المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

روحانيات حاج

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ٥ من ٥

65 3 /ونحن ﺑحاجة - كذلك- إلﻰ أن يﺘذكر الحاج –وﻫو ﺑالﻌقﺒة أيضا - أن رﺳول الله ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم قد أﺳس الدولة الإﺳﻼﻣية الأولﻰ ﻋﻠﻰ "الﺒيﻌة والشورﻯ واﻻخﺘيار" ﻻ ﻋﻠﻰ اﻻﺳﺘﺒداد والﺘزوير والإجﺒار.. وذلك ﻋندﻣا ﻫم الأنﺼار ﺑمﺒايﻌﺘﻪ ﻋﻠﻰ إقاﻣة الدولة, فرﻏب إليﻬم أن تﺘم الﺒيﻌة ﺑواﺳطة "ﻣؤﺳسة دﺳﺘورية" تنشأ ﺑاﻻخﺘيار واﻻنﺘخاﺏ، فقال لﻬم ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم : " اخﺘاروا ﻣنكم اﺛني ﻋشر نقيﺒا ".. فولدت ﺑذلك أولﻰ المؤﺳسات الدﺳﺘورية في الدولة الإﺳﻼﻣية.. فمن الﻌقﺒة - يا ﻣن ترﻣي الجمرات- ﺑدأ تراﺙ أﻣﺘنا في المؤﺳسات الدﺳﺘورية القائمة ﻋﻠﻰ الشورﻯ واﻻخﺘيار واﻻنﺘخاﺏ، وﺑمشاركة الرجال والنساء، قﺒل أن تﻌرف الأﻣم والحضارات لﻬا تراﺛاُ في ﻫذﻩ المؤﺳسات. 4 /ونحن ﺑحاجة - كذلك- إلﻰ أن يﺘذكر الحاج - وﻫو واقف ﺑﻌرفة- ﻣا ﻫو أكثر ﻣن ﻣجرد الوقوف والدﻋاء.. إذ في ﻫذا المكان كانت حجة الوداع والﺒﻼﻍ, تﻠك الحجة الﺘي كانت ﻣؤتمرا جاﻣﻌا قرر فيﻪ ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم "الحقوق المدنية الإﺳﻼﻣية".. وذلك في خطﺒة الوداع الشﻬيرﺓ، تﻠك الخطﺒة الﺘي ﻣثﻠت - ﺑحق - "وﺛيقة الحقوق المدنية الإنسانية" الﺘي شرﻋﻬا الإﺳﻼﻡ لﻺنسان. ﺛم يقول : من دلالات منسك الحج : 1 /إحياء ملة إبراهيم الحنيفية السمحة، وتذكرة أهل الكتاب بها : لما كان إﺑراﻫيم الخﻠيل "أﺑو الأنﺒياء" واﺑنﻪ إﺳماﻋيل - ﻋﻠيﻬما السﻼﻡ- قد أقاﻣا قواﻋد الﺒيت الﻌﺘيق, فﻠقد شاء الله أن يكون إلﻰ ذلك الﺒيت الﻌﺘيق حج أﻣة "خاتم الأنﺒياء" الذي أحيت شريﻌﺘﻪ ﻣﻠة إﺑراﻫيم، والذي تﻌيد أﻣﺘﻪ - في ﻣناﺳك حجﻬا- ﻣناﺳك إﺑراﻫيم وإﺳماﻋيل وﻫاجر، ﻣجسدﺓ ﺑﻬذا الإحياء وحدﺓ دين الله. فإلﻰ "أول ﺑيت" تحج الأﻣة الخاتمة.. " فﺘحيي أﻣة " خاتم الأنﺒياء " ﻣناﺳك ﻣﻠة" أﺑي الأنﺒياء، وتذكر ﺑﻬا أﻫل الكﺘاﺏ - توحيدا خالﺼا , وﻣﻠة حنيفية ﺳمحة- خاﺻة ۗ ﺑﻌد أن اخﺘﻠفوا في إﺑراﻫيم وتشاكسوا فيﻪ (أل ﻋمران:95-97) 2 / الﺘأكيد ﻋﻠﻰ أن الإﺳﻼﻡ ﻫو الشريﻌة الخاتمة لسﻠسﻠة رﺳاﻻت الله إلﻰ الإنسان:

