المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التدبر حقيقته وعلاقته بمصطلحات التأويل والاستنباط والفهم والتفسير دراسة بلاغية تحليلية على آيات من الذكر الحكيم

عبد الله عبد الغني سرحان

صفحة ٤ من ١٤

0 .)1(الأَوَّلِينَ، وهم سالف الأمم الرُّسُلُ؛ كنوح، وإبراهيم، وإسماعيلَ، وغيرهم هم آباؤُهم الذين كفار قريش من نسلهم وأصلابهم، كما مرَّ في والراجح هنا: الوجه الأول، يؤكد هذا: أنَّ الأولين -وصفًا لآباء- لا ينسحب إلا على أجدادهم الذين ينتسبون إليهم؛ لأنهم هم بالفعل كذلك، أما ما عداهم من الأمم الأخرى؛ فإنهم -وإن كانوا أولين- لكنهم ليسوا آباءهم على موجب دلالة هذا اللفظ. ومما يستأنس به لهذا: أنَّ لفظ (الأولين) مقترنًا بلفظ (آباء) ورد في الذكر الحكيم ) مرات، وأطلق في كلِّ موضع على آباء المخاطبين المتحدث عنهم لم يتعداهم 5( ﱫ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔلغيرهم، كما يبدو من سياقات هذه المواضع في قوله تعالى: ﱫﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ] 24[ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﱪ ﱫﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ، وقوله: ]26[ ﮈﱪ ﱫﯰ ، وقوله: ]36[ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﱪ ﱫ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ، وقوله: ]126[ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﱪ .]8[ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﱪ .457/2) تفسير الثعالبي1(

عدد الصفحات ٥٠

1 ﱫﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ الأسرار البلاغية في قوله تعالى: رابعًاا: .]29[ ﭸ ﭹ ﭺﱪ وردت هذه الآية الكريمة في سورة ﱫﭑ الحديث عن داود وسليمان عليهما السلام، فقد بدأ الحديث عنهما بقوله تعالى: .]17[ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜﱪ ﱫ ﯷ ﯸ ﯹ واستمرت الآيات الكريمة تتحدث عنهما إلى قوله تعالى: ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ .]26[ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕﱪ ﱫ ﭑ ﭒ ثم استطردت فتحدثت عن خلق السماء والأرض في قوله تعالى: .]27[ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﱪ ﱫﭤ ﭥ ﭦ ثم بيَّنت عدم استواء جزاء المتقين والفجار في قوله عز وجل: .]28[ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﱪ ﱫﭲ ﭳ ثم وردت بعد ذلك الآيةُ التي معنا محل الدراسة في قوله تعالى: .]29[ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﱪ

عدد الصفحات ٥١

2 ﱫﭼثم عاد الحديث من جديد عن داود وسليمان عليهما السلام في قوله: حتى انتهى الحديث عن سليمان عز ]30[ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﱪ ، وهكذا جاء ]40[ ﱫﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﱪوجل وحده في قوله تعالى: الحديث عن تلك الآية في سياق عجيب غريب كما ترى بوضوح. ومجيء تلكم الآية في هذا السياق العجيب أطنب الإمام الرازي في ذكر سره بما . )1(لا مزيد عليه فليعد إليه القارئ الكريم خشية التطويل وإذا كان الأمر كذلك فإن ورود هذه الآية هنا يعد استئنافا معترضًا، وفي هذا يقول ابن عاشور إعادة للتنويه بشأن القرآن كما سيعاد ذلك في قوله ﱫ ﭓ ﭔ ﭕ ﱪأول السورة . )2(»ﱫﮍ ﮎﮏ ﱪتعالى: يجوز أن يكون خبر مبتدأ « ﱫﭲ ﭳ ﭴ ﭵﱪ في قوله: ﱫﭲﱪو صفة كتاب، ويجوز أن يكون مبتدأ، ﱫﭳ ﱪمحذوف، والتقدير: هذا كتاب، وجملة .)3(»ﱫﭲﱪ خبرًا عن ﱫﭵﱪ صفة كتاب، وﱫﭳﱪوجملة مبتدأ، وليس خبرًا عن مبتدأ محذوف، وجاز ﱫﭲﱪ أن لفظة والراجح: الابتداء بالنكرة؛ لأنها موصوفة بجملة أنزلناه، علاوة على أن الكلام هنا سائغ بدون خبر مبتدأ ﱫﭲﱪتقدير محذوف، وهذا ما رجحه ابن عاشور بقوله ، وتفسير ابن 593-592/5، وانظر: تفسير النيسابوري321-320/25) مفاتيح الغيب1( .251/23، والتحرير والتنوير33/4كث .251 /23) التحرير والتنوير 2( .251 /23) التحرير والتنوير3(

