس قوية مشرقة لم يُبلِ جِد تها تقادـُ العهد, ولا تطاوؿ الزماف . ولعل من صلبة الله على نبيو أف أوزع الناس ىذه العناية بسبّتو سواء منهم من أقر بو, أو من أنكر نبوتو؛ لأنو " نور, ومن عرؼ النور فقد شهد لنفسو بالاستبصار, ومن أنكره فقد شهد على نفسو بالعمى, والنور على اب٢البْ نور . وقد رفع الله ذكر ب٧مد, فقرف اب٠و باب٠و بُ الأذاف والصلوات, ووصفو بُ أكثر من موضع من القرآف بصفات ب٘علو بُ اب٤رتبة البٍ لا تُناؿ. ًّ أسساز اهشيرٝ اهِب٘ٙٞ
عدد الصفحات ٢٢٨خ٘اطس 231 وليس مصدرُ العناية بالسبّة إرضاءَ حاجةِ العلم والدرس فحسب؛ فحاجات اب٤ؤمنبْ إلى ىذا الينبوع من اب٢ب واب٥دى أشد من حاجات العلماء إلى البحث والدرس, وكلُّ من بُ قلبو نفحة إبٲاف بٯد نفسو مهما فرّط بُ الد ين مشدوداً إلى ب٧مد, راغباً بُ أف تزداد ىذه العلبقة وثاقة. وحب رسوؿ الله من حب الله, فليس ب٧مد _على شأنو الأجل_ إلا بشراً رسولاً (ٔ). ومن أعظم أسرار السبّة النبوية أف ب٥ا أبلغَ الأثر بُ تقولَ السلوؾ, وتربية العواطف الشريفة؛ فإنها اب٤رآة البٍ تنعكس منه ا تلك الصورة البٍ تعد _بٕق_ أرقى صورة للحياة البشرية؛ حيث كاف النبي ب٧مد _عليو الصلبة والسلبـ _ يرسم بأقوالو, وأعمالو, وسائر تصرفاتو _ القدوة العليا البٍ بٯب أف تهدؼ إليها جهود البشر بُ سبّىم ب٫و الكماؿ اب٤نشود. إف ثلبثة وعشرين عاماً ىي بٝلة السنبْ البٍ عاشها ب٧مد " نبياً رسولاً قد لا تكوف بُ مقياس الزمن شيئاً مذكوراً إذا قيست إلى ما قضتو البشرية من حقب متطاولة, وأجياؿ متعاقبة. ولكنها بُ ب٦اؿ البَبية, والإصلبح, ورسم قواعد السلوؾ البشري الفاضل, ووضع اب٤عالم, واب٢دود ب٢ياة الإنساف كما بٰب رب الإنساف, وبٗا بٰ قق الغاية من وجوده, ويكفل ب٥ا اب٢ياة السعيدة الكربٲة _ لأرجح بُ اب٤يزاف من كل ما غَبرَ من حقب وأجياؿ؛ ذلك أف بركات ىذا النبي لا تكاد بٙصر ولا بٙصى (ٕ). 1_ اْعس َكدَ١ الأستاذ لذُد فتخٞ عبدالمٓعِ يهتاب لذُد زسٍٛ الله يًعلاَ١ أحمد تُٝٛز باشا ص14_16. 2_ اْعس َكدَ١ ايدنتٛز لذُد خًٌٝ ٖساس عً٢ الخغا٥ص ايهبر٣ يًشٝٛطٞ1/3_4.
