49 ويسﺘحضر في قﻠﺒﻪ شرف المدينة ، وأنﻬا أفضل الأرض ﺑﻌد ﻣكة ﻋند ﺑﻌض الﻌﻠماء ، وﻋند ﺑﻌضﻬم أفضﻠﻬا ﻣطﻠقا ، وأن الذي شرفت ﺑﻪ ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم خير الخﻼئق . وليكن ﻣن أول قدوﻣﻪ إلﻰ أن يرجع ﻣسﺘشﻌرا لﺘﻌظيمﻪ ﻣمﺘﻠئ القﻠب ﻣن ﻫيﺒﺘﻪ كأنﻪ يراﻩ ، فإذا وﺻل ﺑاﺏ ﻣسجدﻩ ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم فﻠيقل الذكر المسﺘحب في دخول كل ﻣسجد وﺳﺒق ﺑيانﻪ في ﺁخر ﺑاﺏ ﻣا يوجب الغسل ، ويقدﻡ رجﻠﻪ اليمنﻰ في الدخول واليسرﻯ في الخروج كما في ﺳائر المساجد ، فإذا دخل قﺼد الروضة الكريمة ، وﻫي ﻣا ﺑين القﺒر والمنﺒر فيﺼﻠي تحية المسجد ﺑجنب المنﺒر) المجموع شرح المﻬذﺏ (8/254 . ) وقال الغﺰالي : ( وأﻣا زيارﺓ رﺳول الله ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم: فينﺒغي أن تزورﻩ ﻣيﺘا كما تزورﻩ حيا ، وﻻ تقرﺏ ﻣن قﺒرﻩ إﻻ كما كنت تقرﺏ ﻣن شخﺼﻪ الكريم لو كان حيا . وكما كنت ترﻯ الحرﻣة في أن ﻻ تمس شخﺼﻪ وﻻ تقﺒﻠﻪ، ﺑل تقف ﻣن ﺑﻌد ﻣاﺛﻼ ﺑين يديﻪ، فكذلك فافﻌل، فإن المس والﺘقﺒيل لﻠمشاﻫد ﻋادﺓ النﺼارﻯ واليﻬود. واﻋﻠم أنﻪ ﻋالم ﺑحضورك وقياﻣك وزيارتك، وأنﻪ يﺒﻠغﻪ ﺳﻼﻣك وﺻﻼتك، فقد روي ﻋنﻪ ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم قولﻪ: (إن لله ﻣﻼئكة ﺳياحين في الأرض، يﺒﻠغوني ﻋن أﻣﺘي السﻼﻡ) رواﻩ النسائي، ﻫذا في حق ﻣن لم يحضر قﺒرﻩ، فكيف ﺑمن فارق الوطن، وقطع الﺒوادي شوقا إلﻰ لقائﻪ، واكﺘفﻰ ﺑمشاﻫدﺓ ﻣشﻬدﻩ الكريم، إذ فاتﻪ ﻣشاﻫدﺓ ﻏرتﻪ الكريمة؟ ) وﻣن روحانيات الحاج في المدينة المنورﺓ : زيارﺓ الﺒقيع وﻫنا يﺘذكر الﺼحاﺑة الكراﻡ ، وﻣن رزقﻪ الله حﺒا ﺻادقا رﺑما ﻫاجﻪ الشوق وذرفت الﻌين . ويكفي في فضﻠﻬم وﻣﻌرفة قدرﻫم قول الله فيﻪ ( لقد رضي الله ﻋن المؤﻣنين إذ يﺒاﻋيونك تحت الشجرﺓ ) وﻣا أحسن ﻣا قالﻪ الدكﺘور ﻋائض القرني في ﻣدحﻬم رضي الله ﻋنﻬم: فعلى الرسول وآلـه وصحابـــه =مني السـلام بكل حـب مسعــد هـم صفوة الأقوام فاعرف قدرهـم = وعلى هـداهـم يا مـوفق فاهتـد واحفظ وصية أحمد في صحبــه = واقطـﻊ لأجلهم لسـان المفســد عرضي لعرضهموا الفداء وإنهــم =أزكى وأطـهر من غمام أبـــرد فالله زكاهـم وشر ف قـدرهـــم = وأحلهـم بالديـن أعـلى مقعــد
عدد الصفحات ٤٩50 شهدوا نﺰول الوحي بل كانوا لــه = نعم الحمـاة من البغـيض الملحـد بذلوا النفوس وأرخصوا أمـوالهـم =في نصـرة الإسـلام دون تـردد ما سبـهم إلا حقيـر تـافــــه =نـذل يشـوههم بحقـد أســـود لغبـارُ أقدام الصحابة في الـردى = أغلى وأعلى من جبـين الأبعــد ما نال أصحابَ الرسول سوى امرء = تمـت خسارتـه لسـوء المقصـد هـم كالعيـون ومسـها إتلافـهـا = إيـاك أن تدمـي العيـون بمـرود من غيرهم شـهد المشاهد كلهــا = بـل من يشابهـهم بحُـسن تعبـد ويـل لمن كان الصحابة خصمـَه = والحاكـمُ الجبـارُ يـوم الموعـد كل الصحابة عادلون وليس فــي = أعراضهم ثـلب لكـل معـربــد أنسيـت قـد رضي الإله عليـهـم =في تـوبة وعلى الشهادة فاشهــد فإذا سمعت بأن مﺨـذولا غـــدا= في ثلبـهم فاقطﻊ نياط المعتــدي مفـتاح سبـهم الموفـق خالنــا = أزجي التحـايا للحليــم الأرشـد أعني معاويـة الجليـلَ وحسبـُـه =إذ كـان كاتبَ وحينا ثبـتَ اليــد مـا اختـاره المﺨتـار إلا أنــه =حَبـر أميـن في صراط مهتــد ودعا له خيـر الأنـام وبوركـت = أيـامـه في مُـلك عـدل أرغـد حتى تقيُ الديـن قـال: دُعا النبـي = لا أشبـﻊ الرحمـن بطـن الأبعـد هو من مناقبه وخيـرُ خصالـــه =فأضف إلى تلك المنـاقب واعـدد ول عمـرو داهيـة الـدواهي حبُنـا = مهما جـرى حاز الرضى بتـفرد أنعم بفاتـح مصـر مـن قـوادنا = لله درك مــن هـمـام أوحــد لـو كـان في إيـمانه شـك لمـا =ولاه خيـر الﺨـلق جيـش المسجد