عدد الصفحات ٥٢

3 .)1(محذوف، وتقديره: هذا كتاب، إذ ليس هذا بمحز كبير من البلاغة والكتاب في الأصل مصدر، ثم سمي المكتوب فيه كتابًا مبالغة، ويجوز أن يكون .)2(الكتاب في الأصل اسماً للصحيفة مع المكتوب فيه والمقصود بالكتاب هنا القرآن الكريم، وسمي القرآن كتابًا؛ الأخبار والقصص، والأحكام والمواعظ والأمثال، والأوامر والنواهي والزواجر، .)3(والإنذار والإعذار، والتحذير والبشارة إلى غير ذلك وهذا صحيح؛ لأن المادة تعني الضم والجمع، يقول الراغب .)4(إلى أديم بالخياطة، وكتبت البغلة: جمعت بين شُفريها بحلقة وأطلق الكتاب في هذا السياق على القرآن؛ للإشارة إلى أن المؤمنين -الموجه لهم الخطاب في تلك الآية- هم المعنيون وحدهم بكتابته ليظل محفوظا أبد الدهر فلفظة الكتاب تبين عن جمعه في صدورهم وضمه لآياته في رقاعهم. وعلى ذلك فإن إطلاق الكتاب على الذكر الحكيم له دلالة تغاير دلالة إطلاق القرآن عليه، بدليل أن المولى عز وجل عطف الكتاب على القرآن في قوله تعالى: ، كما عطف القرآن على الكتاب ]1[ ﱫﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﱪ ومعلوم أن ]1[ ﱫ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﱪ في قوله تعالى: العطف يقتضي المغايرة في الذات أو المغايرة في الصفات، وهنا مغايرة في الصفات، فلو كان الكتاب بمعنى القرآن دون أدنى فرق ما عطفه عليه، فإذن حقيقة الذكر .251 /23) التحرير والتنوير1( .440) مفردات الراغب2( .347/1، وانظر: البرهان للزرك435 /3) عمدة الحفاظ3( بتصرف يس440) مفردات الراغب4(

عدد الصفحات ٥٣

4 الحكيم في كونه قرآنًا غير حقيقته في كونه كتابًا، فالأول منظور فيه إلى صفة القراءة، والثاني منظور فيه إلى كونه مكتوبًا يستوضح منه كل شيء. ويجوز أن يكون التعبير عن القرآن بالكتاب هنا أيضًا؛ لأن تلك اللفظة تتلاءم مع بعدها عكس لفظة القرآن التي تصاحبها ألفاظ أخرى مثل الإبانة ﱫﭵﱪلفظة ﱫ ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ وغيرها كما ورد في آيات عديدة كقوله تعالى: ]2[ ﱫﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﱪ، وقوله: ]1[ ﭗﱪ ، فلم توصف لفظة قرآن إلا بنحو ما سبق، ]1[ ﱫﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﱪوقوله: وكأن الكتاب في القرآن يخبر عنه بالبركة، عكس القرآن فهو يوصف بإلإبانة، وبأنه عربي، وبأنه عجب، وهذا -والله أعلم- من أسرار التعبير بتلك اللفظة الشريفة هنا، مطلقًا بل هي مختصة ﱫﭵﱪوالدليل على صحة ذلك أن القرآن لم يوصف بلفظة: بالكتاب حيث جاءت وصفًا له في أكثر من آية كريمة كما سيأتي. كما يقول ابن عاشورﱫﭲﱪوتنكير . )1(تنكيره إلا لتعظيم شأنه وأرى أن التنكير لا يقتصر هنا على التعظيم بل يجوز أن يكون للنوعية أي: كتاب من نوع لا نظير ولا مثيل له بين الكتب السماوية أو الوضعية من شتى الوجوه، كما يجوز أن يكون التنكير للإفراد والوحدة أي: أنه كتاب فريد وحيد في نظمه وأسلوبه، وما احتواه من تشريعات ومضامين لا توجد في غيره وهذه الدلالات كلها جائزة، والتنكـير يوحي بها، ولا تناقض بينها، وهذا من ثراء القرآن، وعطائه في دلالات ألفاظه، والنكات البلاغية لا تتزاحم ما دامت لا تتعارض. .252/23) التحرير والتنوير1(