عدد الصفحات ٦٥

66 إن الﺒيت الﻌﺘيق ﻫو "أول ﺑيت" ﻋﺒد الله فيﻪ ﻋﻠﻰ ﻫذﻩ الأرض.. ففيﻪ، وﻣنﻪ، ﺑدأ الدين، وإليﻪ قرر الله أن يكون حج "الأﻣة الخاتمة"؛ رﻣزا وتجسيدا لوحدﺓ دين الله ﻣن لدن ﺁدﻡ إلﻰ ﻣحمد ﺻﻠﻰ الله وﺳﻠم ﻋﻠيﻬم جميﻌا . ورﻣزا وتجسيدا ﻻكﺘمال لﺒنات ﻫذا الدين الواحد ﺑشريﻌة الإﺳﻼﻡ ورﺳالة ﻣحمد ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم؛ حﺘﻰ يرتﺒط "الخﺘاﻡ" ﺑـ "الﺒدء" و "القمة" ﺑـ "الجذور" و "المنﺘﻬﻰ" ﺑـ "المنطﻠق"؛ فيﺘجسد الرﻣز: رﻣز اﺳﺘيﻌاﺏ الإﺳﻼﻡ - الذي جاء ﺑﻪ ﻣحمد ﻣن ﻋند الله- لﻠدين الإلﻬي ﻋﻠﻰ إطﻼقﻪ - ولﻠﺘدين ﻋﻠﻰ ﻋموﻣﻪ- وﻫيمنﺘﻪ ﻋﻠيﻪ .. وحﺘﻰ ترتفع الأﻋﻼﻡ المؤذنة ﺑأن تﺼديق الأﻣة الخاتمة ﺑنﺒيﻬا ﻣحمد ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم، إنما ﻫو جزء ﻣن "تﺼديقﻬا" ﺑجميع الرﺳل والأنﺒياء، و"احﺘضانﻬا" " لﻬدي النﺒوﺓ جميﻌﻪ ﻋﻠﻰ اﻣﺘداد ﻣوكب حمﻠﺘﻪ، و "ﻫيمنﺘﻬا" ﻋﻠﻰ الدين كﻠﻪ ﺑﺘرﺑﻌﻬا ﻋﻠﻰ ﻋرشﻪ؛ إذ ﻫي الأﻣة "الخاتمة" و "المكﻠفة ﺑالحفاظ ﻋﻠيﻪ" و "الدﻋوﺓ إليﻪ." قم يقول :من مقاصد الحج العامة 1/ نشر السلام :إن الحج طريقة فذﺓ لـ "تدريب" المسﻠم ﻋﻠﻰ السﻼﻡ، و "إشراﺑﻪ" روح السﻼﻡ؛ فﻬو "رحﻠة ﺳﻼﻡ" إلﻰ "أرض ﺳﻼﻡ" في "زﻣن ﺳﻼﻡ"؛ رحﻠة ﺳﻼﻡ : إذ المسﻠم ﻻ يﺒغي قﺘال أحد، وﻻ قﺘل أحد، وإنما يخرج قاﺻدا وجﻪ الله وﺑيﺘﻪ.. ﻣحرﻣا يظل فﺘرﺓ إحراﻣﻪ في ﺳﻼﻡ حقيقي ﻣع ﻣن حولﻪ وﻣا حولﻪ ﻣن إنسان وحيوان، وطير ونﺒات.. فﻼ رفث وﻻ فسوق وﻻ جدال في الحج، وﻻ قطع لنﺒات وﻻ شجر، وﻻ ﺻيد لحيوان وﻻ ذﺑح لﻪ، ﺑل وﻻ حﻠق لشﻌر نفسﻪ، وﻻ قص لظفرﻩ. إلى أرض سلام: إذ أرض الحج ﻫي الﺒﻠد الحراﻡ: ﻣكة، والﺒيت الحراﻡ: الذي جﻌﻠﻪ الله ﻣثاﺑة لﻠناس وأﻣنا ، و"ﻣن دخﻠﻪ كان ﺁﻣنا" ( ﺁل ﻋمران:97 )إنﻬا ﻣنطقة أﻣان فريد في نوﻋﻪ؛ يشمل الطير في الجو، والﺼيد في الﺒحر، والنﺒات في الأرض .. فﻬي "ﻣنطقة ﻣﻌقمة" ﻻ يﺼاد ﺻيدﻫا، وﻻ يروع طيرﻫا وﻻ حيوانﻬا، وﻻ يقطع شجرﻫا وﻻ ﻋشﺒﻬا. في زمن سلام: إذ الحج - ﺑالسفر إلﻰ تأديﺘﻪ، والﻌودﺓ ﻣنﻪ، وأداء ﻣناﺳكﻪ- يقع في ﺛﻼﺛة أشﻬر - ﻫي: ذي القﻌدﺓ وذي الحجة والمحرﻡ- ﻫي ﻣن الأشﻬر الحرﻡ الﺘي جﻌﻠﻬا الله "ﻫدنة إجﺒارية" ت غمد فيﻬا السيوف، وتحقن الدﻣاء، ويوقف القﺘال؛ حﺘﻰ "يﺘذوق" الناس

