130 ومشقة كما تدل عليه الألف والسين والتاء وكذلك الحال في استخراج الأخبار فهي تحتاج لتلك المشقة والمعاناة. وإذا كان الاستنباط في الآية الكريمة بهذا المعنى فهو عندئذ لم يستعمل في معناه الحقيقي الذي مر آنفا، بل انتقلت الكلمة من هذا المعنى الحقيقي الحسي -وهو الأخباراستخراج المياه من باطن الأرض بمشقة- إلى الأمور المعنوية وهي استخراج من معادنها، والاجتهاد في الوقوف على صحتها على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية حيث شبه الذي يكد في استخراج حقائق الأمور، ويجتهد في الوقوف على كنهها، واستخراجها بعد خفائها باستنباط الماء من البئر المطوية حتى تنبع بجامع الكد والتعب في كل مع شحذ الذهن في سبيل الوصول للمطلوب، وقد أشار بعض المفسرين إلى ما قلناه وإن لم يفصلوا ما فصلناه، يقول الخازن بفضل ذكائه وصفاء ذهنه وفطنته من المعاني والتدبير فاستعير لما يستخرجه الرجل .)1(فيما يُعْضَل ويهُم ، يقول ابن عاشوركما يجوز أن تكون هذه الاستعارة مكنية : شبه الخبر الحادث بحفير يطلب وأصله مكنيةالعلم بحقيقة الشيء، ومعرفة عواقبه، .)2(منه الماء، وذكر الاستنباط تخييل ومما ينبغي التأمل فيه هنا أن هذا الفعل الذي استعمل على سبيل الاستعارة التبعية أو المكنية جاء في القرآن فريدًا وحيدًا مادة وصيغة، ولهذا سر يتمثل -والله أعلم- في ، وتفسير 350/1، وتفسير النسفي 548 /1، وانظر: الكشاف 564/1) تفسير الخازن 1( .141/5، والتحرير والتنوير192/4، وروح المعا457/2النيسابوري .141/5) التحرير والتنوير2(
عدد الصفحات ١٣٠131 أن حال هذه الطائفة المنافقة فيما حكته عنهم تلك الآية كان فريدا وحيدا، فعبر عن ذلك بلفظة فريدة عكست تفرد هذا الموقف يدل على ذلك أن القرآن الكريم لم يحك عن الأمم السابقة أنهم فعلوا هذا مع أنبيائهم، فإما أن يكون منهم كفر صريح، أو إيمان خالص، أمَّا أن تكون طائفة من الناس لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، فهذا لم يك إلا في المجتمع الإسلامي على مر التاريخ، ولم يك مع نبي آخر إلا مع سيد المرسلين، فهذا إذن شيء فريد وحيد في تاريخ النبوات، وتاريخ الإنسانية، متفردا في هذا الموطن في القرآن، فجاءت اللفظة لتحكي تفرد هذه الحالات الثلاث. وعبر بالمضارع لبيان استمرار هؤلاء في اختلاقاتهم وتقولاتهم وتحدثهم بغير علم، وتجدد هذا منهم الفينة بعد الفينة. الذي هو فاعل ﱫ ﮝ ﱪ تعود على اسم الموصول ﱫ ﮞ ﱪوالواو في في محل نصب مفعول به تعود على الأمر من الأمن أو الخوف. والهاءعلم، يحتملُ معانٍ أشار إليها الألوسي فقال: ﱫ ﮛ ﱪوحرف الجر ، وإما تبعيضية أو ﱫ ﮞ ﱪ « « )1(بيانية تجريدية، والظرف .)2(»ﱫﮞ ﱪ وأولي × اختلف فيه، فقيل هُمْ والضمير المجرور .)3(الأمر ، 317/3، وحاشية الشهاب150/1، وانظر: التسهيل لعلوم التنزيل191/4) روح المعا1( .246/2وروح البيان .522/6، وانظر: اللباب لابن عادل52/4) الدر المصون2( .150/1) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي3(
