المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

خواطر

محمد بن إبراهيم الحمد

صفحة ١٠ من ١٦

خ٘اطس 146 وأشهر ما كاف من ذلك علبقتها بالرئيس الأمريكي جوف كنيدي , بٍ بٚليو عنها ب٤ا تولى الرئاسة , بٍ علبقتها بأخيو روبرت كنيدي . ولقد سببت ب٥ا تلك العلبقات متاعب ك ثبّة, بل لقد قيل: إف لآؿ كنيدي يداً بُ موتها. وأخبّاً كيف كانت نهاية تلك اب٤رأة؟ لقد وجدوىا جثة ىامدة بُ منزب٥ا , واكتشف المحقق الذي تناوؿ قضيتها أنها ماتت منتحرة , ووجد رسالة ب٧فوظة بُ صندوؽ الأمانات بُ مانهاتن بُ نيويورؾ , وىذه الرسالة ألقت بعض الضوء على ا نتحار مارلبْ مونرو ؛ إذ وجد على غلبفها كلمة تطلب عدـ فتح الرسالة قبل وفاتها . وب٤ا فتح المحقق الرسالة , وجدىا مكتوبة بٖط مارلبْ مونرو بالذات , وىي موجهة إلى فتاة تطلب نصيحة مارلبْ عن الطريق إلى التمثيل . قالت مارلبْ بُ رسالتها إلى الفتاة , وإلى كل من ترغب العمل بُ السينما: =احذري المجد , احذري كل من بٱدعك بالأضواء ؛ إلٍ أتعس امرأة على ىذه الأرض؛ لم أستطع أف أكوف أماً , إلٍ أفَض ل البيت, واب٢ياة العائلية الشريفةَ على كل شيء, إف سعادة اب٤رأة اب٢قيقية بُ اب٢ياة العائلية الشريفة الطاىرة , بل إف ىذه اب٢ياة العائلية ب٥ي ر مز سعادة اب٤رأة , بل الإنسانية. وتقوؿ بُ النهاية: لقد ظلمبِ الناس, وإف العمل بُ السينما بٯعل اب٤رأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة . إلٍ أنصح الفتيات بعدـ العمل بُ السينما وبُ التمثيل؛ إف نهايتهن إذا كن عاقلبت كنهايبٍ +. ىذه ىي حاؿ تلك اب٤رأة , وىذه نصائحها المجانية تقدمها بُ نهاية مطافها؛ فما

عدد الصفحات ١٤٤

خ٘اطس 147 أكثر الع, وما أقل اب٤عتبر؛ فهل من مدكر ؟ وىذه الأمبّة الليدي ديانا سبنسر تلك اب٤رأة الإب٪ليزية البٍ نالت من الشهرة ما لم تنلو امرأة بُ القرف العشرين , حيث تزوجت بولي عهد بريطانيا الأمبّ تشارلز عاـ ٜٛٔٓـ_ٓٓٗٔىػ, وأقيم حفل الزواج الكببّ بُ قصر بكنجهاـ, وشاىد العالم ذلك اب٢فل عبر شاشات التلفاز. ومنذ ذلك اب٢بْ والإعلبـ العاب٤ي بكافة وسائلو لا يفتأ يذكر اب٠ها , ويتابع أخبارىا , وينشر صورىا . وظل الناس يتابعوف كل دقيقة وجليلة من أمرىا , حبٌ أصبح كثبّ من نساء العالم يقلدنها بُ شبٌ أحواب٥ا , حبٌ بُ مشيتها , وتسربٰة شعرىا , وطريقة ابتسامتها, ونوع ملبوسها , وب٫و ذلك من شؤونها. وعلى مدى سنوات طويلة كاف لدى الشعب البريطالٍ , وسائر شعوب العالم اعتقاد بأف ديانا وتشارلز بٮا أسعد زوجبْ على وجو الأرض , كيف لا وقد امتلكا بٝيع مباىج اب٢ياة _بُ نظر الأكثرين _؟ فالشهرة , والمجد, والثراء , والنفوذ, واب٤ستقبل الذي ينتظر الذرية كل ىذه الأمور نصب أعبْ الزوجبْ . ولكن ىذا الاعتقاد لم يكن صائباً , وكل القصص واب٢كايات الوردية البٍ صنعها خياؿ الناس لم يكن ب٥ا أي نصيب من الواقع؛ فلقد استيقظ العالم ذات صباح من شهر مايو ٕٜٜٔـ على فضيحة مدوية عصفت بتلك اب٣يالات , وطوحت بها مكاناً قصياً ؛ فقد ظهر كتاب جديد بُ بريطانيا بٙت عنواف (ديانا القصة اب٢قيقية). وىذا الكتاب يروي قصة إخفاؽ ذلك الزواج التاربٱي , ويكشف تعاسة ديانا