عدد الصفحات ٦٦

67 طﻌم السﻼﻡ والﻬدوء والأﻣن والأﻣان؛ فيسﻌوا إليﻪ ﻣﻬرولين !.. فﻬل رأت الدنيا "تطﺒيقا ﻋمﻠيا" لﻠسﻼﻡ و "تدريﺒا " ﻋﻠيﻪ كﻬذا الذي يﺼنﻌﻪ الإﺳﻼﻡ في رحﻠة الحج كل ﻋاﻡ ؟! 2 / التربية :يقول تﻌالﻰ : " ﻻ رفث وﻻ فسوق وﻻ جدال في الحج وﻣا تفﻌﻠوا ﻣن خير يﻌﻠمﻪ الله وتزودوا فإن خير الزاد الﺘقوﻯ واتقون يا أولي الألﺒاﺏ" (الﺒقرﺓ:196)، "وﻣن يﻌظم حرﻣات الله فﻬو خير لﻪ ﻋند رﺑﻪ" ( الحج:28" ..)ﻻ رفث": يمنع في الحج ﻣنﻌا جازﻣا حاﺳما اﻻﺳﺘجاﺑة لشﻬوﺓ الفرج، وكل ﻣا يﺘﺼل ﺑﻬا، ويمﻬد لﻬا، أو يحركﻬا - ﻣن قول أو فﻌل أو إشارﺓ. "ﻻ فسوق": ويمنع في الحج ارتكاﺏ أي ﻣخالفة شرﻋية.. والمﻌاﺻي والمخالفات يﻌظم إﺛمﻬا ﺑﻌظم حرﻣة زﻣانﻬا وﻣكانﻬا، وﺑمقدار الﺘشديد والﺘوكيد في النﻬي ﻋنﻬا .. وكل ذلك ﻣﺘحقق في الحج؛ إذ ﻣخالفة الشرع ﻣنﻬي ﻋنﻬا نﺼا خارج وقت الحج، ونﺼا أيضا في وقت الحج, إضافة إلﻰ حرﻣة زﻣان الحج وﻣكانﻪ.. وﻣن ﺛم،ﻋﻠﻰ الحاج أن يﻠﺘزﻡ في أﺛناء ﻣدﺓ حجﻪ ﺑأﻋﻠﻰ درجات الطاﻋة واﻻنضﺒاط.. وإذا كان الشرع قد كف الحاج ﻋن ﻋدد ﻣن المﺒاحات، فكيف ﻻ يكف الحاج نفسﻪ ﻋما ﻫو ﻣحرﻡ وﻣنﻬي ﻋنﻪ ﻣن أﺻﻠﻪ. "ﻻ جدال": الحاج في أﻣس الحاجة لﻠﺼفاء وﻻﺳﺘغﻼل وقﺘﻪ واﻻﺳﺘفادﺓ ﻣنﻪ.. والجدال - في أﻏﻠب الأحيان- ﻣضيﻌة لﻠوقت، وﻣ ذﻫب لﻠﺼفاء، وﺳﺒب لﻠمشاحنات، وﻣقدﻣة لﻠخﺼوﻣات والمنازﻋات.. ولذلك نﻬﻰ الله ﻋن الجدال في الحج. "وﻣن يﻌظم حرﻣات الله": إن الحاج ضيف ﻣن ضيوف الرحمن، ﺑل ﻫو نزيل ﺑيت الضيافة الرﺑاني.. ونحن إذا كنا ضيوفا ﻋﻠﻰ ﻏيرنا ﻣن الناس نكون ﻋﻠﻰ ﻏاية ﻣا يمكن ﻣن الأدﺏ والﻬدوء واﻻنضﺒاط واﻻلﺘزاﻡ والﻠياقة، فكيف ﺑمن يكون في ﺑيت الله وضيافﺘﻪ؟ وكيف إذا كان المضيف في ﻏياﺓ الإكراﻡ والﺘنﻌيم لضيفﻪ ونزيل ﺑيﺘﻪ؟ إن الإﺳاءﺓ في ﻣثل ﻫذا المقاﻡ جريمة، ﺑل وفضيحة تسير ﺑﻬا الركﺒان ! "وتزودوا فإن خير الزاد الﺘقوﻯ": ﻋﻠﻰ الحاج - وﻫو يسﺘﻌد لسفرﻩ, ويﺘزود لرحﻠﺘﻪ- أن يﺘذكر أنﻪ ﻋما قريب ﺳيفارق أﻫﻠﻪ وولدﻩ وﺑﻠدﻩ وﻣالﻪ إلﻰ ﻏير رجﻌة، وأن ﻋﻠيﻪ أن يﺘزود أكثر وأكثر لسفرﻩ الأكﺒر، ورحﻠﺘﻪ الأخطر .. وليﺘﻌﻠم ﻣن رحﻠﺘﻪ إلﻰ الحج - وتزودﻩ لﻬا، وﻣفارقﺘﻪ ﻣن يحب وﻣا يحب- أنﻪ ﻻﺑد ﻣرتحل وﻣفارق، وأن لكل ارتحال زادا واﺳﺘﻌدادا ، وأن زاد اﻵخرﺓ ﻫو الﺘقوﻯ والﻌمل الﺼالح.. وﻣن أﻫم لوازﻡ الﺘقوﻯ أن يﺒرئ المرء ذﻣﺘﻪ