عدد الصفحات ٥٤

 أنزل: ماض مزيد بحرف من الثلاثي نزل، والفعل ﱫﭳﱪ وهو يتعدى لغيره . )1(و والنزول كما يقول الراغب ، وليس بمعنى كما يقول )2(» ونزل بكذا، وأنزله بمعنىمكان كذا: حط رحله فيه... الراغب؛ لأن همزة أنزل جعلت الفعل متعديا إلى المفعول به بنفسه، ومن ثم فهنا فرق دلالي بينهما تمثل في الإشارة إلى أن الكتاب لم ينزل بنفسه بل أنزله رب العالمين على بواسطة جبريل عز وجل من فوق سبع سماوات، وهذا نظير قولنا: خرج ×نبينا الطالبُ، وأخرج الأستاذُ الطالبَ فبينهما فرق ملحوظ. وعبر هنا بالإنزال، وفي آيات أخر عبر بالتنزيل؛ لأن الإنزال يكون للنازل دفعة ؛ وهذا ما أكد عليه العسكري بقوله)3(واحدة، والتنزيل يكون للنازل بالتدريج بعض المفسرين: الإنزال: دفعي، والتنزيل: للتدريج. ﱫ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ قلتُ: ويدلك عليه قوله تعالى: حيث خص القرآن بالتنزيل، لنزوله منجما، والكتابين بالإنزال ﭤ ﭥ ﱪ لنزولهما دفعة. فالمراد هنا مطلقًا من غير ﱫﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﱪوأما قوله تعالى: ، فإن المراد إنزاله إلى سماء ﱫﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﱪاعتبار التنجيم، وكذا قوله تعالى: .229) المصباح المن1( .1022، وانظر: معجم المقاييس في اللغة509) مفردات الراغب2( ) أي: أن التنزيل لما فيه من تضعيف العين يفيد التكثير المتلائم مع التدريج 3(

عدد الصفحات ٥٥

 ، ويؤيد هذا أن لفظة )1( في ثلاث وعشرين ×الدنيا، ثم تنزيله منجماً على النبي تنزيل بما في نطق حروفها من مط وتطويل تحمل معنى المهلة والتدرج عكس ما في إنزال من سرعة. وهناك فرق آخر بينهما لاح لي من استقصاء استعمالات هذين الفعلين في القرآن ماضيًا ومضارعًا تعدَّى إلى المفعول )2(ﱫ ﯖ ﱪالكريم حيث وجدت الفعل المضعف « ﱫﰅ ﰆ ﰇ ﰈكما تعدى إلى المفعول ، وتعدى]23[ ﰉ ﰊ ﱪ ، وتعدى للفرقان، والمراد به القرآن ﱫﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﱪفي قوله: .ﱫﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﱪالكريم مرة واحدة في قوله تعالى: تعدى إلى المفعول الكتاب مرات عديدة، والكتاب «كما وجدت الفعل في هذه المواضع المراد به القرآن الكريم أيضًا، وتعدى إلى التوراة والإنجيل معًا في [ ﱫﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﱪ قوله تعالى: ﱫﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ، وتعدى للتوراة بمفردها في قوله تعالى: ]3عمران ﱫﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﱪ، وتعدَّى للقرآن في قوله تعالى: ]44[ ﮆﮇ ﱪ ، وتعدى ]21[ ﱫﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﱪ ، وقوله تعالى: ]2[ ،196، والكليات للكفوي51، وانظر: مفردات الراغب293) الفروق في اللغة للعسكري1( ﱫوقد عارض الحلبي هذا الرأي الذي ذهب إليه العسكري بقوله مع جملة دفعة واحدة من ﱫﯳﱪ فإنه أتى بصيغة : ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﱪ .189/4غير تفريق ولا تنجيم .695 - 694) المعجم المفهرس2(

