المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البياني في القرآن الكريم سورة الغاشية

محمد مبارك المزيودي

صفحة ٢ من ٣

هو طعام لايشعر مع الكافر بالشبع فمهماأكل من وارد النار فإه سيبقى جائعاً، وقد ذكر الله عز وجل مشهداً لذلك الطعام، وهو قول : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ الواقعة: ١٣ - ٥٣ فهم ينكلون بنهمٍ، ليس لأن الطعام طيب، إنما رغبةً منهم في التخلص من وطنة الجوع، ولكن الجوع باقٍ، فينكلون المزيد إلى أن تمتلئ بطوههم، فإذا امتلأت وقعوا في عذاب آخر، وهو قول تعالى: ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ الدخان: ٥٢ - ٣٢ المهل: هو الزيت المغلي، فيطلبون الماء لإطفاء ذلك الغليان، فلا يجدون إلا الحميم، وهو الماء الحار، الذي ذكره الله في الآيات التالية لتلك الآيات المذكورة من سورة الواقعة : ﭽ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ الواقعة: ٢٣ - ٣٣ والهيم : هي الإبل العطاش، أي سيشربون شرباً شديداً من ذلك الحم يم غير ملتفتين إلى حرارت الشديدة، وذلك لعظم الألم الذي يشعرون ب من جراء ماأكلوه من الزقوم. اللهم إها هعود بك من عذاب النار.

عدد الصفحات ١٧

ثاهياً: مآل الإيمان ﭽ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ الغاشية: ٣ – ٢١ + وجوه يومئذ هاعمة " تبين لنا في المجموعة السابقة أن الله تعالى ذكر مآل أهل الضلال في موقفين، موقف الحشر، وموقف العذاب في النار، وهو مايستدعي أن يكون خبر وجوه أهل الإيمان ماضياً على هفس النهج، ففي المجموعة الأولى جاءت الآية الأولى + وجوه يومئذ خاشعة " في بيان صورة وجوه أهل الضلال في الحشر ثم بين جل شنه مبعث خشوع وجوههم بقول + عاملة هاصبة " وكذلك هو الشنن مع أهل الإيمان، جاءت الآية الأولى لبيان صورة وجوههم في المحشر + وجوه يومئذ هاعمة " ثم ذكر منشن هذه الصفة لديهم لقول + لسعيها راضية " أما المرحلة الثاهية في البيان فهي الإهتقال مباشرة إلى مايكون بعد الحشر، فذكر مع فريق الوجوه الخاشعة عذابهم في النار: + تصلى هاراً حامية " وذكر مع فريق الوجوه الناعمة سكنى الجنة ومافيها من هعيم + في جنة ٍ عالية " وفيما يلي جدولة لهذا النسق البياهي: رقم صفة الجنة موقف الحشر مابعد الحشر 1 ﭩ ﭪ ﭫ عاملة هاصبة ﭰ ﭱ ﭲ 2 ﮇ ﮈ ﮉ لسعيها راضية ﮎ ﮏ ﮐ

عدد الصفحات ١٨

فما دلالة كون الوج هاعماً ؟ الوج الناعم هو الوج املس الذي لاتجد في تغضنات ولاهكماشات، كنه وج طفل يعيش بين أبوين ميسورين، وبالنظر إلى أن السياق يذكر فريقين على طرفي هقيض فإن التضاد أمر لازم بين الكلمتين: + خاشعة ، هاعمة " ليس في حد الدلالة اللغوية لكل منهما، إنما في الآفاق البياهية لكل منهما، ومن ذلك أن ماذكرت من دلالة هعومة الوج يستدعي أن يكون خشوع الوج دالاً على اشتمال على تلك التغضنات وتلك الاهكماشات، وبالنظر إلى أن حالة الوج تكون رسماً لما يُ جول في ا لنفس، فإن اشتمال التفس على القلق والهم والغم والعلم بسوء المآل يُحدث في النفس اهقباضاً شديداً يمتد أثره على الوج ، فتظهر علي تلك التغضنات والاهكماشات ، أما الوجوه الناعمة فنعومتها تعني أن عضلات الوجة ليست متوترة ، بل هي منبسطة، وهو اهبساط يُعد ترجمة لاهبساط النفس وهدوئها، وهي لاتكون كذلك إلا إذا كاهت راضية، وهو ماذكره الله عز وجل في الآية التالية بقول . + لسعيها راضية " وقد ورد في السنة النبوية بياهاً لجملة من أصحاب الوجوه الناعمة، ومن بينهم أولئك الم ذكورون في حديث السبعة الذين يُظلهم الله في ظل يوم القيامة، فيحميهم من مكابدة عذاب الحشر وحر الشمس . ﭽ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ الغاشية: ٣ أثبت الله عز وجل لأصحاب الوجوه الناعمة صفة الرضى، وليس هناك من رضى يوم القيامة إلا بالنجاة من النار والفوز بالجنة، ولكن هذه الآية داخلة في مشهد موقف الحشر أي قبل التوج إلى الجنة أو إلى النار، فكيف يتحقق الرضى قبل تحقق المآل ؟ إذا تلقى الإهسان صحيفة أعمال عَلٍم من طريقة تلقيها ماسيؤول إلي

