33 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب أخي ـ باذل الخير لدينك ومبتغي وجه ربك ـ لا يخفاك أن حاجة العصر تؤكد أهمية التخصص فيما تحسنه وتقدر عليه وتميل إليه. ومن لا يقوم بالأمر والنهي لا تبرأ ذمته بعلمه أن إخوانًا له يقومون بذلك إذا كان الفرض الكفائي لم يقم. ولا يتم دين العبد حتى يتواصى بالحق كما في سورة العصر، ولا يلزم أن يترك الداعية عمله ويأتي إلى الاحتساب، بل عليه أن يحتسب على ما في محيطه من منكرات كبيته وحيه وعمله وأقاربه وزملائه ونحو ذلك. فهل استشعرنا الخسران العظيم في سورة العصر لمن أخلّ بواحد من أركانها الأربعة؟! قال ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﮋتعالى: .[ ﮊﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ الثانية: الوقوف مع العلمء والمحتسبين: إن علينا أن نسندهم بكل ما يحتاجونه ليشعروا أنهم ليسوا وحدهم وليعلموا أن الخير لا زال باقٍ في الأمة يوم يرى العالم والمحتسب أن الناس يتألمون للمنكرات وعندهم الاستعداد للبذل والتضحية. إن التواصل يعطي القائم بالاحتساب القوة والتشجيع ويستنهض الهمة ويجددها؛ لأنه يرى من حوله جاهزين للاحتساب.. قال شجاع بن الوليد بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا indd 33ﻡ
عدد الصفحات ٣٤34 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب والأعرابي قوّى عزم الإمام أحمد على أداء الرسالة لما أُخذ مقيدًا إلى الخليفة، قال جابر بن عامر للإمام أحمد شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت عليه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت، عشت حميدًا .)١(على ما أنا من الاقتناع من الذي يدعونني إليه قال الخليفة المأمون حتى يُتّقى؟ فقال للسائل: إني )٢(مخلوق. فقيل له: ومن يزيد بن هارون لا أتقيه لأن له سلطة، ولكن أخاف إن أظهرت القول فيرد عليَّ فيختلف .)3(الناس وتكون فتنةً، وأنا أكره الفتنة قال سفيان .)4(عن المنكر أرغمت أنف المنافق ). 366/0 البداية والنهاية )١( وكان رأسًا في السنة والفقه كثير الحديث حافظًا. )٢( ).37/١١ سير أعلام النبلاء ( )3( .)36/١ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال ( )4( indd 34ﻡ
عدد الصفحات ٣٥35 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب الثالثة: الاحتساب والإخلص (يا نعيم المخلصين): إن القيام بالأمر والنهي يحتاج إلى همةٍ وعزيمةٍ وصبرٍ واصطبارٍ ومقاومةٍ وبذلٍ للعرض والجهد والوقت؛ لأن المحتسب يعترض على شهوات النفوس المحرمة ويتصدى للأهواء المحرمة والأعراف المنكرة وهذا يحتاج من المحتسب إلى الزاد العظيم الذي هو سر التوفيق وهو الإخلاص لله تعالى. والمخلص الموفق هو الذي يتلذذ بالسعي لتحقيق رضا الله تعالى ولو ذهب كل قدر له في قلوب الناس فإنه لا يبالي، وهو من لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو السائر في الطريق سواء أعانه الناس أو خذلوه أو مدحوه أو وشوا به... والمخلص الموفق هو من أراد اللهُ به خيرًا فأقامه في صفوف الداعين إليه، واجتباه مع خاصته وأوليائه الذين يغضبون من أجله ويجاهدون في سبيله، وتقض مضاجعهم سبلُ المفسدين وانحرافُ الغاوين، والمخلص الصادق هو من رفع اللهُ من قلبه ولسانه رؤية عمله والحديث عن نفسه، بل هو يرى أنه المقصر المفرط المسكين الضعيف، الذي إن لم يتداركه الله بعفوه وفضله فإنه من الهالكين، كما قال الله تعالى عن نبينا الأول آدم عليه ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﮋ الصلاة والسلام وزوجه: . ]3[ ﮊﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ومن أخلص لربه تخلص من حظ نفسه وهانت عليه المشاق وسهل indd 35ﻡ