عدد الصفحات ١٤٥

خ٘اطس 148 وشقاءىا, وب٧اولتها الانتحار بُ عاـ ٜٜٛٔـ بعد أف يئست من حياتها. ويذكر الكتاب أحد اب٤واقف البٍ زلزلت كياف الأمبّة , وجعلتها بٙيا أسوأ أيامها ؛ فعندما رآىا تشارلز تبكي لوفاة والدىا , وعدـ وجوده بٔانبها عن فها , ووبٖها, وقاؿ ب٥ا بٗنتهى القسوة: اخرجي من أحزانك بسرعة ؛ فلب وقت لدينا ب٥ذه الأحاسيس. ولم ي كن ىذا اب٤وقف ىو الأخبّ؛ فقد توالت عبارات الأمبّ تشارلز , وإىاناتو البالغة لديانا, حبٌ قررت التخلص من حياتها , خاصة بعد الأنباء البٍ أشارت إلى وجود علبقة غرامية ببْ الأمبّ وببْ سيدة أخرى تدعى كاميلب فلورز , ومن بٍ ابتلعت ديانا كل ما لديها من حبوب مهدئة ؛ رغبة بُ التخلص من حياتها, إلا أف قدرىا لم بٰن بعد , فنجت من اب٤وت. ولم يكن صدور ذلك الكتاب نهاية اب٤طاؼ ؛ فقد بدأت الصحف تكشف جوانب أخرى , وأسراراً جديدة تعكس إخفاؽ الزوجبْ بُ ب٘اوز خلبفاتهما , واستعادة ما كاف بينهما من صفاء بُ بداية حياتهما الزوجية . وكشفت صحيفة صن داي إكسبرس النقاب عن أف الأمبّة ديانا تعالٍ من كوابيس مرعبة , وأحلبـ ب٨يفة تدابٮها ليلبً بُ نومها؛ لتحيل حياتها إلى عذاب لا يتوقف, وشقاء لا ينقطع. وأضافت الصحيفة أف ديانا تتلقى العلبج ؛ للتخلص من ىذه الكوابيس والأحلبـ اب٤زعجة البٍ يرى الطبيب اب٤عابِ أنها تعك س مدى ما تعانيو الأمبّة بُ حياتها من مصاعب, وما تعجز عن بٙقيقو من رغبات مكبوتة . وقالت: إف الأمبّة التعسة بلغت درجة من الشقاء والضيق الشديد اضطرت معها إلى اللجوء إلى طبيب نفسي كي يعاب١ها . وأكدت الصحيفة أف الأمبّة أسرعت عقب تدىور صحتها ؛ بسبب الكوابيس

عدد الصفحات ١٤٦

خ٘اطس 149 والأحـ اب٤زعجة إلى الطبيب النفسالٍ الشهبّ آلاف ماكجلبشاف . وتقوؿ الصحيفة: إف ديانا ترى بُ نومها وحوشاً غريبة تثبّ الرعب واب٥لع, وترى مشاىد بٕرية ب٨يفة تزلزؿ كيانها , وترتعد ب٥ا فرائصها . وأكدت بأف الأمبّ تشارلز نفسو بدأ يشعر بالقلق إزاء ما بٯري لزوجتو البٍ أصبحت تقطع نومها؛ لتنهض مذعورة ب٤ا تراه . وبعد ذلك زادت اب٤شكلبت بينها وببْ زوجها , وحاولت والدة تشارلز اب٤لكة إليزابيث تهدئة الأمر , وحث الزوجبْ على ب٘اوز خلبفاتهما , والتوقف عند ىذا اب٢د. ورغم ذلك فقد اتفق الطرفاف على أف حياتهما على ىذا النمط أصبحت مستحيلة, ولكن ال طلبؽ ثقيل , خصوصاً على نفس تشارلز ؛ لأنو سيؤدي إلى فقدانو وفقداف أبنائو من بعده حق اب١لوس على العرش؛ حيث لا بٯوز دستورياً أف يكوف اب٤لك مطلقاً . ولأف الأمبّ عَيػْنُو على العرش, وليس لديو أية فكرة للتنازؿ عنو _ فقد قرر أ يطلق. أما الأمبّة التعيسة فلم يعد لديه ا سوى ولديها ىاري وويلياـ بٲلآف الفراغ والوحدة البٍ تقاسيها , ولا تريد أف تُطَل ق؛ حبٌ لا يفقدا حق اب١لوس على عرش بريطانيا بُ اب٤ستقبل ومن أجل ىذا قررا الانفصاؿ دوف طلبؽ ؛ ليبدأ كل منهما حياتو بالطريقة البٍ بٰبها . وبعد ىذا اعبَؼ الزوجاف باب٣يانة الزوجية , وأصبحت ديانا تبَامى من أحضاف عشيق إلى عشيق, إلى أف آؿ بها الأمر إلى آخر واحد منهم وىو عماد الفايد. وآخر فصل من فصوؿ حياة تلك اب٤رأة ىو تلك النهاية اب٤ؤب٤ة البٍ أودت بٕياتها

