المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل والاستنباط والفهم والتفسير دراسة بلاغية تحليلية على آيات من الذكر الحكيم

عبد الله عبد الغني سرحان

صفحة ١٠ من ١٤

14 الرجلان على سليمان، وهو بالباب فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه فقال: يا نبي الله لو حكمت بغير هذا كان أرفق بالجميع ! قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض، فيصلحها، ويبذرها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم، وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا خرج الزرع رُدَّتْ الغنم إلى صاحبها، . )1(والأرض إلى ربها، فقال له داود وفقت يا بني، وقضى بينهما بذلك وعلى ما حكته الآية السابقة، والآية التالية لها محل الشاهد، تكون الفاء في قوله ﱫ ﮚ ﮛ ﮜﱪ عطفت الجملة التي بعدها على جملة ﱫ ﮦﱪتعالى: ﱫ ﮙ في الآية السابقة، وصح عطف الجملة الماضوية على المضارعية لأن قوله ، وعبر عن الماضي بالمضارع )2( كما يقول أبو السعودﮚﱪ استحضارا لهذه الصورة الجليلة في النفوس. عز وجلوعبر بالفاء دون غيرها؛ للإشارة إلى أن سليمان عز وجل ألقى المولى في روعه فهم هذه القضية بأسرع وقت ممكن عند سماعه لها من الخصمين، فما أن علم سليمان بالقصة، وكان بالباب كما قيل فَهَّمه الله لها في التو واللحظة ومن ثم فالتعبير بالفاء التي هي للترتيب مع التعقيب كان أوفق لتصوير هذا الأمر، والكشف عنه بدقة. ولأجل أن الفاء وضعت هنا في الموضع الأليق بها، والذي لا يغني غيرُها غناءها استمد الرازي من التعبير بها حكما شرعيا فقال ، 79/6، وتفسير أبي السعود308-307/11، وانظر: القرطبي855/2) تفسير الصابو1( .165/11، وتفسير القاسمي1751/6، وفتح البيان601/11وروح المعا .601/11، وروح المعا138/3، وانظر: الفتوحات الإلهية79/6) تفسير أبي السعود2(

عدد الصفحات ١٤٦

14 ذلك الحكم سابقا على هذا التفهيم، وذلك الحكم السابق إما أن يقال اتفقا فيه، أو فائدة، وإن اختلفا فيه ﱫ ﮦ ﮧﮨ ﱪاختلفا فيه، فإن اتفقا فيه لم يبق لقوله: ، وقد أكد النيسابوري على ذلك فقال)1(فذلك هو المطلوب .)2(على أنه فهم حكما خلاف الأول فعل ماضٍ مضعف العين، والتضعيف أفاد التعدية إلى المفعول الثاني؛ و لأن الثلاثي فَهِمَ يتعدى لواحد مثل عَقَلتُه . الأخيرة عن سيبويه، وفَهِمْتُ الشيء: عَلِمَه بالقلب، فَهِمَه فَهْما وفَهَما وفَهامة ، والفهم أيضًا هو )3(، وفَهَّمْت فلانا وأَفْهَمْته وعرَفْته .)4(استعداد الذهن للاستنباط وهذا كله داخل في طيات هذا اللفظ هنا لمن يتأمل، فسليمان عز وجل علم المسألة المتنازع فيها، وعقلها بقلبه، وأحسنَ تصور معناها، واستنبط الحكم الصائب فيها بمجرد أن عرضت عليه. وفي هذا دليل ساطع، وبرهان ناصع على أن القاضي لا يجب أن يحكم في قضية ما إلا إذا تصورها في ذهنه تصورًا تامًّا، وفهمها فهما حقيقيا، ثم يأتي الحكم فيها بعد الفهم العميق، والتصور الدقيق، وقديما قالوا فالفهم مرحلة أولى ينبني عليها الحكم، فلما فهم سليمان عز وجل هذه القضية، .165/21) مفاتيح الغيب1( .36/5) تفسير النيسابوري2( .459 /12) لسان العرب (ف.هـ.م3( .300/3، وعمدة الحفاظ400، وانظر: مفردات الراغب730/ 2) المعجم الوسيط4(