عدد الصفحات ٦٧

68 ﻣن المظالم وحقوق الﻌﺒاد؛ فيرد ﻣنﻬا ﻣا يمكن ردﻩ، ويسﺘسمح ﻣن يمكن اﻻﺳﺘسماح ﻣنﻪ، ويسﺘغفر الله ويﺘوﺏ إليﻪ ﻣما ﻻ يﻌﻠمﻪ وﻻ يسﺘطيع ردﻩ وﻻ الﺘحﻠل ﻣنﻪ؛ حﺘﻰ ﻻ يكون في ﺳفرﻩ –الأﺻغر والأكﺒر- ﻣثقﻼ وﻣكﺒﻼ ﺑالمظالم وﺁﺛاﻣﻬا. وﺑناء ﻋﻠﻰ كل ﻣا ﺳﺒق، يجب ﻋﻠﻰ الحجاج أن يكونوا ﻋﻠﻰ درجة ﻋالية ﻣن حسن الخﻠق، وﻣن الرفق والﻠين والﺘساﻣح.. وأن يﻌﺘﺒروا الحج فرﺻة نادرﺓ لﺘرويض النفس وتدريﺒﻬا ﻋﻠﻰ الﺘواضع والﻬدوء والخشوع والﺼفاء والﺒر والﻌفو والحﻠم.. إذ كل ﻫذﻩ أخﻼق ضرورية كي يكون الحج ﻣﺒرورا ﻣقﺒوﻻ .وﺑﻬذا يﻌود الحاج كيوﻡ ولدتﻪ أﻣﻪ.. ويﻌود وقد أﺻﺒح ﻣن الكاظمين الغيظ والﻌافين ﻋن الناس.. يﻌود وقد أﺻﺒح يدرأ ﺑالحسنة السيئة، ويدفع ﺑالﺘي ﻫي أحسن.. يﻌود وقد ألزﻡ نفسﻪ ﺑكف الأذﻯ ﻋن الناس، ﺑل وﺑالﺘغاضي ﻋن أذاﻫم, وﻣقاﺑﻠﺘﻪ ﺑالحﻠم والغفران.. أﻣا أن يذﻫب ﻋﻠﻰ ﻣا كان ﻋﻠيﻪ ﻣن ﺳوء الخﻠق وفظاظة الطﺒع وكثرﺓ الجدال والخﺼاﻡ والأذﻯ والفسوق، ﺛم يمكث ﻫناك وﻋود ﻋﻠﻰ ﻣا كان ﻋﻠيﻪ، فما اﺳﺘفاد ﻣن حجﻪ، وﻣا ضمنﻪ حجا ﻣﺒرورا ﻣﺘقﺒﻼ ، ﺑل "ﻣا حج ﻫو، وإنما حج الجمل" !!.. أرأيت كيف ﻫو الحج "دورﺓ ترﺑوية تدريﺒية نادرﺓ".. فإذا رأيتَ وﻋﻠمتَ؛ فالزﻡ !! 3/ الوحدة الإسلامية - تجسيدا واقعيا وتطبيقا عمليا : الحج طريقة فذﺓ لرﺑط أﻣة الإﺳﻼﻡ ﺑمركز واحد، يديم لﻬا رﺑاط الدين، ويجددﻩ فيﻬا، ويوﺛق خيوطﻪ، ويشدﻫا ﺑواﺳطﺘﻪ إلﻰ ذكريات النور الذي انﺒثق في فجر رﺳالﺘﻬا فﻬداﻫا وأخرجﻬا ﻣن الظﻠمات إلﻰ النور.. وفي الحج تﺘجﻠﻰ "الوحدﺓ الكاﻣﻠة للأﻣة الإﺳﻼﻣية" ﺑكافة شﻌوﺑﻬا وأﻋراقﻬا وأقطارﻫا: وحدﺓ في المشاﻋر والشﻌائر، ووحدﺓ في القول والفﻌل.. ﻻ إقﻠيمية وﻻ ﻋنﺼرية وﻻ ﻋﺼﺒية وﻻ طﺒقية، وإنما الجميع ﻣسﻠمون، وﺑرﺏ واحد يؤﻣنون، وﺑﺒيت واحد يطوفون، ولكﺘاﺏ واحد يقرأون، ولرﺳول واحد يﺘﺒﻌون، ولأﻋمال واحدﺓ يؤدون، ولﻬدف واحد يﺒغون. الحج فرﺻة لكل حاج كي "يجسد" الوحدﺓ الإﺳﻼﻣية و "يسﺘمﺘع" و "يﻌمق" شﻌورﻩ ﺑﻬا - ولو لﺒضﻌة أياﻡ أو أﺳاﺑيع- .. فﻠيوﺛقﻬا ﺑحسن الﺘﻌارف والﺘآلف، وﺑالﺘﻌاون وحسن الﺘﻌاﻣل، وﺑﺘﺒادل اﻵراء والأخﺒار والمﻌﻠوﻣات، ﻣغﻠفا ذلك كﻠﻪ ﺑالمحﺒة والإخاء.