عدد الصفحات ٢٢٩خ٘اطس 232 وإف منها لبركة الوقت البٍ ناؿ أمتو منها أوفر اب٢ظ والنصيب؛ فنالت من الأعماؿ, والعلوـ, والأخلبؽ, واب٢كمة _بُ وقت قص _ ما لم تنلو أمة من الأمم. ومن أعظم ما امتازت بو سبّة النبي " أنها معلومة للناس بٔميع أطوارىا, متجلية ب٥م دخائلها من كل مناحيها . ولا ريب أف ذلك من أعظم أسرار عظمتها وخلودىا؛ إذ لا يصح أف تكوف سبّة أحد من الناس قدوة لغبّه إلا أف تكوف واضحة معلومة منزىة عن العيوب واب٤ثالب. ولقد ضبط العلماء سبّتو _عليو الصلبة والسلبـ _ وأتوا على دقائق قد بٚطر بالباؿ. ولو استعرض القارئ فهرس أحد الكتب البٍ اعتنت بسبّتو وشمائلو لوجد ذلك واضحاً جلياً (ٔ). وب٥ذا فإنو _عليو الصلبة والسلبـ_ لم يكن ليتحرج من نقل ما يقوـ بو من أعماؿ حبٌ بُ داخل منزلو؛ فبَى _من جراء ذلك _ كثرة الأحاديث البٍ ترويها أمهات اب٤ؤمنبْ عن النبي ". ولم يكن ذلك إلا لأف سِر ه كعلبنيتو, وظلمةَ ليلِو كضوء نهاره؛ فسبّتو معلومة منذ ولادتو إلى ساعة وفاتو . ومن أعظم أسرار السبّة النبوية أف اب٢ملبت اب٣اطئة الك اذبة البٍ تريد النيل من مقاـ النبوة الأعظم _ تكوف سبباً بُ بعث فضائل الن" وب٘ددىا بُ الناس على حد قوؿ أبي بٛاـ: 1_ اْعس ايسساي١ المحُدٜ١ يًشٝد سًُٝإ ايٓدٟٚ ص102_104.
عدد الصفحات ٢٣٠خ٘اطس 233 وإذا أراد الله ن شػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػر فضػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػيلة طويػػػػػػػػػػػػػػػت أتػػػػػػػػػػػػػػػاح ب٥ػػػػػػػػػػػػػػػا لسػػػػػػػػػػػػػػػافَ حسػػػػػػػػػػػػػػػود وفضيلة النبي " لم تطوَ, وإب٭ا تتجدد, وتتلؤلأ كالبدر بُ ب٠اء صاحية, وكالشمس بُ رائعة الن هار.
عدد الصفحات ٢٣١خ٘اطس 234 قاؿ ا_عز وجل _[ :لَقَدْ كَافَ لِسَبَإٍ بُِ مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَن تَافِ عَنْ بٲَِبٍْ وَشمَِاؿٍ كُلُوا مِنْ رِزْؽِ رَب كُمْ وَاشْكُرُوا لَوُ بػَلْدَةٌ طَي بَةٌ وَرَب غَفُورٌ (٘ٔ)] سبأ قيل بُ تفسبّىا: كاف لكل رجل منهم بُ مسكنو جنتاف جنة عن بٲبْ اب٤سكن وجنة عن يساره, فكانوا يتفيؤوف ظلبب٥ما بُ الصباح واب٤ساء, وبٯتنوف بٜارىا من ب٬يل, وأعناب, وغبّىا. وقيل: وكانت مدينتهم ب٧فوفة عن بٲينها وشماب٥ا بغابة من اب١نات يصطافونها, ويستثمرونها. بل قيل: إف السائر لو وضع على رأسو مكتلبً لوجده قد مُ لئَ بٜاراً ب٩ا يسقط من الأشجار البٍ يسبّ بٙتها. وكاف من بٛاـ نعمتهم أف يس رَ الله ب٥م الأسفار, وعمراف