عدد الصفحات ١٤٧

14 وتصورها في ذهنه التصور الأمثل جاء حكمه فيها مطابقا للصواب، وهذا يشير إ أن داودعز وجل لم يتصور القضية تصورا كاملا بالصورة نفسها التي تصورها سليمان عز وجل، فجاء حكمه فيها صائبًا، وليس عين الصواب. وأوثر لفظ الفهم هنا على لفظ العلم؛ لأن الفهم إدراك كل . )1(أخص من العلم؛ لأن العلم نفس الإدراك، سواء كان خفيًّا أو جليًّا وفي إيثار الفهم أيضًا إعلاء من شأنه، وتأكيد على أنه الموصل الحقيقي للعلم؛ فالعلم بدون فهم يتخبط حامله في الضلالة، ويتعثر صاحبه في المتاهة، وفي ذلك يقول الشيخ حقي ، ولذا كان التعبير بالفهم أوفق في هذا المقام.)2(قوة العلم وعبر بصيغة فعَّل دون فَعَلَ؛ لأنه لو قال فَفَهِمَ لكان سليمان فهمها من نفسه دون وحي أو تعليم؛ وهذا بخلاف المراد؛ لأن السياق سياق امتنان وشكران كما عبر بصيغة فَعَّل دون أفعل؛ لأن التلفظ بها مع الضمائر، بخلاف يقارن بينهما؛ وأيضًا؛ لأن أفعل لا تفيد الكثرة بخلاف فعَّل فهي تفيد التكثير مثل أنه ﱫ ﮦ ﮧﮨ ﱪقَطَّع وسبَّح إلخ، وفي هذا يقول ابن عاشـور ألهمه وجها آخر في القضاء أرجح؛ لما تقتضيه صيغة التفهيم من شدة حصول الفعل أكثر من صيغة الإفهام، فدل على أن فهم سليمان في القضية كان أعمق، وذلك أنه .79) الفروق في اللغة1( - بتصرف يسير جدًّا 513/9) تفسير حقي2(

عدد الصفحات ١٤٨

14 .)1(أرفق ولكنَّ هذا لا ينفي عن داود عز وجل الفهم التام بل الاختلاف هنا في النسبة فسليمان كان أكثر فهما لها، وأصاب شاكلة الصواب وعينه، وداود عز وجل أصاب الصواب دون عينه، ومن ثم فهذا الفعل يدل على التفاوت والنسبية، وهذا من أسرار التعبير به هنا. وإذا كان الأمر كذلك فما فضل سليمان على داود عليهما السلام في تلك القضية؟ أجاب الشيخ طنطاوي عن ذلك فقال في حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث، وهذا عدل فحسب، أما حكم سليمان .)2(فقد تضمن مع العدل البناء والتعم وهذا لا بالسن فإنه فهم بالأحق والفضيلة- بالعلم، وفهم الأحكام، والمعاني والأسرار، .)3(والأصوب، وهو ابن صغير، وداود نبي مرسل كب علاوة على أن هذا اللفظ من الألفاظ الفرائد التي لم ترد إلا في هذا الموطن مادة - لها أسرار عامة )4(وصيغة فحسب، والألفاظ الفرائد -كما بينتُ في بحث سابق تتمثل في تفرد الواقعة في حياة النبي، وتفردها في حياة الإنسانية، وتفرد موضعها في الذكر الحكيم، فهذه الحادثة لم تتكرر في تاريخ الإنسانية بهذه التفاصيل نفسها، .118/17) التحرير والتنوير1( .307/11، وانظر: تفسير القرطبي235/9) التفسير الوسيط2( .505/5) روح البيان للشيخ حقي3( .203-200) انظر: من الأسرار البلاغية في الفرائد القرآنية4(