عدد الصفحات ١٤٧

خ٘اطس 151 عندما كانت بُ فرنسا بصحبة عشيقها عماد الفايد , حيث ركبا بُ السيارة البٍ خرجت بهما من ا لفندؽ الذي كانا يقيماف فيو , فلما خرجا إذا بعدسات اب٤صورين تضيق عليهما الطريق , فأسرع السائق ىروباً من اب٤صورين , فوقع اب٢ادث الذي أودى بٕياة ديانا وعماد الفايد. فماذا أغبُ الثراء ؟ وماذا أغنت الشهرة ؟ وماذا أغبُ اب١اه؟ ولا تزاؿ الصحافة تأتيك بالأخبار, وتوافيك باب١ديد من تعاسة اب٤شاىبّ. ومن آخر ذلك ما جاء بُ صحيفة الرياض ٚ ربيع الآخر ٕٚٗٔىػ, اب٤وافق: ٘ مايو ٕٙٓٓـ عدد ٜٕٖٛٔ بٙت عنواف : ( أغبُ رجلٍ بُ العالم يتمبُ لو كاف فقبّاً ). وبٙت ىذا العنواف كتبت : =الثروة لا تكفي ب١لب السعادة, وقد تكوف وبالاً على صاحبها, ىذا ما يقولو بيل غيتس الذي يوصف بأنو أغبُ أغنياء العالم. ونسب راديو سوا إلى غيتس قولو : إنو يدعو على نفسو بالفقر, ويتمبُ لو لم يكن أغبُ ببِ البشر. وأضاؼ أنو لا يشعر بأف ثروتو الطائلة البٍ تقدر بالبلبيبْ بٙقق لو ما يريد . ويقوؿ بيل غيتس: إنو يكره كونو من اب٤شاىبّ, ك ما أنو لا بٰب إثارة انتباه الآخرين, ويعتبر نفسو بُ ب٧نةٍ؛ بسبب ثروتو, وأنو يعيش وحيداً +. ولو اسبَسل الكاتب بُ ذكر مثل تلك الأخبار, والأحواؿ لطاؿ بو اب٤قاـ, وإذا أردت مزيداً من ذلك _فارجع إلى كتاب (التوبة وظيفة العمر ) لكاتب ىذه السطور. وأخبّاً تذك ر كلمة سفياف الثوري : =ما أُعطيَ رجلٌ من الدنيا شيئاً إلا قيل لو: خُذْه ومثلَو حزناً +.

