المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

اليانع الجني من أسانيد الشيخ عبد الغني

محمد محسن بن يحيى البكري التيمي الترهتي

صفحة ١٠ من ١١

153 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن يننلاا لنناجشلاندينناج لا ثمَّ ارتَحَلَ الحاجُّ السّيلكُوتي رحمهُ اللهُ تعالى إلى بلادِ الحرمين، وصَحِبَ بنَ عبدِ الله البَصريّ ثمَّ الـمَكّي، وأحسنَ صُحبَتَـهُ، وانتَفَعَ به، ((( الشيخَ سالـمَ ثمَّ عاودَ بَلدةَ دِهلي وأشاعَ بها عُلُومَهُ، وأسانيدُهُ مَذكُورةٌ في رسائِله، جزاهُ اللهُ خيرَ الـجَزاء. وبَعدَ ذلك كُله لم يُقنِع أبا عبدِ العزيزِ ما أُنْرعِمَ به يزْروَدُه، ولم ينقَع مِن غلَّتِه ما أرعَفَ به مَزادَتَهُ، فإنَّ بعيدَ الهمّةِ يستَصغِرُ العَظائِم، وعلى قدرِ أهل العَزمِ تأتي العَزائِمُ، فاقتَصَدَ غارِبَ الغُربة، وتَعَنَّى مِن غُرُوبِ الكُربة، واقتَحَمَ الـمَفاوِزَ وجابهَا، ورَكِبَ لُـجّةَ البَحرِ وعُبابهَا، حتَّى ركَّزَ رُمحَـهُ بحِجازِه، واسترَاحَ مِن مَسيرِه ومجُتازِه، فاجتَمع بعلماءِ الـحَرمَينِ الذين كانُوا مَسانيدَ زَمانِم، بهم تتَّقِدُ سرُُجُ عُلُومِ الدّين، وتُضيءُ كواكِبُها في أُفُقٍ مُبينٍ، وأنارَت وجُوهُهُم دُجنةَ اللَّيالي ودُجاها، وأدَرَّت أيديم ضُُوعَ الـمَعالي وأدارَت رحاها، فانتَفَعَ بهم نَفعًا عظيماً، ُ سِبَيقتٍ، عال (((وحمََلَ عنهُم عُلُومًا، ورَقَى بهم ذِروةَ الـمَعالي، وفَرعَ أمثاله بكَعبٍ إلىُ سيرَوي، هاُ أنواؤ به تَجادٍ لِواب نِ م سيَتَويح، هاِوأضوائ هِشايخَمِ أنوار نِ م ُ، هُ دِصعُتُ قةِادّ الصُ ةّ والهم، اًقريبَوت اًأوقاتُ غزاهَم حوَنُ عِ سُوي، اًوتأديب اً إدلاجُ رماهَم : هُ دِ نشُيُ نهِ مٍ حالُ ولسانُ، هُ دِ رشُي الله منٌ وفيقَوتُ، هُ دِسعُتُ دةِالواقُ ريحةَ والق لا يُؤيسـكَ مِـن مجَـدٍ تباعُـدُهُ فَـإنَّ للـمَجـدِ تدريجًـا وتَرتيبـا إنَّ القَنـاةَ الَّتي شـاهَدتَ رفعَتَها تَـنمُـو فـتُـنبِـتُ أُنبوبًـا فأنبـوبـا فَتَقَصىَّ الفَضائِلَ واستَوفاها، واستَوعَبَ مِن سِهامِها أوفَرَها وأوفاها، وهو عمدته في الحديث، هـ منه. ((( .«بكتب«في ط (((

عدد الصفحات ١٥٤

اجلا عنايلاننــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 154 وتَذَرَّى سنامَ الـمَجد، وتَسنَّمَ ذِروتَهُ، وأبرَمَ حبلَ الفَخارِ وأحكَمَ عُروتَـهُ، فلَم يُغادِر من الفَضيلةِ شارِدةً إلاّ أبلَغَها رُمحَـهُ، ولم يترُك مِنها شاذّةً إلاّ حازَها إلى ربرَبِه، فللَّه دَرُّهُ مِن شمَّري قد شمَّرَ عن قدمَيه فلَم يُصِبهُما عياءٌ حتَّى وطِئَتا أديمَ السَّماء: فبأيِّرما قـدمٍ سَـعَيتَ إلى العُلا أُدُمُ الهـلال لأخمَصَيكَ حِذاءٌ بَلَغَنا أنَّ أبا طاهرِ بنَ إبراهيمَ الكُرديّ المدنيّ، وهو عُمدةُ أبي عبدِ العزيزِ مِن بَينِ مَشايخِه، وأكثَرُهُم له نَفعًا، قال فيه: إنَّهُ كان يُسنِدُ عنِّري اللَّفظَ وكُنتُ أُصَحِّرحُ مِنهُ الـمَعنَى، أو كلمةً تُشبِهُ ذلك، وكَتبَها فيما كتَبَ له، وهذا يقرُبُ مّا تقدمَ مِن قَول البُخاريّ في أبي عيسَى حينَ قال له: ما انتَفَعتُ بكَ أكثَر مّا انتَفَعتَ بي، وليس وراءَهُ مَفخَرةٌ تُرامُ ولا فوقَها مَنقَبةٌ تُـتَمَنَّى: شرَفٌ ينطَـحُ النُّجُـوُمَ برَوقَيه وعِــزٌّ يُـقَـلـقِـلُ الأجـبــالا فَلَماّ قَضَ أبو عبدِ العزيزِ لُبانَتَهُ، ومَلأ بها كِنانَتَهُ، عاودَ وجارَهُ ونَورَ بطَلعَتِه ديارَهُ، فكأنَّما ردَّ إلَيها ماءَ الشبيبةِ بعدَ الـمَشيب، وعادَ غُصنُها الذّابِلُ في نَضرةِ الرَّطيب، وغَدا بُردُها البالي قَشيبًا، وأصبَحَ جديبُـها الماحِلُ خصيبًا، وارتَـفَعَ به قُصُورُ العِلمِ بعدَ ما كانت رُسُومًا عافيةً، واستَبانَ مَعالـم الفَضل بعدَما كانت أغفالاً خافيةً، وذلك لأنَّهُ كان مَليًّا بالعُلُومِ مُتَضَلعًا مِنها، مجُتَهدًا في إشاعَتِها، ِله مَناكِبُها وكُلاها، جزاهُ اللهُ خيرًا مِـمَّن فتَوارَت برَبيعِه غُيُوبُ كُلاها، وأثَّت في ظ هو رأسُ العِلمِ به يعيشُ، وجُؤجُـؤُهُ الَّذي به ينُوءُ، وجَناحاهُ يُطيرانِه وظُنبوباهُ يُقيمانِه. ثمَّ إنَّ عُلُومَهُ الَّتي خصَّهُ اللهُ تعالى بها والَّتي أشرَكَ معهُ فيها غيرَهُ مِن سائِرِ