عدد الصفحات ١٤٩

10 ولم ترد في قصة نبي آخر غير داود وسليمان عليهما السلام، وتفرد موضعها في الذكر الحكيم. سليمان عز وجل لم تنص عليه الآية الكريمة، ولذا فهو عز وجلوكيفية تفهيم الله يحتمل وجوها: إما أن يكون ، ولا نجزم بصورة من )1(وإما بأن ألقى ذلك في روعه، أو بأن أَوْحَى إليه وخصه به عز وجلهذه الصور؛ لأن السياق لا يحدد واحدة بعينها، وإن كنت أميل إلى أن الله ألقى ذلك في روعه، كما توحي به الفاء التي للتعقيب دون مهلة. فاعل يعود على لفظ الجلالة مما ينبئ عن أن التفهيم ﱫﮦ ﱪفي قوله: و كان منة كبرى، ونعمة عظمى على سليمان عز وجل تناسب معها التعبير بضمير .)2(العظمة، يقول القرطبي في محل نصب مفعول ثان، وأنث الضمير؛ ﱫﮦ ﱪفي قوله: «والضم )3(لأنه .ﱫ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﱪكما في الآية السابقة في قوله: والتعبير بالضمير هنا راجع إلى هذه القضية بذاتها، ولا يشمل غيرها بحال من الأحوال فقد تكون هناك قضايا غيرها فَهَّم الله فيها داود عين الحق، فالضمائر قطعا لا يستفاد منها التعميم في الحكم كما هو معلوم، يقول السعدي .300/3، وانظر: عمدة الحفاظ400) مفردات الراغب1( .307/11) تفسير القرطبي2( ، وروح المعا307/11، والقرطبي55/9، وانظر: تفسير الطبري174/6) فتح البيان3( .601/11

عدد الصفحات ١٥٠

11 .)1(لم يفهمه الله في غيرها مفعول أول للفعلﱫ ﮧﱪ سليمانَ هذه القضيةَ عنه بقوله النظم على هذا أسلس، وأشد تمكنا. هذه الجملة معترضة بين السابقة واللاحقة، ﱫ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﱪ وفائدة الاعتراض . )2(كان حكم سليمان أصوب كُ«مفعول أول مقدم للفعل آتينا، وتقديم المفعول ﱫ ﮩ ﱪو « أتي متقدما على الفعل الذي بعده في جل)3(لا تجدها إذا تأخر هذا المفعول، ولهذا فقد مواضعه في الذكر الحكيم لتلك الخصوصية حسب المقتضىَ. ، )4( عوض عن كلمة، أي: كل واحد منهﱫ ﮩ ﱪ « المعوض عنه عائد على جميع الأنبياء وقيل: أي: من داود وسليمان عليهما السلام، ﱫ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﱪ المذكورين في الآيات السابقة، يقول الطبري .)5( من داود وسليمان والرسل الذين ذكرهم في أوَّل هذه السورة وكلهم .477) تفسير السعدي1( .100/5، وانظر: نظم الدرر للبقاعي119/17) التحرير والتنوير2( .)619،618) مرَّة. (المعجم المفهرس 13) مرة، تقدم على معموله15) ذكر منصوبًا3( .839/4) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن4( .55/9) تفسير الطبري5(

عدد الصفحات ١٥١

12 ومنشأ اختلاف التقدير راجع إلى أن استعمالات هذه اللفظة المنونة في القرآن ﱫ ﭮ ﭯ ﭰ الكريم جاء فيها المقدر عائدًا على اثنين كما في قوله تعالى: ، أو عائدًا على أكثر من اثنين كما في قوله: ]84[ ﭱﭲ ﭳ ﭴﭵ ﱪ .]86[ ﱫ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﱪ ولكنَّ الراجح هنا أن المحذوف عائدٌ على اثنين، وهما داود وسليمان عليهما السلام كما ينبئ السياق؛ لأن مطلع الآية السابقة كان الكلام فيها عنهما صراحة في علاوة على أن الكلام قد تم قبل تلك الآية عن ﱫ ﮗ ﮘ ﱪ قوله تعالى: الأنبياء المذكورين قبلهما إبراهيم ولوط ونوح عليهم السلام كما تقدم. والتنوين -علاوة على ما في طياته من حذف كلمة- يفيد التفخيم، فلو قال: وكل واحد آتينا لتلاشت تلك الفخامة والقوة والروعة، وهذا سر من أسرار التنوين في استعمالات تلك اللفظة. آتى فعل ماض رباعي مزيد بحرف بعد فائه بمعنى: أعطينا، وفاعل ﱫ ﮪ ﱪ نا) العظمة العائدة على المولى عز وجل، وإسناد إيتاء الحكمة والعلم ( ﱫ ﮪ ﱪ بنون العظمة فيه دلالة على أن المؤتَى، وهو الحكم والعلم كان هبة عز وجلإلى الله عظيمة من المولى عز وجل لهما، وفيه أيضًا تأكيد على أنهما بلغا في ذلك الغاية، ووصلا النهاية. مفعول به ثان للفعل آتينا، والحكم مصدر الفعل الثلاثي ﱫ ﮫ ﱪ يحَْكُمُ حُكْماً من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك... ومنه اشتقاق