عدد الصفحات ٥٠51 صلى بأصحاب الرسول ولم يكـن= حـاشاه من أهـل النفاق بمشهــد لكـن مبغضـهم يحـاول ثلبـهـم= بـتربﺺ وتـحرش وتـرصــد هو كالذبـاب على الجراح وهمـ ه =وضﻊ الأذى فعل الحقـود الأنـكد حـبُ الصحابة واجب في ديننــا = هم خير قرن في الﺰمان الأحمــد ونكـفُ عـن أخطائـهم ونعدهـا =أجرا لمجتـهد أتى في المسنـــد ونصونـهم من حاقـد ونحـوطهم =بثـنائنا في كـل جمـﻊ أحشــد قد جاء في نﺺ الحـديث مصح حا = الله في صحبي وصية أحمــــد فبحبـهم حـب الرسـول محقـق = فاحـذر تنقصهم وعنه فأبعــــد وأخﺘم ﺑﻬذﻩ القﺼيدﺓ الﺘي قالﻬا (ﻣجد الدين الﺒغدادي الوتري) في وﺻف حال الزائرين لسيد المرﺳﻠين ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠية وﺳﻠم ﺑل وحالﻬم ﺑﻌد الرجوع إلﻰ ﺑﻼدﻫم: ومن بعد ما طفنـا طـواف وداعنـا رحلنا لمغنى المصطفـى ومصـلاه ووالله لـو أن الأسنـة أشـرعـت وقامت حروب دونـه مـا تركنـاه ولـو أننـا علـى الـروس دونـه ومن دونه جفـن العيـون فرشنـاه وتملـك منـا بالوصـول رقبـانـا ويسلب منـا كـل شـيء ملكنـاه لكـان يسيـرا فـي محبـة أحمـد وبالروح لو يشرى الوصال شرينـاه ورب الورى لولا محمـد لـم نكـن لطيبـة نسعـى والركـاب شددنـاه ولولاه ما اشتقنـا العقيـق ولا قبـا ولولاه لـم نهـوى المدينـة لـولاه هو القصد إن غنـت بنجـد حداتنـا وإلا فمـا نجـد وسـلـﻊ أردنــاه وما مكة والﺨيف قل لـي ولا منـى وما عرفـات قبـل شـرع أردنـاه بـه شرفـت تلـك الأماكـن كلهـا وربك قد خـﺺ الحبيـب وأعطـاه لمسجـده سرنـا وشـدت رحالنـا وبيـن يديـه شوقنـا قـد كشفنـاه
عدد الصفحات ٥١52 قطعنـا إليـه كـل بـر ومهـمـه ولا شاغـل إلا وعـنـا قطعـنـاه كـذا عﺰمـات السائريـن لطيـبـة رعى الله عﺰمـا للحبيـب عﺰمنـاه وكم جبـل جﺰنـا ورمـل وحاجـﺰ ولله كـم واد وشـعـب عبـرنـاه ترنحنـا الأشـواق نحـو محـمـد فنسري ولا ندري بما قـد سرينـاه ولمـا بـدا جـﺰع العقيـق رأيتنـا نشاوى سكـارى فارحيـن برؤيـاه شممنا نسيما جاء من نحـو طيبـة فأهلا وسهلا يـا نسيمـا شممنـاه فقـد ملئـت من ـا القلـوب مسـرة وأي سرور مثل مـا قـد سررنـاه فوا عجبـاه كيـف قـر ت عيوننـا وقـد أيقنـت أن الحبيـب أتيـنـاه ولقيـاه منـا بَعـدَ بُعـد تقـاربـت فـو الله لا لقيـا تـعـادل لقـيـاه وصلنـا إليـه واتصلنـا بقـربـه فلله مـا أحلـى وصـولا وصلنـاه وقفنـا وسلمنـا علـيـه وإنــه ليسمعنا مـن غيـر شـك فدينـاه ورد علينـا بالـسـلام سلامـنـا وقد زادنا فـوق الـذي قـد بدأنـاه كذا كان خلق المصطفـى وصفاتـه بذك في الكتـب الصحـاح عرفنـاه وثـم دعـونـا للأحـبـة كلـهـم فكم من حبيب بالدعـاء خصصنـاه وملنـا لتسليـم الإماميـن عـنـده فإنهمـا حقـا هـنـاك ضجيـعـاه وكم قد مشينا في مكان بـه مشـى وكـم مدخـل للهاشمـي دخلـنـاه وآثـاره فيهـا العيـون تمتـعـت وقمنـا وصلينـا بحيـث مـصـلاه وكم قـد نشرنـا شوقتنـا لحبيبنـا وكم من غليل في القلـوب شفينـاه ومسجـده فيـه سجـدنـا لربـنـا فلله مـا أعلـى سجـودا سجدنـاه بروضـة قمنـا فهاتـيـك جـنـة فيا فوز من فيهـا يصلـي وبشـراه ومنبـره الميمـون مـنـه بقـيـة وقفنـا عليهـا والفـؤاد كـررنـاه
عدد الصفحات ٥٢53 كذلك مثـل الجـذع حنـت قلوبنـا إليـه كمـا ود الحبيـب وددنــاه وزرنا قبـا حبـا لأحمـد إذ مشـى عسى قدما يﺨطـو مقامـا تﺨطـاه لنبعث يـوم البعـث تحـت لوائـه إذا الله مـن تلـك الأماكـن نـاداه وزرنـا مـﺰارات البقيـﻊ فليتـنـا هنـاك دفنـا والممـات رزقـنـاه وحمﺰة زرناه ومـن كـان حولـه شهيـدا وأحـدا بالعيـون شهدنـاه ولمـا بلغنـا مـن زيـارة أحمـد منانـا حمدنـا ربـنـا وشكـرنـاه ومن بعد هذا صاح بالبيـن صائـح وقال ارحلوا يا ليتنـا مـا أطعنـاه سمعنا له صوتـا بتشتيـت شملنـا فيا ما أمر الصوت حيـن سمعنـاه وقمنـا نـؤم المصطفـى لوداعـه ولا دمـﻊ إلا لـلـوداع صببـنـاه ولا صبر كيف الصبر عند فراقـه ؟ وهيهات إن الصبر عنـه صرفنـاه أيصبـر ذو عقـل لفرقـة أحـمـد فلا والذي من قاب قوسيـن أدنـاه فواحسرتـاه مــن وداع محـمـد وأواه مـن يــوم التـفـرق أواه سأبكي عليه قـدر جهـدي بناظـر من الشوق ما ترقى من الدمﻊ غرباه فيا وقت توديعـي لـه مـا أمـره ووقت اللقا والله مـا كـان أحـلاه عسـى الله يدنينـي لأحمـد ثانيـا فيا حبـذا قـرب الحبيـب ومدنـاه فيـا رب فارزقنـي لمغنـاه عـودة تضاعف لنا فيها الثـواب وترضـاه رحلنـا وخلفنـا لـديـه قلوبـنـا فكم جسد مـن غيـر قلـب قلبنـاه ولمـا تركنـا ربعـه مـن ورائنـا فـلا نـاظـر إلا إلـيـه رددنــاه لنغنـم منـه نﻈـرة بعـد نـﻈـرة فلمـا أغبنـاه السـرور أغبـنـاه فلا عيش يهنى مـﻊ فـراق محمـد أأفقـد محبوبـي وعيشـي أهـنـاه دعوني أمت شوقـا إليـه وحرقـة وخطوا علـى قبـري بأنـي أهـواه