عدد الصفحات ١٥٥

155 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن يننلاا لنناجشلاندينناج لا الأئمّةِ كثيرٌ، يكَلُّ اللسانُ عن إحصائِها، ويعيى دُونَ استِقصائِها، ولكن لا عليَّ أن أذكُرَ طَرَفًا مِن تلك الـمَفاخِرِ؛ ليَتَبينََّ مَن رُزِقَ الإنصافَ، وتَنكَّبَ تضاليلَ الاعتِساف، أنَّهُ كم ترَكَ الأولُ للآخَر، ولا غرو فإنَّ الجَدَّ ينزِلُ من السَّماء، والفَضلُ بيدِ الله يُؤتيه مَن يشاءُ. : ما أكرَمَهُ اللهُ تعالى به من الفَصاحةِ في اللُّغةِ العربيّـةِ دُونَ كثيرٍ من فمنها المُولَّدينَ وغيرِهم، إذا سَمِعتَ مِن لفظِه الدَّقيقِ المُعْررِب البَديعِ خُيِّرلَ إلَيكَ كأنَّما هو رجَلٌ نَشأ بباديةٍ مِن علياءِ هوازِن، وكأنَّما أدَّبَتهُ امرأةٌ مِن سُفلىَ تميمٍ، له شِعرٌ رخيمُ الـحَواشي، كأنَّهُ نِظامٌ فريدٌ في نَحرِ الخَريد، أو باسِمُ الوردِ في رونَقِ الرَّبيعِ الـجَديد، حازَ من اللَّفظِ مأنوسَهُ، وتَـجَنَّبَ غواشي التَّعقيد، وأجودُ الشِّرعرِ ما رقَّ ما أنشدَهُ بعضُهُم: (((لفظُهُ، وراقَ مَعناهُ، وصَفَى مَورِدُهُ، وسَهُلَ مَغناهُ، و التَـمِـس للقَريـضِ لـفظًـا رقيقًا كَـنَسـيمِ الرّيـاضِ في الأسـحارِ فإذا اللَّفظُ رقَّ شفَّ عنِ الـمَعنَى فـأبــداهُ مِـثـلَ ضَــوءِ النَّـهـارِ كُلَّمــا رقَّـت الـزُّجاجـةُ راقَـت ِـريـنَ لـونُ العِقـارِ أعيُــنَ النّاظ ِ صريفَوت، هِ وارِ ح عندِ فظَّاللِ جامِ انس منَ غَلَب ما إلىُ وغُلُالب له ىَّتأت وما نِ م ّإلاٍ بعيدُ هُلِ اوُيح فيماٍّ نَتع ولاٍ، شديدُ هُفَّلَ يتكٍ فُّلَ تكِ غير نِ م، هِ أطوار في ىَعنَ الـم ، وضَمِّره (((بها هِ مراسِ ةّ دِ وش، عليها ُهَ رِ شراش هِوإلقائِ الحديثِ بُتُك فيِ رَظَّالنِ إكثار إلى ذلك اشتِغال لهُ بكُتُبِ السّيرِ وأيّامِ العَرَب، وأخبارِ المُلُوكِ وأسفارِ الأدَب، وهيَ الَّتي يندَفِعُ بها الـمَرءُ إلى لسانِ العرب الأُول، ويَتَدي بها إلى مَوارِدِ كلامِهم سقط في ط وخ، والظاهر إثباته. ((( في ط.«بها«سقط (((

عدد الصفحات ١٥٦

اجلا عنايلاننــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 156 ومَصادِرِه، فكيف وقد أقامَ بالحِجازِ سِنين، وزاحَمَ العَـرَب، وسَمِعَ مِن أهل البادية، وهُم يومَئذٍ أحسنُ حالاً منهم في زَمَنِنا، وأعرَبُ نُطقًا، لم تكثُر في بُلدانِم الأعاجِمُ كثرَتهَُم هذه، وقد ألمع الشيخُ نفسُهُ إلى بعضِ ما وصَفتُهُ به مِن حظِّره من العربيّة، حيثُ حثَّ بنيه في كتابِ الوصيةِ له على تحصيل دُربةٍ في لسانِ العَرَب، ومَلَكةٍ بصِناعةِ الأدَب، وذَكَرَ لهم أنَّ العربيّةَ إحدَى مَفخَرَتَيهم الَّتي تُقَرِّربهُُم مِن سَيِّردِ المُرسَلين، وتَصِلُ حبلهم بحَبلٍ مِنهُ مَتينٍ. : عُلُومُ الفِقه على مَذهَبِ الأئمّةِ الأربَعةِ وأصحابهم، وما اتَّصَلَ بذلك ومِنها مِن مَذاهبِ الصَّحابةِ والتّابِعين، وأقوال جماعاتٍ من فُقَهاءِ المُحَدِّرثين، فاستَحضرََ المَذاهب، وحَرَّرَها، ومارَسَها، واختَبرََها، واطَّلَعَ على مَآخِذِ المَسائِل، ومَنازِعِ الـحُجَجِ والدَّلائِل، ومَيَّزَ قِشرَها مِن لُبابهِا، ومُـخَّها مِن عِظامِها، وزَيَّـلَ بين الشحمِ والورَم، وفَـرَّقَ نارَ الـحَباحِبِ مِن نارِ الضرََّم، فكان يُبيِّرـنُها لأصحابِه أحسنَ بَيانٍ، ويُرشِدُهُم بمُشقَّقِ كلامِه إلى فِقهٍ أزهَى مِن شقائِقِ النُّعمان، ويَشفي عيّها، ويَكشِفُ عماها، ويَملكُ أيديم مِلاكَ التَّوصُّل إلى أقواها، ولم يزَل ذلك دأبهُ حتَّى لقي ربَّهُ. قد تواتَرَ عنهُ أنَّهُ لمّا استَولىَ أحمدُ الأبداليّ، الـمَعرُوفُ بالدُّرّانيّ، أحَدُ مُلُوكِ جِبال الأفاغِنةِ على دِهلي، وكَثُرَ في سِكَكِها جماعاتٌ مِن قَومِه، وكانُوا أكَثَرَ حصىً ، وكانُوا أشدَّ قَومٍ عصَبيةً لمِا ينتَحِلُونَهَ مِن آراءِ فُقَهائِهم (((مِن شعراتِ غنَمِ كلبٍ رحمهُمُ اللهُ تعالى، وأشدَّ النّاسِ جمُُودًا عليها، فكانُوا إذا قَرَعَ صِماخَهُم ما يُنابِذُ مُقَلَّدَهُم الَّذي استَطابوهُ غدا أحَدُهُم يكادُ يسطُو بالَّذي خرَجَت مِنهُ القَولةُ، في الأصل (((