عدد الصفحات ١٥٢

13 .)1(صاحبها من أخلاق الأرذال وإيثار الحكم على الحكمة؛ لأن .)2(وليس كل حكم حكمة وفي هذا إشارة إلى أن كلا منهما كان يحكم بالعدل، ويمنع من الظلم، وكلا منهما أيضًا كان في قوله حكمة، ولذا عبر بالمصدر مبالغة في ذلك. الواو للعطف، وهو من قبيل عطف المفردات التي تقتضي التشريك ﱫ ﮬﮭ ﱪ في الحكم، وهو الإيتاء، وتقتضي المغايرة؛ لأن العلم بخلاف الحكم، أي ﱫ داود وسليمان قد أعطيناه من عندنا .)3( أي: فقها في الدين، وفهما سليما للأمورﮬﮭ ﱪ . )4(وقيل: آتيناه .)5(وقيل .)6( »الحِكمة: وهو النبوءة، والعلمُ: أصالة الفهم « وقيل ولا يرفضه سياق الكلام لمن يتأمل ويتدبر، يؤيد هذا والمعني الأول هو الأرجح، ) مرات:4أن هاتين اللفظتين وردتا مقترنتين معا في القرآن بتلك الهيئة ﱫ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ في الحديث عن يوسف عز وجل في قوله تعالى: الأولى: .56) المصباح المن1( .509/1، وانظر: عمدة الحفاظ126) مفردات الراغب2( .235/9) التفسير الوسيط3( .55/9) تفسير الطبري4( .459 /3) النكت والعيون5( .115/17) التحرير والتنوير6(

عدد الصفحات ١٥٣

14 .]22[ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾﱪ ﱫﭢ ﭣ ﭤ في الحديث عن لوط عز وجل في قوله تعالى: والثانية: .]74[ ﭥﱪ هنا.والثالثة: ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ في الحديث عن موسى عز وجل في قوله تعالى: والرابعة: ، وهذا المعنى الذي رجحناه لا ينفك عنهما. ]14[ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﱪ ؛ للتعظيم، أي: كل واحد منهما وهبناه حكماً وعلماً ﱫ ﮫ ﮬﮭ ﱪ وتنكير عظيمين. وذكرُ العلم مع الحكمة هنا فيه وذلك؛ لأن الله تعالى قدم ذكره ههنا على سائر النعم الجليلة مثل تسخير الجبال والطير، .)1(والـريح والجن، وإذا كان العلم مقدمًا على أمثال هذه الأشياء، فما ظنك بغيرها ولما مدح فيما مضى داود وسليمان عليهما السلام معا شرع بعد ذلك في ذكر ما ﱫ ﮮ ﮯ ﮰ خص به كل واحد منهما من معجزات فبدأ بداود عز وجل فقال: ، والواو يجوز أن تكون للعطف، عطفت ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗﱪ ﱫ ﮩ على جملة ففهمناها سليمان، وليست معطوفة على جملة ﱫ ﮮ ﱪجملة والعطف هنا للتوسط بين الكمالين على حسب قواعد ؛ لأنها اعتراضية كما مر،ﮪ ﱪ البلاغيين حيث عطفت جملة خبرية لفظا ومعنى على خبرية لفظًا ومعنًى، والمسوغ للعطف هنا التناسب بين المسند إليه، والمسند فيهما، فالفاعل فيهما ضمير العظمة ، والتفهيم في الأول واقع على سليمان عز وجل، والتسخير عز وجل« .163/21) مفاتيح الغيب1(