الديار, وكانوا إذا خرجوا من مأْ رب إلى البلبد الشامية قوافل للتجارة, وبيع الطعاـ سلكوا طريق تهامة, بٍ اب٢جاز, بٍ مشارؼ الشاـ, بٍ بلبد الشاـ, فكانوا كلما ساروا مرحل ة وجدوا قرية أو بلداً أو داراً للبسبَاحة وتزودوا؛ فكانوا من أجل ذلك لا بٰملوف معهم أزواداً إذا خرجوا من مأرب. وكانوا يسبّوف غدواً وعشياً, فيسبّوف بُ الصباح, بٍ تعبَضهم قرية فبّبٰوف فيها ويَ قِ يْ لوف, ويسبّوف بُ اب٤ساء, فتعرضهم قرية يبيتوف بها . فمعبُ [سِيػْرُو ا فِيػْهَا لَيَاليَِ وأَي امَاً آمِنِبْْ ]أي سبّوا كيف شئتم . ولكنهم _مع ذلك كلو _لم يشكروا نعمة الله, بل أعرضوا, وقالوا[رَبػ نَا بَاعِدْ بػَبَْْ أَسْفَارِنَا] باعد بين أسفازُا
عدد الصفحات ٢٣٢خ٘اطس 235 وقد درج اب٤فسروف على أنهم دعوا الله بذلك؛ فلم يقدروا نعمة الله العظيم قدرىا؛ فسألوا الله أف تزوؿ تلك القرى العامرة؛ ليسبّوا بُ الفيابُ, وبٰملوا الأزواد من الطعاـ والشراب . بٍ بٰتمل _كما يقوؿ ابن عاشور_أف يكوف أصحاب تلك اب٤قالة ب٩ن كانوا أدركوا حاؿ تباعد الأسفار بُ بلبدىم قبل أف تؤوؿ إلى تلك اب٢ضارة, أو ب٩ن كانوا يسمعوف أحواؿ الأسفار اب٤اضية بُ بلبدىم, أو أسفار الأمم البادية, فبَوؽ ب٥م تلك الأحواؿ. وىذا من كفر النعمة الناشئ عن فساد الذوؽ بُ إدراؾ اب٤نافع وأضدادىا؛ لذا كانت النتيجة [فَجَعَلْنَاىُمْ أَحَادِيثَ وَمَز قػْنَاىُمْ كُل ب٩َُز ؽٍ إِف بُِ ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُل صَب ارٍ شَكُورٍ ] فصار أولئك القوـ الذين يعيشوف بُ بٕبوحة من العيش أحاديث, أي لم يبق منهم أحد, فصار وجودىم بُ الأخبار والقصص؛ حيث تفرقوا بعد سيل العرـ؛ فكاف ذلك مُ سْ رِ عاً فيهم بالفناء بالتغرب بُ الأوطاف, والفاقة, وتسلط العوادي بُ الطرقات, حبٌ ضربت العرب بهم اب٤ثل بُ قوب٥م : ذىبوا أو تفرقوا أيدي , أو أيادي سبأ, كما قاؿ ذو الرمة : فيػػػػػػػػػػػػػػػا لػػػػػػػػػػػػػػػك مػػػػػػػػػػػػػػػن دار تفػػػػػػػػػػػػػػػرؽ أىلهػػػػػػػػػػػػػػػا أيػػػػػػػػػػػػادي سػػػػػػػػػػػػػباً عنهػػػػػػػػػػػػػا وطػػػػػػػػػػػػػاؿ انتظارىػػػػػػػػػػػػػا والمقصود مما سبق إيراده من ىذه القصة ىو التنبيو على أمر يقع فيو بعض الناس من اب٤سلمبْ ب٩ن أدركوا شظف العيش, وشدة الفاقة, وتباعد الأسفار؛ فمن الله بعد ذ لك على الناس بوفرة اب٤اؿ, ورغد العيش, وكثر ة وسائل الرفاىي ة, واب٤واصلبت, وما جرى ب٦رى ذلك؛ فتجد من الناس من يتلهف على ماضيو, وسالف زمانِو.