عدد الصفحات ٥٣54 فيا صاحبي هذي التي بي قد جـرت وهذا الذي في حجنـا قـد عملنـاه فإن كنت مشتاقا فبادر إلى الحمـى لتنﻈـر آثـار الحبيـب وممـشـاه وتحﻈى بيت الله مـن قبـل منعـه كأنـا بـه عمـا قليـل منعـنـاه أليس ترى الأشراط كيـف تتابعـت فبادر واغنمـه كمـا قـد غنمنـاه إلى عرفات عاجل العمـر واستبـق فثـم إلـه الﺨلـق يسبـغ نعمـاه وعيد مﻊ الحجاج يا صاح في منـى فعيد منـى أعـلاه عيـدا وأسنـاه وضح بها واحلـق وسـر متوجهـا إلى البيت واصنﻊ مثل ما قد صنعناه وكـن صابـرا إنـا لقينـا مشقـة فإن تلقها فاصبر كصبـر صبرنـاه لقد بعـدت تلـك المعالـم والربـا فكم من رواح مـﻊ غـدو غدونـاه فبـادر إليهـا لا تـكـن متوانـيـا لعلك تحﻈـى بالـذي قـد حﻈينـاه وحـج بمـال مـن حـلال عرفتـه وإيـاك والمـال الـحـرام وإيــاه فمن كـان بالمـال المحـرم حجـه فعن حجـه والله مـا كـان أغنـاه إذا هـو لبـى الله كـان جـوابـه مـن الله لا لبيـك حـج رددنــاه كذلك جانـا فـي الحديـث مسطـرا ففي الحج أجر وافـر قـد سمعنـاه ومن بعد حج سـر لمسجـد أحمـد ولا تﺨـطـه تـنـدم إذا تتﺨـطـاه فوا أسف الساري إذا ذكـر الحمـى إذا ربـﻊ خيـر المرسليـن تﺨطـاه ووالهـف الآتـي بحـج وعـمـرة إذا لـم يكمـل بالﺰيـارة ممـشـاه يعﺰى على ما فاتـه مـن مـﺰاره فقـد فاتـه أجـر كثيـر بـأخـراه نﻈرناه حقـا حيـن بانـت ركابنـا على طيبـة حقـا وصدقـا نﻈرنـاه وزادت بنـا الأشـواق عنـد دنونـا إليهـا فمـا أحلـى دنـوا دنيـنـاه ولمـا بـدت أعلامهـا وطلولـهـا تحـدرت الركبـان عمـا ركبـنـاه
عدد الصفحات ٥٤55 وسرنـا مشـاة رفعـة لمحـمـد حثنا الﺨطا حتـى المصلـى دخلنـاه لنغنـم تضعيـف الثـواب بمسجـد صـلاة الفتـى فيـه بألـف يوفـاه كذلـك فاغنـم فـي زيـارة طيبـة كما قد فعلنا واغتنـم مـا غنمنـاه فإذ ما رأيـت القبـر قبـر محمـد فلا تـدن منـه ذاك أولـى لعليـاه وقـف بوقـار عـنـده وسكيـنـة ومثـل رسـول الله حيـا بمـثـواه وسلـم عليـه والوزيريـن عنـد هوزره كـم زرنـا لنحصـد عقبـاه وبلغـه عنـا لا عدمـت سلامـنـا فأنـت رسـول للرسـول بعثـنـاه ومن كـان منـا مبلغـا لسلامنـا فإنـا بمبـلاغ السـلام سبقـنـاه فيـا نعمـة لله لسنـا بشكـرهـا نقوم ولـو مـاء البحـور مددنـاه فنحمد رب العرش إذا كـان حجنـا بﺰورة مـن كـان الﺨتـام ختمنـاه عليك سلام الله مـا دامـت السمـا سلام كمـا يبغـى الإلـه ويرضـاه
عدد الصفحات ٥٥56 الوقفة الثانية عشرة روحانيات الحاج في الدعوة إلى الله تعالى خﻼل ﻫذﻩ الأياﻡ نجد الروحانية الﺘي يﻌيشﻬا المسﻠمون في ﻣوﺳم الحج، وﺑﻌيدا ﻋن المﺼالح الشخﺼية الﺼرفة والأطماع المادية، تﺘوحد أنفاس المﻼيين ﻣن المسﻠمين في ﺑقﻌة ﺻغيرﺓ ﻣن الﻌالم، اخﺘارﻫا الله -ﻋز وجل- لﺘكون ﻣكانا تﻬوي إليﻪ أفئدﺓ الناس، وتطوف ﻋند ﺑيت الله الحراﻡ. وفي ﻫذﻩ الأياﻡ الﺘي حددﻫا الله - ﺳﺒحانﻪ وتﻌالﻰ- ﻣن كل ﻋاﻡ ﻫجري، تﺼطف قﻠوﺏ الﻌﺒاد لﻠواحد الديان، تطﻠب ﻣنﻪ الغفران والرحمة والرزق والجنة والﻌﺘق ﻣن النار، وتقﺒل ﻋﻠﻰ الطاﻋات والﻌﺒادات تسﺘزيد ﻣنﻬا... فﺘسﺘأنس القﻠوﺏ ﺑالسكينة، وتغشاﻫا الطمأنينة, فﺘكون أقرﺏ ﻣا تكون إلﻰ السمع والطاﻋة، واﻻنﺼياع للأﻣر ﺑالمﻌروف والنﻬي ﻋن المنكر. وفي ﻫذﻩ الأياﻡ، يأﻣل الكثير ﻣن الناس أن يكونوا دﻋاﺓ إلﻰ الله، يﻬدون الضال، ويﻌﻠمون الجاﻫل، ويأخذون ﺑيد المسيء، ويزيدون ﻣن ﻋﻠم المؤﻣن، ويكثرون حسنات الﻌاﺑد، ويﻠينون قﻠب القاﺳية قﻠوﺑﻬم. وكانت خطﺒة الوداع، ﻣن أروع ﻣا ﺳطرﻩ -ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم-، ﻣن الﻌمل ﺑالدﻋوﺓ في ﻣوﺳم الحج، ﻋندﻣا ﺻﻌد ﻋﻠﻰ ﻣكان ﻣرتفع، وخطب في الناس، وقال فيما قال -ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم-: " أيﻬا الناس إن دﻣاءكم وأﻣوالكم وأﻋراضكم حراﻡ ﻋﻠيكم كحرﻣة يوﻣكم ﻫذا في شﻬركم ﻫذا في ﺑﻠدكم ﻫذا، أيﻬا الناس، إن رﺑكم واحد وإن أﺑاكم واحد، كﻠكم ﻵدﻡ وﺁدﻡ ﻣن تراﺏ، كل ﻋمل الجاﻫﻠية ﻣوضوع تحت قدﻣي ﻫاتين." وﻣن ﺑﻌدﻩ، انﺘﻬج الخﻠفاء الراشدون والسﻠف الﺼالح ﻣﺒدأ الدﻋوﺓ إلﻰ الله خﻼل ﻣوﺳم الحج، ﻣغﺘنمين اجﺘماع الناس، وتفرﻏﻬم لﻠﻌﺒادﺓ، وانقطاﻋﻬم ﻋن ﻣﺼالح الدنيا، فكان ﻋمر ﺑن الخطاﺏ -رضي الله ﻋنﻪ- يقضي ﺑالحق ﺑين الناس المﺘخاﺻمين في ﻣواﺳم الحج، ويطﻠب ﻣن أﻣرائﻪ في الأﻣﺼار أن يشاركوﻩ الحج، فيسﺘمع ﻣنﻬم، وينﺼحﻬم ويﻌظﻬم. وكان الخﻠيفة ﻫارون الرشيد إذا حج، ﺻحﺒﻪ الفقﻬاء والمحدﺛون، لﻌقد جﻠسات لﻠﻌاﻣة والخاﺻة، وتفقيﻪ الناس ﺑأﻣور دينﻬم، ودﻋوﺓ الناس إلﻰ المﻌروف ونﻬيﻬم ﻋن المنكر.