عدد الصفحات ١٣١132 والمعنى على ذلك ذكر معه، ونعرف الحال فيه من جهتهم، لعلموا صحته، وأنه هل هو مما يذاع أو .)1(لا؟ : يعود على أولي الأمر من كبراء الصحابة، وعلى ذلك فهم المستنبطون يقول وقيل .)2( هم أولو الأمرﱫ ﮝ ﮞ ﱪابن جزي « عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر، وذلك لأن أولي الأمر فريقان: بعضهم من يكون مستنبطًا، وبعضهم من لا يكون كذلك، فقوله .)3(يستنبطون المخفيات من طوائف أولى الأمر : الضمير يعود على المنافقين، وهـم المذيعون والمستنبطون له أيضًا، يقـول وقيل الرازي ، وعلى ذلك يكون) 4(المذيعون له ردوا أمر الأمن أو الخوف إلى الرسول، وإلى أولي الأمر، وطلبوا معـرفة الحال فيه من .)5(»ﱫ ﮛ ﱪجهتهم، لعلمه الذين يستنبطونه، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون والرأي الأول هو الأوجه والأو .402/5) محاسن التأويل للقاسمي1( .150/1) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي2( ، وتفس 523/6، وانظر: اللباب لابن عادل 337-336/9) مفاتيح الغيب للرازي 3( .243/5، وتفسير المنار403،402/5القاسمي .243/5، وتفسير المنار523/6، وانظر: اللباب337-336/9) مفاتيح الغيب4( .523/6، وانظر: اللباب337-336/9) مفاتيح الغيب للرازي5(
عدد الصفحات ١٣٢133 إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإ .)1(أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر والمعنى على ذلك: ولو رد المنافقون الأمر من الأمن أو الخوف الذي أذاعوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر، يعني: ولو أنهم لم يذيعوه، ويحدثوا به حتى يكون الرسول ، وأولو الأمر هم الذين يحدثون به، ويظهرونه لعلم هذا الأمر الرسول، وأولو × الأمر فهم الذين يستنبطونه ويعلمون ما يجب أن يذاع من ذلك، وما لا يذاع، لاستخرجوا سر الخبرَِ وعرفوا ما يترتب عليه فإن كان نافعًا أذاعوه، وإن كان ضارا .)2(أخفوه وبعد، فيجب أن نتوقف هنا قليلاً؛ لنوضح شيئًا مهماًّ جدًّا، وهو أن الاستنباط في هذه الآية لم يستخدم في معناه الحقيقي الحسي بل استخدم في الآية -كما مر- على سبيل الاستعارة في استخراج أخبار الأمن أو الخوف من معادنها، والوقوف على حقائقها، وعلى ذلك فالاستنباط هنا لا يدل من قريب أو بعيد على هذا المعنى الشرعي المعروف عند الأصوليين، ومن قال بذلك فقد خالف منطوق الآية، كما لا يدل هذا اللفظ أيضًا على القياس الشرعي، ومن ثم فإن الشيخ صديق خان حين يقول إلى جواز القياس، وأن من العلم ما يدرك بالنص وهو الكتاب والسنة، ومنه ما يدرك فقد جانبه الصواب، فليس في الآية نص ولا إشارة )3(بالاستنباط وهو القياس عليه إلى ذلك ولا يصح أن يستدل على جواز القياس والاستنباط بما لا دليل عليه من الآية .243/5، وتفسير المنار338/9، وانظر: مفاتيح الغيب457/2) تفسير النيسابوري1( .515/1) أيسر التفاسير للجزائري2( .330/2) فتح البيان للشيخ صديق حسن خان3(
عدد الصفحات ١٣٣134 .)1(نصا أو إشارة، وهذا أيضًا ما وقع فيه الإمام الرازي، وأطال القول فيه وقد عارض الشيخ رشيد رضا ما ذهب إليه الرازي فقال وغيره أن في هذه الآية دليلا على حجية القـياس الأصولي، قال الأستاذ الإمام: وإنما ، وهي من مصطلحاتهم الفنية، ولم ﱫ ﮞ ﱪتعلق الأصوليون في هذا بكلمة: تستعمل في القرآن بهذا المعنى، فقولهم مردود، وقد فرع الرازي على هذه المسألة أربعة فروع: أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف إلا بالنص.-1 أن الاستنباط حجة-2 ـ أن النبي كان مكلفا4 أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث-3 باستنباط الأحكام كأولي الأمر وأورد على ما قاله بعض الاعتراضات، وأجاب عنها كعادته، ولما كانت المسألة التي أخذ منها هذه الفروع، وبنى عليها هذه المجادلة خارجة عن معنى الآية لا تدخل فكان جميع ما في معناها من باب الحقيقة، ولا من باب المجاز، ولا من باب الكناية، .