عدد الصفحات ١٥٧

157 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن يننلاا لنناجشلاندينناج لا وامتَلأ عليه غيظًا، قد انتَفَخَت أوداجُهُ، واحمرَّت وجنَتاهُ، كأنَُّما ضِامُ العِرفِج، فلَم يصُدَّهُ شيءٌ مِن ذلك عماّ كان عليه مِن ترجيحِ ما وافَـقَ مِن أقوال الفُقَهاءِ ظَواهرَ السُّنَن، ومِن بَيانِ ما صفا مَورِدُهُ مِن ذلك عماّ ترنَّقَ، فكان يُصرَِّرحُ بها بين ظَهرانَيهم نُصحًا للأُمّة، ووفاءً بعَهدِ الله الَّذي واثَقَ به العلماءَ، ولم يفُتَّ في ساعِدِه جهلُ القَومِ ولا خشيةُ عُدوانِم، فلَم يزَل كالـجَمَل الهائِج، هَدَرَت شقاشِقُهُ، والأسَدِ الضّارِبِ بذَنَبِه أُولعَ لسانُهُ، وهكذا الرَّبّانيونَ من العلماءِ وأُمَناءُ الرُّسُل وورَثةُ الأنبياءِ رضيَ اللهُ عنهُم. : عِلمُ الحديثِ وصِناعةُ الأثَر، قد استَبانَ للنّاسِ مِثلَ ضَوءِ النَّهار، ومِنها حينَ تكُونُ الشمسُ في رابِعةِ النَّهار، أنم عُذَيقُها المُرَجَّبُ وجُذَيلُها المُحَكَّكُ، سَحَّ جُودُهُ في أجادِبِه، وأنْرلَ صيِّربُه في سَباسِبِه، وأنَّهُ أبانَ للنّاسِ صِواهُ، وأبرَمَ مَدائِرَهُ وقُواهُ، ورَوى الحديثَ بوسمَيه ووليِّره حينَ رواهُ، وأنارَ أرجاءَهُ، وكَشفَ دُجاهُ، وأجابَ عنهُ جُنحَ الظَّلامِ حينَ سَجاهُ، ونَشرَ أعلامَهُ، وأخفَقَ لواءَهُ، وجَدَّدَ مَعالـمَهُ، ورَدَّ رُواءَهُ حتَّى سَلـمَ النّاسُ له أعشارَ الفَضل، ورأوهُ رئيسَ المُحَدِّرثين، ونِعمَ النّاصرِِ لسُنَنِ سَيِّردِ المُرسَلين، وهذه فضيلةٌ له لا يختَلفُ فيها اثنان، ولا يجحَدُ بها أعداؤُهُ، فما ظنُّكَ بالـخُلاّن، والفضلُ ماشهدَت به الأعداءُ. ولم يتَّـفِق لأحَدٍ قَبله مِمَّن كان يعتَني بهذا العِلمِ مِن أهل قُطرِه ما اتَّـفَقَ له ولأصحابِه مِن روايةِ الأثَرِ وإشاعَتِه في الأكنـافِ البَعيدة، ولم يُقدرِ اللهُ ذلك لغيرِهم، فتلك فضيلةٌ خبأها اللهُ له، وأظهَرَها على يدَيه وأيدي مَن تبِعَهُ مِن حمَلةِ الآثار، ونَقَلةِ الأخبار. ولقد كان قَبله علماءُ أجِلّةٌ نُـبَلاءُ طالمَا اشتَغَلُوا بهذا العِلم، وأيمَنَ طائِرُهُم

عدد الصفحات ١٥٨

اجلا عنايلاننــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 158 فيه، وأنجَحَ جدُّهُم، نَفَعَ اللهُ بهم فئاماً، ونَقَعَ بودَقِهم أُوامًا، ورَفَعَ بأيديم أقوامًا، غيرَ أن لم يقُم بهم أصحابهُُم مِن بعدِهم، فانمَحَت آثارُهُم واندَرَسَت، وتَداعَت أركانُُم واندَحَضَت، فلا ترَى لهم بين النّاسِ إسنادًا يذكُرُونَهُ في غالبِ بلادِ الهندِ ويأثُرُونَهُ، وأمّا أبو عبدِ العزيزِ ومسندهم بِه يصُولُون، وعليه يُعَوِّرلُون، يسعَونَ إلى مَنارِه، ويعيشُونَ إلى ضَوءِ نارِه، ويَقتَبِسُونَ مِن مِشكاةِ أنوارِه: أفَلَت شُمُوسُ الأولينَ وشمسُنا أبـدًا عـلى أُفُـقِ العُـلا لا تغـرُبُ : عِلمُ تفسيرِ القُرآن، وتأويل كتابِ الله العَزيز، فمَن نَظَـرَ في كُـتُبِه، ومِنها وتَقَصىَّ نَظَرَهُ فيها، وأنعَمَ كشفَ القِناعِ عن وجُوه عرائِسِها، وهَجَمَ على كُنُوزِ نَفائِسِها، شهدَ بتَوفُّرِ حظِّره مِنهُ، وجمُُومِ مِكياله، ورُجحانِ كِفَّتِه، وأنَّهُ لنِعمَ الترَّجمُانُ لكتابِ الله تعالى، وحَبَّذا العَونُ على تأويله، وأنَّهُ كاشِفُ حقائِقِ وحيه وتَنزيله، هذا العِلـمَ بنارِه بعدَ ما كان نِيًّا، ومَن (((عادَ التَّفسيرُ بمائِه غضًّا طَريًّا، ونَضَجَ أعوزَهُ ما عسَى أن يكونَ له مِن هذا العِلمِ مِن حِبرةِ نَشرِها أو بُردةِ حِبرِها، فلا يرضَ لنَفسِه عُوارَ التَّعَرّي عماّ نَسَجَهُ في أُصُوله مِن مَطارِفِه، مِطرَزةً بطَرائِفِه، وهذا كتابُهُ : أُصُولُ هذه العُلُومِ ومبادؤها الَّتي هَذَّبهَا الشيخُ ـ رحمهُ اللهُ تعالى ـ ومِنها تهذيبًا بَليغًا، ولَـخَّصَ أُمَّهاتهِا تلخيصًا عجيبًا، وأكثَرَ من التَّصرَُّفِ فيها حتَّى يكادَ يصِحُّ أن يُقال له: باني أُسِّرها، وباري قَوسِها. فأمّا أُصُولُ التَّفسيرِ فكتابُهُ الـمَعرُوفُ فيها، شاهدُ صِدقٍ على بَراعَتِه على كثيرٍ مِن أهلها، والـحَقُّ أنَّهُ مُتَفرِّردٌ بتَحقيقِ هذا الفَنِّر وتَدقيقِه، واستِخراجِ زُبدِه .«نضح«في ط (((