عدد الصفحات ٣٦36 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب عليه بذل راحته وفكره ووقته وماله وولده وكل ما يملك في سبيل الله, ومن حقق الإخلاص عظّم الله ورعى حدوده وقام بأمره وتمعر وجهه لله فيهون عليه الخلق ويجرؤ للإنكار عليهم ومناصحتهم ولم يلتفت لقيمته عندهم أو النظر فيما يشتهون ولا يتردد في قول الحق ولو كانوا يكرهون، ومن أخلص لربه لم ينتظر من أحدٍ جزاءً ولا شكورًا. ومن بركات الإخلاص شرحُ الصدر وقرة العين وحسن الظن بالله. وأنوار الآمال تملأ الحياة في دروب المخلصين، وتبعث النور في أرواحهم، واليقين في قلوبهم بأن الله يدافع عنهم ويعليهم وينصرهم ولا يخذلهم ولا يسلمهم لحظوظ أنفسهم وويلات أهوائهم ولا يسلمهم لأعدائهم من شياطين الجن والإنس، فيجعل في صدور أعدائهم هيبتهم ومخافتهم وتوقيرهم. ولا غرابة في ذلك فإن الله تعالى العظيم ينصر من ينصره ويتولى من يتولاه، ويحب من يحبه ويذكر من يذكره، وهو سبحانه صاحب الجزاء العظيم لمن قام له صادقًا مدافعًا عن دينه، ولكن العبد يؤتى من قبل نفسه، في ضعف إخلاصه، وغلبة حظ النفس وسيطرة الهوى، وطلب المنزلة في قلوب الناس والالتفات إليهم. وفي سياق الكلام عن المنكرات والجهود المبذولة تجاهها يتسلل على خفاءٍ حظُّ النفس, مثل: ذهبنا وعملنا ثم ذهبت وتعبت، فتلتفت النفس إلى اطلاع الناس؛ لمحبة المدح والثناء والإعجاب وهذا قادحٌ في الإخلاص. indd 36ﻡ
عدد الصفحات ٣٧37 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب فيا أيها المحتسب لوجه الله إن مجاهدتك لنفسك لتستقيم على الإخلاص أشد مجاهدة من أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، فإن استجيب لأمرك ونهيك يخُشَ من العُجْب وإن لم يستجب لك يخُشَ من السب والتجريح والوقوع في عرض من لم يستجب أو الإحباط والقعود، وكلها تحتاج إلى مجاهدة. وأخيرًا: فبالصدق والإخلاص وحمل نية الخير للغير تزكو الأعمال وتثمر الجهود ولو كانت قليلة وإن ضاعت عند الناس فردوها فهي لا تضيع عند الله تعالى الذي لا يضيع أجر المحسنين ومن صدق مع ربه لا يتعاظم قوة الباطل وتمكينه وانتشاره؛ لأنه كله بيد الله وتحت تدبيره، وهو الذي بيده سبحانه قلوب الخلق، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعًا والمخلص الصادق أمام مواجهة المنكرات دائماً قلبُه معلقٌ بربه؛ يرجوه ويستعينه وينظر في مواضع رضاه، ويخاف على نفسه من خوف غير الله ومن كسل النفس وعجزها وهواها، ويخاف من زيغ قلبه أن ينصرف عن تحقيق العبودية لله إلى الوساوس والإغراءات وهواتف الرياء والسمعة والتزين عند الناس بما يشتهون، ولو كان على حساب الحق. والله المستعان وبيده التوفيق. indd 37ﻡ
عدد الصفحات ٣٨38 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب الرابعة: بين البشائر والآمال: رغم العوائق وظلمات المفسدين والمستغربين ورغم تسلط الأعداء على بلاد المسلمين وتدخلهم في مناهجهم وأفكارهم وعقائدهم وسعيهم المحموم في تغيير البنية الاجتماعية والأخلاقية والثقافية ورغم انغماس كثير من الناس في المحرمات والمكروهات وركونهم إلى الشهوات وغير ذلك من الآلام والموجعات التي أُصيبت بها الأمة في شبابها ونسائها ورغم الآثار الأليمة التي خلّفتها القنوات الماجنة وشرور الإنترنت وبلايا الجوال وأخطار الابتعاث وهشيم الإعلام والتعامل بالربا وابتلاء البعض بالسياحة الخارجية والحملات المسعورة على المرأة لإخراجها من حدود دينها لتضاهي المرأة الغربية لتكون كالرجل في كل شيء وغير ذلك مما لا يسمح به المقام مما يثير الآلام وينكأ الجراح... فيا أيها المحتسب رويدك وأبشر فلا تزال الأمة بخير ما دام فيها التناصح والدعوة إلى الله وما دام فيها الأغيار الأوفياء لدينهم وأمتهم وهم يسلكون الطريق الصحيح للإصلاح.. وإليك أخي المحتسب طرفًا من تلك البشائر: ) يكفي من قام بالحق صادقًا صائبًا أن الله تعالى معه يعينه ويحفظه ١( ويرضى عنه وينصره ويحقق الخير على يديه فيعيش مطمئن البال واثقًا ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮋبوعد ربه يوم أن قام بأمره، قال تعالى: indd 38ﻡ