عدد الصفحات ١٥٤

1 هنا حاصل لداود عز وجل، فبينهما ارتباط قوي والتحام شديد سوغ العطف بالـواو أن تكون الواو استئنافية حيث استهل بعدها خبرا جديدا منقطعا عما ويجوزكما ترى، قبله. : (سخَّر): فعل ماض رباعي مضعف العين، وأصل التسخير ﱫ ﮮ ﱪ كلفه ما لا يريد وقهره، وكل مقهور مُدَبَّرٍ سَخَرَه القهر والتذليل، يقول ابن منظور لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر فذلك مسخَّر...، والتسخيرُ التذليلُ... وكل ما .)1(ذل وانقاد، أَو تهيأَ لك على ما تريد فقد سُخِّرَ لك وهذا المعنى الأصلي هو المراد هنا فإن الله عز وجل ساق الجبال إلى الغرض المذكور في الآية قهرا، وذللها لذلك تذليلاً. ومن إعجازات الذكر الحكيم في التعبير بهذا الفعل المضعف العين أنه أتى به في ) مرة فعلاً ماضيًا، ولم يأت به مضارعا ولا أمرًا البتة؛ 22جميع مواضعه المذكور فيها فتسخير )2(لأن الماضي هو الأوفق بالمقام هذه العوالم، وتلك الكائنات الكبرى من الجبال، والبحار والأنهار، والليل والنهار، والشمس والقمر، والسماء والأرض من كل ما وقع عليه التسخير تم ومضى، وليس فيه إحداث جديد، وهذا من فضله عز وجل على عباده. ومن عجائب الذكر الحكيم أيضًا أنه استخدم الفعل المشدد في جميع هذه المواضع دون الثلاثي المعنى فطرةَ لغةٍ فإنه يوحي بشدة التسخير، وفي التشديد كذلك علامة واضحة، .232، وانظر: مفردات الراغب354-353/4) لسان العرب، مادة (س.خ. ر1( .210) دراسات جديدة في إعجاز القرآن. د/ المطعني2(

عدد الصفحات ١٥٥

1 وأمارة بينة على القوة الربانية التي لا يحدها حد، والجبروت الإلهي العظيم في ملكه وسلطانه، يؤكد ما قلناه صوت الخاء المشدد، فهو يعكس بنطقه الشديد هذا الجبروت، وتلك القوة الربانية بوضوح، ولذا لم يستعمل القرآن الثلاثي مطلقا بهذا المعنى، بل ﱫ ﭠ ﭡ ﭢ استعمل الثلاثي .ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﱪ في سَخَّرْنَا فاعل، وقد اطرد في هذه الآية التعبير به دون «وضمير العظمة غيره؛ تدليلا على أن هذه الهبات وتلك المعجزات التي وُهب إياها داود وسليمان عليهما السلام هي من لدن رب عظيم كريم اختصهما عز وجل بها. هذا، ومن يتأمل في فاعل سَخَّر في جميع مواضعه في الذكر الحكيم يجد أنه لم ، وهذا طبعي؛ لأن ذلك لا يكون لسواه البتة، لكن قد تنوع هذا عز وجليسند إلا لله الفاعل ما بين ظاهر وضمير، وكل سياق يعبر فيه بما يقتضيه. كما يقول أبو السعودﱫ ﮯ ﱪ، ﱫ ﮯ ﮰﱪ ، وهذا الذي استبعده أبو السعود هو ما وافق عليه ابن عاشور حيث )1(وهو بعيد .)2(»ﱫ ﯓ ﱪيقول وهذا هو الأولى، وعليه، فأصل العبارة وقدم الظرف .)3(كان إذا سبح بين الجبال سمع الجبالَ تسبح مثل تسبيحه .37/2، وانظر: تفسير البيضاوي80/6) تفسير أبي السعود1( .119/17) التحرير والتنوير2( .119/17) التحرير والتنوير3(

عدد الصفحات ١٥٦

1 على الجبال هنا، وفي سورة ﱫ ﮯ ﮰ ﱪوهنا يثور سؤال لمَِ قدم الظرف ؟]18[ ﱫ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﱪالجبال على الظرف في قوله: أجاب الألوسي عن ذلك بقوله قال بعض الفضلاء: ،ﱫ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﱪ وقدم في سورة الأنبياء فقيل: )1(لذكر داود وسليمان ثمت أي وهنا سؤال آخر ذكره أبو حيان وأجاب عنه فقال ذَكر تسخير الريح لسليمان باللام، وحين ذكر تسخير الجبال جاء بلفظ مع فقال: ، وقال: ]10[ ﱫ ﮊ ﮋ ﮌ ﱪ، وكذا جاء: ﱫﮮ ﮯ ﮰ ﮱﱪ ، وذلك أنه لما اشتركا في التسبيح ناسب ذكر ]36[ ﱫ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﱪ مع الدالة على الاصطحاب، ولما كانت الريح مُستخدمَة لسليمان أضيفت إليه بلام .)2(التمليك؛ لأنها في طاعته وتحت أمره وهو كلام جيد ودقيق في التفريق بين دلالة (مع)، واللام، وهذا من دقائق وخصائص التعبير القرآني الحكيم. : جمع جبل، والجبلﱫ ﮱ ﱪ وطال من الأَعلام والأَطواد والشَّناخِيب، وأَما ما صغُر وانفرد فهو من القِنان والقُور ، وهذا اللفظ يحمل في طياته دلالة الثبات والرسوخ، وقد اعتبر هذا المعنى )3(والأَكَم في تفسير سورة ص.174/23) روح المعاني دار إحياء التراث العر1( .332/6) البحر المحيط2( .96 /11)لسان العرب، مادة (ج ب ل3(