عدد الصفحات ١٥٩

159 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن يننلاا لنناجشلاندينناج لا مِن مخَيضِه، وإبانةِ محَضِه مِن مَذيقِه، نَبَّـهَ على مُهماّتِه وأُصُوله، وأبغَى النّاسَ جمَُلاً وافِرةً مِن لُبابِه ومحَصُوله، وتَكَلـمَ في العُلُومِ الَّتي نَصَّ عليها القُرآنُ، وتَوجيه مُشكِلاتِه، وشرح غريبِه، وحَل مُعضَلاتِه، والإرشادِ إلى تنقيحِ تفاسيرِ الصَّحابةِ والتّابِعين، ورَفعِ اختِلافِها وتمَييزِ ما ثَبَتَ نَسخُهُ من القُرآنِ عماّ لا يصِحُّ دَعوى النَّسخِ فيه، وتحَريرِ أسبابِ النُّزُول الَّتي تشوشت فيها أقوالُ المُفَسِّرين، واضطَرَبَ أهلُ التّأويل في التَّطبيقِ بينهُما اضطَرابَ الأرشيةِ في الطَّوي البَعيدة، وغيرُ ذلك مِن نَفائِسِ هذا العِلمِ ونَوادِرِه، ممّا لا يُبلَغُ كُنهُ وصفِه إلاّ بمُراجَعةِ الكتابِ فيه.والتَّدَبُّرِ وأمّا أُصُولُ الحديثِ فله فيها باعٌ رحيبٌ، كأنَّهُ قد حازَ المُعَلىَّ مِنها والرَّقيب، أبانَ أتـمّها، وأنارَ على رأسِ علمِها، وطَرَّقَ لنا إلى الأُمم القريبَ، وقد أشارَ ابنُهُ عبدُ العزيزِ أنَّ للشيخِ فيها تحقيقاتٍ مُستَطرَفاتٍ لم يُسبَق إلَيها، وتَدقيقاتٍ مُستَظرَفاتٍ لم يقَع حافِرٌ عليها، ومَن تفَحَّصَ عنِ الكُتُبِ المُصَنَّفةِ في عِلمَي أُصُول التَّفسيرِ والحديث، ثمَّ أنعَمَ نَظَرَهُ فيما جمَعَهُ أبو عبدِ العَزيز، أو نَثَرَهُ، وسرََّحَ طَرَفَهُ في مَطاويا، وأجالَ طَرْرفَهُ في واديا، وذاقَ مِن عناقيدِها، وتَفَوقَ مِن تجاويدِها، العَذارَى. (((شهدَ أنَّا أشهَى مِن مُدامةِ السُّكارَى، وأحلىَ إلى الأفئِدةِ مِن أطرافِ (((مَتُوحُ وأمّا أُصُولُ الفِقه فقد أُوتيهُ برُمَّتِه، واستَوفىَ أعشارَ جزُورِه، وأولىَ في ، وطَلَّحَ الـمَطيّ في طِلابِه تطليحًا، وسارَ في تِطلابِه عقَباتٍ (((الرَّكي مِنهُ وجَرُورِه نوع من العنب يقال له: أطراف العذارى، هـ منه. ((( كصبور: المسافة البعيدة والعقبة، (ق). ويقال: بئر متوح إذا كانت يمد منها باليد على «متوح« ((( البكرة. هـ منه يقال: بئر جرور كصبور أي: بعيدة. هـ منه. (((