عدد الصفحات ٣٩39 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب ]7[ ﮊﯛ ﯜ ﯝ فقم بالحق ـ أخي المبارك ـ ولا يهولنك كثرة الخبث وقلة الناصر؛ فإن معك القوة التي لا تغلب والرقيب الذي لا ينام. وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخـاوف كلهـن أمـان مهبط الوحي ومنبع الرسالة ومثوى – بفضل الله تعالى – ) بلادنا ٢( الحجاج والمعتمرين، ومحطّ أنظار العالم كله لهذه القداسة الشرعية، وقامت على الشرع ودستورها الكتاب والسنة، والنظام الأساسي للحكم هو تحكيم الشرع المطهر، وفي كل وزارة سياسة تقوم عليها تنطلق من أسس شرعية وترفض كل نظام أو ممارسة تخالف الشرع؛ كالتعليم والإعلام والصحة والشئون الاجتماعية وغيرها. وإن بلادنا قامت على هذا الأساس المتين، وارتبط قيامها به، وإن محاربة المنافقين لهذا الاتجاه، إنما هو نسف لأهم مقومات مكانة هذه البلاد... أخي المحتسب، إن هذا التأهيل الشرعي لبلادنا يمنحك قوةً بأن تنكر كل ما خالف الشرع من نظام أو ممارسة على أرض الواقع. فهو مرفوض ومنكر شرعًا. ) اعمل ولست مطالبًا بالنتائج، فهي إلى الله تعالى، وله سبحانه 3( الحكمة البالغة في ظهور الخير أو خفائه، فهو سبحانه مصرف الأحوال وبيده القلوب. ولم تكن هداية القلوب وظهور النتائج من مهمات indd 39ﻡ
عدد الصفحات ٤٠40 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب والمرسلين، فضلاً عن غيرهم. وإذا رأيت منكرًا فاعمل بما الأنبياء تستطيع مجتهدًا. وما لا تستطيعه فأنت معذور، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ولست أغير من الله على محارمه والنبي عليه الصلاة والسلام كان يرى الأصنام حول الكعبة حين بَعْثَتِهِ فلم يُزلها وفي العهد المكي كان الصحابة يأتون إلى النبي ﷺ يشتكون إليه شدة الأذى «من المشركين وكان يصبرهم ويقول الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِ الَْرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالمِْنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَ رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَينِْ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْـحَدِيدِ مَا دُونَ لَـحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَ يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهَِّ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الَْمْرُ حَتَّى يَسِيَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلىَ حَضَْمَوْتَ لاَ يََافُ إِلاَّ اللهََّ .)١(وَالذِّرئْبَ عَلَ غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) بلادنا بفضل الله تزخر بالأخيار والأغيار والذين 4( عندهم الاستعداد للبذل والنصيحة، وهم يحتاجون إلى الترشيد والثقة والقيادة والاستيعاب، فلا نضيق على من يخالفنا في أسلوب النصيحة والإنكار وفق الضوابط الشرعية. صحيح البخاري، كِتَاب الإِْكْرَاهِ، بَاب مَنِ اخْتَارَ الضرَّْبَ وَالْقَتْلَ وَالهَْوَانَ عَلىَ الْكُفْرِ، )١( )، 47/3). سنن أبي داود، كِتَاب الجِْهَادِ، باب في الأسير يكره على الكفر، 0/9( وصححه الألبا indd 40ﻡ