عدد الصفحات ١٤٨

خ٘اطس 151 مر بُ اب٣اطرة اب٤اضية حديثٌ عن حاؿ أكثر الناس مع السعادة؛ فهل يعبِ ذلك أف يتخلى الناس عن دنياىم, وبٝيع ملذاتهم, ووجاىاتهم, ورياساتهم؟ وىل يفهم من ذلك أف يعيش الواحد منهم ب٦انباً للزينة, ميت الإرادة عن التعلق بشهواتو على الإطلبؽ؟ واب١واب: لا؛ فليس الأمر كذلك؛ و لا بد للناس من دنياىم؛ فالإسلبـ أذف بُ اكتساب الأمواؿ, وحث على العمل, ونعى البطالة, ولم بَْٰرـ الناس أف يستمتعوا بٕياتهم, وأف يروحوا اب٣اطر بنعيمها؛ شريطة الاقتصاد . قاؿ _تعا_ :[قُلْ مَنْ حَر ـَ زِينَةَ الل وِ ال بٍِ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالط ي بَاتِ مِنْ الر زْؽِ ] الأعراؼ : ٕٖ. وقاؿ بُ الآية البٍ قبلها : [يَا بَبِِ آدَـَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِن وُ لا بُِٰ بُّ الْمُسْرِفِبَْ ] الأعراؼ : ٖٔ. فلب ينابُ السعادة أف يستمتع الإنساف بٗا أباح الله لو, وليس من شرط السعادة أف يتخلى الإنساف عن بٝيع شهواتو. وليس من شرطها _كذلك_ أف يتخلى الإنساف عن دينو, ويطلق العناف لنزواتو وشهواتو. بل إف شرط السعادة الأعظم أف يكوف الإن ساف متمسكاً بدينو, عاضاً عليو بالنواجذ؛ فذلك سر السعادة, وينبوعها الأعظم. وحينئذ تكوف الشهرة, واب٤اؿ, واب١اه, والرياسة أسباباً للسعادة, ومكملبت ب٥ا؛ لأنها اعتمدت على ركن ثابت لا يتغبّ, ولا بٰوؿ؛ فلب يلبـ الإنساف بعد ذلك أف تِبٕٚ ح٘ي ًعِٟ اهشعادٝ

عدد الصفحات ١٤٩

خ٘اطس 152 يكوف ذا شهرة, أو ماؿ, أو وجاىة , أو رياسة . وإذا اطلعت على أثر يقتضي البعد عن الوجاىة _ فإنو مصروؼ إلى اب٢رص طلبها, والتصنع لإحراز ب٠عة بُ المجامع اب٢افلة, والبلبد القاصية . أما إذا اندفعت بٮة الرجل إلى اب٤كارـ؛ بٔاذب ابتغاء الفضيلة, وطفق ذكره يتسع على حسب مساعيو اب٢ميدة _ فذلك خبّ من العزلة, والاختباء بُ زوايا اب٣موؿ. بل لا يلبـ الإنساف إذا سعى للرياسة إذا كاف يرى من نفسو الكفاءة والقدرة, ولا يريد أف يتخذ من رياستو حِ بَ الَ ةً لا يتعدى نفعها إلى الأمة, وإب٭ا يريد نشر اب٣بّ, وبسط العدؿ, ورفع الظلم؛ فذلك موعود بالتسديد والإعانة بُ الدنيا, وبالإظلبؿ بُ ظل عرش الربٞن بُ الآخرة يوـ لا ظل إلا ظلو . بٍ إف الآياتِ الواردةَ بُ سياؽ التزىيد واب٢ط من متاع اب٢ياة الدنيا لا يقصد منها ترغيب الإنساف؛ ليعيش ب٦انباً للزينة, ميت الإرادة عن التعلق بشهواتو على الإطلبؽ. وإب٭ا يقصد منها حكم أخرى, كتسلية الفقراء ال ذين لا يستطيعوف ضرباً بُ الأرض, ومنْ قَصُرت أيديهم عن تناوب٥ا, لئلب تضيق صدورىم على آثارىا أسفاً . ومنها تعديل الأنفس الشاردة, وانتزاع ما بُ طبيعتها من الش رَه والطمع؛ لئلب بٱرجا بها عن قصد السبيل, ويتَطَو حا بها بُ الاكتساب إلى طرؽ غبّ لائقة؛ فاستصغار مت اع الدنيا, وبٙقبّ لذائذىا بُ نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراؽ فيها, ويُكْبرُ بهممهم عن جعلها قبلة يولوف وجوىهم شطرىا أينما كانوا. ومبٌ عكف الإنساف على ملبذ اب٢ياة, ولم يصْحُ قلبُو عن اللهو بزخارفها _ ماتت عواطفو, ونسي أو تناسى من أين تؤتى اب٤كارـ واب٤روءة ودخل مع الأنعاـ