عدد الصفحات ١٥٧

1 فيه الله على كذا إشارة إلى ما ركب فيه من الطبع الذي يأبى على الناقل نقله، وفلان ذو .)1(جبلة، أي: غليظ الجسم وآثر لفظة الجبال هنا؛ لأنها عنوان العظم والثقل، والرسوخ والصلابة فأومأ هذا بعظم النعمة، وجليل المنة على داود عز وجل. وأل هنا للعموم الاستغراقي بدلالة لفظة (مع)، أي: أن جميع الجبال كانت مسخرة له، فلو فُرض وساح في كل الأرض شبرا شبرا لكانت جميع جبالها مسخرة له؛ لأن المعجزة كانت معه حسبما حل وسار كما تفيده المعية. ويجوز أن تكون أل للعموم العرفي، والمقصود بالجبال الجبال المحيطة به، والأول أولى، وهو من تمام المنة، وعظيم النعمة. جملة في محل نصب حال من الجبال، : ﱫ ﯓ ﱪ ، والظاهر كما يتبادر من )2(استئناف كأن قائلا قال: كيف سخرهن؟ فقال: يسبحن ،ﱫ ﮱ ﱪ جملة حالية من ﱫ ﯓ ﱪالكلام أن أن الأصل في الحال الإفراد؛ للدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال، نظير ما في قول الأعشى: .)3(لَعَمْرِي لَقَدْ لاحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ إِلىَ ضَوْءِ نَارٍ فيِ يَفَاعٍ تحََرَّقُ .84) مفردات الراغب1( ،38/5، وتفسير النيسابوري 172/21، وانظر: مفاتيح الغيب 580/2) الكشاف 2( .606/11، وروح المعا138/3والفتوحات الإلهية للجمل في تفسير آية سورة ص.174/23) روح المعا3(

عدد الصفحات ١٥٨

1 ماضيه المضعف العﱫ ﯓ ﱪ والمضارع التَّسْبِيح: التَّنزيهُ والتقديس، والتبرئة من النَّقاَئِص... وقيل معناه: التَّسرُّع إليه والخِفَّة .)1(في طاعَته، وقيل معناه: السرُّْعة إلى هذه اللَّفْظة وقد اختلف المفسرون في كيفية تسبيح الجبال مع داود على وجوه شتى: .)2(أي؛ ﱫ ﯓ ﱪ الأول: أي: يسرن معه إذا سار، يقـول الزمخشري ،ﱫ ﯓ ﱪ الثاني: ، والتسبيح على هذا الرأي) 3(تسير معه حيث سار خرج اللفظ فيه على التكثير، ولو لم يقصد التكثير؛ لقيل: يَسْبَحْنَ فلما كَثُر قيل: ، وقد رفض الشهاب هذا الرأي نظرًا؛ )4(يسبحن معه وهو على حق. )5(بهذا المعنى لم يذكره أهل اللغة لأن الجبال لا تنطق كما ينطق البشر، يقول الشوكاني: مجاز؛ ﱫ ﯓ ﱪ الثالث: « .)6(خلقها، وقدرة خالقها .471/2، وانظر: لسان العرب، مادة (س ب ح331/2) النهاية في غريب الحديث والأثر1( ،320/11، وتفسير القرطبي 305/4، وانظر: تفسير البغوي 58/9تفسير الطبري )2( .305/4، وتفسير الخازن331/6والبحر المحيط ، والبحر المحيط 320/11، والقرطبي 37/2، والبيضاوي 580/2) تفسير الكشاف 3( .331/6 .55/6، وحاشية الشيخ زاده558/13، وانظر: اللباب172 /21) تفسير الرازي4( .606 /11، وانظر: روح المعا462/6) حاشية الشهاب على البيضاوي5( .606/11، روح المعا331/6، وانظر: تفسير البحر المحيط591 /3) فتح القدير6(