عدد الصفحات ٢٣٣خ٘اطس 236 واب٢نبُْ إلى اب٤اضي مروءة, قاؿ ابن عبدالبر ×= :قيل لبعض اب٢كماء: بأي شيء يُعرؼ وفاء الرجل دوف ب٘ربة أو اختبار؟ قاؿ: بٕنينو إلى أوطانو, وتلهفو على ما مضى من زمانو +. وما أبٝل أف تذكر اب٢الة السابقة حبٌ ينبعث الإنساف إلى مزيد من الشكر . ولكن الذي بٰصل _أحياناً_أف تُ ذْ كَ رَ اب٢الةُ اب٤اضيةُ مصحوبة بشيء من التنكر للنعمة اب٢اضرة؛ فتجد من يقوؿ : ىذه النعمة تسببت بُ الغفلة, والقطيعة, فياليت حالنا الأولى ترجع؛ حبٌ تعود الألفة, والبَابط . وقد يقوؿ مثل ذلك مَ نْ أبطرتػْ هُ مُ النعمة, فبَاىم بٲلُّ وف حياةَ الدعةِ , والراحة؛ فيقولوف بٗثل اب٤قالة السابقة. ولا ريب أف ذلك ضرب من اب١هل, والتشبوِ بالذين مر ذِ كْ رُ ىم بُ الآية. وإلا ىل يريد أولئك أف ترجع إليهم حياة اب١وع, والفقر, واب٤رض, والسلب؟ أليس تيسُّرُ السبل, ووجود الكهرباء, ونعمةُ اب٤ساكن, وتو افر الدواء, وكثرة وسائل الاتصاؿ _من أعظم ما يبعث على الراحة, والطمأنينة, والأمن, والتفرغ للعبادة بٗفهومها الشامل ب٤ن أراد الآخرة, وسعى ب٥ا سعيها؟ فاللبئق بالإنساف إذا كاف بُ كل ضيق أف يتعبد الله بالصبر؛ فتلك عبودية الضراء, وإذا وسع لو بُ الرزؽ أف يزيد من الشكر؛ فتلك عبودية السراء . وب٥ذا انظر إلى الآيات السابقة كيف خُتمت بٖابٛة عجيبة؛ حيث بٝعت ببْ وصفبْ عظيمبْ قاؿ _تعا_[ :إِف بُِ ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُل صَب ارٍ شَكُورٍ ] واب١مع ببْ ىذين الوصفبْ لإفادة أف واجبَ اب٤ؤمنِ التخلقُ بهذين اب٣لقبْ, وبٮا الصبر على اب٤كاره, والشكر عند النعم .
عدد الصفحات ٢٣٤خ٘اطس 237 فالصبار يعتبر من تلك الأحواؿ؛ فيعلم أف الصبر على اب٤كاره خبّ من اب١زع ويرتكب أخف الضررين, ولا يستخفو اب١زع, فيُلقي بنفسو إلى الأخطار, ولا ينظر بُ العواقب. والشكور يعتبر بٗا أُعطي من النعم؛ فيزداد شكراً لله _تعا_ولا يػَبْطَر النعمةَ, ولا يطغى ؛ فيعاقب بسلبها كما سُلبت عن سبأ.
عدد الصفحات ٢٣٥خ٘اطس 238 قرأت بُ كتاب اب٢ديقة للشيخ ب٧ب الدين اب٣طيب ×بيتبْ لشاعر لم أب٠ع بو قبل ذلك, اب٠و أبٞد عبيد, يقو ؿ فيها: بٕثػػػػػػػػػػػػػت عػػػػػػػػػػػػػن الأديػػػػػػػػػػػػػاف بُ كػػػػػػػػػػػػػل أمػػػػػػػػػػػػػة وطفػػػػػػػػػػػػػػػػػػت بػػػػػػػػػػػػػػػػػػلبد الله غربػػػػػػػػػػػػػػػػػػاً ومشػػػػػػػػػػػػػػػػػػػرقاً فلػػػػػػػػػػػػػػػػػم أر كالإسػػػػػػػػػػػػػػػػػلبـ أدعػػػػػػػػػػػػػػػػػى لألفػػػػػػػػػػػػػػػػػة ولا مثػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػل أىليػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػو ىػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػوىً وتفرقػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػاً فوجدت أف ىذين البيتبْ يصوراف الإسلبـ, وأىلو بُ العصور اب٤تأخرة أبلغ تصوير, فلو أجلت النظر بُ نصوص الوحيبْ لوجدتها حافلة بالأوامر ال صربٰة القطعية بُ وجوب الاجتماع, والتحذير من الافبَاؽ . وإذا نظرت بُ أحواؿ اب٤سلمبْ رأيت العجب العجاب من