عدد الصفحات ١٦٠

اجلا عنايلاننــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 160 مَتُوحًا، حتَّى نَزَلَ برَبوةٍ مِنهُ عاليةٍ، ومَلأ بمُزنِه كلّ غربٍ مِنهُ وداليَهُ، ونَظَمَ سِلكِه فرائِدَهُ، وجمََعَ في صدرِه فوائِدَهُ، وهَذَّبَ هذا الفَنَّ تهذيبًا، وذَهَّبَ السّاذِجَ مِنهُ تذهيبًا، وشرح أُصُولَ المَذاهبِ المُختَلفةِ لأئمّةِ الدّينِ مِن أصحابِ الرّأي، والحديث، وفُقَهاءِ المُحَدِّرثين، وجمََعَها في عِباراتٍ يقِلُّ لفظُها، ويَسهُلُ حِفظُها، وبَينََّ الفَرقَ بين الأُمُورِ الـجَدَليّـةِ والأُصُول الفِقهيّةِ الـجَليلة، ورَدَّ وجُوهَ الاستِنباطِ على كثرَتهِا إلى عشرةٍ، وأمرَعَ مِن قَواعِدِ الـجَمعِ بين مخُتَلفِ الأدِلّةِ رياضًا نَضرِةً، في ظَلمائِها، (((وبَينََّ قَوانينَ الترَّجيحِ بالقَول النّاصِعِ والبَيانِ الصرَّيح، ولمعَ اليَلامِعَ وحَذَّرَ اللَّعالعَ في بَيدائِـها، فجَزاهُ اللهُ خيراً مِن أُصُوليٍّ رُفِعَ به مِن بعدِ خفضِ ، (((مَنارها، وسُلكَ به طَريقُها، وتَضاحَكَ نُـوّارُها، وأمرَعَ واديه، وأجنَى حُلَّبَـهُ .(((وأغنَى ساجيه، وأودَقَ حلبَهُ، وطُرِقَت قيعانُهُ، وطابَ عوفُهُ وحَوذانُهُ : عِلمُ العَقائِدِ وأُصُولُ الدّين، فقد أوضَحَ السَّبيلَ إلى مُعتَقد السَّلَف، ومِنها من الزِّرنِّر مِن قَول الخلَف، وبَـيَّنَ ما يُدانُ به اللهُ تعالى عِقدًا من (((ومَيَّـزَ العَذي الدّينِ مّا يُنظَـرُ فيه، ويُتَخَيَّـرُ مِن آراءِ المسلمين، وأنَّـهُ كيف يتَطابَقُ الـمَعقُولُ والمأثُور، وكيف يتَخَلَّصُ من الظُّلُماتِ إلى النُّور، وأجابَ عن شُبُهاتِ الفَلاسِفة، أضُبّةَ أوهامِ المُعتَزِلة، وبَسَطَ القَولَ في إفضاحِ الرّافِضةِ وإدحاضِ ما (((وأجابَ : البرق الخلب والساب، واللعلع أيضاً الساب. هـ منه.«اليلمع« ((( كسكر: نبت معروف ترعاه الظبأ، وتدبغ به الجلود، هـ منه«حلب« ((( : نبات طيب الرائحة، وبه سموا، والحوذان كسحبان نبت أيضاً، ويقال: إنه النيلوفر،«الحوذ« ((( هـ منه بالكس: «الزن« بالكس ويفتح: الزرع لا يسقيه إلا المطر، وكل بلد لا حمض فيه، ق. و«العذي« ((( الماش، ويقال: حنطة زنة بالكس خلاف العذي. هـ منه أجاب الثاني بمعنى كشف، وأضبة جمع ضباب. (((

عدد الصفحات ١٦١

161 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن يننلاا لنناجشلاندينناج لا خرَقُوهُ، وخَرقِ ما رقَعُوا مِن مَعاوِزِهم، وفَتقِ ما رتَقُوهُ، وإلى غيرِ ذلك مِن أسرارٍ مِن هذا الفَنِّر يدِقُّ مَسلَكُها، ويَصعُبُ مُرتَقاها، وأثمارٌ مِن أفانينِه اجتَناها بأيدي فِكرَتِه، وانتَقاها ممّا لا يُتَدَى إليه في الأعصارِ إلاّ واحِدٌ بعدَ واحِدٍ مِمَّن يجتَبيه الرَّبُّ ويخَتارُ، وذلك لأنَّ الَّذي تكَلـمَ في هذا العِلمِ مِن أهل السُّنّةِ فإمّا أن يكونَ صاحِبَ حديثٍ يتَهافَتُ على ظَواهرِه، أو صاحِبَ كلامٍ يتَعَمَّقُ في الرّأي ويَغرَقُ فيه، أو صاحِبَ فِقهٍ يتَوسَّطُ بين الطَّريقَين، أو صاحِبَ ذوقٍ يطمَئِـنُّ إلى ما يتَجَلىَّ له، وقد جمَعَ اللهُ تعالى في صدرِه ما شتَّـتَهُ بين هَؤُلاء، فجَبرََ كسةَ ، وسَدَّ خلَله، وجمََعَ بين الطُّرُق، ومازَ الصَّفو من الكَدَر، وبَينََّ رَ بالآخكلّ مِنها ما يسُوغُ النَّظَرُ فيه مّا لا ينالُ بالرّأي، وما يُقتَدَى فيه مّا قد يُبتَدَى، فجاءَت (((أحرَى طَريقَتُهُ جامِعةً لأعلامِ الـهُدَى، فلا طَريقَ أوضَحُ مِن طريقه، ولا تحقيقَ بالـُّركُونِ إليه مِن تحقيقِه. : آدابُ السُّلُوكِ وعِلمُ الـحَقائِق، فقد تجَلىَّ له أُمُورٌ صادِقةٌ جِليّاناً مِن ومِنها ربِّره، وتَدَلىَّ إليه عُرًى واثِقةٌ فتَسَبَّبَ بها إلى سرُادِقِ عِزِّره وجَلاله، وتَبَدَّى له أسرارٌ لاهوتيةٌ، وانعَكَسَت عليه أنوار مَلَكُوتيةٌ، وأكرَمَهُ اللهُ بالنَّفسِ الزَّكية، والقُوّةِ القُدسية، فناجَى مَن ألقَى إليه السَّمعَ جليلةَ الحال، وأنَى الرُّمُوزَ المُستَكِنةَ بأجلىَ مَقال، وأفاضَ مِن ذوارِقِ الـمَعارِفِ على أهلها أسجالاً أيَّ سِجالٍ، فلا لسانَ أنطقُ بالـحَقائقِ مِن لسانِه، ولا ميزانَ لوزنِ نُقُودِ الـمَعارِفِ أقومُ مِن ميزانِه، وذلك لأنَّهُ كان جامِعًا بَينَ الطُّرُقِ الثَّلاثةِ من السَّمع، والفِكرة، والذَّوق، فلا يتَجَلىَّ له شيءٌ من السِّرِّر الغامِضِ فيَقبَلُهُ إلاّ بعدَ ما يشهَدُ بصِحَّتِه شاهدٌ أصدَقُ من الـمَعقُول والـمَنقُول، ويَشُدُّ أساسَهُ ويَسُدُّ خُصاصَهُ بَيِّرناتٌ مِن الأُصُول، وهذه .«أخرى«في ط (((