عدد الصفحات ١٥٩

10 وإلى هذا أيضًا ذهبت المعتزلة، يقول الرازي الكلام من الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه، والأول: محال؛ لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لا يكون حيًّا عالمًا قادرًا يستحيل منه الفعل، والثاني: أيضًا محال؛ لأن المتكلم عندهم من كان فاعلاً للكلام لا من كان محلاًّ للكلام، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله تعالى لا الجبل، .)1(فثبت أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره على حقيقته من الترجيع بمعنى أن الجبال يقدسن الله عز ﱫ ﯓ ﱪ الرابع: وجل كما يفعل البشر من النطق باللسان، وكيفية التسبيح بهذا المعنى حكاه أبو السعود معه بصوت يتمثل له، أو يخلق الله عز وجل أي: يقدسن الله ﱫ ﯓ ﱪبقوله .)2(تعالى فيها الكلام أن التسبيح هنا على حقيقته؛ لأنه من الأمور التي اختص المولى عز والراجح: وجل بها داود عز وجل بكيفية لا نعلمها، وليس هنا دليل قاطع، أو قرينة مؤكدة تصرف لفظ التسبيح عن ظاهره، والقاعدة المقررة عند العلماء أن نصوص الكتاب وهذا ، والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه داود هو اللائق بمقام النعمة والامتنان ؛ لأن الله عز وجل يجعل لها إدراكات تسبح بها يعلمها هو عز وجل تسبيح حقيقي ﱫ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﱪ ونحن لا نعلمها، كما قال: .172-171/21) تفسير الرازي1( ، وحاشية الشيخ زاده ع 37/2، وانظر: تفسير البيضاوي 79/6تفسير أبي السعود )2( .167/11، وتفسير القاسمي605/11، وروح المعا54/6البيضاوي

عدد الصفحات ١٦٠

11 ... وقد ثبت في صحيح البخاري: أن الجذع الذي كان يخطب عليه ]44[ لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سُمع له حنين، وقد ثبت في صحيح مسلم أن ×النبي قال×النبي .)1(الآن والغرض من تسبيح الجبال مع داود على هذا المعنى الحقيقي أمران: أن داود عز وجل كان:الأول .)2(التسبيح ويشتاق إليه أن هذا كان معجزة لداود عز وجل. :الثاني وهنا ينبغي أن نؤكد على شيء دقيق جدًّا وهو أن المعجزة الله تعالى لنبيه داودعز وجل ليستْ في تسبيح الجبال؛ لأن الجبال تُسبِّح معه ومع غيره، إنما الميزة في أنها تُردِّد معه، وتوافقه التسبيح وتجاوبه، فحين يقول داود: سبحان يردد نشيدًا واحدًا... (كورس)الله تردد وراءه الجبال: سبحان الله، وكأنهم جميعًا أنه سبَّح الحصى في يده أن ×وسبق أن أشرنا إلى أن الذين يقولون في معجزات النبي ، وفي ×هذه المقولة غير دقيقة تحتاج إلى تنقيح عقلي، فالحجر مُسبِّح في يد رسول ا .)3(يد أبي جهل، إذن: قل: إن المعجزة هي أن رسول الله سمع تسبيح الحصى في يده ، والفتوحات الإلهية للجمل 331/6، وانظر: البحر المحيط 840/4) أضواء البيان 1( ، ولسان227-226، ومفردات الراغب237/9، والتفسير الوسيط177/6، وفتح البيان139/3 .190/2، وعمدة الحفاظ472/2العرب، مادة (س.ب.ح ، 171/21، وتفسير الرازي 305/4، وانظر: تفسير الخازن 305 /4) تفسير البغوي 2( .558/13 ، واللباب55/6، وحاشية الشيخ زاده320-319/11والقرطبي ، وكلمة كورس في كلام الشيخ بمعنى: منظومة.9607-9606/15) تفسير الشعراوي3(

عدد الصفحات ١٦١