جهة بعدىم عن ىذا الأصل العظيم؛ فبَاىم شَ ذَ رَ مَ ذَ رَ ؛ حيث الفرقة, واب٣لبؼ, والتنازع, والتدابر, والابتداع . وليس ذلك على مستوى الأمة بِ فِ رَ قها البٍ تبعد عن السنة واب٤نبع الأوؿ فحسب, بل إف ذلك ليشمل أىل السنة المحضة الذين ىم نقاوة اب٤سلمبْ, وخاصتهم . وإذا بٕثتَ عن أسباب تلك الفُ رْ قَ ة وجدتها كثبّة, فمنها نسيافُ الناس حظاً ب٩ا ذكروا بو, وقد جرت سنة الله أف من كانوا كذلك أ غرى الله بينهم العداوة والبغضاء بٕسب نسيانهم. ومنها البغي, والظلم, واب٢سد, والتنازع, واب٥وى . ومنها تسلط الشيطاف الذي أيس أف يعبده اب٤صلوف بُ جزيرة العرب, ولكن بُ التحريش بينهم . بٚتاْ في ٗصف الإسلاَ ٗأٓوٕ
عدد الصفحات ٢٣٦خ٘اطس 239 ومنها ضيق الصدر, وقلة العلم واب٢لم؛ لأف الإنساف كلما اتسع علمو اتسعت ربٞتو وحلمو . ومنها كيد الأعداء الذين يعملوف ليل نهار بُ سبيل تقطيع أوصاؿ الأمة. ومنها التعصب الأعمى, و اب١هل بُ عواقب الفرقة, وفضائلِ الاجتماع والألفة, وقلةُ اب٤بادرات بُ سبيلِ رأبِ الصدع , وبٝعِ الكلمة. ومع ىذا كلو فإف الأمة بٖبّ, وفيها من ىو قائم بالعدؿ, متبع للسنة, بعيد عن الفرقة, لا يزالوف على اب٢ق ظاىرين لا يضرىم من خالفهم, ولا من خذب٥م . وإذا بٕثت عن سبل الألفة والاجتماع وجدتها كثبّة جداً, والقرآف والسنة حافلبف بذلك؛ فمنها : الاعتصاـ بالكتاب والسنة, واب٢ذر من التنازع, ولزوـُ العدؿ, واستشعار الأخوة الإبٲانية, وب٫و ذلك من أضداد ما مضى ذكره من أسباب الفرقة . ىذا وإف من أعظم أسباب الألفة, وتضييق ىُو ةِ الفرقة _حُسْنَ التعامل مع اب٣لبؼ والردود خصوصاً بُ وقت النوازؿ والفبً؛ فربٗا بٰصل بُ تلك الأحواؿ اختلبؼ بُ النظرة إليها من قبل بعض أىل العلم وربٗا بٰصل خلبؼٌ حوؿ أمر ما؛ فيحسن _واب٢الة ىذه_أف تنشرح صد ورنا ب٤ا يقع من اب٣لبؼ؛ فما من الناس أحد إلا وىو راد ومردود عليو , وكل يؤخذ من قولو ويرد إلا الرسوؿ ". وبٯمل بنا أف ب٫سن الظن بأىل العلم والفضل إذا رد بعضهم على بعض , وألا ندخل بُ نياتهم, وأف نلتمس ب٥م العذر. وإذا تببْ لنا أف أحداً من أىل العلم والفضل أخطأ سواء كا ف راداً أو مردوداً عليو فلب يسوغ لنا ترؾ ما عنده من اب٢ق؛ بٕجة أنو أخطأ . وإذا كن ا ب٭يل إلى أحد من الطرفبْ أكثر من الآخر ؛ فلب بٯوز لنا أف نتعصب لو,
عدد الصفحات ٢٣٧خ٘اطس 241 أو نظن أف اب٢ق معو على كل حاؿ . وإذا كاف بُ نفس أحدٍ منا شيء على أحد الطرفبْ _فلب يكن ذلك حائلبً دوف قبوؿ اب٢ق منو. قاؿ ربنا _جل وع_:[وَإِذَا قػُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَافَ ذَا قػُرْبىَ](الأنعاـ:ٕ٘ٔ). وقاؿ:[وَلا بٯَْرِمَن كُمْ شَنَآفُ قػَوْـٍ عَلَى أَلا تػَعْدِلُوا اعْدِلُوا ىُوَ أَقػْرَبُ لِلتػ قْوَى ] (اب٤ائدة:ٛ), وقاؿ:[يَا أَيػُّهَا ال ذِينَ آمَنُوا كُونُ وا قػَو امِبَْ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِل وِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ](النساء: ٖ٘ٔ). وإذا كاف لدي نا قدرة على رأب الصدع, وبٝع الكلمة, وتقريب وجهات النظر فتلك قربة