عدد الصفحات ٥٦

 ﱫ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ للذكر في قوله تعالى: ﱫﯧ ﯨ ﯩ ﯪﱪ، وتعدى إلى النور في قوله تعالى: ]44[ ﭬﱪ ﱫﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﱪ، وتعدَّى للآيات في قوله تعالى: ]174[ ﱫ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ، وتعدى للبينات والهدى في قوله تعالى: ]99[ ﱫﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ، وتعدى للنور في قوله: ]159[ ﮦ ﮧﱪ .]8[ ﯩﯪ ﱪ متنوع متعدد كما ترى، على عكس متعلق نَزَّلَ فهو محصور )1(«فمتعلق كما مر، وعلى ذلك فإن متعلق الإنزال أكثر وأشمل في استخدامات القرآن، وهو ، فبان بهذا أن لكل صيغة في )2(مصداق لقول الراغب القرآن دلالاتها وسياقاتها ومتعلقاتها، وتنوع التعبير بهذه الصيغ في القرآن إنما هو لأسرار بلاغية، ونكات تعبيرية أدركها من أدركها، وغفل عنها من غفل؛ ولذا لا يصح أن يكون (أَنْزَلَ)، و (نَزَّلَ) بمعنى واحد، ولا يعني عدم إدراك الفروق بين هذه الصيغ المختلفة عدم وجودها. والضم العزة والعظمة فيه إيماء إلى عظمة هذا الكتاب وتفرده وأنه جنس فريد من الكلام لا يقدر عليه إلا الواحد العلام عز وجل. في محل نصب مفعول به يعود على الكتاب بلا شك، وهذا ﱫﭳ ﱪوالهاء في يؤكد أن الهمزة للتعدية كما أومأنا، ومن ثم فليس أنزل بمعنى نزل. .697-695) المعجم المفهرس 1( .510) مفردات الراغب2(

عدد الصفحات ٥٧

 وعبر عن الكتاب بالضمير؛ لأنه أليق بالسياق إذ مر ذكره صراحة قبل والكلام يكون ركيكا -حاشا وكلاَّ- لو قال حرف الجر ﱫﭴﱪ نزول الكتاب إليك، وهذا يعني من طريق آخر أنه النبي الخاتم، وكتابه خاتم الكتب السماوية ونهايتها. نصًّا، ويدخل فيه أمته تبعًا، يقول × يعود على النبيﱫﭴﱪ والضمير في ، وعلماء أمته على التغليب أي: لتتدبر أنت وعلماء ×الألو ، ولكنَّ تقييد الألوسي التدبر بعلماء الأمة دون سائر أفرادها لا يصح؛ لأن )1(أمتك الكتاب أنزل ليتدبره الجميع، نعم علماء الأمة منوط بهم التدبر في المقام الأول، ولكنَّ هذا لا ينفي تدبر غيرهم. على الرفع خبر لكتاب كما رجحنا وليس صفة؛ إذ ﱫﭵﱪ المختار أن يكون نعتا ثانيا؛ لأنه لا يجوز عند الجمهور أن يتقدم النعت غير الصريح .)2( على الصريحﱫﭳ ﱪ فيه تعظيم وتشريف لهذا الكتاب.ﱫﭵﱪوالإخبار عن كتاب بـ اسم مفعول من الفعل الرباعي بارك أي: أن البركة اشتملت عليه، ﱫﭵﱪو واحتوته من جميع الوجوه والجوانب، فهو مبارك بركة تامة شاملة في ألفاظه ومعانيه وأحكامه، وكل ما يتضمنه من علوم مختلفة. .506 /15) روح المعا1( /5، وانظر: حاشية الصاوي على الجلال 198/7) حاشية الشيخ زاده على البيضاوي 2( .572/3، والفتوحات الإلهية للجمل144