عدد الصفحات ١٥٠

خ٘اطس 153 بُ حياتها السافلة. وباب١ملة فإف تقوى الله _عز وجل _ والإقباؿ عليو بالكلية _ ىو أصل السعادة, وسرىا, وكل سعادة بدوف ذلك فهي مبتورة أو وبٮية, وإف اجتمعت حوب٥ا أسباب السعادة الأخرى؛ فالسعادة ينبوع يتفجر من القلب لا غيث يهطل من السماء, والنفس ال كربٲة الراضية التقية الطاىرة من أدراف الرذائل وأقذارىا سعيدة حيثما حلت, وألٌ وجدت : بُ القصر وبُ الكوخ, بُ اب٤دينة وبُ القرية, بُ الأنس وبُ الوحشة, بُ المجتمع وبُ العزلة, ببْ القصور والدور وببْ الآكاـ والصخور؛ فمن أراد السعادة اب٢قة فلب يسأؿ عنها اب٤اؿ واب٢ سبَ, والفضة والذىب, والقصور والبساتبْ, والأرواح والرياحبْ . بل يسأؿ عنها نفسو البٍ ببْ جنبيو؛ فهي ينبوع سعادتو وىنائو إف شاء, ومصدر شقائو وبلبئو إف أراد [قَدْ أَفػْلَحَ مَنْ زَك اىَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَس اىَا ] الشمس: ٜ_ٓٔ. وما ىذه الابتسامات البٍ تُرى متلؤلأة من أفواه الفقراء واب٤ساكبْ, والمحزونبْ واب٤تأب٤بْ؛ لأنهم سعداء بُ عيشهم, بل لأنهم سعداء بُ أنفسهم. وما ىذه الزفرات البٍ تُسمع متصاعدة من صدور الأغنياء والأثرياء وأصحاب العظمة واب١اه؛ لأنهم أشقياء بُ عيشهم, بل لأنهم أشقياء بُ أنفسهم. وما كد ر صفاء ىذه النفوس, وأزعج سكونها وقرارىا, وسلبها راحتها وىناءىا _ مثلُ البعد عن ا _عز وجل _. ولا أنار صفحتها, ولا جل ى ظلمتها, ولا كشف غَم اءىا كالإقباؿ على ا _تبارؾ وتعا _. فمن أراد السعادة العظمى فليقبل على ربو بكل ي تو, حب اً, وذكراً, وإنابة, وخوفاً

عدد الصفحات ١٥١

خ٘اطس 154 ورجاء, وب٫و ذلك من سائر العبوديات. قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية ×= :من أراد السعادة الأبدية فليلزـ عتبة العبودية+.

عدد الصفحات ١٥٢

خ٘اطس 155 نزوؿ البلبياواب٤صائب لا بٱتص بو أحد دوف أحد؛ فقد تنزؿ بالبر والفاجر , واب٤سلم والكافر. ولكنْ فرؽٌ ببْ نزوب٥ا على البر اب٤ؤمن , وببْ نزوب٥ا على الفاجر أو الكافر ؛ فاب٤ؤمن البر يستقبلها برضا وسرور ؛ فبَتفع بها درجاتو بُ الدنيا والآخرة . وكلما زيد بُ بلبء اب٤ؤمن فصبر واحتسب ورضي _ أعانو ا, ولطف بو, وأنزؿ عليو من السكينة والرضا, واليقبْ, والقوة ما لا بٱطر بباؿ. أما الفاجر والكافر, فيستقبلها بهلع, وجز ع, فتزداد مصائبو , وتكوف من عاجل العقوبة لو. قاؿ عمر بن عبدالعزيز ×: =أصبحت ومالي سرور إلا بُ مواضع القضاء والقدر؛ إف تكن السراء فعندي الشكر, وإف تكن الضراء فعندي الصبر +. ُزٗي اهبلاٙا بين المؤًّ ٗغيرٖ

عدد الصفحات ١٥٣

خ٘اطس 156 قرأت بُ تربٝة نابغة اب٣ط البَكي الشه : ب٧مد أسعد اليساري ما نصو : =ىو: ب٧مد أسعد ال يساري؛ نسبة إلى أنو كاف يكتب اب٣ط بيده اليسرى, ولد بُ استانبوؿ مصاباً بالشلل بُ جانبو الأبٲن, وكاف جانبو الأيسر ىو الآخر مصاباً بالرعشة, فهو ذو بدفٍ وصفو القدماء بأنو =عبرة القدر+ ومع ذلك فقد استطاع بهذا اب١سم العليل أف يفتح طريقاً جديداً بُ خط التعليق الفارسي . ذىب ليتعلم فن اب٣ط إلى أستاذ اب٣ط اب٤عروؼ ولي الدين أفندي؛ فنظر الأستاذ إليو, وحينما رأى حالو لم يتوسم فيو خبّاً, فرفض طلبو؛ فتوجو اليساريُّ إلى أستاذٍ آخرَ, وبدأ بٰضر دروسو, ويتعلم على يديو, وحاؿ انتهاء الأسبوع الأوؿ من دراستو, أوقع أستاذه بُ حبّةٍ, وحصل منو على الإجازة بٔدارة؛ حيث أقيم حفلٌ كببٌّ بهذه اب٤ناسبة, وكاف ب٩ن حضروا مراسيم الإجازة الأستاذ ولي الدين أفندي الذي لم يكبَث ب٢الو من قبل؛ فقاؿ آنذاؾ: =كنا سنحظى بهذا الشرؼ, فوا أسفاه لقد ضاع من يدنا +. وقاؿ بُ مناسبةٍ أخرى: =لقد أرسل الله ىذا الرجل ؛ ليحطم بو أنوفنا+. أصبح اليساري معلماً للخط بُ البلبط العثمالٍ, ويعتبر أشهر من أجاد خط التعليق بُ الدولة العثمانية على الإطلبؽ بالرغم من أنو كاف ضعيف اب١ثة, ضئيل اب٢جم, حبٌ إِنهم كانوا بٰملونو بهذا البدف العليل بُ سلة؛ لينقلوه من مكافٍ إلى آخر, ولكنو مع التصميم, والإرادة, واب٥مة العالية أضحى ذكره خالداً, ولامعاً بُ تاريخ ىذا الفن العظيم . توبُ × بُٔٔ رجب ٖٕٔٔىػ, ودفن بُ حي الفاتح بُ استانبوؿ+. لا تتعوى