عدد الصفحات ٤١١ الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب ) نداء الفطرة: اعلم أن من تأمره وتنهاه معه أصل الفطرة 5( وهو التوحيد الذي هو أصل الإيمان فهو قابلٌ للخير، فيحتاج إ من يدله ويحركه ويثير فيه نوازع الخير ويذكر ما فيه من إيجابيات ويشعره بالثقة والاحترام والأمان والقرب والحنان. الخامسة: أخلق المحتسب: لا بد أخي المحتسب أن تحمل بين جنبيك قلب الرحمة والإشفاق على صاحب المنكر، وأن تحب له ما تحب لنفسك، وأن تدعو له بالهداية والثبات، فإن هذا الخلق أدعى للقبول وأشرح لصدر من تدعو، وأقرّ لعينه عندما تلين وتهشّ وتبشّ له، مُظهِرًا له المودة ومستبطنًا خوفك عليه من عذاب الله وشر نفسه والشيطان. وإذا رأيت المبتلى فاحمد الله على العافية واسأل ربك الثبات ولا يحملك ما أنت فيه من الخير على الشماتة بأخيك واستحقاره أو اليأس من إصلاحه.... قال سليمان التيمي .)١(فقبل قال العلماء: على الآمر أن يكون عليماً فيما يأمر قبل الأمر، ورفيقًا أثناء الأمر، وحليماً بعد الأمر. إنك ـ أخي المحتسب ـ شريف الرسالة عظيم المهمة، وحتى تؤدي هذه الرسالة بأمانة لابد من خلق الصبر، ورباطة الجأش، والإيثار، ). 7/١ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال ( )١( indd 41ﻡ
عدد الصفحات ٤٢٢ الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب واحتمال الأذى، والتواضع، واحتساب الأجر، وانطواء القلب على الصدق والإخلاص، وحفظ السر، وستر العورات والزلات. ولابد أن تستحضر ـ أخي ـ أنك أحوج إلى عفو الله وقبوله ورضاه وتثبيته من صاحب المنكر إلى النصيحة والإنكار؛ لأن العباد يوم القيامة كلهم يقولون: نفسي نفسي، والله المستعان. السادسة: احذر الموحشات: إن موقع المحتسب هو موقع الناصح الأمين، الذي يريد لنفسه وللناس الفوز بالجنة والنجاة من النار، ويريد لهم الخروج من الظلمات إلى النور، وأمامه الهدفان العظيمان الماثلان في قلبه من قول ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﮋالله تعالى: .]64[ ﮊﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭝ ﭞﭟ ﭠ فالهدفان هما: براءة الذمة، ولعل المنصوح يتقي ربه ويعود. ومن كان هذا هدفه وتلك رسالته فإن عليه أن يحذر من العُجْب والتكبر والغرور والإدلال بالعمل والرياء والسمعة، وأن يحذر من النيل من صاحب المنكر واستحلال عرضه بالمجالس وذكر اسمه والتشفي بالتنقيب عن زلاته؛ لأنه ليس لك إلا ما ظهر من حاله. واحذر ـ يا أيها المحتسب ـ أن ترى نفسك بأنك أنت الغيور المهتم، وأنك أفضل من غيرك، وأن غيرك هو المتبلد المقصر؛ فإن هذا من تزكية indd 42ﻡ
عدد الصفحات ٤٣43 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب النفس واتهام الآخرين. وحذارِ ـ أيها المبارك ـ من الاندفاع والحماس الخارج عن الحد الشرعي باسم الغيرة وعدم تفويت الفرصة، ومن خاض الميدان سيتعرض ولابد للأذية والسخرية والسب والاتهام، فاحذر أن تقابل ذلك بالانتقام، وتطلب الثأر لنفسك بأن تحُمِّل صاحب القضية ما لم يفعله وما لم يقله, أو ﯡ ﯢ ﯣ ﮋتهوِّل الأمر لهوى في نفسك. قال الله تعالى: ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ .]٢[ ﮊﯰﯱ السابعة: هل يجوز الاعتزال بدعوى فساد الزمان؟ قالـ رضي الله عنه ـ عن أبي سعيد الخدري «أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّ ﷺ «، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ وَمَالِهِ .)١(النَّاسَ مِنْ شَِّرهِ « عن رسول الله ﷺ أنه قالـ رضي الله عنه ـ وعن أبي هريرة خَيِْ مَعَاشِ النَّاسِ لَُمْ رَجُلٌ مُْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِ سَبِيلِ اللهَِّ، يَطِيُ عَلَ مَتْنِهِ، كُلَّمَ سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالمَْوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِ غُنَيْمَةٍ فِ رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الَْوْدِيَةِ، يُقِيمُ ).503/3) ومسلم5/4 رواه البخاري )١( indd 43ﻡ