وأي قربة . قاؿ الله _ عز وجل _: [لا خَيػْرَ بُِ كَثِبٍّ مِنْ ب٪َْوَاىُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَ دَقَةٍ أَوْ مَعْرُوؼٍ أَوْ إِصْلبحٍ بػَبَْْ الن اسِ وَمَنْ يػَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الل وِ فَسَوْؼَ نػُؤْتِيوِ أَجْراً عَظِيماً ] (النساء:ٗٔٔ). وإذا لم نستطع ف لنجتهد بالدعاء والضراعة إلى الله أف يقر ب القلوب, وبٯمع الكلمة على اب٢ق, و لنحذر كل اب٢ذ ر من الوقيعة بأىل العلم, أو السعاية بينهم, و لنعلم بأنهم لا يرضوف من ا بذلك مهما كاف الأمر . وإذا سل مَ نا الله من ىذه الردود, فاشتَ غل الواحد منا بٗا يعنيو _ فهو خ وسلبمة _إف شاء الله تعا_. والذي يُظَن بأىل الفضل سواء كاف الواحد منهم راد اً أو مردوداً عليو _ أنهم يرضوف من ا أف نتعص ب ب٥م أو عليهم تفنيداً, أو تأييداً بل يرضيهم كثبّاً أف نشتغل بٗا يرضي الله, وينفع الناس , ويؤسفهم كثبّاً أف تأخذ تلك الردود أكثر من حجمها, وأف تفسر على غبّ وجهها .
عدد الصفحات ٢٣٨خ٘اطس 241 ىذا وإف العاقل المحب لدينو وإخوانو اب٤سلمبْ ليتمبُ من صميمقلبو أف ب٘تمع الكلمة, وألا بٰتاج الناس أو يضطروا إلى أف يردوا على بعض, وما ذلك على الله بعزيز, ولكن : فيػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػا دارىػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػا بػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػاب٢زف إف مزارىػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػا قريػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػب ولكػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػن دوف ذلػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػك أىػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػواؿ فمن العسبّ أف تتفق آراء الناس, واجتهاداتهم, ومن اب٤تعذر أف يكونوا بٝيعاً على سنة واحدة بُ كل شيء, ومن المحاؿ أف يػُعْصَم الناس فلب بٱطئوا. بٍ ليكن لنا بُ سلفنا الكراـ قدوة؛ فهم خبّ الناس بُ حاؿ الوفاؽ وحاؿ اب٣لبؼ؛ حيث كانوا مثالاً بٰتذى بُ الربٞة, والعدؿ, والإنصاؼ حبٌ بُ حاؿ الفتنة والقتاؿ. ولا ريب أف ىذه اب٤عالٍ بٙتاج إلى مراوضة للنفس كثبّاً, وإلى تذكبّ ىا بأدب الإنصاؼ, وإنذارىا ما يبَتب على العناد والتعصب من الإبٍ والفساد . وإذا استقبلنا اب٣لبؼ والردود بتلك الروح السامية, والنفس اب٤طمئنة صارت ربٞةً , وإصلبحاً, وتقوبٲاً, وارتقاءً بالعقوؿ, وتزكية للنفوس . وبهذا ب٫فظ لرجالنا, وأىل العلم منا مكانتهم بُ القلوب, ونضمن _ بإذف ا _ لأمتنا بٛاسكها وصلببة عودىا, ونوصد الباب أماـ من يسعى لتفريقها والإيضاع خلبب٥ا. والعجيب أف ترى أف اثنبْ من أىل العلم ق د يكوف بينهما خلبؼ حوؿ مسألة أو مسائل, وب٘د أتباعهما يتعادوف, ويتماروف, وكل فريق يتعصب لصاحبو مع أف صاحبي الشأف بينهما من الود, والصلة, والربٞة الشيء الكثبّ ! وأخبّاً لنستحضر أف ذلك امتحاف لعقولنا و إبٲاننا؛ فلنحسن القوؿ, ولنحسن العمل, ولنجانب اب٥وى.
عدد الصفحات ٢٣٩