عدد الصفحات ١٥٤

خ٘اطس 157 قرأت ىذه البَبٝة, فبهرتبِ, ورأيت ب٭اذج من خط ذلك اب٣طاط فرأيتو آيةً الإبداع, فأوحى لي ذلك بهذه اب٣اطرة, ألا وىي أف التعلل باب٤عاذير, والتماس اب٤سوغات من أعظم الأسباب البٍ نعلق عليها إخفاقنا, ونسوغ بها أخطاءنا, وعجزنا, وقعودنا . وكثبّاً ماتكوف تلك اب٤عاذير,واب٤سوغات ب٦رد أوىاـ لاحقيقة بٙتها, فلب تزاؿ تلك الأوىاـ تكبر شيئاً فشيئاً حبٌ تكوف لنا سداً منيعاً, حجارتُو سوءُ الظن أحياناً, وبٚذيلُ النفس أحياناً, والشك بُ النتائج واب٣وؼ من الإخفاؽ أحايبْ أخر. وقد تكوف تلك اب٤عاذير حقيقة, كحاؿ من يتعلل بقلة الذكاء, أوعدـ النبوغ, وكحاؿ من يتعلل بسوء اب٢ظ, وقلة التوفيق, وبأف الظروؼ لم تُ واتِ و, ولم تأت على وَ فْ قِ ما يريد, وكحاؿ م ن يتعلل ببَبيتو الأولى, وأنو قد قُ ص ر فيها, فلم يػُ وَ ج وِ الوِ جهةَ الصحيحة؛ فأخفق, ولم يعد قادراً على استدراؾ ما فات. وكحاؿ من يتعلل بالبيئة البٍ يعيش فيها, أو الصحبة البٍ ابتلي بها, وكحاؿ من يتعلل بكبر سنو, أو بٗرضو, وضعف قواه, وقلة بٙملو؛ فيسوغ بذلك قع وده وعجزه؛ فمثل تلك الأعذار والأعاليل قد تكوف سبباً حقيقياً لدنو اب٥مة؛ إلا أنو لا يليق بالعاقل أف يستسلم ب٥ا, أو أف يسبَسل معها؛ فمهما يكن من شيء فإف الفرصة متاحة, وإف الباب ب٤فتوح على مصراعيو ب٤ن أراد اب٤عالي وسعى ب٥ا سعيها . فالإنساف _بتوفيق الله, بٍ بعزمو, وبٮتو, وتربيتو لنفسو _ قادر على التغلب على كثبّ من العقبات والصعاب. وما الصعاب بُ ىذه اب٢ياة إلا أمور نسبية؛ فكل شيءٍ صعب جداً عند النفوس الصغبّة جداً , ولا صعوبة عظيمة عند النف س العظيمة؛ فبينما النفس العظيمة تزداد عظمة بٗغالبة الصعاب إذا بالنفوس اب٥زيلة تزداد سقماً بالفرار منها.