أورده لغوًاا أو عبثًاا هذا شاهد من أفصح الشواهد على ما بيناه قبل من سبب غلط المفسرين وبعدهم عن فهم الكثير من آيات الكتاب المبين بتفسيره بالاصطلاحات المستحدثة فأهل الأصول والفقه اصطلحوا على معنى خاص لكلمة الاستنباط، فلما ورد هذا اللفظ في هذه الآية حمل مثل الرازي على فطنته أن يخرج بها عن طريقها ويسير بها في طريق آخر ذي شعاب كثيرة يضل فيها السائر حتى لا مطمع في رجوعه إلى الطريق السوي. .457/2، وتفسير النيسابوري339-338/9) انظر: مفاتيح الغيب1(
عدد الصفحات ١٣٤13 معنى الآية واضح جلي، وهو أن بعض المسلمين من الضعفاء أو المنافقين أو العامة مطلقا يخوضون في أمر الأمن والخوف، ويذيعون ما يصل إليهم منه على ما في الإذاعة به من الضرر، والواجب تفويض مثل هذه الأمور العامة إلى الرسول، وهو الإمام الأعظم والقائد العام في الحرب، وإلى أولي الأمر من أهل الحل والعقد، ورجال الشورى؛ لأنهـم هم الذين يستخرجون خفايا هذه الأمور، ويعرفون مصلحة الأمة فيها، وما ينبغي إذاعته، وما لا ينبغي، فأين هذا من مسائل النص في الكتاب على بعض الأحكام، والسكوت عن بعض؟ ووجوب استنباط ما سُكت عنه -مما لا نص عليه- على الرسول وعلـى أولي الأمر، ووجوب اتباع العامة للعلماء فيما يستنبطونه .)1(مطلقًا؟ ليس هذا من ذاك في شيء وهذا هو الحق؛ لأنه لا يجوز لنا أن نحمل المعاني الاصطلاحية الحادثة عند طائفة من الناس على لفظة مذكورة في القرآن غير مقصود بها هذا المعنى. وبناء على ذلك فإن الاستنباط عند الفقهاء ـ وهذا من مصطلحاتهم الفنية ـ في ليس عليه )2(»...استنبَطَ الفقِيهُ: إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمِه قولهم نص من الآية، وليس مستعملا في القرآن بهذا المعنى الوارد عندهم، ونحن هنا لا نعترض بطبيعة الحال على جواز القياس والاستنباط فهذان من أصول الشريعة التي لا ينبغي لأحد رفضهما بحال من الأحوال إنما اعتراضنا أن نسقط مصطلحات الأصوليين، وغيرهم على معنى الاستنباط في الآية، وكأنه هو المعنى المراد منها نصًّا. نعم يجوز أن نقول إن مصطلح الاستنباط عند الأصوليين متكئ على المعنى .245-244/5) تفسير المنار1( .336/9، وانظر: مفاتيح الغيب للرازي410/7) لسان العرب مادة (ن.ب.ط2(
عدد الصفحات ١٣٥13 اللغوي، ومبني عليه، وهو يعد من قبيل الاستعارة التبعية أو المكنية؛ من هذا المعنى اللغوي الحقيقي السابق، ولكنه ليس منصوصا عليه في الآية نصا، وغاية ما هنالك أننا نقول بجواز الاستنباط في الأحكام الشرعية ليس من نص الآية بل من مفهوم الموافقة فيها فقضايا الدين الشائكة والأحكام الشرعية الدقيقة الخفية تحتاج إلى جهبذ خبير، وعالم فذ قدير يستنبط المراد منها ويبينه مثلما يستنبط أولو الأمر المخفيات من الأخبار والدقائق. ثم ختم المولى عز وجل هذه الآية بعد ذلك ببيان فضل الله عز وجل ورحمته على .ﱫ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﱪعباده فقال: متضمنة معنى الشرط، وهي ﱫ ﮡ ﱪاستئنافية، و ﱫ ﮡ ﱪ في قوله: والواو ، حيث امتنع الرجم ﱫ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﱪحرف امتناع لوجود، مثل قوله تعالى: لوجود الرهط، وهنا انتفى اتباعهم الشيطان، وبقاؤهم على الكفر لوجود فضل الله، ورحمته عليهم. فضل مبتدأ، وهو مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، والإضافة هنا ﱫ ﮢ ﮣ ﱪ على معنى من، والتقدير والفضل مصدر الماضي الثلاثي مفتوح الع كل عطية لا تلزم من يُعطي يقال لها فضليَفْضُل فضلاً ﱫ ﯹ ﯺ ، ﱫ ﮣ ﮤ ﮥ ﱪ ، ﱫ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﱪ نحو قوله: . )1(»ﱫ ﮡ ﮢ ﮣ ﱪ، ﱫ ﮑ ﮒ ﮓ ﱪ، وعلى هذا قوله: ﯻﱪ وهذا المعنى هو المراد هنا؛ لأن المولى عز وجل أعطاهم من فضله وإحسانه .282-281، وانظر: عمدة الحفاظ396-395) مفردات الراغب1(