عدد الصفحات ١٦٢

اجلا عنايلاننــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 162 كتبُهُ المُصَنَّفةُ في هذا الباب، وكُتُبُ مَن حذا حذوهُ من الأصحاب، حُجّةٌ على ما ذكَرتُهُ بالغةً، ودَلالةٌ عليه كالشمسِ في أُفُقِ السَّماءِ بازِغةً. ثمَّ إنَّ السُّلُوكَ سَلَكَ الشيخُ في بَيانِه مَسلَكَ التَّوضيح، وبَينََّ آدابَ الطُّرُقِ ، وأقامَ ما انَدَمَ مِن مَعالمِها، وأنارَ ما خفي مِن مَراسِمِها، (((الأربَعةِ بالبَيانِ النَّصيحِ وهذا أيضًا يتَّضِحُ لـمَن نَظَرَ في بعضِ ما شاعَ مِن مُصَنَّفِه فيها، واشتَهَرَ مِن قوله الـجَميل الَّذي فيه شِفاءٌ للعليل، ولطالبِ الـحَقِّر نِعمَ الدَّليلُ. فَهذا ما تيَسََّ لي ذِكرُهُ مِن عُلُومِه الَّتي وقَفتُ عليها، وارتَضَيتُ ذِكرَها، قد أتقَنَ الشيخُ رحمهُ اللهُ تعالى نَفائِسَ مِن جمَُلها وتَفاصيلها، واجتَهَدَ أقصىَ الـجُهدِ في تحقيقِ تفريعِها وتأصيلها، بحَيثُ لا يُدانيه فيها إلاّ مَن شاءَ اللهُ تعالى في عهدِه ولا بعدَهُ، وقَلَّ مَن يُوازيه في كثيرٍ من الأعصرُِ قَبله، ولا أقُول: إنَّهُ لم يُشارِكهُ فيها عاصرََهُم أو تأخَّرَ زَمانُهُ بقَليلٍ عن زَمانِم، فلَعَمري لقد (((مِن علماءِ أرضِه مَِّن خرَجَ مِن بلادِها رجالٌ ما شِئتَ مِن رجال أوعيةِ العِلمِ وجِعابِه، وحَرَسِ الدّينِ وأُمَناءِ الرُّسُل ِومَعالمِ سُبُل الرُّشدِ واليَقين، غيرَ أنَّهُ امتازَ عنهُم بخِلالٍ، وتَفَرَّدَ مِن بَينهمِ بخِصالٍ: : أنَّهُ جمُِعَت في رحبِ صدرِه هذه العُلُومُ وغيرُها، فأتقَنَها أشدَّ إتقانٍ، مِنها وتَصرََّفَ فيها ما لا يستَطيعُهُ إلاّ النَّقّابُ الـمُحَدِّرثُ مِن عُظَماءِ هذا الشّأن، ثمَّ لخَّصَ الأبواب، وخَلَّصَ مِن بَينِ النُّخالةِ اللُّباب، وطَرَّقَ الطُّرُقَ للأصحاب، ورَفَعَ لهم نِقابهَا، وذَلَّلَ صِعابهَا، ووطّأ لهم أنقابهَا، وسَهَّلَ لهم عِقابهَا. .«الفصيح«في ط ((( .«هو«زاد في ط (((

عدد الصفحات ١٦٣

163 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن يننلاا لنناجشلاندينناج لا : تمهيدُ المَسائِل، وتَبيينُ الحُجَجِ والدَّلائِل، بعِباراتٍ مخُتَصرِةٍ مُؤَنَّقةٍ، ومِنها وإشاراتٍ لطيفةٍ مُعجِبةٍ، مع لُـزُومِ شريطةِ الإنصافِ مِن غيرِ عصَبيةٍ لأحَدٍ ولا عليه، مُؤثِراً للحَقِّر أينَما عثَرَ عليه، وعلى يدِ مَن ظَهَرَ. : دِقّةُ فهمِه وإصابةُ رأيه، فقد كان مِن أزكَى النّاسِ في زَمانِه، وأشدِّرهُم ومِنها نَزَعًا في قَوسِه، وأسَدِّرهُم سِدادَ النُّشّابة، رُزِقَ مِن توقُّدِ الذِّرهنِ ما لو اقتَدَحَ بالنَّبعِ زَندَهُ كأنَّما صادَفَ مِنهُ مَرَخًا وعَفارًا، ثمَّ فضَّلهم بعُلُومٍ (((لأورِيَ نارًا، ولم يغلُث وهَبيةٍ ضَمَّها إلى عُلُومِه، وهيَ كثيرةٌ لا تُضبَط: : فُـنُونٌ مِن عِلمِ التَّفسيـرِ كبَيانِ العُـلُومِ الخمسةِ القُرآنية، وتأويل فمنها وبَيانِ الـحُرُوفِ المُقَطَّعاتِ أوائِلَ السُّور، وتَوجيه قصَصِ الأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ مَباديا الَّتي نَشأت من استِعدادِ النَّبيّ وقابِليّةِ قَومِه، ومن التَّدبيرِ الَّذي دَبَّـرَتهُ حِكمةُ العليمِ القديرِ في زَمانِه، فقد ألَّـفَ لذلك رسالةً جيِّردةً سَمّـاها الأحاديثِ : ترجمَةُ القُرآنِ بالفارِسيّـةِ على شاكِلةِ النَّظمِ العربي في قدرِ الكلامِ ومِنها وخُصُوصِ اللَّفظِ وعُمُومِه وغيرِ ذلك، وسَماّها وقد احتَذَى بمِثاله، ونَسَجَ على مِنواله، ابنُهُ عبدُ القادِر، فأحسنَ الترَّجمَةَ الهنديةَ للقُرآنِ اقتِباسًا مِن مِشكاتِه، ولقد سَهُلَتِ الترَّجمَةُ مِن بعدِه على النّاسِ قُدوةً به وبِمَن تبِعَـهُ، وهو أولُ مَن أتقَنَ هذا الفَنَّ ودَونَ أُصُوله، وقد أورَدَ شُذُورًا مِن إبريزِه ابنُهُ رفيعُ الدّينِ في بعضِ مخُتَصرَاتِه، وغيرُ ذلك مّا يطُولُ الكلامُ بذِكرِه. غلث الزند: لم يور ناراً، ويقال بالمهملة أيضاً، والمرخ والعفار من الشجر أكثرها ناراً، ومنه المثل ((( في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار.