عدد الصفحات ٥٦57 وأنت أخي الحاج ﻣﻬما يكن ﻣسﺘواك الﻌﻠمي والثقافي فﻼ ﺑد أن يكون لك نﺼيب في الدﻋوﺓإلﻰ الله تﻌالﻰ ، وذلك ﻣن خﻼل الدﻋوﺓ الﺼاﻣﺘة ﺑحسن الخﻠق والﺼﺒر ﻋﻠﻰ الأذﻯ والإحسان إلﻰ المحﺘاجين أو ﻣن خﻼل الدﻋوﺓ الناطقة ﺑالكﻼﻡ الﻬين وقد قﻠت لك ﺁنفا ﻫناك لين في قﻠوﺏ الحجاج ونوع ﻣن القﺒول لﻠنﺼيحة . ولﻠدﻋوﺓ إلﻰ الله في ﻫذﻩ الأياﻡ أشكال وأنواع، تخﺘﻠف حسب الحاجة إليﻬا، وتﺘميز ﺑخﺼوﺻية الموﺳم الذي تنﺘشر فيﻪ. وﻣكن ذلك : ( كما قالﻪ أحد الدﻋاﺓ ) 1 /أياﻡ يجﺘمع فيﻬا ﻣئات اﻵﻻف ﻣن الناس ﻣن ﻣخﺘﻠف الدول الإﺳﻼﻣية والﻌالمية، ويكثف وجودﻫم في رقﻌة ﺻغيرﺓ في الأرض. 2 /أن المسﻠمين في الحج يأتون طﻠﺒا للأجر والمثوﺑة ﻣن الله، وﺑالﺘالي فﻬم ﻣقﺒﻠين ﻋﻠﻰ الطاﻋات، وﻣنفﺘحين ﻋﻠﻰ الدﻋوﺓ وﻣﺘقﺒﻠين لﻠنﺼح الديني. 3/في ﻫذﻩ الأياﻡ تﺘنوع الأﻋمال الﺼالحة ﻣن ذكر وتﻼوﺓ قرﺁن وﺳﻌي وطواف وﻫدي ورجم وﺻﻼﺓ، وﻏيرﻫا. فيكون المسﻠمون ﻣﺘفرﻏين لﻠﻌﺒادﺓ، وﻣنقطﻌين ﻋن ﻣﺼالح الدنيا. 4 /يكثر الﺒذل ﻣن قﺒل أﻫل الخير والﺼﻼح في تقديم كل ﻣا يحﺘاجﻪ الﻌمل الدﻋوي والخدﻣي والمﻌرفي لﻠحجاج, ﻣا يكسب الﻌمل الخيري دفﻌا وﻣساندﺓ. 5 /تزول في ﺑيت الله الﻌﺘيق، الفروقات الدنيوية ﺑين الناس، فﻼ تمي ز ﺑين ﻏني وفقير، وﻻ ﺑين رئيس وﻣرؤوس. فيﺘوحدون في الﻌمل والأﻣل، والمﻠﺒس والمسكن. وﻫذﻩ ﻣن الأﻣور الﺘي يجب أن يضﻌﻬا الدﻋاﺓ في حسﺒانﻬم خﻼل ﻋمﻠﻬم في ﻫذا الموﺳم المﺒارك، فيضﻌون الخطط الدﻋوية وفقا لﻬذﻩ الخﺼائص، ويﺒنون ﻋﻠيﻬا ﻣشاريﻌﻬم الخاﺻة والﻌاﻣة.
عدد الصفحات ٥٧58 أنواع الدﻋوﺓ إلﻰ الله في الحج : تخﺘﻠف أنواع الدﻋوﺓ إلﻰ الله في الحج، ﺑاخﺘﻼف الأﺳﻠوﺏ، وإن توحدت في الﻬدف والمقﺼد. فمن أنواع الدﻋوﺓ، الدﻋوﺓ الفردية الشخﺼية، والدﻋوﺓ المنظمة الﺘاﺑﻌة لجﻬات ﻣﻌينة أﻫﻠية، والدﻋوﺓ الﻌاﻣة الﺘي تنظمﻬا الجﻬات الحكوﻣية. ورﻏم أﻫمية الدﻋوات الحكوﻣية والمنظمة، إﻻ أن الدﻋوﺓ الفردية يﺒقﻰ لﻬا أﺛر كﺒير وفﻌال ﺑين الناس لأﺳﺒاﺏ ﻋديدﺓ، ﻣنﻬا: 1- أنﻬا تﺒﺘكر أﺳاليب وأنماط ﻣﺘﻌددﺓ، حسب فكر كل شخص، وﻻ تﺘأطر في حدود ﻣﻌينة يمﻠيﻬا الﺘخطيط المسﺒق لﻠدﻋوﺓ. 2- أنﻬا تأتي ﻣن أناس ﻣﺘفاﻋﻠون ﺑشكل ﻣﺒاشر ﻣع الحجاج، ويﺘﻌاﻣﻠون ﻣﻌﻬم ﺑشكل ﻣﺒاشر، دون أن تكون ﻫناك حواجز يمﻠيﻬا الﺘنظيم لﻠﺒراﻣج الدﻋوية. 3- أنﻬا تنﺒع ﻣن أناس ينﺘمون لﻠوﺳط الذين يدﻋون إلﻰ الله فيﻪ، وﺑالﺘالي فﻬم ﻣشﺘركون ﻣﻌﻬم في الﻌمل والﻌﺒادﺓ والحركة والمسير والركوﺏ في الﺒاﺻات، وﻏيرﻫا. 4- إﻣكانية الدﻋوﺓ إلﻰ الله في ﻣخﺘﻠف الأوجﻪ والأشكال، ﺑسﺒب وجود الداﻋية ﻣع الحجاج في أﻋمالﻬم كﻠﻬا، وﺑالﺘالي يمكنﻬم تقديم النﺼح والإرشاد وتذكيرﻫم ﺑالله في جميع الشﻌائر الﺘي ينفذونﻬا في الحج. 5- أن الحجاج قد يﺘقﺒﻠون الدﻋوﺓ والنﺼح ﻣن أناس ﻣﻌﻬم أكثر ﻣن الﺒراﻣج الأخرﻯ، ﺑسﺒب ﺳﻬولة اﻻﺳﺘماع لﻬم، وﻋدﻡ الحاجة إلﻰ الذﻫاﺏ إلﻰ حيث تنظم المحاضرات والندوات وﻏيرﻫا. ﺑالإضافة إلﻰ الﻌديد ﻣن الأﺳﺒاﺏ الﺘي تﺘناﺳب ﻣع كل حالة ﻣن حاﻻت الدﻋوﺓ إلﻰ الله.