عدد الصفحات ١٩

ﭽﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ الحاقة: ٣١ – ٦٦ فقول + إهي ظننت أهي مُلاقٍ حسابي " يشير ب إلى ماكان من في الحياة الدهيا، وهو ماذُكر في هذه الآية بلفظ + سعيها " وقد اُستخدم هذا اللفظ في القرآن للدلالة على تكبد المشقة في العمل، وهو مناط ابتلاء الإهسان في الحياة الدهيا، ولذلك قال × + حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات"رواه البخارى ومسلم والمقصود بالمكار ه:هو إجبار النفس على ما تكره،أى ههيها عن هواها،وهو قول سبحاه +...وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" العصر:3، هقرن الصبر بالتواصى بالحق،لأن الإلتزام بالحق يستدعى الصبر على رد النفس عن هواها. *(لسعيها) جار ومجرور، ومتعلق هو(راضية) والأصل أن يتنخر الجار والمجرور عن متعلق ، فنفاد بتقديم فى الأية معنى الإختصاص، ووج هذا الإختصاص أه لاسبيل أمام الإهسان يوم(الغاشية) ليكون راضيا إلا ما كان من من يسعى فى الحياة الدهيا،فلا مال ولاسلطان ولاقوة تنفعك يوم القيامة،لاينفعك إلا سعيك. + في جنة عالية " وافقت هذه الآية الثالثة من مشهد الوجوه الناعمة الآية الثالثة من مشهد الوجوه الخاشعة، إذ تم الإهتقال فيها من مشهد موقف الحشر إلى مشهد سكنى الجنة. وجاءت كلمة + جنة " هكرة، والنكرة تفيد العموم، والعموم يستلزم التعدد وأصحاب الوجوه الناعمة ليسوا في درجة واحدة من الجنة، بل في درجات عديدة وكل درجة هي جنة

عدد الصفحات ٢٠

لوجوهٍ مخصوصة، وذلك على قدر ماكان علي أصحاب تلك الوجوه من تقوى وصلاح في الحياة الدهيا. * + عالية " ذكر أهل التفسير في معنى علوّ الجنة أه من علوالمكان أو من علو القدر والمقام،والحال أن الكلمة جاءت لإضفاء المعنيين على الجنة لا لإضفاء واحداً منهما فقط، وبيان ذلك فيما يلي علوّ المكان: فالجنة فوق السماء السابعة، وشاهد ذلك قول تعالى: ﭽ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ النجم: ٥١ – ٣١ وسدرة المنتهى،كما ورد الحديث الصحيح، في السماء السابعة. علو القدر والمقام: وذلك لقول سبحاه في وصف الجنة : ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ الزخرف: ١١ وقول في الحديث القدسي: + أعددت لعبادي الصالحين مالاعين رأت ولاأذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر، فاقرأوا إن شئتم" + فلا تعلم هفس ماأخفي لهم من قرة أعين " السجدة 11 " رواه البخاري ومسلم. وبالنظر إلى دلالة كلمة + جنة " على الدرجات العليا والدرجات الدهيا من الجنة جاء الوصف + عالية " للاحتراز من أن يُظن أ ن الدرجة الدهيا من الجنة ليست عالية المكان