عدد الصفحات ٦٨

69 4/ الانتفاع "ليشهدوا منافﻊ لهم : -"ﻣنافع".. ﻫكذا ﺑالﺘنكير، وﻣن ﻏير تحديد.. وﻣن ﺛم، فﻬي ﻣفﺘوحة وﻋاﻣة وﻣطﻠقة.. ﻣما يدل ﺑدورﻩ ﻋﻠﻰ أن ﻣنافع الحج كثيرﺓ وﻣﺘنوﻋة، ﺑل وﻏير ﻣحﺼورﺓ –لو أﻋددنا لﻬا الإﻋداد الأﻣثل، واﺳﺘثمرنا ﻫذا الموﺳم أحسن اﺳﺘثمار: ﻣاديا وﻣﻌنويا ، ﺳياﺳيا وﺛقافيا فكريا ، واجﺘماﻋيا . - ولقد نﺒﻬنا رﺳول الله ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم إلﻰ قيمة الحج كـ "ﻣؤتمر ﻋالمي أكﺒر"؛ حيت اتخذ ﻣنﻪ ﻣنﺒرا لإذاﻋة أﻫم القرارات والﺒﻼﻏات والﺘوجيﻬات والقضايا الﺘي تﺘﺼل ﺑالسياﺳة الﻌاﻣة لﻠمسﻠمين؛ ففي الحجة الﺘي تمت في السنة الﺘاﺳﻌة لﻠﻬجرﺓ، تحت إﻣارﺓ أﺑي ﺑكر الﺼديق، أ ﻋﻠن ﻋﻠﻰ الناس، ﺑﺘوجيﻪ ﻣن النﺒي ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم ، قرار إلغاء المﻌاﻫدات الﺘي ﻋقدت ﻣع المشركين؛ إذ قد نكثوﻫا وﻋﺒثوا ﺑﻬا وخرجوا ﻋﻠيﻬا ..وفي الﻌاﻡ الﺘالي، حج رﺳول الله ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم ﺑنفسﻪ -حجة الوداع، وألقﻰ خطاﺑا لم تَعِ ﻣساﻣع الوجود أرقﻰ ﻣن ﻣﺒادئﻪ، وﻻ أشرف ﻣن ﻣقاﺻدﻩ: جاﻋﻼ إياﻩ ﺳجﻼ ﺻادقا لحقوق الإنسان وحريات الأﻣم، وﻣﻠخﺼا فيﻪ أﻫم ﻣﺒادئ الإﺳﻼﻡ. - وﻋﻠﻰ درﺏ رﺳول الله ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم ﺳار الخﻠفاء الراشدون؛ إذ جﻌﻠوا ﻣن ﻣوﺳم الحج ﻣؤتمرا يﻠﺘقون فيﻪ ﺑالوﻻﺓ والﻌمال والقضاﺓ، والﻌاﻣﻠين ﻋﻠﻰ الزكاﺓ، وقادﺓ الجند، والفقﻬاء وأﻫل الرأي، ﺑل وجمﻬور الناس ﻣن ﻣخﺘﻠف الأقاليم الإﺳﻼﻣية؛ حﺘﻰ توضع ﺻورﺓ واقع الأﻣة أﻣاﻡ الﻌقل القائد والمفكر – الخﻠيفة الراشد- ؛ ليغيث المﻠﻬوف، وينﺼف المظﻠوﻡ، ويرد الحق إلﻰ أﻫﻠﻪ، ويضﺒط الأﻣور ويرشدﻫا وينظمﻬا، وﻣن كانت لﻪ ﻣظﻠمة أو شكاية أو اقﺘراح فﻠيﺘقدﻡ ﺑﻪ لﻪ . - وﻋﻠﻰ درﺏ الرﺳول ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم وخﻠفائﻪ الراشدين ﺳار الﺘاﺑﻌون ﺑإحسان؛ فكان ﻣوﺳم الحج ﻣنﺘدﻯ لﻠقراء والفقﻬاء والمحدﺛين وأﻫل الفكر والأدﺏ، يﺘﺒادلون فيﻪ اﻵراء والأفكار والخﺒرات واﻻجﺘﻬادات والروايات؛ لﺘنمو في الأﻣة ﻣﻠكات الضﺒط والحوار والﺘﻌقل واﻻجﺘﻬاد واحﺘراﻡ الرأي اﻵخر . - واليوﻡ.. وفي ظروف ﻋﺼرنا الحديث، وﻋﻠﻰ ضوء الواقع الﺒائس الذي تحياﻩ أﻣﺘنا - الﺘي أﺻﺒحت "أﻣما شراذﻡ" ﺑﻌد أن كانت أﻣة واحدﺓ، رﻏم ﻣا لديﻬا ﻣن إﻣكانيات ﻣادية،