عدد الصفحات ٥٨59 كيف أدعو إلى الله في الحج : يﺘمنﻰ الكثير ﻣن الناس أن يكونوا دﻋاﺓ إلﻰ الله خﻼل ﻣوﺳم الحج، ﻣن أجل كسب الأجر والمثوﺑة، وزيادﺓ الﻌمل الﺼالح لﻬم، ونفع المسﻠمين القادﻣين ﻣن ﻣشارق الأرض وﻣغرﺑﻬا فيما ينفﻌﻬم ويﺼﻠح أﻋمالﻬم، ونشر الﺘﻌاليم الﺼحيحة لﻠدين الإﺳﻼﻣي، وإﺑﻌاد الناس ﻋن كل ﻣا قد يشوﺏ الحج ﻣن أﻋمال ﺑدﻋية ناجمة ﻋن الجﻬل أو الﺘﻌاليم الغير ﺻحيحة. ولكن قد يحﺘار الﺒﻌض في الطريقة الﺘي تمكنﻪ ﻣن الدﻋوﺓ إلﻰ الله في ﻫذا الموﺳم، وقد تحﺒطﻪ ﻋن ﻫذا الﻌمل الﺼالح، الذي يحﺘاجﻪ المسﻠمون خﻼل ﻫذﻩ الأياﻡ المﻌدودﺓ. ويمكن الاستفادة من بعض الأفكار في هذا المجال، ومنها: 1- خﻼل رحﻠﺘك إلﻰ الحج، حاول أن تحمل ﻣﻌك ﻋددا ﻣن الكﺘيﺒات والمطويات الﺘي تﺘضمن ﻣﻌﻠوﻣات ﻣفيدﺓ ﻋن الحج، وﺑﻌض الأدﻋية المأﺛورﺓ، وﻋن الفرائض واﻵداﺏ الإﺳﻼﻣية المﺘنوﻋة، وﻋن الﺘوحيد والﻌقيدﺓ. وحاول توزيﻌﻬا ﻋﻠﻰ أكﺒر قدر ﻣمكن ﻣن الناس ﻫناك، واﻋمل ﻋﻠﻰ توزيﻌﻬا في أﻣاكن ﻣخﺘﻠفة، كي يسﺘفيد أكﺒر قدر ﻣمكن ﻣن الناس ﻣن تﻠك المطويات، وإن تيس ر لك الحﺼول ﻋﻠﻰ ﻣطويات ﺑﻠغات أخرﻯ ﻏير الﻌرﺑية، فاحمﻠﻬا ﻣﻌك، ووزﻋﻬا ﻋﻠﻰ المسﻠمين القادﻣين ﻣن الدول الغير ﻋرﺑية، وفي ﻫذا المجال يروي أحد الإخوﺓ الذين ﺳافروا إلﻰ الحج ﻋن قﺼة حﺼﻠت ﻣﻌﻪ، يقول: " ذﻫﺒت إلﻰ الحج لأول ﻣرﺓ في حياتي، وحاولت أن أتﻌﻠم ﻣﻌظم الأﻣور الخاﺻة ﺑالحج، ولكن تفاجأت ﻫناك ﺑﺒﻌض الأﻣور الﺘي لم أﻋرف الﺘﻌاﻣل ﻣﻌﻬا، كالﺘﺼرف ﻣع الحجر اليماني، ﻫل أقﺒﻠﻪ أﻡ ألمسﻪ. فسألت ﻋن ذلك، فﻠم يسﻌفني إﻻ شاﺏ ﻣن دول ﻋرﺑية أخرﻯ، أﻋطاني ﻣطوية فيﻬا ﺑﻌض ﻣحذورات الحج، فقرأت فيﻬا أنﻪ يسن لمس الحجر اليماني فقط دون تقﺒيل، ودون تمسح . 2- يقوﻡ ﺑﻌض القادﻣين ﻣن ﻋدﺓ دول، ﺑممارﺳة ﺑﻌض الﻌادات والﺘﺼرفات الﺘي ﻻ تﺘوافق ﻣع الشريﻌة الإﺳﻼﻣية، والﺘي تﻌد ﻣخالفة لﻠﺘﻌاليم الإﺳﻼﻣية، ﺑسﺒب الجﻬل وﺑﻌض اﻻﻋﺘقادات الخاطئة، وفي الحج ﺳﺘكون الفرﺻة ﻣناﺳﺒة جدا لﺘقديم ﻣﻌﻠوﻣات لﻠزائرين حول حرﻣة ﻫذﻩ الﺘﺼرفات، وشرح الﺘﻌاليم الإﺳﻼﻣية الحقيقية في ذلك. خاﺻة وأن ﻣﻌظم المسﻠمين في دول الﻌالم، يثقون ﺑآراء وﺑفﺘاوﻯ الﻌﻠماء ﻣن أﻫل الﻌﻠم والﺼﻼح، لذلك ﺳيكون تقﺒﻠﻬم لﻬذﻩ الأفكار أﺳﻬل في ﻣكة لذلك، فإن ﻋﻠﻰ المسﻠمين ﻣسؤولية
عدد الصفحات ٥٩60 وواجب ﻫاﻡ فيما يﺘﻌﻠق ﺑﺘﺒيان رأي الدين الإﺳﻼﻣي حول ﻫذﻩ الﺘﺼرفات والممارﺳات الخاطئة. يقول أحد القادﻣين ﻣن ﻣﺼر لﻠحج: " حج والدي قﺒل ﻋدﺓ ﺳنوات، وﺑﻌد ﻋودتﻪ روﻯ لنا حادﺛة حﺼﻠت ﻣﻌﻪ، وقد ﻋﻠقت ﺑذﻫني وتﻌﻠمﺘﻬا ﻣنﻪ، فقد كان يقف ﺑجانب الحرﻡ المكي ويدﻋو الله -ﻋز وجل-، ويﺒﺘﻬل إليﻪ، ويسﺘﻌين ﺑـ "السيد الﺒدوي" في دﻋائﻪ، فوقف ﺑجانﺒﻪ رجل ﺻالح وﺳﻠ م ﻋﻠيﻪ، وأخﺒرﻩ أنﻪ ﻻحظ ﻣﻼحظة ويريد أن يفيد والدي لوجﻪ الله -تﻌالﻰ-، فﺘقﺒل والدي ذلك ﺑﺼدر رحب، فأخﺒرﻩ الرجل ﻋن الﺒدﻋة الﺘي يﻌﺘقدﻫا والدي في الﺘﺒرك "ﺑالسيد الﺒدوي" وحرﻣة ذلك في الإﺳﻼﻡ، وأنﻪ ﻣن ﺑاﺏ الإشراك ﺑالله -ﻋز وجل-، وﺑي ن لﻪ ﺑﻌض اﻵﺛار الساﺑقة، كالرجال الﺼالحين ﻣن قوﻡ نوح وكيف تحول الناس لﻌﺒادتﻬم ﺑﻌد ﻣوتﻬم. فاتﻌظ والدي ﻣنﻪ، وشكرﻩ. فالرجل يسﺘحق الشكر ﻋﻠﻰ ﻣا ﺑينﻪ لنا ﻣن خطأ كنا نقع ﺑﻪ كﻠنا، كاد أن يﻬﻠكنا. 