عدد الصفحات ٥٨

 ﱫ ﭗ ﭘ ﭙوالبركة هي ، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في ]96[ ﭚ ﭛ ﭜ ﱪ .)1(البرِكة، والمبارك ما فيه ذلك ا والمقصود بكون الذكر الحكيم مباركا، أي: أنه موضع للخيرات الإلهية الدينية والدنيوية المستقرة فيه، وهذا المعنى لا ينفك عن هذا اللفظ في كل سياقاته في الذكر ﱫﮖ ﮗ الحكيم، سواء جاء مع القرآن كما هنا، أم مع البيت الحرام كما في قوله: أم مع يحيى عز ]96[ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﱪ ، أم مع الماء كما ]31[ ﱫﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﱪوجل، كما في قوله تعالى: .]9[ ﱫ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﱪفي قوله: والتنكير في هذا اللفظ للتكثير والتعظيم أي: بركاته كثيرة عميمة جدا، ونفعه جليل عظيم جدا، فآياته ، ويجوز أن يكون )2(سبب الخير في العاجل والآجل، ولا بركة أعظم من ذلك للنوعية والإفراد، أي: بركاته من نوع مختلف لا نظير لها فريدة في بابها، كل ذلك لا يرفضه السياق العام لهذه اللفظة التي جاءت مقترنة بالكتاب في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم كله، فهي أمس به رحمًا، وألصق به صلةً من غيره . لام التعليل بمعنى كي، والتعبير ﱫﭶ ﱪ اللام في ﱫﭶ ﭷﱪوقوله: بلام التعليل فيه نص قاطع على أن التدبر هو علة إنزاله، وبدونه سيفوت الغرض، والحكمة المقصودة من إنزاله، وهذا يعني أنه أنزل لكي نتدبرَ آياته، ونتبصرَ عظاته، .25/8، وانظر: روح البيان للشيخ حقي42-41) مفردات الراغب 1( .251/23) التحرير والتنوير2(

عدد الصفحات ٥٩

0 ونهتدي بهديه، ونستخرج أحكامه، ونستكنه أسراره، ونتفهم معانيه، ونتمثل كل ما فيه، ولم ينزل ليقرأ بلا تدبر، أو ليتخذ زينة، أو يقرأ على الأموات، أو يعلق على صدور الحسناوات، وفي ذلك يقول ابن القيم ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله لا مجرد .)1(تلاوته بلا فهم ولا تدبر بالياء، وأصله ليتدبروا قلبت التاء دالا، وأدغمت ﱫﭶ ﱪ وقرأ الجمهور الدال في الدال لقرب مخرجيهما تخفيفا كما مر في آية بالتاء، وأصلها لتتدبروا بتاءين، حذفت إحداهما اختصارا على الخلاف ﱫﭶ ﱪ الذي فيها، أهي تاء المضارعة أم التاء التي تليها وقد حكى الطبري القراءتين بقوله: بالياء، يعني: ليتدبر ﱫﭶﱪ« ﱫﭶهذا القرآن من أرسلناك إليه من قومك يا محمد، وقراءة أبو جعفر وعاصم بالتاء، بمعنى: لتتدبره أنت يا محمد وأتباعك، وأولى القراءتين عندنا ﭷﱪ بالصواب في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ .)2(القارئ فمصيب موجه لمن ﱫﭶ ﱪوالفرق بين القراءتين يتمثل في أن الخطاب في القراءة الأولى ﱫﭶﱪ من قومه مؤمنين وكافرين كما صرح الطبري، وفي الثانية ×أرسل إليهم الخطاب فيها للنبي والمؤمنين كما هو واضح من كلامه. .451 /1) مدارج السالكين لابن القيم1( ،256/15، وروح المعا164 /2، وانظر: البيضاوي640،639/ 29) تفسير الطبري2( .252/23والتحرير والتنوير

عدد الصفحات ٦٠

1 هم ﱫﭶ ﱪ ولكني أرى أن المخاطب أي الفاعل واو الجماعة في قوله: أي أنزلناه إليك ولأمتك خاصة ﱫﭴ ﱪالمؤمنون بدليل كاف الخطاب في قوله: وبذلك يكون الخطاب للمؤمنين في القراءتين كما يشير سياق الآية كما مر. والتعبير بالإدغام -على أي من القراءتين- يعكس دعوة المؤمنين إلى تدبر آيات هذا الكتاب بأقصى سرعة ودون تمهل؛ لاستخراج ثمراته المباركة ولآلئه المكنونة فيه، والتي لا تظهر إلا للمتدبر. آيات مفعول به للفعل يتدبر، والضمير في آياته يعود على الكتاب ﱫﭷﱪ أي: ليدبروا آيات الكتاب، فآيات الكتاب هنا هي التي وقع عليها التدبر. والآيات جمع آية حكم آية، سورة كانت أو فصولا، أو فصلا من سورة، وقد يقال لكل كلام منه .)1(منفصل بفصل لفظي آية، وعلى هذا اعتبار آيات السور والمراد من الآية هنا: الجملة، أو الجمل من القرآن المتعارف عليها المسماة آية كما ذكره الراغب، والتعبير بآياته هنا يؤكد على أن الكتاب مقصود به القرآن الكريم؛ لأن الآيات لا تنسحب إلا عليه، ولم ترد منسوبة إلا إليه. وإذا كان الأمر كذلك فَلِمَ لم يقل: ليدبروه وقال: ليدبروا آياته؟ أقول: في ذلك إشارة واضحة إلى أن من شان المؤمنين أن يتدبروه آية آية، وموضوعًا موضوعًا، وسورة سورة حتى يصلوا لمنتهاه، ثم يعيدون الكرة مرة بعد مرة طيلة حياتهم، فيجب أن يكون هذا هجيرهم وديدنهم حتى تنكشف لهم أسراره. وليس المقصود من آيات الكتاب هنا آيات بعينها بل يجب تدبر آيات القرآن .168 /1، وانظر: عمدة الحفاظ29-28) مفردات القرآن للراغب1(