عدد الصفحات ٦٩

70 ورﻏم ﻣا تمﻠك ﻣن ﻋقول ﻣﺒدﻋة وﻣفكرﺓ وخﻼقة.. ﻫل نطمح ونطمع ونﺘطﻠع إلﻰ إﻋادﺓ شﻌيرﺓ الحج " ﻣؤتمرا ﻋالميا أكﺒر" لأﻣة الإﺳﻼﻡ، و"لقاء جاﻣﻌا " لﻌقل الأﻣة الراشد؛ يﺘأﻣل واقﻌﻬا، ويرﺳم لجمﻬورﻫا ﺳﺒل الخﻼص؟!.. ﻣا ذلك ﻋﻠﻰ الله ﺑﻌزيز، وﻻ ﻋﻠﻰ المخﻠﺼين المﺼﻠحين "المﺘضاﻣنين المﺘضاﻣين"ﺑﺒﻌيد !! - والحج - ﻋند ﺳﺒر ﻏورﻩ- رحﻠة ﻋﻠمية وﺛقافية, وتوﺳيع لأفق المسﻠم، ووﺻل لﻪ ﺑالﻌالم الكﺒير ﻣن حولﻪ.. ﻫكذا ينﺒغي أن تكون رحﻠة الحج ﻣن أولﻬا إلﻰ ﺁخرﻫا، ﺑذﻫاﺑﻬا ورجوﻋﻬا، ﺑإقاﻣﺘﻬا وتنقﻼتﻬا.. فمشاﻫدﺓ الﺒﻠدان وأﻫﻠﻬا، وﻣجالسة الﻌﻠماء والحكماء والمثقفين، وحضور الدروس والمحاضرات –ﻋﻠﻰ اخﺘﻼف أنواﻋﻬا- وزيارﺓ المواقع الأﺛرية والمآﺛر الإﺳﻼﻣية الﺘي شﻬدت ﺑزوﻍ فجر الإﺳﻼﻡ وﺳطوع نورﻩ ﻋﻠﻰ الأرض .. كل ذلك ﻋﻠم وﺛقافة، وتفقﻪ وخﺒرﺓ، ﻻ ينﺒغي لﻠحاج أن يضيﻌﻬا أو يقﻠل ﻣن شأنﻬا؛ لأنﻬا ﻣن المنافع الﺘي دﻋانا الله لأجل شﻬودﻫا وتحﺼيﻠﻬا ﺑاﻋﺘﺒارﻫا ﻣن ﻣقاﺻد الحج وﺛمارﻩ. - وفي الحج "تدريب ﻋﻠﻰ تحمل المشقات"، واحﺘمال الشدائد، والﺼﺒر ﻋﻠﻰ المكارﻩ؛ إذ السفر لﻠحج ركوﺏ لﻠمشقات، وﻣفارقة للأﻫل والوطن، وتضحية ﺑالراحة والدﻋة والمال... وفيﻪ "تدريب ﻋﻠﻰ ﻣواجﻬة الحياﺓ كما فطرﻫا الله"؛ ﺑأزﻫارﻫا وأشواكﻬا، وشﻬدﻫا وﺻﺒرﻫا، وحرﻫا وقرﻫا؛ إذ حياﺓ الحاج أشﺒﻪ ﺑحياﺓ الكشاف - وخاﺻة في خياﻡ ﻣنﻰ وﻋرفات- في ﺑساطﺘﻬا وخشونﺘﻬا، وتنقﻼتﻬا وارتحاﻻتﻬا، واﻋﺘمادﻫا ﻋﻠﻰ النفس، وﺑﻌدﻫا ﻋن الﺘرف والﺘكﻠف والﺘﻌقيد.. ﻣع ﻣا قد يﺼطدﻡ ﺑﻪ الحاج ﻣن ﻣناخ ﺳيء؛ إذ أشﻬر الحج دائرﺓ ﻣع شﻬور السنة القمرية؛ وﻫي أشﻬر - كما نﻌﻠم- تأتي أحيانا في وقدﺓ الﺼيف، وأحيانا في زﻣﻬرير الشﺘاء.. كل ذلك ليكون المسﻠم ﻋﻠﻰ اﺳﺘﻌداد لﺘحمل كل الـأجواء، واﻻﺻطﺒار ﻋﻠﻰ كل ألوان الﺼﻌوﺑات.. فأﻋظم ﺑﻬا ﻣن ﻣنافع !! - إن الحج " شحن لﺒطارية الروح والإيمان".. يملأ جوانح المسﻠم ﺑالﺘقﻰ والخشية ﻣن الله، والﻌزﻡ ﻋﻠﻰ طاﻋﺘﻪ، والندﻡ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺼيﺘﻪ.. ويغذي فيﻪ ﻋاطفة الحب لله ولرﺳولﻪ ولمن ﻋزروﻩ ونﺼروﻩ واتﺒﻌوا النور الذي أنزل ﻣﻌﻪ.. فيﻌود المسﻠم أﺻفﻰ قﻠﺒا ، وأطﻬر ﻣسﻠكا ، وأقوﻯ ﻋزيمة ﻋﻠﻰ الخير، وأﺻﻠب ﻋودا أﻣاﻡ ﻣغريات الشر .. ينشئﻪ الحج خﻠقا ﺁخر، ويﻌيدﻩ كيوﻡ ولدتﻪ أﻣﻪ. - والحج تﺒادل لﻠمنافع الﺘجارية واﻻقﺘﺼادية -ﻋﻠﻰ نطاق واﺳع- ﺑين المسﻠمين.. أو ﻫكذا يجب أن يكون.. وﻣوﺳم الحج - في واقع أﻣرﻩ اليوﻡ- ﻣجرد "اﺳﺘﻬﻼك" لسﻠع يﺼنع أﻏﻠﺒﻬا ﻏير المسﻠمين، ﺑل إن "ﺳجادﺓ الﺼﻼﺓ" و" ﺑوﺻﻠة القﺒﻠة" يﺼنﻌﻬا الوﺛنيون لﻠمسﻠمين !!