عدد الصفحات ١٥٥

خ٘اطس 158 وإب٭ا الصعاب كالكلب العقور؛ إذا رآؾ خفت منو وجريت نػَ بَ حَ ك, وعدا وراءؾ,وإذا رآؾ تهزأ بو, ولا تعبّه اىتماماً أفسح الطريق لك, وانكمش بُ جلده منك. فإذا اعتقدت بأنك ب٨لوؽ للصغبّ من الأمور لم تبلغ بُ اب٢ياة إلا الصغبّ,وإذا اعتقدت أنك ب٨لوؽ لعظائم الأمور, وسلكت السبل اب٤وصلة ب٥ا _ شعرت بهمة تكسر اب٢دود واب٢واجز, وتنفذ منها إلى الساحة الفسيحة, والغرض الأب٠ى _كما يقوؿ الأستاذ أبٞد أمبْ بُ فيض اب٣اطر_. ومصداؽ ذلك حادث بُ اب٢ياة اب٤ادية؛ فمن عزـ على اب٤سبّ ميلبً واحداً أدركو الإعياء إذا ىو قطعو, وإذا ىو عزـ على قطع بٟسة أمياؿ قطع ميلبً, وميلبْ, وثلبثة من غبّ تعب, لأف غرضو أوسع, وبٮتو اب٤دخرة أكبر . إذا كاف الأمر كذلك فلب تقْ نع بالدوف, ولا تلتمسِ اب٤سوغاتِ وبٚتلقِ اب٤عاذير. فلب تتعلل بقلة الذكاء, وإب٭ا استعمل ذكاءؾ خبّ استعماؿ . نعم إنك لا تقدر أف تكوف بُ الذكاء مائة إذا خلقت وذكاؤؾ بُ قوة عشرين, ولكنك قادر على استعماؿ ذكائك خبّ استعماؿ حبٌ يفيد أكثر ب٩ن ذكاؤه مائة إذا ىو أبٮلو, كمصباح الكهرباء إذا نظف ب٩ا علق بو, وكانت قوتو عشرين شمعة _ كاف خبّاً من مصباح قوتو بٟسوف إذا عَلَ تْ وُ الأتربة وأُ بٮِْ ل شأنو. ولا تتعلل بأنك لست نابغة, ولا أف الظروؼ لا تواتيك, فالعالم لا بٰتاج إلى النوابغ وحدىم, والنجاح ليس مقصوراً على النوابغ دوف سواىم, ولا على من تواتيهم الظروؼ. ولا تتعلل بسوء اب٢ظ, فلب يوجد من منحوا قدرة على التفوؽ من غبّ جهد, وعلى الإتياف بالعجائب من غبّ مشقة, وعلى قلب البَاب ذىباً بعصا سحرية؛

عدد الصفحات ١٥٦

خ٘اطس 159 فلب يكن سوء اب٢ظ_كما تزعم _عائقاً لك عن النجاح. ولا تعتذر ببَبيتك الأولى, ولا بعامل البيئة أو الوراثة ؛ فهذه لا تعوؽ الإنساف عن إسعاد حياتو, وملئها باب١د والاجتهاد إذا مُ نِ ح اب٥مة العالية, والإرادة ال قوية, والتفكبّ الصحيح. ولا تتعلل بكبر السن, وضعف القوى, فتقعد عن كل فضيلة, وتقصر عن كل مكرمة, بل جدد نشاطك, واستثر بٮتك, واعمل ما بُ وسعك . ولا يعبِ ذلك أنو يراد منك حاؿ كبرؾ ما يراد منك حاؿ شبابك واكتماؿ نشاطك وفتوتك. وإب٭ا يراد أف بَِ٘ د بُ الاستفادة من طاقاتك الكامنة, وخبراتك السابقة قدر الإمكاف؛ فلو سرت على ىذا النحو لعادت لك الروح, ولتجدد فيك العزـ . على أف ىناؾ من أصحاب اب٥مم العالية من يكبر وتكبر معو بٮتو فهذا ابن عقيل اب٢نبلي × يقوؿ: =وإلٍ لأجد من حرصي على العلم وأنا بُ عشر الثمانبْ أشد ب٩ا كن ت أجده وأنا ابن عشرين سنة +. ولا تتعلل بسوء الصحة؛ فكثبّ من النوابغ كانوا من ذوي العاىات, والأمراض اب٤زمنة, كحاؿ صاحبنا اب٣طاط الذي مضى ذكره بُ أوؿ اب٢ديث .