عدد الصفحات ٢١

والمقام، فكل درجات الجنة + عالية " وشاهد ذلك أن آخر الناس خروجاً من النار ودخولاً إلى الجنة يقول ل رب : + تمنّ ْ، فيسنل رب ويتمنى، حتى إن الله ليُذكر ه من كذا وكذا، حتى إذا اهقطعت ب الأماهي قال الله تعالى: ذلك لك ومثل مع - هذا في رواية أبي هريرة ، أما في رواية أبي سعيد رضي الله عنهما ففيها: أشهد أهي حفظت من رسول الله ×إلا قول + ذلك لك وعشرة أمثال " رواه مسلم فهذا الرجل أدهى الناس درجة في الجنة، ولكن هذا الدهو لا يفقدها صفة + عالية " إذا أن جنت تعادل عشرة أضعاف جميع مافي الدهيا من هعيم. + لاتسمع فيها لاغي " * لاغية : من لغا يلغوا لغواً، وهو السقط وما لايُعتد ب من كلام وغيره، ولايحصل من على فائدة ولاهفع. فماذا في هذه الصفة من دلالة على جلال النعيم في الجنة .؟ إن هفي اللغو عن أسماع أصحاب الوجوه الناعمة في الجنة يعني أن كل فرد فيهم لايقول إلا حقاً، وهو مؤشر جليل القدر والمقام، أُبين آفاق في المثال التالي : عن عبدالله بن عمرو قال: كُنْتُ أكتب كل شيء أسمع من رسول الله ×أُريد حفظ ، فنهتني قريش، فقالوا: إهك تكتب كل شيء تسمع من رسول الله ×ورسول الله بشرٌ يتكلم في الغضب، فنمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ×فقال +اكتب، فو الذي هفسي بيده ماخرج مني إلا الحق " رواه أحمد وأبوداود

عدد الصفحات ٢٢

أي أن رسول ا ×لم يلغ قط، فكل كلام كان حقاً حتى وهو يمازح أزواج أو أصحاب ، ولم يكن اقتصار منطق على قول الحق ماهعاً يحجزه عن أن يعيش بشريت طولاً وعرضاً. ووفقاً لذلك فإن هفي اللغو عن أهل الجنة يعني أن منطق كل منهم يماثل ماكان لرسول الله ×من منطق في الحياة الدهيا، فلا تجد لغواً لدى أي منهم، بدون أن يكون في ذلك أدهى تقييد لهم في ممازحة أزواجهم من الحور العين، أو تواصلهم مع غيرهم من أهل الجنة * وهفي سماع اللغو أبلغ من هفي قول ، فنفى قول عمن دخل الجنة من الناس لايشمل دلالة هفي عن مؤمني الجن. وعن الولدان المخلدين أما هفي السَماع فيستغرق هفي قول عن كل الأجناس وكل الطوائف + فيها عين جارية" * عين : كلمة مفردة، وجمعها عيون، فهل أراد الله بذلك أن فيها عيناً واحدة ؟ من الثابت هصاً أن الجنة فيها عيون كثيرة، ولذلك قال أهل التفسير أن + عين " بمعنى عيون، وهو ماهوافقهم علي ، إلا أهها موافقة مؤسسة على أساسين: لغوي وبياهي، أما اللغوي فهو مجيء كلمة + عين " هكرة، وقد علمنا أن النكرة تفيد العموم، أي التعدد، في عيون، وليست عيناً واحدة. أما الجاهب البياهي فهو ذلك الخط الذي اشتملت علي الآيات، إذ جاءت الألفاظ دالة على العموم، وهو ما استخدمت ل النكرة : هاراً - عين آهية- ضريع- وجوه- جنة -لاغية – عين : وبناء على ذلك فإن مجيء كلمة + عين " هكرة يجعلها تحمل في طياتها كل مستويات التنعم بالعين الجارية كماً وهوعاً، وذلك تبعاً لدرجة الجنة، ففي الدرجة العليا من الجنة

عدد الصفحات ٢٣

هناك عين تسمى + تسنيم " لاترقى إلى مستواها أي عين من العيون الجارية فيما دوهها من درجات الجنة، وفي شان هذه العين قال الله تعالى : ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭼ المطففين: ١٦ – ٣٦ فهي عين اختص بها المقربون، وهم سكان الفردوس الأعلى. ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ الغاشية: ٥١ – ٢١ + نمارق " : جمع نمرقة ، وهي الوسادة . + زرابي " : جمع زريبة، وهي البساط. والمشهد كما يلي: عيون جارية في أنحاء الجنة وعلى صنفات هذه العيون بُسُطٌ ف اخرة ممتدة، وعلىهذه البسط هنا أسرة مرفوعة، وغير الأسرة هناك وسائد فخمة يتكىء عليها من أراد الاضطجاع على تلك الوسائد + الزرابي " وفي شنن هذه الأسره قال تعالى في وصف المؤمنين : ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭼ الحجر: ١٢ * هذه الآيات أجزاء رُ كبت منها صورة مخصوصة ، وهي مجالس أهل الجنة، ولذلك ذكرت معها كلمة + فيها " مرة واحدة + فيها سرر مرفوعة " ثم عطفت عليها بقية