عدد الصفحات ٤٤44 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب الصَّلَةَ وَيُؤْتِ الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ .)١(إِلاَّ فِ خَيٍْ وعن أم بشر بنت البراء بن معرور رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال «لأصحابه آخذ بعنان فرسه ف سبيل الله ثم رجل ف غنيمة له يقيم الصلة ويؤت .)٢(الزكاة قد اعتزل شور الناس قال: سمعت رسول الله ﷺ ـ رضي الله عنه ـ وعن عقبة بن عامر «يقول وَيُصَلِّر، فَيَقُولُ اللهَُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا إِلىَ عَبْدِي هَذَا، يُؤَذِّرنُ وَيُقِيمُ الصَّلَةَ، .)3(يََافُ مِنِّري، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الَْنَّةَ وإلى جـانب هذه الأحـاديث الـمُـرغبة في العـزلة فقـد ثبت عـن النبي ﷺ أحاديثُ أخرى تحثّ على الاختلاط بالناس ومصاحبتهم والصبر على أذاهم، فمنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال «رسول الله ﷺ . )4(المُْسْلِمِ الَّذِي لاَ يَُالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبرُِ عَلَ أَذَاهُمْ ). 503/3 رواه مسلم )١( ).٢/6 رواه أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة )٢( ) وصححه الألباني.4/٢ رواه أبو داود ( )3( ) وصححه الألبا٢/4 رواه الترمذي )4( indd 44ﻡ
عدد الصفحات ٤٥45 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب قال: سمعت رسول ـ رضي الله عنه ـ وحديث معاذ بن جبل «الله ﷺ يقول .)١(وَالمُْتَجَالِسِينَ فَِّ وَالمُْتَزَاوِرِينَ فَِّ وَالمُْتَبَاذِلِينَ فِ ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث ويقال بأن الأصل هو الاختلاط بين الناس لتحقيق الأخوة والتعاون على البر والتقوى وإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد. وبناءً على هذا الأصل المهم فيكون الأصل في العزلة الكلية المطلقة هو المنع؛ لما يترتب على العزلة من تضييع الحقوق وتفويت الفرائض وتعطيل كثير من الواجبات؛ كترك التعليم والتعلم والأمر والنهي وصلة الرحم والقرابة، مع التعرض لكيد الشيطان ووسوسته, فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية لقول النبي ﷺ: « .)٢(الشَّيْطَانُ. فَعَلَيْكُمْ بِالَمَعَةِ، فَإنَّمَ يَأْكُلُ الذِّرئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَة إذًا فالأصل هو الخلطة والاجتماع ومنع العزلة, وما ورد في فضل العزلة فيحمل على أحد وجهين: أن تكون العزلة في حق أفرادٍ لا يستطيعون الجهاد ولا الأمر الأول: بالمعروف ولا النهي عن المنكر ولو خالطوا الناس لتضرروا بالمخالطة وأضروا غيرهم كمن يرى المنكرات فيهيج وينفعل ويغيرّ بطريقة غير ) وصححه الألباني.390/5 رواه مالك )١( ) وحسنه الألباني.06/٢)، والنسائي (50/١ رواه أبو داود ( )٢( indd 45ﻡ