عدد الصفحات ٦١

2 جميعها من آيات العبادات، والمعاملات، والأخلاق، وأسرار الكون، والعقيدة، والتشريع، وغير ذلك، ولعل التعبير بالجمع هنا، وإضافته إلى ضمير الكتاب يؤكد على أن التدبر يكون في جميع الآيات على اختلاف أنواعها وقد أومأ إلى ذلك الألوسي حيث يقول .)1(التكوين والتشريع وهنا ملحوظة دقيقة: فإن لفظة آيات لم تذكر مع التدبر إلا هنا، فلم ترد في آية النساء ومحمد والمؤمنون، مما يؤكد على أن المخاطبين بالتدبر هنا هم المؤمنون كما مر؛ لأن هذه اللفظة أوثق صلة بهم. ومعنى من التأويلات الصحيحة، والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلو، لم يحَْل منه بكثير .)2(طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها ومهرة نثور لا يستولدها ويقارنه بما ﱫﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﱪهذا، ومن يتدبر في قوله: ورد في سورة النساء ومحمد والمؤمنون يجد أن العبارات اختلفت في هذه الآية عن هذه الآيات الثلاث حيث عبر هنا بالتدبر مسبوقا بلام التعليل، وعبر عن القرآن ، وهذا عكس ×بالكتاب، وأخبر عنه بكونه ما في آية النساء ومحمد والمؤمنون تمامًا، فلم يرد فيها شيء مما ذكرت البتة، فتغايرت العبارات لتغاير السياقات، وتباين المخاطبين، وهذا كله يؤكد على أن المخاطب بالتدبر في تلك الآية هم المؤمنون. .166/8، وفتح البيان25/8، وانظر روح البيان506/15) روح المعا1( .252/23، والتحرير والتنوير97/14، وانظر: تفسير القاسمي373-372/3) الكشاف2(

عدد الصفحات ٦٢

3 ولما كان المخاطب بالتدبر في آيات الكتاب هم المؤمنون شرع يؤكد على أن هذا الأمر الجليل لا يدركه حق إدراكه، ولا يتذكره حق تذكره إلا أولو الألباب فقـال « ﱫﭸ ﭹ ﭺﱪتعالى: أهل العقول الخالصة من الشوائب، وهم أهل البصيرة والبصائر من المؤمنين. عطف جملة ﱫﭶ ﱪ على جملة ﱫﭸ ﱪوعلى ذلك فالواو عطفت جملة لها محل على جملة لها محل من الإعراب؛ لأن جملة ليدبروا متعلقة بأنزلناه، والعطف بالواو يقتضي التشريك في الحكم، وكأن المعنى: أنزل الله عز وجل آيات الكتاب لغرضين: ليتدبر المؤمنون آياته، وليتذكر أولو الألباب عظاته فيصلون إلى شاطئ السلامة، وينعمون بالجنة جزاء وفاقا. لام التعليل، ويتذكر مضارع من الماضي الخماسي تذكر، ﱫﭸ ﱪواللام في وأصله من الثلاثي أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارا باستحضاره، وتارة يقال: لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل ذكر عن نسيان، الذكر ذكران: ذكر بالقلب وذكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: .)1(»...وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ والتذكر المراد هنا هو التذكر بالقلب واللسان، واستحضار المنسي إلى القلوب والأذهان أي: ليتذكر أولو الألباب آياته بقلوبهم، ويستحضرونها بألسنتهم فهذا ما يليق بهم. وهذا الفعل على تلك الهيئة اللفظية ورد في القرآن الكريم ثماني مرات، إحداها .42/2، وانظر عمدة الحفاظ181) مفردات القرآن للراغب 1(