عدد الصفحات ٧٠

71 5/ ذكر الله وعبادته والﺨضوع والتسليم له: "اذكروا الله ﻋند المشﻌر الحراﻡ".. "واذكروﻩ كما ﻫداكم".. "واﺳﺘغفروا الله".. " فاذكروا الله كذكركم ﺁﺑاءكم أو أشد ذكرا ".. "واذكروا الله في أياﻡ ﻣﻌدودات.." - إن الأﻣر ﺑذكر الله أﻣر ﻣﺘكرر في كل ﻣراحل الحج وﻣناﺳكﻪ، وﻫو أﻣر ﻣﻼزﻡ لكل أﻋمال الحج وﻣحطاتﻪ .. ﻣما يجﻌل الحاج في حالة انقطاع وتجرد وتفرﻍ واﺳﺘغراق، فﺘسمو روحﻪ إلﻰ ﺁفاق ﻋﻠوية رﺑانية نورانية ﻻ يﻌﻠم ﻣداﻫا، وﻻ فيوضاتﻬا، إﻻ الله. - والحج - وﻫو شرﻋا : القﺼد إلﻰ ﺑيت الله والﻬجرﺓ الفﻌﻠية إليﻪ- ﻫو في حقيقﺘﻪ وجوﻫرﻩ: قﺼد إلﻰ الله، وﻫجرﺓ إليﻪ ﻣما ﺳواﻩ؛ خضوﻋا وتسﻠيما لﻪ.. وشد الرحال إنما ﻫو في حقيقﺘﻪ وجوﻫرﻩ إلﻰ "رﺏ الﺒيت" ﻻ إلﻰ " ذات الﺒيت.." - وﺑمثل ﻣا أن الحج "دورﺓ ذكر ﻣكثفة"، فﻬو أيضا "دورﺓ تﻌﺒدية شاﻣﻠة"ﺳواء ﺑسواء.. وﻫاك الﺒيان : لقد أكرﻣنا الله وشرفنا ﺑﻌﺒادات ﻣﺘنوﻋة وﻣﺘﻌددﺓ؛ حﺘﻰ يجد الناس - ﻋﻠﻰ اخﺘﻼف ظروفﻬم وأحوالﻬم وقدراتﻬم- فرﺻﺘﻬم ونﺼيﺒﻬم وﻣجال قوتﻬم ﻣنﻬا، وحﺘﻰ يجد كل ﻣكﻠف أنواﻋا ﻣن الﻌﺒادات تﺘسع لكل ﻣا فيﻪ، وﻣا لديﻪ، ﻣن ﺑدن وﻋقل وروح ونفس وﻣال ووقت.. فالﺼﻼﺓ ﻋﺒادﺓ لروحﻪ ونفسﻪ وﻋقﻠﻪ وﺑدنﻪ.. والﺼياﻡ ﻋﺒادﺓ لروحﻪ ونفسﻪ وﺑدنﻪ .. والزكاﺓ ﻋﺒادﺓ لروحﻪ ونفسﻪ وﻣالﻪ.. والجﻬاد ﻋﺒادﺓ لﺒدنﻪ أو لمالﻪ أو لﻠسانﻪ.. والذكر ﻋﺒادﺓ لقﻠﺒﻪ وروحﻪ ونفسﻪ ولسانﻪ.. ولكن الحج يجمع كل ﻫذا ويزيد ﻋﻠيﻪ؛ فالحاج يﻌطي ﻏير قﻠيل ﻣن وقﺘﻪ في رحﻠﺘﻪ وﻣناﺳكﻪ.. وﻫو يضحي ﺑمالﻪ الذي ينفقﻪ والذي يفوتﻪ كسﺒﻪ.. وﻫو يجاﻫد ويﻌاني ﺑﺒدنﻪ وكافة حواﺳﻪ؛ فيمشي ﺑقدﻣيﻪ طائفا وﺳاﻋيا ، ويرﻣي ﺑيديﻪ راجما .. وﻫو ينﻬمك في حجﻪ ﺑقﻠﺒﻪ وروحﻪ ونفسﻪ.. ويﻠﺒي ويذكر ويدﻋو ﺑقﻠﺒﻪ ولسانﻪ..