عدد الصفحات ١٣٦13 ،الفضل: الإحسان ابتداء بلا علةابتداء دون سبب يستوجبه، ففي المعجم الوسيط .)1(والزيادة على الاقتصاد وآثر التعبير بالمصدر الفضل؛ لأنه يريد التأكيد على هذا المعنى فحسب دون ارتباط بزمن معين، ولذا فمعناه لا يقتصر على المخاطبين فحسب، وإن كان الحديث موجها إليهم أولا وبالذات، وإلي غيرهم ثانيا وبالعرَضِ. وإضافة الفضل إلى لفظ الجلالة أكسب الفضل رفعة ومنزلة، ومقدرة فائقة لا تتصور، ففرقٌ بين أن تقول هذا من فضل الله، وهذا من فضل فلان. « »كُمْ شبه جملة متعلق بكائن أو مستقر، والخطاب ﱫ ﮤ ﱪ ، والتعبير بالجار على يومئ بأن الفضل هبط عليهم )2(المؤمنين باتفاق من المتأول من علٍ، فهو فضل ما بعده فضل. الواو للعطف من قبيل عطف المفردات الذي يقتضي المشاركة ﱫ ﮥ ﱪ ، وتغايرا في كون عز وجلوالمغايرة، فالفضل والرحمة اشتركا في كونهما من عند الله كل منهما له معنى يغاير الآخر، وإلا لاكتفى بواحد. والرحمة مصدر الفعل الماضي الثلاثي رحم، يقال: رَحمَِهُ بالكسر رَحمَْةً و رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو: رحم الله فلانا، وهو الذي كثرت رحمته، قال تعالى: ، والرحمة هنا على أصلها من التعطف والشفقة، وما )3(»ﱫ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﱪ .719/2المعجم الوسيط )1( .366 / 1، وانظر: تفسير الثعالبي190/4) المحرر الوجيز2( .233/12، ولسان العرب446، وانظر: معجم المقاييس اللغة196) مفردات الراغب3(
عدد الصفحات ١٣٧13 تقتضيه من الإنعام والإحسان إلى المرحوم ومن يقارن بين معنيي الرحمة والفضل هنا يجد بينهما تقاربا واضحا، لكن الرحمة أوسع في معناها وأشمل في مغزاها، فالله يرحم في الدنيا المؤمن والكافر حتى البهائم فرحمته وسعت كل شيء، ويختص المؤمنين برحمته في الآخرة، أما الفضل فهو خاص بالمؤمنين في الدنيا والآخرة. هذا، وفضل الله عز وجل على عباده هنا يتمثل في أشياء عديدة، حصرها بعض أحدها:: أربعة أقوالفي المراد بالفضل ﱫ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﱪالمفسرين في قوله ، كما أن )1( أولو الأمروالرابع: القرآن، والثالث: الإسلام، والثاني:أنه رسول الله، رحمة الله عز وجل على عباده تتمثل أيضًا في أشياء عديدة حصرها ابن الجوزي بقوله: : النعمة، والثالث: اللطف، والثاني: أنها الوحي، أحدها« .)2(: التوفيقوالرابع والأقوال السابقة كلها التي أوردها ابن الجوزي تحتملها الآية، وهذا من عظيم امتنانه عز وجل على المؤمنين، فقد عمهم بفضله من إرسال الرسول لهم، وجعلهم مسلمين، وإنزال القرآن عليهم، وجعل أولي الأمـر فيهم، ووسعهم برحمته بالوحي واللطف، والنعمة والتوفيق، وهذا هو الذي يتفق مع سياق الكلام ولا تعارض بين هذه المعاني كلها، والقرآن ثري بالدلالات غني بالمعاني. ﱫ ﮦ ﮧ ﱪ اللام واقعة في جواب الشرط، وجملة ﱫ ﮦ ﱪ ﱫ ﮦﱪلا محل لها من الإعراب جواب شرط لولا غير الجازم، والضميـر في .89/2) زاد المس1( .307 /3، وانظر: البحر المحيط89/2زاد المس )2(