عدد الصفحات ٦٣

4 ]9]37]44]19هنا، وسبع مرات في سورة ]23]35]13و وأصله) 1(ومن دلائل الإعجاز هنا: أن الفعل يذَّكر وإدغامها في الذال ورد أيضًا ثماني مرات. وفك الإدغام هنا فيه إشارة إلى أن من شأن أولي الألباب أن يتذكروا آياته بقلوبهم، ويستحضروها بألسنتهم بتدرج وتؤدة وعلى مهل كما يشير إليه السياق، ويدل عليه الخطاب للمؤمنين هنا، وعليه فالفيصل في فك الإدغام والإبقاء عليه يعـود لسياقات كل لفظة كما أشرنا قبل، ومن يتأمل في تلك المواضع الأخرى يتضح له هذا جليا؛ لأن المكان لا يسعنا هنا لإيضاحه. فاعل ﱫﭹ ﱪ أصحاب، وليس لتلك الكلمة مفرد من لفظها، بل مفردها (ذو) بمعنى صاحب، ومن خصائصها أنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مع الألباب والنُّهى والأبصار. جمع لب، و ﱫﭺﱪ لكونه خالص ما في الإنسان من معانيه كاللباب واللب من الشيء، وقيل: هو ما زكا من العقل، فكل لب عقل وليس كل عقل لبا، ولهذا علق الله تعالى الأحكام التي لا ﱫﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ يدركها إلا العقول الزكية بأولى الألباب نحو قوله: .)2(، ونحو ذلك من الآياتﱫﭹ ﭺﱪ إلى قوله: ﯮ ﱪ فالألباب ليست بمعنى العقول فحسب بل هي تحوي معنى العقل وزيادة، ومن ، فقد وردت ﱫﮆ ﮇ ﱪ) مرات، 7، فقد وردتﱫﭝﱪ ) ناهيك عن 1( .273-272) مرات، انظر: المعجم المفهرس6( .729/1، ولسان العرب، مادة (لبب7/2، وانظر: عمدة الحفاظ466) مفردات القرآن للراغب2(

عدد الصفحات ٦٤

 ثم لا يصح أن توضع العقول هنا محل الألباب، وقد أدرك ذلك العسكري فقال « ، وهذا يؤكد على أن الخطـاب هنا )1(الموصوف به، فهو مفارق له من هذا الوجه لأكابر أهل العلم من المؤمنين، فعقولهم هي الخالصة من الشوائب، الزكية المطهرة من كل ما يشينها. هذا، ومن يتأمل استعمالات تلك اللفظة في الذكر الحكيم يجد أنه اقتصر على جمع التكسير ألباب، أما اللب مفردا فلم يأت مطلقا، وهنا مفارقة عجيبة فإن الذكر الحكيم لم يرد فيه البتة لفظ العقول جمعا، ولفظ العقل مفردا بل اقتصر على الماضي والمضارع، وهذا من إعجازه في استخـدام ألفاظه، وجموعه ومفرداته، ومختلف صياغاته، فقد يترك صيغًا شهيرة في استعمالات الناس ويستبدلها بغيرها، وما ذاك إلا لأن كل لفظة فيه وضعت بقسطاس مستقيم لا يصح وضع غيرها موضعها. والتعبير بأولي الألباب هنا فيه أهل العقول، وأن التذكر من شأن المسلمين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، .)2(فهم ممن تدبروا آياته فاستنبطوا من المعاني ما لم يعلموا وفي التعبير بأولي الألباب أيضًا إشارة إلى أن الإجلال والخشية الخاص بأكابر أهل العلم... فعلم أن المقصود من كلام الحق .)3(التفكر والتذكر، والاتعاظ به لا حفظ الألفاظ فقط .76) الفروق في اللغة1( .253/23) التحرير والتنوير2( .25/8) روح البيان للشيخ حقي3(

عدد الصفحات ٦٥