عدد الصفحات ٤٦46 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب مشروعة فيتسرع ويتعدى فيؤدي إلى مضاعفة المنكر وربما يتسبب في إغلاق باب الأمر والنهي ومثل من إذا رأى المنكر تأثر تأثرًا شديدًا، وتعكر مزاجه وتكدرت حياته فلم يهنأ بعيشٍ ولا عبادة وشعر بالغربة دون أن يصنع شيئًا لضعفه عن المواجهة وعجزه، ومثل من تضعف نفسه بسماع الفواحش ومخالفة أهلها ويتأثر بالأسواق ورؤية المتبرجات. فمثل هؤلاء إذا تحققوا من لحوق الضرر عليهم أو على الناس منهم فقد تُشرع في حقهم العزلة، كفًا لشرهم عن الناس، وحفظًا لهم لعدم «تحملهم، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ « وقوله ﷺ)١(يَتَّقِي اللهََّ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَِّرهِ .)٢(الصلة ويؤت الزكاة قد اعتزل شور الناس أن تحمل أحاديث العزلة على زمان الفتن التي أخبر النبي ﷺ الثاني: «عنها وأمر بالعزلة فيها لقول النبي ﷺ بعنان ـ أو قال: برسن ـ فرسه خلف أعداء الله ييفهم وييفونه، أو رجل .)3(معتزل ف باديته يؤدي حق الله تعالى الذي عليه قال ابن حجر حول تلك الأحاديث المفضلة للعزلة بإطلاق .)4(مقيد بوقوع الفتن سبق تخريجه. )١( سبق تخريجه. )٢( )، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.493/4 المستدرك )3( .)6/6 فتح الباري شرح صحيح البخاري )4( indd 46ﻡ
عدد الصفحات ٤٧47 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب أما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة فالأصل فيها أن المسلم الذي يستطيع أن يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويوصل إليهم النفع الديني والدنيوي هو خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، .)١(بل يعتزل شرورهم ويتفرد بنفسه. وهذا مذهب جماهير السلف والعلماء الثامنة: الاحتساب والتوكل: التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله بجلب المطلوب، ودفع المكروه مع فعل الأسباب النافعة، فيعتمد العبد على ربه اعتمادًا كليًا خالصًا بقلبه ويباشر فعل الأسباب بجوارحه, غير ملتفت إلى الأسباب بقلبه. وعبادة التوكل هي شرط الإيمان، وهي نصف الدين؛ لأن الدين عبادة واستعانة، والتوكل هو الاستعانة، وهو شامل لكل حوائج العبد الدينية والدنيوية، فيستعين بالله في كل أمر. والذي يعنينا هنا: كيف نحقق التوكل في الاحتساب عند سعينا للإنكار، والتحقق من ضبط المخالفات، ورفع الشكوى إلى من يهمه الأمر، واستعانتنا بالمحتسبين ودراسة كيفية إنكار المنكر وحماسنا لكل هذه الأمور وغيرها مما يتطلبه الاحتساب، فإن علينا أن نباشر ذلك في جوارحنا، ولكن يجب أن يبقى القلب معلقًا بالله نرجوه الإعانة، ونسأله التثبيت والأجر، ونستقوي به سبحانه، ونفوّض كل أمورنا إليه، قال .]9[ ﮊ ﮊ ﮋ ﮋ تعالى: وما بعدها، للشيخ سلمان العودة.40 العزلة والخلطة (باختصار وتصرف يسير) ص )١( indd 47ﻡ
عدد الصفحات ٤٨48 الاحتســاب مسؤوليـــة وحســـاب والملاحظ أنه في ظل الأحداث وزحمة الظروف وتداعيات المنكرات وإفساد المفسدين ربما يضعف التوكل بركوننا إلى الأسباب وجرينا وراءها والتعلق بها، والتنظير العلمي لمسألة التوكل سهل وواضح، ولكن يبقى التطبيق في الميدان ويقين القلب وثباته واعتماده على الله، وهذا يحتاج إلى زاد الإيمان المصحوب بالأعمال الصالحة وتحقيق التقوى والانكسار بين يدي الله وسؤاله التوفيق والتسديد؛ حتى يباشر الإيمان بشاشة القلب، ويظهر هذا عند الشدة والكرب، فيتبين حال القلب على الحقيقة. ﯺ ﯻ ﯼ ﮋوانظر في حال سيد المتوكلين حينما قال له الناس: في غزوة أُحُد في حال استعلاء ]73[ ﮊﯽ ﯾ ﯿ المشركين وتفرق المسلمين وزيادة الجراح على النبي ﷺ وذهول الصحابة مما جرى لهم. ﯶ ﮋفما موقف الرسول ﷺ من تلك المقالة؟ قال الله عز وجل: ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ .]73[ ﮊﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ونبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار قال: ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﮋ فكانت النتيجة: « .]69[ ﮊﯜ ﯝ و indd 48ﻡ
عدد الصفحات ٤٩