عدد الصفحات ١٣٨13 .)1(« وعلى ذلك؛ فالأسلوب وارد على سبيل الالتفات؛ لأن الخطاب السابق كما بينا كان للمنافقين، وهنا التفت وخاطب المؤمنين، وفي هذا يقول أبو السعود ، )2( على طريقة الالتفاتﱫ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﱪفي قوله تعالى: وفي هذا الالتفات امتنان على المؤمن .)3(المكائد، ومن حبائل الشيطان وأنصاره مفعول به للفعل اتبع، واختلف في أصله فقيل ﱫ ﮧ ﱪ .)4(وهو من شطن، أي: تباعد، ومنه بئر شطون « .)5(»...ﱫﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﱪالنار كما دل عليه: لأن الشيطان قد تباعد عن الحق والهدى، وعن رحمة ربه، والأول هو الأرجح؛ فلم ينصع لأمره، ولم يخضع لجبروته عز وجل. ، وقيل: )6(« ﱫ ﮦ ﮧ ﱪ ومعنى: .)7( في قبول تلك الإِشاعات المغرضة والإِذاعات المثبطةﱫﮦ ﮧ ﱪ« .150/1، والتسهيل307 /3، وانظر: البحر المحيط190/4) المحرر الوجيز1( .192/4 - بتصرف يسير، وانظر: روح المعا208/2) تفسير أبي السعود2( .142/5) التحرير والتنوير3( .311-310/2، وعمدة الحفاظ238/13، وانظر: لسان العرب267) مفردات الراغب4( .268-267/1) مفردات الراغب5( .565/1) تفسير الخازن6( .515/1) أيسر التفاس7(
عدد الصفحات ١٣٩140 مستثنى، و ﱫ ﮩﱪ أداة استثناء، ﱫ ﮨ ﱪ الأعداد، كما أن العظم والصغر يستعملان في الأجسام، ثم يستعار كل واحد من ، وهي هنا على أصلها.)1(الكثرة والعظم، ومن القلة والصغر للآخر و ، ومن هنا اختلف المفسرون في تحديد المستثنى منه على )2(ومعلوم أن ذلك محال وجوه شتى، وترتب على هذا الاختلاف معاني متعددة، وقد ذكر السمين الحلبي في ، ولكننا نكتفي بذكر أشهر هذه الوجوه التي )3(مرجع هذا الاستثناء عشرة أقوال ترددت لدى المفسرين حتى لا يطول بنا القول. : هو راجع قيل، يقول الخازنﱫ ﮑ ﮒﮓ ﱪ المستثنى منه الفاعل في :الأول إلى الإذاعة، وهو قول ابن عباس، والتقدير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً، فأخرج بعض المنافقين والمؤمنين عن هذه الإذاعة؛ لأنهم لم يذيعوا .)4(ما علموا من أمر السرايا، وهذا القول اختيار الفراء والطبري « المستثنى منه هو فاعل :الثاني .)5(يستنبطونه منهم إلا قليلا منهم، عن الحسن وغيره، واختاره الزجاج والمستثنى منه على هذين الرأيين موجود، وفي الكلام تقديم وتأخير كما ترى. .425) مفردات الراغب1( .524/6، واللباب لابن عادل458/2، وانظر: تفسير النيسابوري339/9) مفاتيح الغيب2( .54-52 /4) الدر المصون للسمين الحلبي3( ، والمحرر458/2، وتفسير النيسابوري205/4، وانظر: الطبري565/1) تفسير الخازن4( .308/3، والبحر المحيط292/5، وتفسير القرطبي190/4الوجيز .565/1، والخازن367/1، وانظر: الثعالبي292/5) تفسير القرطبي5(
عدد الصفحات ١٤٠141 ، وقد ذهب إلى هذا الرأي أكثر المفسرين، المستثنى منه الفاعل في اتبعتم الثالث: وقد وجهه الرازي بما لا مزيد عليه فقال ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه (يقصد الرأيين السابقين)، واعلم أن هذا القول لا يتمشى إلا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص، وفيه وجهان: وهو قول جماعة من المفسرين، أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية :الأول ، وإنزال القرآن لاتبعتم ×، والتقدير ولولا بعثة محمد×إنزال القرآن وبعثة محمد ، ×الشيطان وكفرتم بالله إلا قليلا منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان، وما كان يكفر بالله، وهم مثل قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل .×بعثة محمد ما ذكره أبو مسلم، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية :الوجه الثاني ﱫ ﯣ ﯤ ﯥﱪ هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم: ، فبينَّ تعالى أنه لولا حصول النصر، والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم ]73[ الشيطان، وتركتم الدين إلا القليل منكم، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية، والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقًّا حصول الدولة في الدنيا، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا، بل الأمر في كونه حقا وباطلا على .)1(الدليل، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق ، وتفسير الثعالبي 150/1، وانظر: التسهيل لعلوم التنزيل341-340/9) مفاتيح الغيب1( ،525-524/6، واللباب 458/2، وتفسير النيسابوري 292/5، وتفسير القرطبي 367/1 .318/3، وحاشية الشهاب373/3وحاشية زاده على البيضاوي
عدد الصفحات ١٤١142 فالرازي كما ترى أيد هذا الوجه الثالث بقسميه، وهو وجه جيد جدا شريطة أن يكون الفضل بمعنى إرسال الرسول والرحمة بمعنى إنزال الكتاب أو بمعنى النصرة والمعونة كما ذكر الرازي، وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ؛ لأن صرف الاستثناء إلى ما يليه أولى من صرفه إلى البعيد كما في الرأيين السابقين كما أنه لا يحتاج لتقديم وتأخير كسابقيه، وما لا يحتاج لذلك أولى مما يحتاج علاوة على أن المستثنى منه على هذا الرأي موجود والخطاب للكل والاستثناء متصل، فضلا عن أن كثيرا من المفسرين رفضوا الرأيين الأولين وساروا على هذا الرأي، يقول الشيخ رشيد رضا .)1(بعيد وبعد فمن يتأمل يلاحظ أن في هذا الأسلوب غزارة في الدلالات، وثراء واضح في المعاني، ولولا أن دلالة الآية محتملة لكل هذه الصور التي ذكرناها والتي لم نذكرها لما فسرها المفسرون على ذلك، وهذا دليل على خصوبة هذا التعبير وثرائه، ولعل هذا مقصود بذاته حتى تعمل القرائح، وتتوصل إلى المراد وهذا من وجهة نظري من دلائل الإعجاز والإيجاز. ، ومفاتيح 191-190/4، وانظر على سبيل المثال: المحرر الوجيز 246/5) تفسير المنار 1( ، وأبي السعود 458/2، والنيسابوري 565/1، والخازن 292/5، والقرطبي 340/9الغيب .192/4، وروح المعا47/2، وحاشية الصاوي247/2، وروح البيان208/2
عدد الصفحات ١٤٢143
عدد الصفحات ١٤٣المبحث الرابع
عدد الصفحات ١٤٤14 ﱫ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ قوله عز وجل: .]79[ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗﱪ وردت هذه الآية الكريمة في سورة الأنبياء المكية التي عالجت بعض موضوعات ، وللتأسي بهم ×العقيدة الإسلامية، كما تحدثت عن قصص بعض الأنبياء؛ لتسليته في احتمال أذى المشركين، والصبر عليهم. وقد ابتدأ القصص في هذه السورة بذكر بعض ما حدث لأبي الأنبياء إبراهيم عز وجل، ثم لوط عز وجل، ثم تلاهما ذكر بعض ما حدث لنوح عز وجل، ثم أعقب ﱫ ﮗ ﮘ ﮙ ذلك الحديث عن داود وسليمان عليهما السلام في قوله تعالى: ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ، فاستهلَّ الكلام عنهما بحادثة وقعت لهما حكاها ]79-78[ ﯗﱪ بعض المفسرين بقوله بالليل فأفسدته، فلم تُبق منه شيئا، فقضى بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم فخرج المبحث الرابع: الأسرار البلاغيَّة في آية التفهيم
عدد الصفحات ١٤٥