3- تذكير الناس خﻼل ﺑﻌض الأوقات، ﺑأﻫمية الذكر والﺘكﺒير وقراءﺓ القرﺁن، وﻋدﻡ اﻻنشغال ﻋن ﻋﺒادﺓ الله -ﻋز وجل- في ﻫذﻩ الأياﻡ الفضيﻠة والساﻋات المحددﺓ، الﺘي قد ﻻ تﺘجاوز الخمسة أياﻡ. حيث يﻼحظ انشغال كثير ﻣن الناس ﺑالأحاديث المطولة، الﺘي قد تدخل في أﻋراض الناس وفي النميمة ﻋﻠيﻬم، وقد ينشغل اﻵخرون ﺑالشراء والﺘسوق ﻣن المحﻼت المقاﻣة ﻫنا وﻫناك، وﺑالﺘدخين في الحج، فيأتي ﻫنا دور المسﻠم الواﻋي الداﻋي، ﺑأن ينﺒﻪ الناس إلﻰ أن ﻫذﻩ الأياﻡ القﻠيﻠة المﺒاركة ﺳﺘنقضي ﺑﻌد وقت قﺼير، ولن يكون ﻣن السﻬل الﻌودﺓ إلﻰ نفس المكان، والوقوف ﺑنفس الموقف، فيجب اﻻﺳﺘفادﺓ ﻣن ﻫذﻩ الساﻋات ﺑأكﺒر قدر ﻣمكن ﻣن الﻌمل الﺼالح. وﻫذﻩ الطريقة في الدﻋوﺓ ﻣنﺘشرﺓ كثيرا - ولله الحمد-، فﻠطالما شاﻫد الحجاج أحد الﺼالحين، يقف ويقرء الحجاج السﻼﻡ، ويحمد الله -تﻌالﻰ-، ويﺼﻠي ﻋﻠﻰ النﺒي المﺼطفﻰ -ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم- وينﺼحﻬم ﺑكﻼﻡ قﻠيل ﻣخﺘﺼر، فيﻪ فائدﺓ وتذكير. وﻫي طريقة فيﻬا فائدﺓ ﻋظيمة، فالإنسان ﻣجﺒول ﻋﻠﻰ الخطأ والﺘقﺼير والنسيان واﻻنسياق وراء ﻣا يحدﺙ ﻣﻌﻪ، لذلك فإن الﺘذكير والخطﺒة الﺼغيرﺓ تﻌيد لﻠحجاج إحساﺳﻬم ﺑالوقت الفضيل الذي يقضونﻪ، فيﻌودون إلﻰ ﺻالح الﻌمل. فيقع الأجر لﻬم ولﻠداﻋية. 4- الكثير ﻣن الحجاج قد ﻻ يﻌﻠمون تماﻣا ﻣا ﻫي الأركان الكاﻣﻠة لﻠحج، وﻣا ﻫي الأﻣور المسﺘحﺒة ﻫناك، وﻣا يسن القياﻡ ﺑﻪ. ويسﺘﻌينون ﺑالمطوف الذي قد تفوتﻪ ﻫذﻩ الأﻣور، أو قد ﻻ يكون ﻋﻠﻰ دراية كاﻣﻠة ﺑﻬذﻩ المسائل. فيأتي ﻫنا دور الداﻋية لشرح ﺑﻌض الأركان الخاﺻة ﺑالحج، وتوضيح ﺑﻌض السنن المسﺘحﺒة، وتوجيﻪ الناس إلﻰ أفضل الأﻋمال وأﺻﻠحﻬا. كرفع الﺼوت في الﺘكﺒير والﺘﻬﻠيل، واﻻكﺘفاء ﺑالإشارﺓ إلﻰ
عدد الصفحات ٦٠61 الحجر الأﺳود ﺑحال تﻌذر الوﺻول إليﻪ وتقﺒيﻠﻪ، والدﻋاء ﻋند الشرﺏ ﻣن ﻣاء زﻣزﻡ، ووجوﺏ رﻣي الحجرات السﺒﻌة في المكان المخﺼص لﻬا تحديدا ﺑحيث تسقط في الحوض، وﻏيرﻫا. 5- تقديم ﺑﻌض الﻬدايا والأشرطة الﺼوتية والمطويات لﻠحجاج خﻼل ﻣوﺳم الحج، ﻣن أجل اﻻﺳﺘفادﺓ ﻣنﻬا ﺑﻌد الرجوع ﻣن الحج إلﻰ ﺑﻼدﻫم. وﻫذﻩ ﻣن الأﻣور الجﻠيﻠة الﺘي تﻌطي لﻠداﻋية ﺑﻌدا ﺁخر يسﺘفيد ﻣنﻪ، ﺑأن ﻻ تنحﺼر دﻋوتﻪ ﺑالأﻣور المﺘﻌﻠقة ﺑالحج، وأن تكون شاﻣﻠة لﻠﻌديد ﻣن أوجﻪ الدﻋوﺓ الﺼالحة. كما أن أﻫل الحاج في ﻣﻌظم الدول الﻌرﺑية والإﺳﻼﻣية يﺘرقﺒون ﻋودتﻪ، ويقﺒﻠون ﻋﻠﻰ ﻣا لديﻪ ﻣن كﺘيﺒات وأشرطة وﻣطويات ﺑجدية وﺑانشراح ﺻدر، فﻬي القادﻣة ﻣن ﻣكة المكرﻣة، فيكون تأﺛيرﻫا واﺳع، ويقرأﻫا ﻋدد كﺒير ﻣن أﻫل الحاج، فيسﺘفيدون ﻣنﻬا، وتزرع فيﻬم الأﻣور الﺼالحة. 6- اﻻشﺘراك في ﺑﻌض الحمﻼت ﺑﻬدف خدﻣة الحجاج، ونﺼحﻬم وإرشادﻫم، وتوﻋيﺘﻬم في ﻣﻌظم أﻣور حجﻬم. خاﺻة إذا كان الإنسان طالب ﻋﻠم. 7- دﻋوﺓ الناس إلﻰ أﻣاكن المحاضرات والدروس الﺘي تقاﻡ في ﻣنﻰ، وتنﺒيﻬﻬم إلﻰ أﻫمية المحاضرات، وإرشادﻫم إلﻰ أﻣاكنﻬا. 8- قد يﺼادفك ﻣن يسأل في ﻣنﻰ ﻋن ﺑﻌض الأﻣور الشرﻋية، وقد تكون لست أﻫﻼ لﻠفﺘيا، فالواجب ﻫنا ﻋدﻡ تقديم فﺘوﻯ ﺑدون دليل شرﻋي، ويفضل إرشاد الناس إلﻰ كﺒائن الفﺘاوﻯ، وتزويدﻫم ﺑأرقاﻡ ﻫواتف الﻌﻠماء ﻣن أجل الحﺼول ﻋﻠﻰ إجاﺑة شرﻋية. ﺑالإضافة إلﻰ الﻌديد ﻣن الأفكار الﺘي قد يجد المسﻠم أنﻪ قادر ﻋﻠﻰ تنفيذﻫا في الحج، وقادر ﻋﻠﻰ إيﺼال رﺳالة دﻋوية ﻣن خﻼلﻬا إلﻰ الحجاج ﻫناك، في أي وقت وأي ﻣكان. ﻋﻠﻰ أن الدﻋوﺓ إلﻰ الله ﻻ تنحﺼر في ﻣوﺳم الحج فقط، وﻻ تنحﺼر في أشخاص ﻣﻌينين، ﺑل ﻫي ﻋمل ﺻالح يناﺳب الجميع، ويﺘوجب ﻋﻠﻰ كل الناس القياﻡ ﺑﻪ، فالدين نﺼيحة، كما أخﺒر الرﺳول الكريم -ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم-، وﻫي أﻣر واجب شر ﻋﻪ الله - ﻋز وجل- في كﺘاﺑﻪ الكريم ﺑقول: " اد عُ إِلَﻰ ﺳَﺒِيلِ رَﺑِّكَ ﺑِال حِك مَةِ وَال مَو ﻋِظَةِ ال حَسَنَةِ "(النحل: ﻣن اﻵية125.)