عدد الصفحات ١٥٧

خ٘اطس 161 الذوؽُ كلمةٌ بٝيلة مُوْحِيَةٌ بَْٙمِلُ بُ طياتها معالٍ اللطفِ, وحُسْنِ اب٤عشر وكماؿِ التهذيبِ, و حسنِ التصرؼِ, وب٘نبِ ما يوقع بُ الإحراج وجرح الإحساسات بلفظ, أو إشارة , أو ب٫و ذلك. فهذه اب٤عالٍ وما جرى ب٦راىا تػُفَس رُ لنا كلمة الذوؽِ, وإف لم تفسرىا اب٤عاجمُ بهذا التفسبّ اب٤لبئم ب٤ا تعارؼ عليو الناس, وجرى بينهم ب٦رى العرؼ؛ فبَاىم إذا أرادوا الثناء على شخص بٗا بٰملو من اب٤عالٍ السابقة قالوا: فلبف عنده ذوؽ, أو ىو صاحب ذوؽ. وإذا أرادوا ذم و قالوا: فلبف قليل الذوؽ, أو ليس عنده ذوؽ, وىكذا... فالذوؽ بهذا الاعتبار داخلٌ بُ اب٤عنويات أكثر من دخولو بُ اب٢س يات كذوؽ الطعاـ والشراب . وموطن الذوؽ بُ اب٤عنويات يدور حوؿ العقل, والروح, والقلب . وموطنو بُ عالم اب٢سيات لا يتجاوز اللساف, أو إحساس البدف باب٤لبئم, أو اب٤نافر. ولعل لفظَ الذوؽِ يػَعْتَوِرُه ما يعتور بعضَ الألفاظِ بُ دلالتها, من حيث تطورُىا, واب٫طاطها؛ فهو باب٤فهوـ الذي مر ذكره معبًُ ساـٍ راؽٍ . ونصوص الوحيبْ _وإف لم تُشر إلى الذوؽ بهذا اللفظ_حافلةٌ بٗا يرعاه, ويُعلي منارَه, وبٰذر ب٩ا ينافيو. ولو ألقيت نظرةً عامةً عَجْلى على شرائع الإسلبـ, وأصولو العظاـ كالصلبة والزكاة, واب٢ج والصياـ _لرأيت ذلك رأي الع . سلاًٞ اهرٗق ٗأثسٖ في الأفساد ٗالأًٞ

عدد الصفحات ١٥٨

خ٘اطس 161 أليس اب٤سلمُ مأموراً حاؿَ إتيانو إلى الصلبة أف يكوفَ على طهارة, وأف يأخذ زينتو عند كل مسجد, وأف يأبٌ وعليو السكينة والوقار؟ وأف بٱفض صوتو حاؿ مناجاتو لربو؟ أليس منهياً عن رفع الصوت بُ اب٤سجد, وعن أف يأبٌ وقد أكل ثوماً , أو بصلبً , أو ب٫و ذلك ب٩ا يتأذ ى منو اب٤صلوف؟ ألم يكن من أدب الزكاة أف تُعطى للفقبّ خُفْيةً, وعلى وجو يرفع خسيستو, ولا يصدع قناة عزتو؟ ألم يُؤمرِ اب٢جاجُ بالسكينة, ولزوـ التؤدة, وترؾ أذية إخوانهم؟ أليس الصياـُ من أعظم ما يُرىف اب٢س, ويرتقي بالذوؽ, ويسمو بالروح؟ أليس فيو شعور بالآخرين, وإحساس بٗا يعانوف من عوز الفقر, وذلة اب٢اجة؟ ألم تأتِ الأحا ديثُ النبويةُ الشريفة منوىةً بُٖلوؼ فَمِ الصائم, وأنو عند الله أطيب من ريح اب٤سك, مع ما فيو من رائحة قد لا تروؽ؛ جبراً ب٣اطر الصائم, ونهياً ب٤ن قد بٯد بُ نفسو أذىً من ىذه الرائحة, أو كراىة ب٤ن صدرت منو _أف يتفوه بٗا لا يليق؟ بٍ إف الآثار الواردة بُ معاملة الناس على اختلبؼ طبقاتهم حافلةٌ بهذا اب٤عبُ, دالةٌ دِلالةً صربٰةً على مراعاتو. وقل مثل ذلك بُ كثبّ من اب٤ناىي؛ فهي بٙذر ب٩ا ينابُ الذوؽ, أو يضعف جانبو. ولا يقف الأمر عند سائر اب٤عاملبت حاؿ السلم, بل يتعدى ذلك إلى حاؿ اب٢رب؛ فبُّاعى فيها جانبُ الذوؽ, وحسنِ اب٤عاملة. ولو ألقيتَ نظر ةً بُ ما جاء بُ أدب اب٢رب بُ الإسلبـ لرأيت ما يقضي منو

عدد الصفحات ١٥٩