عدد الصفحات ٢٤

الأجزاء بحرف العطف الواو. وكذلك العين الجارية ذكرت معها + فيها " من قبل إشارة إلى أن الماء ركن مستقل من أركان النعيم في الجنة، أي أه ليس جزءاً ملازماً لصورة مجالس أهل الجنة، وذلك لاعتبارين اثنين، الأول أن المجالس قد تكون عند العين الجارية وقد لاتكون عندها، والثاهي أن العيون الجارية مبثوثة في أنحاء الجنة ، فهي تحصيل حاصل ، فحيثما اراد المؤمنون مجلساً كان مجلسهم على جواهب مجرى إحدى هذه العيون . * والقاعدة البلاغية تقول : وبضدها تتميز الأشياء، فكان في تعداد بعض ماأعده الله لأصحاب الوجوه الناعمة بعد تعداد ماأعده لأصحاب الوجوه الخاشعة تعميقاً لدلالة التعدادين: الوجوه الخاشعة الوجوه الناعمة 1 تصلى هاراً 1 في جنة 2 عين آهية 2 عين جارية 3 عاملة هاصبة 3 فيها سرر مرفوعة وأكواب ....الآيات 4 ليس لهم طعام إلا من ضريع 4 في جنة 1- ذكرت مع أصحاب الوجوه الخاشعة كلمة + هاراً " وليس هناك من يجهل ماتُحدث النار في الجسد من ألم وحرق، واستخدم مع أصحاب الوجوه الناعمة الضد المقابل وهو كلمة + جنة " والجنة في اللغة تعني البستان، وفي ظل الأشجار يكون الظل الظليل والنسيم العليل.

عدد الصفحات ٢٥

2- أصحاب الوجو ه الخاشعة عينهم التي يشربون منها + آهية " بلغت الحد في شدة الحرارة، وعين الوجوة الناعمة + جارية " وهذ الوصف في إلماح إلى أن العين الآهية ليست جارية، ويحبسها الله عنهم، لأهها برغم شدة حرارتها أخف حرارة من النار، فيرسلها الله عليهم ثم يحبسها عنهم ، وهذا شنههم معها مدة مكثهم في النار . 3- الوجوه الخاشعة + عاملة هاصبة " وقد ذكرت فيما سبق أن هذه الآية جاءت وصفاً لتلك الوجوه في موقف الحشر، وأضيف إلى ماذكرت سابقاً أن من كان في موقف الحشر عاملاُ ها صباً فهو في النار أشد عملاً وهصباً. أما أصحاب الوجوه الناعمة فلا عمل ولاهصب أما أصحاب الوجوه الناعمة فلا عكل ولاهصب بل سُرُر مرفوعة ومارق مصفوفة زرابي مبثوثة وأكواب موضوعة، يشربون مما يُصب وهم فيها من ماء أوخمر أو لبن أوعسل 4- أصحاب الوجوه الخاشعة ليس لهم طعام إلا من ضربع، وقد بينتدلالة ذلك فيما سبق، اما أصحاب الوجوه الناعمة فهم + في جنة " والجنة هي البستان وفي الحياة الدهيا يكون بستان الرجل حافلاً بالأشجار الخضراء المثمرة، هذا إلى اهتمام بتنسيقها وجمال مظهرها، فإذا كان البستان الذي يُعده الإهسان موصوفاً بذلك الوصف فكيف يكون البستان + الجنة " الذي يُعده الله، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، أي أن طعام الوجوه الناعمة هو من تلك الأشجار الكثيرة التي تحملها دلالة + جنة " . تعقيب عام علّق جل شنه لفظ + الغاشية " بما يعتري الوجوه في الحشر والمآل، وهو ربط ليس بدعاً في البيان، فقد استخدم العرب في بياههم، فكان سمة جلية من سمات البيان، ومن ذلك قول الأعشى في وصف الفرسان العرب يوم ذي قار الذي تقاتلوا في مع جند الفرس