عدد الصفحات ٦١62 الأدلة من الكتاب والسنة على أهمية الدعوة إلى الله تعالى : أوﻻ : الأدلة ﻣن كﺘاﺏ الله ﻋز وجل : يقول الله تﻌالﻰ( وَل ﺘَكُن ﻣِن كُم أُﻣَّة يَد ﻋُونَ إِلَﻰ ال خَي رِ وَيَأ ﻣُرُونَ ﺑِال مَﻌ رُوفِ وَيَن ﻬَو نَ ﻋَنِ ال مُن كَر ) ﺁل ﻋمران: 104 . وكذلك قول الله تﻌالﻰ : ( كُن ﺘُم خَي رَ أُﻣَّة أُخ رِجَت لِﻠنَّاسِ تَأ ﻣُرُونَ ﺑِال مَﻌ رُوفِ وَتَن ﻬَو نَ ﻋَنِ ال مُن كَر ) ﺁل ﻋمران: 110 فخيرتنا – نحن أﻣة الإﺳﻼﻡ – ليس ﺑسﺒب أننا ﻋرﺏ أو أن ﻋندنا خيرات أو شيء ﻣن ﻫذا القﺒيل إنما خيريﺘنا أن المفروض فينا أننا نأﻣر ﺑالمﻌروف وننﻬﻰ ﻋن المنكر، أن ننطﻠق ﻣـن توجيﻬـات رﺏ الﻌالمين في الدﻋـوﺓ إلﻰ الله وضـرورﺓ تﺒﻠيغﻬـا جميع الناس قولﻪ تﻌالﻰ :إِنَّ الدِّينَ ﻋِن دَ اللهَِّ الإ ِﺳ ﻼَﻡُ ) ﺁل ﻋمران: 19 .. فما داﻡ أن الدين ﻋند الله الإﺳﻼﻡ فﻼ ﺑد أن يقوﻡ ﺑﻪ المسﻠمون ويطﺒقونﻪ ﻋمﻠيا ويدﻋون اﻵخرين إليﻪ . وكذلك قولﻪ تﻌالﻰ ويطﺒقونﻪ ﻋمﻠيا ويدﻋون اﻵخرين إليﻪ وكذلك قولﻪ تﻌالﻰ :(اد عُ إِلَﻰ ﺳَﺒِيلِ رَﺑِّكَ ﺑِال حِك مَةِ وَال مَو ﻋِظَةِ ال حَسَنَةِ ) النحل: 125 كذلك ﻣن الأدلة الﺘي تﺒين فضل الدﻋوﺓ وأﻫميﺘﻬا وضرورﺓ الدﻋوﺓ ﻋﻠﻰ ﻣر الﻌﺼور والأزﻣان قولﻪ تﻌالﻰ ﻋﻠﻰ ﻣر الﻌﺼور والأزﻣان قولﻪ تﻌالﻰ : (وَﻣَن أَح سَنُ قَو ﻻ ﻣِمَّن دَﻋَا إِلَﻰ اللهَِّ وَﻋَمِلَ ﺻَالِح ا وَقَالَ إِنَّنِي ﻣِنَ ال مُس ﻠِمِينَ ) فﺼﻠت[ :33 ]فﻬذا دليل واضح وﺻريح ﻋﻠﻰ أن الدﻋاﺓ إلﻰ الله ﺳﺒحانﻪ وتﻌالﻰ ﻫم أحس قوﻻ لأنﻬم يدﻋون إلﻰ دين الله تﺒارك وتﻌالﻰ: ويدﻋون إلﻰ قال الله تﻌالﻰ وقال رﺳولﻪ ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم . كذلك قولﻪ تﻌالﻰ : ( قُل ﻫَذِﻩِ ﺳَﺒِيﻠِي أَد ﻋُو إِلَﻰ اللهَِّ ﻋَﻠَﻰ ﺑَﺼِيرَﺓ أَنَا وَﻣَنِ اتَّﺒَﻌَنِي وَﺳُﺒ حَانَ اللهَِّ وَ ﻣَا أَنَا ﻣِنَ ال مُش رِكِينَ ) يوﺳف: 108 [طﺒﻌا ﻣﻌروف ﻣن اتﺒع الرﺳول ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم ﻫم ﺻحاﺑﺘﻪ الأطﻬار وﻣن ﺳار ﻋﻠﻰ طريقﺘﻬم إلﻰ قياﻡ الساﻋة ﻣن أﺑناء الأﻣة الإﺳﻼﻣية .