عدد الصفحات ١٦٤

اجلا عنايلاننــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 164 به سَبَبُ كلّ (((: ما ألقَى اللهُ في قَلبِه وقتًا من الأوقاتِ ميزانًا يُعرَفُ ومِنها اختِلافٍ وقَعَ في المِلّةِ المحمديةِ على صاحِبِها الصَّلاةُ والتَّسليماتُ، ويُعرَفُ ما هو الـحَقُّ عند الله وعند رسُوله، ومَكَّنَـهُ مِن أن يُبَينِّرَ ذلك بَيانًا شافيا، تذهَبُ معهُ الشُّبُهاتُ بحَذافيرِها، وقد ذكَـرَ نَمُوذَجًا مِن ذلك حينَ سُئِلَ عنِ اختِلافِ الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم، ومَن بعدَهُم في الأحكامِ الفِقهيّةِ خاصّةً، وهذه شُعبةٌ مِن شُعَبِ عِلمِه المُسَمَّى المُستَقيمُ من الأعوج، ويَتبَينَُّ اللـجَجُ من الـحَقِّر الأبلَج، ويُعرَفُ أيُّ شيءٍ طاش به سَهمُ الخاطِئ، وكَم انحِرافُهُ عنِ الدَّرية، وقد أورَدَ رفيعُ الدّينِ فُتاتًا مِن مِسكِه الزَّكي في مخُتَصرَِه. : ما صبَّ اللهُ تعالى في صدرِه مِن نُورٍ كشـفَ له عن وجُوه أسرارِ ومِنـها الشريعة، وحِكَمِها الغامِضةِ البَديعة، ثمَّ شرح صدرَهُ لبَيانِا، فبَيَّنَها على أحسنِ وجهٍ في كتابِه الشريعة، وبَينََّ حُسنَ مَوقِعِها مِن بَينِ الشرائِعِ بما لا يُبلَغُ وصفُهُ، ولا يستَغني راغِبُ الخَيرِ عن مِثله، وعن هذا يُقال: إنَّهُ حكيمٌ مُتقِنٌ مِن حُكَماءِ الأُمّةِ المحمدية، على نَبيِّرها أُلُوفٌ من السَّلامِ والتَّحية. فَهذا نُبذٌ يسيرٌ مِن عدَدٍ كثيرٍ مِن فضائِله المُشترَِكةِ بَينَهُ وبَينَ إخوانِه مِن أهل العِلم، ومِن خصائِصِه الَّتي رفَعَ اللهُ بها عِمادَهُ، وأرسَى بها أوتادَهُ، وقد بَقيت كرائِمُ مِن شمائِله، وأطايبُ مِن نَبائِله، لا يسَعُها مَقالي، ولا يحُصيها قَلَمي، فإنَّهُ جامِعُ خِصال الخَير، اشتَمَلَ على أشتاتِه، وأشمَلَ نَخَلاتِه: .«ما يعرف«في ط (((

عدد الصفحات ١٦٥

165 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن يننلاا لنناجشلاندينناج لا وليس على الله بمُسـتَـنكَرٍ أن يجمَـعَ العالـمَ في واحِدٍ وأمّا مُصَنَّفاتُهُ الـجَيِّردةُ الحِسانُ الطَّيِّربةُ، في العُلُومِ المُختَلفةِ والفُنُونِ المُتشعِّربة، : (((، ومِن أشهَرِها (((فكثيرٌ، وعَدُّها بقَضِّرها وقَضيضِها غيرُ يسيرٍ كتابُ ضَمَّنَهُ مِن غُرَرِ الفَوائِد، واشتَمَلَ عليه، وقد خصَّ مِن كتابِه خامِسَ أبوابِه باسمِ « القُرآنِ مِن آثارِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ مِن طريق ابنِ أبي طَلحة، والضَّحّاك، ومَسائِلَ نافِعِ بنِ الأزرَقِ كُلُّها عِن حِبرِ هذه الأُمّةِ وكُمَّلها، بما ذكَرهُ البُخاريّ في « يحتاجُ إليه المُفَسِّرُ مِن أسبابِ النُّـزُول مُنتَخَبةً مِن أصَحِّر تفاسيرِ المُحَدِّرثين، أعني البُخاريّ، والترِّرمِذيّ، والحاكِم، أعلىَ اللهُ مَنازِلهم، وهيَ رسالةٌ مُفيدةٌ نافِعةٌ في بابهِا، عُدّةٌ لـمَن أرادَ أن يقتَحِمَ في عُبابهِا. : كتابُهُومِنها يسهُلُ تناوُلُهُ، وتَرجَمَ على كلّ حديثٍ بما استَنبَطَ مِنهُ جماهيرُ العلماء، وضَمَّ إلى ِه، ومِن تفسيرِه ما لا بُدَّ له مِن ذلك من القُرآنِ العَظيمِ ما لا بُدَّ للفَقيه مِن حِفظ مَعرِفَتِه، واقتَصرََ في كلّ بابٍ على مَذهَبِ الشّافِعيّة، والـحَنَفيّة، ولم يتَعَرَّض لـمَذهَبِ غيرِهما تسهيلاً على حمَلَتِه إلاّ في مَواضِعَ لنُكَتٍ. وبَينََّ ما تعَقَّبَ الأئمّةُ على مالكٍ بإشارةٍ لطيفةٍ، حيثُ كان التَّعَقُّبُ بحَديثٍ سقط في ط.«يس« ((( بإسقاط الهاء«أشهر«في ط (((

عدد الصفحات ١٦٦

اجلا عنايلاننــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 166 صريحٍ صحيحٍ، وذَكَـرَ ما مَسَّت إليه الحاجةُ في مَعانيه اللُّغَويةِ أوِ الفِقهيّةِ مِن شرح غريبٍ، وضَبطِ مُشكِلٍ، وبَيانِ عِلّةِ الـحُكمِ وأقسامِه، وتأويل الحديثِ عند الفَريقَين، ونحوِ ذلك. وكتابُهُ هذا جامِعٌ لعُمدةِ أنواعِ هذا البابِ مّا أُخِذَ مِن نُصُوصِ الكتاب، وما أثبَتَتهُ الأحاديثُ المُستَفيضةُ، القَويةُ الـمَرويةُ في الأُصُول في كلّ بابٍ، وما اتَّفَقَ عليه جمُهورُ الصَّحابةِ والتّابِعين، وما استَنبَطَهُ مالكٌ تابَعُوه جماعاتٌ من الفُقَهاءِ المُحَدِّرثين. : كتابُهُومِنها بَيانًا شافياً. « :ومِنها مُقدمَتِه طَرَفًا مِن طُرَفِه، مّا يدُلُّ على بداعةِ طريقه فيه. ، أودَعَهُ أُلُوفًا مِن دَلائِل (((: كتابُومِنها الكتابِ والسُّنّة، وأقوال العِترةِ وإجماعِ الأُمّة، بحَيثُ يشنفُ به المَسامِعُ، ويَطمَئِنُّ إليه قَلبُ السّامِع، وقد وشحَ عبدُ العزيزِ كتابَهُ سِماطًا مِن فوائِدِه. (((للنّاسِ فيها : كتابُومِنها سَبَقَ الثَّناءُ عليه، وكذلك هذا الكتاب باللغة الفارسية، وقد نُقِلَ إلى اللغة العربية، وطبع بتحقيق والدي الأستاذ الدكتور ((( تقي الدين الندوي في خمسة مجلدات من دار القلم بيروت. سقط في ط.«فيها« (((