عدد الصفحات ٢٦

بيض الوجوه غداةالروع تحسبهم جنان عين عليها البيض والزغف فاستعار البياض للوجوه للدلالة على خلوها من أي سم من سمات الخوف أو الفزع أو الجبن. وقد استخدم هذا البيان في القرآن : ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ النحل: ٣٣ ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ آل عمران: ٢٢١ – ١٢١ هذا إلى شواهد أخرى عديدة يقصر المقام عن استقصاءها، إذ هي في حد ذاتها مبحث مستقل، هقتصر من على مايدل على أن ذكر الوج ، في بيان حال الإهسان سمة من سمات البيان في اللغة وفي القرآن، وقد ارتبط الغشيان بالوجوه لدلالة الغشيان على التغطية، فالوج تغشاه، أي تغطي ، السمات الدالة على حالت النفسية، وقد ذكر الله ذلك في كتاب الكريم، وهو قول سبحاه : ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ يونس: ١٦ وبذلك هفهم وج الصلة بين + الغاشية " وبين دوران السياق حول الوجوه.

عدد الصفحات ٢٧

2- شواهد هذه الحقيقة ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ الغاشية: ١١ – ٢٦ لم يصدق المشركون ماكان يخبرهم ب محمد ×من خبر الغاشية، وهو بعثهم من بعد موتهم، وأن الله أعد للناس هاراً وجنة ، حيث ذكر الله بعضاً من أحوال خلقهما في المقطع الأول ، فسف الله عقولهم إذ كذبوا بخبر + الغاشية " وهم يشهدون بنبصارهم مايقطع بصحت ، وهي تلك الشواهد الأربعة المذكورة في هذا المقطع: ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ الغاشية: ١١ * + أفلا " مكوهة من ثلاثة مقاطع : همزة الاستفهام، الفاء، لا النافية أما الفاء فقد أُدرجت في التركيب لبيان أن مابعدها مترتب على ماقبلها، إلا أن ما قبلها ليس مذكوراً صراحة، إنما تمت الإشارة إلي بذكر القضية التي كذب بها المشركون وهي اليوم الآخر الذي يغشى الوجوه، فكان من تقديرات الله العليم الحكيم أن يسَر للإهسان فيما يشهده ببصره مايدل على ماغاب عن من حقائق الغيب . وقد تنتي الواو مكان الفاء، فيقال + أولا " ومن ذلك قول تعالى : ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ التوبة: ٢٦١ وقد يُستغنى عن ذكر هذين الحرفين، فيُقال + ألا " وهو الأصل، ومن ذلك قول تعالى بعد أن ذكر مايفعل المطففون :

عدد الصفحات ٢٨

ﭽﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ المطففين: ٢ والاستفهام ينتي مثبتاً وينتي منفياً وذلك بالنظر إلى أن كل قضية يعتورها أمران، الفعل أو ع دم الفعل، فصاحب النظر قد ينظر وقد لاينظر ، ولك أن تستفهم عن أي منهما، فتقول: أينظر ؟ أو ألا ينظر ؟ والذي يحدد المختار منهما هو السياق أو مقتضى الحال. وعلى ذلك فإن الآية لم تختر الاستفهام المثبت أينظرون ؟ لأن السؤال عن هذه القضية يقتضي أن يكون المراد هو معرفة الحد الذي هي علي ، أهي حاصلة أم غير حاصلة ؟ أما السؤال المنفي : أفلا ينظرون ؟ فيفيد أن أدوات النظر كلها متوفرة لدى الإهسان وهو ماأشرت إلي قبل قليل من أن الله يسر للإهسان فيما يشهده ببصره مايدل على ماغاب عن من حقائق الغيب فلما رأى تكذيبهم بخبر + الغاش ية " كان مدار الاستفهام هو : لاينظرون، أهم متلبسون بمضموه أم لا ؟ وذلك بالنظر إلى أن كل أدوات النظر حاصلة لدي . وفي ذلك توبيخ وتسفي لعقول الذين يكذبون بالغاشية، إذا اهساقوا إلى التكذيب وهم يملكون في أهفسهم وفيما حولهم مايقودهم إلى الحق المبين . * + أفلا ينظرون إلى الأبل كيف خلقت " النظر قد يكون بصرياً وقد يكون قلبياً، فإذا كان بصرياً تعدى بحرف الجر + إلى " كقول تعالى : + ومنهم من ينظر إليك ..." يوهس 43 ..فحد النظر موقوف عند مجرد النظر إ شخص رسول الله ×وإذا كان البصر قلبياً لم يُذكر مع حرف الجر + إلى " ومن ذلك قول تعالى : ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ الطارق: ٣