عدد الصفحات ٦٢63 ﻫذﻩ كﻠﻬا أدلة تﺒين فضل الدﻋوﺓ إلﻰ الله ﺳﺒحانﻪ وتﻌالﻰ، وأنﻪ ﻻ ﺑد للأﻣة الإﺳﻼﻣية أن تﺘحمل ﻫذﻩ الدﻋوﺓ وأن تقنع نفسﻬا ﺑﻬذا الإﺳﻼﻡ وأن تحمل ﻫذا الإﺳﻼﻡ إلﻰ ﻏيرﻫا ﺑشﺘﻰ الطرق وﺑشﺘﻰ الوﺳائل المﺘﻌددﺓ . ومن الأدلة من السنة : قولﻪ ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ «ﺑﻠغوا ﻋنﻰ ولو ﺁية فرﺏ ﻣﺒﻠغ أوﻋﻰ ﻣن ﺳاﻣع » رواﻩ ﻣسﻠم ﻫذا فيﻪ دليل ﻋﻠﻰ ضرورﺓ الﺘﺒﻠيغ – أي تﺒﻠيغ – الدﻋوﺓ لسائر الناس فمن ﻋﻠم ﺁية وفﻬم ﻣﻌناﻫا ﻋﻠيﻪ أن يﺒﻠغ ﻫذﻩ اﻵية ﻏيرﻩ ﻣن ﻻ يﻌﻠمﻬا فوائد الدعوة إلى الله : 1 /الأجر والثواﺏ الذي يحﺼل ﻋﻠيﻪ الداﻋية ﻣن الله ﺳﺒحانﻪ وتﻌالﻰ: فالداﻋية إذا أخﻠص النية وجدَّ واجﺘﻬد فإنﻪ يحﺼل ﻋﻠﻰ أجــــر ﻋظيم ﻋند الله تﺒارك وتﻌالﻰ يَر فَعِ اللهَُّ الَّذِينَ ﺁﻣَنُوا ﻣِن كُم وَالَّذِينَ أُوتُوا ال ﻌِﻠ مَ دَرَجَات ) ]المجادلة: 11[. 2/ أنﻬا ﺳﺒب ﻣن أﺳﺒاﺏ إشاﻋة الأﻣن والطمأنينة في المجﺘمع المسﻠم، وﻣن أﺳﺒاﺏ ﻣكافحة الجريمة . 3 /أنﻬا ﺳﺒب ﻣن أﺳﺒاﺏ الﺘﻌاون ﻋﻠﻰ الﺒر والﺘقوﻯ والﺘناﻫي ﻋن الإﺛم والﻌدوان ﺑين ﺁحاد المسﻠمين . 4 /أن الدﻋوﺓ إلﻰ الله ﺳﺒب ﻣن أﺳﺒاﺏ الﺘناﺻح ﺑين المسﻠمين . 5 /أنﻪ ﻣن أﺳﺒاﺏ تكوين الأخوﺓ الإﺳﻼﻣية الﺘي طالﺒنا الله ﺑﻬا ﺑقولﻪ :(إِنَّمَا ال مُؤ ﻣِنُونَ إِخ وَﺓ ) الحجرات: 10[. 6/ أنﻬا ﻣن أﺳﺒاﺏ تكوين الوحدﺓ الإﺳﻼﻣية ﺑين الشﻌوﺏ الإﺳﻼﻣية وتﻌميق ﻣفﻬوﻡ الﺘضاﻣن الإﺳﻼﻣي . 7 /أنﻬا ﻣن أﺳﺒا رضا الله تﻌالﻰ ﻋن المسﻠمين وﺑالﺘالي تحقيق السﻌادتين الدنيوية والأخروية .
عدد الصفحات ٦٣64 خاتمة الروحانيات شئ من العقل والفكر أحﺒﺒت أن أﻋطي الﻌقل والفكر حقﻪ في ﻫذﻩ الخاتمة كا أﻋطيت الوجان حقﻪ فيما ﺳﺒق ﻣن وقفات ، وذلك ﻣن خﻼل نقل ﺑﻌضا ﻣن ﻣقال ﺑﻌنوان (ﻣن أﺳرار الحج.. دراﺳة في فقﻪ الدﻻﻻت والمقاﺻد ) للأﺳﺘاذ: يحيﻰ رضا جاد - ﻣع نوع تﺼرف - يقول الأﺳﺘاذ المذكور ضاﻋف الله لنا ولﻪ الأجور : تحت ﻋنوان : ( أﺑﻌاد فﻠسفة المكان ورﺳالﺘﻪ الخالدﺓ ) : ألست ﻣﻌي - قارئي الكريم- في أننا ﺑحاجة إلﻰ أن نﻌي ونفقﻪ "أﺑﻌاد فﻠسفة الأﻣاكن" الﺘي نؤدي فيﻬا ﻣناﺳك الحج؛ حﺘﻰ نﺒﺘﻌد قدر الإﻣكان ﻋن شَرَكِ "الشكﻠية في الﻌﺒادﺓ"؛ حﺘﻰ تﻌود "الحياﺓ الحقة" لمناﺳك الحج وشﻌائرﻩ؛ إذ ﻣناﺳك الحج تﺒﺘغي " تقوﻯ القﻠوﺏ" (الحج:32 )فحراﻡ أن نخﺘزلﻬا في الحركات والسكنات، وأن نغرق ﻣقاﺻدﻫا الروحية الساﻣية في الﺘفريﻌات والجزئيات !! تعال بنا نطوف معا - قليلا - حول أبعاد تلك الفلسفة: 1/ نحن ﺑحاجة إلﻰ أن يﺘذكر الحاج - وﻫو يطوف حول الكﻌﺒة- ﻣا ﻫو أكثر ﻣن ﻣجرد الطواف والدوران؛ إذ حول الكﻌﺒة نزلت كﻠمات الله ﻋﻠﻰ خاتم الرﺳل ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم .. وﺑﻬذﻩ الكﻠمات تمت في ﻣدرﺳة النﺒوﺓ إﻋادﺓ ﺻياﻏة أﻫل الجاﻫﻠية - أﺳرﻯ الﻌﺼﺒية وﻋﺒدﺓ الأوﺛان- حﺘﻰ ﻏدو الجيل الفريد الذي ﻏير ﻣجرﻯ الدنيا والحضارﺓ، وأﻣسك ﺑدفة الﺘاريﺦ. 2 /ونحن ﺑحاجة - كذلك- إلﻰ أن يﺘذكر الحاج، وﻫو ذاﻫب ليرﻣي جمرﺓ الﻌقﺒة, ﻣا ﻫو أكثر ﻣن رﻣي الجمرات.. إذ في الﻌقﺒة ﻋقدت "الجمﻌية الﺘأﺳيسية لﻠدولة الإﺳﻼﻣية".. تﻠك الدولة الﺘي ﻏيرت الواقع، وحولت ﻣسار الﺘاريﺦ، وجﻌﻠت المسﺘضﻌفين في الأرض: الأئمةَ والوارﺛين لمواريث النﺒوات والحضارات.. وذلك ﻋندﻣا ﺑايع الأنﺼار رﺳول الله ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم ﻋﻠﻰ إقاﻣة الدولة، ﺑﻌد أن ﺳﺒق لﻬم ﺑيﻌﺘﻪ ﻋﻠﻰ إقاﻣة الدين.. فولدت في الﻌقﺒة الدولة الﺘي حرﺳت الدين، والﺘي ﺳاﺳت اﻻجﺘماع والﻌمران ﺑشريﻌة ﻫذا الدين.
عدد الصفحات ٦٤