عدد الصفحات ١٦٧

167 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنن يننلاا لنناجشلاندينناج لا الإيمـاءُ إلَيه، وله كتابُ الفُحُولُ، و « (((ومِن إفاضاتِه الأحاديثِ في رُمُوزِ قَصَصِ الأنبياءِ والمُرسَلينَ : كتابُهُومِنها الصوفيّة، وخُلاصةُ أذواقِها، وكَشفُ ما خفي مِن عُلُومِ القَوم، وفَتحُ إغلاقِها، وكذلك كتابُ مُصَنَّفاتِه. وحُكي عنهُ أنَّهُ قال فيها: رأيتُ البارِحةَ أميرَ المُؤمِنينَ عليًّا رضيَ اللهُ تعالى عنهُ يقُول: أنتَ أخُونا، وهذا مُعتَقدنا، للأوراقِ الَّتي كتَبتَها، وذَكَرَ في بعضِ كُتبِه أنَّهُ حينَ كان بمَكّةَ رأى في مَنامِه كأنَّ الـحَسنينِ عليهما السَّلامُ شرَّفا بقُدُومِهما رحله، وكان بيَدِ الـحَسنِ رضيَ اللهُ عنهُ قَـلَمٌ، وكان برأسِ القَـلَمِ شيءٌ، فأرادَ ﷺ، الـحَسنُ أن يُناوِله القَلـمَ ومَدَّ إليه يدَهُ وهو يقُول: هذا قَلَمُ جدّي رسُول الله : فأصلَحَهُ الـحُسَيـنُ (((ثمَّ قال له: على رسلكَ حتَّى يُصلحَهُ الـحُسَيـنُ، قال بَبرُدٍ مخَُطَّطٍ فيه خُطُوطٌ مِن بَياضٍ، وخُضرةٍ، ((( اللهُ عنهُ وناولَنيه، ثمَّ جاءَ رضيَ فوضعَ بين أيديما، ثمَّ رفَعَهُ الـحُسَينُ رضيَ اللهُ عنهُ بيَدِه وقال: هذا رداءُ جدّي رسُول الله ﷺ وألبَسنيه، فجَعَلتُـهُ على رأسي، وشكَرتُ نِعمةَ ربيّ، ثمَّ انتَـبَهتُ. هذا آخِرُ مَعنَى كلامِه. .«إفاداته«في ط ((( ثبت في ط. ((( كذا في خ، وفي هامشه: وفي ط: جيئ. (((

عدد الصفحات ١٦٨

اجلا عنايلاننــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 168 قال الشرعية، والـحمدُ لله، وذَكَرَ في غيرِه: أنَّهُ لمّا توجَّهَ إلى قُبورِ أهل البَيتِ عند زيارَتهِم ظَهَرَت له طَريقةٌ خاصّةٌ، هيَ أصلُ طُرُقِ أولياءِ الله تعالى، ثمَّ بَيَّنَها فبَسَطَ القَولَ في بَيانِا. ولَعَله مِن هذه البَـرَكاتِ الَّتي فاضَت عليه مِن أهل بَيتِ النُّبوةِ جاءَت مُصَنَّفاتُهُ مُستَطابةً مَرغُوبًا فيها، يحصرُُ عن حقيقةِ الوصفِ ألسِنةُ واصِفيها، يرتَشِفُ النّاسُ مِنها الضرََّب، ويَقضي أهلُ العِلمِ مِن بَراعةِ مُصَنِّرفِها العَجَب، ويَتَحَيرَُّ فيها أُولُو الألباب، ويتضاءل دُونَا الجَماجِمُ منهم والرِّرقابُ، وهيَ على كثرَتهِا مُهَذَّبٌ كُلُّها، مُستَعذَبٌ آخِرُها وأولهُا، كأنَّا بَديعُ العَسَل، حُلوٌ أولُهُ وآخِرُهُ، ويَزدادُ فائِدةً كُلَّما كرَّرَ النَّظَرَ في شيءٍ مِنها ناظِرُهُ، كأنَّهُ يقُولُ فيه بعضُ واصِفيه: يزيدُكَ وجهُهُ حسنًا إذا ما زِدتَهُ نَظَرًا. العزيزِ وقد أثنَى عليه الأجِلّةُ من العلماء، ذوي الشرَفِ الكُرَماء، منهم ابنُهُ عبدُ حيثُ قال وتعالى، ومُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ نَبيِّره ﷺ. العارِف، صاحِبُ الشيخِ الأجَلّ، الفَقيه، المُحّدِث، (((وقال نَعيمُ الله البَهرائِصي اللهُ سرَِّهُ ـ كان الـمَظهَر جان جانان العلويّ، الدِّرهلَويّ رحمهُما اللهُ تعالى: إنَّهُ ـ قدسَ ِنة، ثمَّ ذكَرَ عن شيخِه: أنَّهُ كان مِن أكابِرِ الأولياء، جامِعًا بين العُلُومِ الظّاهرةِ والباط يكثُرُ مِن ذِكرِ فضائِله وكَمالاتِه ما لا يتَحَمَّلُهُ الـمَقامُ، وكذلك حكَى عنهُ الشيخُ قال عنه الشيخ عبد الحي الحسني: الشيخ العالم الصالح، أحد العلمـاء العاملين وعباد الله ((( (.1126/7هـ، انظر1218الصالحين، توفي سنة

عدد الصفحات ١٦٩