عدد الصفحات ٢٩

إذ ليس المراد أن يتوج النظر للوقوف عند حد ماتراه العين ، بل المراد أن يتوج النظر إ أبعد مما تراه العين هو مايعني النظر القلبي . وقد جمع الله النظرين في الآية التي نخن بصددها، النظر البصري + إلى الإبل " والنظر إلى + كيف خلقت " وقد ذكر أسلافنا الكرام من سمات خلق الإبل ظاهراً وباطناً مايشير إلى تميزها بسمات خلقية لاتوجد في غيرها من الحيوان، وزاد المعاصرون على ماذكره الأولون جملة سمات لم يرد لها ذكر من قبل...وكتاب الإبل مازال مفتوحاً ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الغاشية: ٣١ المقصود بالسماء هو الغلاف الجوي بطبقات السبع التي ذكرهاها بالتفصيل عند تفسير سورة + النازعات " وهو ماأشار إلي سبحاه بقول . ﭽ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ الملك: ٥ – ٢ أما البصر القلبي + التدبر " فهو مايشير إلي قول تعالى : ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﭼ النازعات: ١٦ – ٣٦

عدد الصفحات ٣٠

وكنت قد فصلت القول في تلك الآيات، وذكرت ان السماء + الغلاف الجوي " كان قريباً من الأرض في بدء التكوين، ثم رفع الله، أي جعل ل ذلك الامتداد الذي يبلغ عشرات الكيلومترات. ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭼ الغاشية: ٣١ تبين للعلماء أن الجبل كتلة صخرية لها امتداد فوق الأرض وتحت الأرض، فهي كالوتد المغروز في الأرض، أما النظر البصري فهو ذلك الامتداد الذي يلوح للناظر فوق سطح الأرض، أما النظر القلبي فهو ما علم الإهسان من امتداد للجب ل في باطن الأرض، والوظيفة التي تؤديها الجبال في الأرض، وسر اهتصابها في أماكن معلومة من الأرض ﭽ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ الغاشية: ٢٦ لم توصف الأرض بهذه الصفة إلا في هذا الموضع، وهذه الخصوصية تستدعي دلالة خاصة لاتؤديها دلالات المد والبسط والدحو والطحو، وهو أن السطوح تنخذ هيئات عديدة، ملساء ممتدة أو متعرجة أو خشنة إلى غير ذلك من الهيئات، وقد قال تعالى في هيئة الأرض التي سيحشر عليها الناس يوم القيامة : ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ طه: ٣٢١ – ١٢١ قاعاً صفصفاً: مستوية ملساء . عوجاً ولاأمتا: انخفاضاً ولاارتفاعاً

عدد الصفحات ٣١

وهو ماذكره×في قول + يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد " رواه مسلم والبخاري علم : علامة من بناء أو ارتفاع أو أثر ، فهي مستوية . أما في الحياة الدهيا فسطح الأرض ليس مستوياً، بل هو سطح متفاوت جبال ووديان وسهول وأحواض للبحار والأههار، ولولا هذا التسطيح لما استقامت الحياة على الأرض. أولاً الصلة بين المقطعين : قلت، وقد سبقنا الأولون إلى هذا القول، إن القرآن مترابط الآيات والسور كنه آية واحدة،وأكثر مايكون ذلك الترابط في السورة الواحدة، إذ يتجلى ذلك الترابط الوثيق في آياتها ومقاطعها ومعاهيها وقد التفت الأولون إلى الترابط الكائن بين المقطعين السابقين فذكروا ذلك في قولين، سنقتصر على ذكر أحدهما، لأه الأجل والأسمى والأكثر عُلوقاً بالسياق، وهو قولهم: أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة عل ى قدرة الله حتى لاينكروا اقتداره على البعث، فيسمعوا إهذار الرسول ويؤمنوا ب ويستعدوا للقائ . ثاهياً: منظومة الخلق ذكر الله عز وجل في الآيات الأربع الفائتة الأركان الثلاثة التي قام عليها هظام الحياة الدهيا: السماء ورفعها، والجبال وهصبها، والأرض وسطحها ومناط النظر في هذه الآيات الثلاث هو البحث العلمي الصِرف:

عدد الصفحات ٣٢