وﺑذلك يﺘضح أن الحج ﻋﺒادﺓ تسﺘغرق ﻣن الحاج كل كيانﻪ؛ ففي الحج نﺼب وتﻌب، وﻣجاﻫدﺓ وﻣﻌاناﺓ، وﺻﻼﺓ ودﻋاء، وذكر وفكر، وحﻠم وﺻﺒر، ونفقات وﺻدقات.. وقد وﺻفﻪ النﺒي ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم ﺑأنﻪ "جﻬاد ﻻ قﺘال فيﻪ" رواﻩ اﺑن ﻣاجة (2901 )وﺻححﻪ الألﺒاني.ألست ﻣﻌي - ﺑﻌد ذلك كﻠﻪ - في أن الحج " دورﺓ تﻌﺒدية شاﻣﻠة!!"

عدد الصفحات ٧١

72 الفهارس الصفحة الموضوع م 2 المقدمة 1 6 تمهيد : قصة مؤثرة بين يدي هذه الروحانيات 2 10 الوقفة اﻷولﻰ : روحانيات الحاج عند خروجه للسفر صوب البيت العتيق 3 13 الوقفة الثانية : روحانيات الحاج عند وصوله للميقات ولبسه لملابس الإحرام 4 17 الوقفة الثالثة : روحانيات الحاج في التلبية 5 21 الوقفة الرابعة : روحانيات الحاج عند رؤية الكعبة والطواف بالبيت العتيق 6 27 الوقفة الخامسة : روحانيات الحاج في السعي بين الصفا والمروة 7 30 الوقفة السادسة : روحانﻴات الحاج عند ﻨﺰوله بﻤﻨﻰ يﻮم الﺘﺮوية 8 32 الوقفة السابعة : روحانﻴات الﺤاج في عﺮفات 9 37 الوقفة الثامنة روحانيات الحاج عند حلق رأسه ورميه للجمرات في أيام التشريق 10 40 الوقفة التاسعة : روحانيات الحاج عند التكبير فيأيام التشريق 11 42 الوقفة العاشرة : روحانيات الحاج في طواف الوداع 12 45 الوقفة الحادية عشرة : روحانيات الحاج عند زيارة المدينة النبوية المنورة 13 56 الوقفة الثانية عشرة :روحانيات الحاج في الدعو إلﻰ الله تعالﻰ 14 64 خاتمة الروحانيات : شئ من العقل والفكر 15 72 الفهارس 16

عدد الصفحات ٧٢